البلجيكي ديميتري فيرهولست يروي سيرة عائلته «الاشتراكية»

البلجيكي ديميتري فيرهولست يروي سيرة عائلته «الاشتراكية»

ترجمة عربية لرواية «التعساء»
الخميس - 8 شعبان 1441 هـ - 02 أبريل 2020 مـ رقم العدد [ 15101]
القاهرة: حمدي عابدين

تكشف رواية التعساء للكاتب البلجيكي ديميتري فيرهولست التي صدرت حديثًا بالقاهرة عن دار العربي للنشر والتوزيع تفاصيل قاع المجتمع البلجيكي من خلال أسرة بلجيكية تعيش تحت ظروف قاسية في منطقة فقيرة جدا، لا يوجد بها أي خدمات ولا أي نوع من الرفاهية يمكن الإشارة إليه، هذه الأسرة هي عائلة فيرهولست التي ينتسب إليها كاتب الرواية نفسه.
يستهل فيرهولست فصول روايته التي قدمت نسختها العربية المترجمة العمانية ريم داود بمقطع بالغ الدلالة على ما سوف يتابعه القارئ فيما يتوالى من فصول يتحدث فيها عن فكرة الامتلاك، وهشاشتها، وسعي بعض البشر لتكريس حياتهم لكل ما هو مزيف. لتنتهي غالبا إلى الفشل، وحتى عندما ينجح أحدهم فإن نجاحه لا يتعدى الشعرة. «شعرة واحدة تمثل ما لا يملكه شخص، وما لا يستطيع آخر الحصول عليه».
تقترب أحداث الرواية كثيرا من السيرة الذاتية للمؤلف. فهي تدور حول عائلة فقيرة تعيش في منزل، يتشاركون ساحته مع سكان آخرين، وهناك أمضى ديميتري، وهو اسم الطفل الذي يروي الأحداث، سنوات عمره الأولى مع والديه «كانت طلمبة المياه مشتركة، والمرحاض أيضا، والذي لا يخرج عن كونه فتحة في لوح خشبي فوق حوض عفن مباشرة، أما جدران غرفة المعيشة فقد امتلأت بماء يتسرب تحت سطحها. كانوا يكورون ورق الصحف ويسدُون به الفتحات التي خلفها نخر السوس في خشب إطارات النوافذ».
كانت أسرة ديميتري تتعامل مع هذه الأوضاع بفخر، فلطالما تحدّث أبوه عن مصاعب الحياة في ذلك المسكن بنوع من الزهو، لأن التطلع إلى حياة سهلة من وجهة نظره دليل على افتقاد الرجولة.
لا تسعى الأسرة أبداً لتغيير أوضاعها والبحث عن سبيل للتخلص من معاناتها، بل إنها تنتقل للعيش في وضع أكثر سوءاً وبؤساً ، ليتكرر المشهد نفسه «كان الحمّام في المنزل الجديد عبارة عن فتحة خشبية، وكان الماء يتسرب من السقف. وقد امتلأت أرضية المطبخ بالدّلاء لالتقاط المياه».
بالرغم من هذه الأجواء، تشيع روح السخرية في الرواية من كل شيء، بدءاً من الأهل مروراً بالحياة التي يعيشونها، والأماكن التي يتحركون فيها بوصفها فضاءات للأحداث، وحتى من أمراضهم. يقول ديميتري عن والده: «كان أبي اشتراكيا، وبذل مجهودات خارقة كي يثبت ذلك... لو أننا بالغنا في اقتصاد نفقاتنا مرّة، وعرّضنا أنفسنا لخطر وجود فائض من المال بحلول نهاية الشهر، كان يسارع بصرف المتبقي في حسابه المصرفي، ويحوله إلى خمر يشربه، حماية لنا من إغراءات الرأسمالية، لم تتحمل الأم هذه الأوضاع، وأثبتت مرّة تلو أخرى أنها، حسب تعبير الكاتب (بقرة برجوازية) منعها غرورها الزائد من انتعال الأحذية القديمة، المتهالكة، فتقدّمت بطلب للطلاق، بعد عشر سنوات من الزواج».
وحين غادرت، أخذت معها كل ما هو غير مثبت بمسامير، ما منح طليقها شعورا بالسعادة القصوى «أخيرا، لم تعد لديه أية ممتلكات، لا زوجة ولا أية قطعة أثاث أخرى، وانتقل بعدها إلى بيت أمّه العجوز، ثانية». لم يتوقف التهكم والسخرية من واقع أفراد الأسرة عند هذا الحد، بل إنهم راحوا ينظرون باستعلاء إلى أقربائهم الأغنياء الذين يوقفون سياراتهم الفاخرة أمام المنزل، حين يزورونهم في الإجازات، وهم يرتدون الملابس الغالية لدرجة تثير الاشمئزاز.
ويستعرض ديميتري في الرواية التي تمتد أحداثها على مدى 12 فصلا حياة الحانات التي يتحرك فيها أعمامه الثلاثة الذين انضم إليهم مع والده للعيش في بيت الجدة، ثم انضمام العمة الجميلة «روزي» إليهم في قرية بائسة تدعى «آرسينديجيم» بعد وفاة أبيها متأثرا بإصابته بالسرطان.
وتتوزع الأحداث في فصول الرواية التي يأخذ كل واحد منها عنوانا يجعله يصلح لأن يكون قصة قصيرة متكاملة بين حالات الفقد المادي والمعنوي، حيث يرحل الجد قبل تحقيق طموحه باختيار زوج لابنته الجميلة، ثم يلحق به والد ديميتري، أما باقي أشخاص الرواية فقد فقدوا حياتهم العاطفية وعاشوا وجودا مأساويا في بيت والدتهم بعد أن أضاعوا أي إمكانية لتحقيق شيء فيما عدا شرب الخمر ومواصلة الليل بالنهار في أجواء بائسة مزرية.
لم ينج أحد من هذا المصير الصعب حتى العمة «روزي» التي عادت للقرية، بعينين متورمتين يحيط بهما السواد، وبرأس منكس، هربا من زوج اختارته بنفسها، وراحت تقاسي معه مرارة الخيانة والإهانة.
يصف الروائي تفاصيل حياة دقيقة يعرفها تماما، فيتابع حركة الشخصيات التي عرفها وأفعالها وتصرفاتها التي تتسم بالعشوائية وقد تخرج عن حدود اللياقة في كثير من الأحيان. لكن المدهش في الأمر أنهم شعروا بالورطة عندما هبطت عليهم شقيقتهم روزي، التي كانت تعيش في العاصمة، فبدوا وكأنهم يحتاجون فجأة للاعتذار عمّا اعتادوا على فعله. وقد سيطر عليهم الحرج من طريقتهم في الاستلقاء أمام شاشة التليفزيون، وهم يدخنون، فضلا عن أرطال اللحم المفروم، التي يستهلكونها لرخص ثمنها، ويأكلونها نية لأن ذلك أسهل.
ولد فيرهولست، عام 1972 في بلجيكا، وله الكثير من الأعمال الأدبية الشهيرة، وقد حصلت «التعساء» على خمس جوائز أدبية منها «البومة الذهبية» عام 2007، و«هوموز جولدن بوكمارك» عام 2007، و«دي إن كتاب» عام 2008، و«فونديل لديفيد كولمر» عام 2013.


مصر كتب

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة