«كورونا» يقترب من دمشق وينشر الذعر بين سكانها

«الشرق الأوسط» تنقل تفاصيل التأهب... تموين بالغلاء رغم الفقر والبطالة

سوق الحميدية غاب عنه الباعة والمشترون (أ.ف.ب)
سوق الحميدية غاب عنه الباعة والمشترون (أ.ف.ب)
TT

«كورونا» يقترب من دمشق وينشر الذعر بين سكانها

سوق الحميدية غاب عنه الباعة والمشترون (أ.ف.ب)
سوق الحميدية غاب عنه الباعة والمشترون (أ.ف.ب)

ولد تفشي فيروس «كوفيد - 19» المتسارع رعباً كبيراً لدى الدمشقيين لتهديده إياهم بالموت بسبب تدهور القطاع الصحي في البلاد، أو جوعاً لاستغلال أبناء جلدتهم من التجار لهم، في وقت بدت مدينتهم مذعورة أيضاً. حيث أغلقت أسواقها وخلت من روادها في مشهد لم يمر مثله على السوريين قط.
الرعب الكبير لدى الغالبية العظمى من أهل العاصمة السورية من «كورونا» المستجد، يدفعهم رغم فقرهم إلى التدفق في ساعات النهار المسموح بها بالتجول نحو الأسواق للتزود أولاً بالمعقمات على أمل تفادي الإصابة، ومن ثم بمواد غذائية وخضراوات، بحسب ما تسمح لهم إمكانياتهم المادية.

من ذعر القصف إلى رعب الوباء
«مكتوب علينا الشقاء. مكتوب علينا ألا نرتاح»، عبارات رددتها ربة منزل وهي تسير على عجل وسط أعداد كبيرة من الناس متوجهة إلى السوق وتتحاشي الاقتراب من بعضها بعضاً، وذلك في إجابتها على سؤال حول الوضع في البلاد مع الإجراءات الوقائية المتخذة لمواجهة انتشار الفيروس الذي اجتاح دول العالم.
السيدة وبصوت خافت مع محاولات عديدة لحبس دموعها، تصف لـ«الشرق الأوسط» الوضع بـالنسبة للدمشقيين وكل السوريين بـ«الصعب جداً»، وتقول: «كل المصائب تراكمت عليهم من حرب وعقوبات وغلاء وحالياً فيروس كورونا»، مشيرة إلى أن فرحة الدمشقيين بانتهاء القتال في العاصمة ومحيطها لم تكتمل حتى وجدوا أنفسهم وسط حرب جديدة أشد وأعتى يشنها عليهم «كوفيد - 19».
وتقول: «كل يوم نسمع عن إصابات، وكل يوم يزداد الخوف. من نجا من الحرب يبدو أنه سيموت بـ(كورونا)».
وتوضح السيدة، أنه و«أثناء الحرب في العاصمة ومحطيها كانت الناس تحتمي بالمنازل أثناء القصف، وبعضهم كان يهرب إلى مناطق آمنة، وربما بذلك نجا كثيرون من الموت، ولكن الآن إصابة أي شخص قد تحصل في أي لحظة وقد تأتيه من ابنه، من قريبه، من جاره، والناس لا تعرف ماذا تفعل».
يذكر أن الحرب في سوريا التي دخلت عامها العاشر تسببت، بحسب إحصاءات منظمات دولية وحقوقية بمقتل نحو 400 ألف شخص، بينما تقدر دراسات ومراكز أبحاث أعداد القتلى بأكثر من نصف مليون. كما أدت إلى تشريد وتهجير أكثر من نصف السكان داخل البلاد وخارجها ودمّرت البنى التحتية واستنزفت الاقتصاد وأنهكت القطاعات المختلفة، منها القطاع الصحي.
ومع الانتشار المتسارع للفيروس في دول العالم، اتخذت الحكومة السورية إجراءات وصفتها بـ«الاحترازية» لمواجهة الفيروس كان آخرها منع التنقل بين مراكز المحافظات وأريافها اعتباراً من يوم أمس، بعد حظر التجول الليلي، ووقف وسائل النقل العام وإغلاق المدارس والجامعات والحدائق العامة والمقاهي والمسارح والصالات الرياضية والأسواق ودور العبادة، إضافة إلى إغلاق المؤسسات الرسمية وتقليل عدد الموظفين فيها، وبيع الخبز عبر المعتمدين والسيارات في الأحياء بعد إيقاف بيعه للناس مباشرة من الأفران لمنع حصول حالات ازدحام يمكن أن تكون السبب في انتقال الفيروس.

تموين رغم الفقر
وعلى غرار ما تشهده عموم الأسعار من ارتفاع متواصل منذ بداية الحرب في البلاد قبل تسع سنوات، ترافق جائحة «كورونا»، مع موجة تحليق جنونية جديدة وتتصاعد يومياً وفي كل ساعة وفاقت نسبتها حتى الآن ضعفي ما كانت عليه قبل انتشاره، وترافقت مع انخفاض جديد لسعر صرف الليرة السورية أمام الدولار ووصوله إلى 1350 ليرة بعد أن كان قبلها نحو ألف. وما بين 45 و50 ليرة قبل الحرب التقليدية.
ويلاحظ أن موجة الغلاء الجديدة أكثر ما طالت أسعار الخضراوات والفواكه، والمواد الغذائية، حيث يصل سعر كيلو الخيار إلى ألف ليرة بعد أن كان بـ300، والبرتقال إلى 800 ليرة بعد أن كان بـ200، والبصل إلى ألف بعد أن كان بـ350، بينما يبلغ سعر كيلو الرز الوسط (مصري) 900 ليرة بعد أن كان بنحو 350 ليرة.
لم ينكر مالك إحدى البقالات أن البعض من باعة المفرق يعمدون إلى استغلال إقبال الناس الكبير على التزود بالمواد الغذائية خوفاً من فقدانها في الأسواق بسبب الأوضاع الجارية، لكنه يؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أن السبب الرئيسي في هذا الغلاء هم كبار التجار الذين يعتبرون المصدر الأساسي لهذه المواد، ويقول: «منذ إعلان الحكومة عن الإجراءات الاحترازية تتناقص الكميات بشكل يومي، ولدى الإلحاح عليهم لتزويدنا بها ندخل معهم في بازار ينتهي بسعر جديد، وهذا الأمر باتت مسلسلاً يومياً».
الكثير من المواطنين يروون لـ«الشرق الأوسط» معاناتهم من جراء ارتفاع الأسعار، ويؤكد أحدهم، أن «سعر السلعة لم يعد يتغير كل يومين أو كل يوم بل كل ساعة»، بينما تصف إحدى السيدات ما يقوم به التجار تجاه الناس في ظل هذه الأزمة بـ«الظلم الكبير»، وتقول: «انعدمت الرحمة لديهم، انعدمت الإنسانية. هذا إن كان لديهم إنسانية بالأصل»، وتضيف: «هذا تجويع متعمد للناس التي باتت معدمة للغاية».
ووفق دراسات ومراكز أبحاث بات أكثر من ثمانين في المائة من السوريين تحت خط الفقر، وانتشرت البطالة بشكل كبير في البلاد، وتزايدت ظاهرة التسول، وسط تراجع كبير في العمل الخيري.

تقصير طبي
لم يقتصر الاحتكار على المواد الغذائية بل شمل أيضاً الأدوية وحليب الأطفال والمواد المعقمة، وفق مصادر طبية تحدثت لـ«الشرق الأوسط» وتقول: «بتنا كلما نطلب نوعاً من الأدوية أو المعقمات ترد الشركة المصنعة بأنه غير موجود»، وتضيف: «بعض الأنواع فعلاً موادها الأولية مفقودة، ولكن الأخرى موجودة إلا أنهم يريدون رفع سعرها على ما يبدو».
رسمياً أعلنت الحكومة عن خمس إصابات بالفيروس من دون الإعلان عن أي حالة وفاة، وسط تشكيك من قبل كثيرين بأن الأرقام أكبر من ذلك، بينما تؤكد المصادر الطبية السابقة، أن النظام الصحي في مناطق سيطرة الحكومة متدهور وغير مؤهل بالمطلق لاستقبال أعداد كبيرة من الإصابات، وتلفت إلى أنه وفي حال حدوث ذلك فإن «المحسوبيات والواسطة ستلعب دورها في عملية العلاج!»، وهو أسلوب يتم العمل به في معظم المشافي منذ فترة ما قبل الحرب وتفاقم خلال سنواتها.
وبينما تشير تقارير إلى أنه يوجد في سوريا بأكملها فقط 12 ألف سرير في المستشفيات ووصل إلى البلاد منذ أيام قليلة ألف جهاز اختبار، يذكر تقرير داخلي للأمم المتحدة وبحث أعده «برنامج أبحاث النزاعات» التابع لكلية لندن للاقتصاد الممول من الخارجية البريطانية، أن العدد الأقصى لحالات الإصابة بالفيروس التي يمكن خضوعها للعلاج في سوريا يصل إلى 6500 حالة، ويضيف: «بمجرد تجاوز عدد الحالات المسجلة العدد المذكور البالغ 6500 حالة من المتوقع انهيار نظام الرعاية الصحية مع الحاجة اللازمة لاتخاذ القرارات الترشيدية مع توقعات بارتفاع المعدل الإجمالي للوفيات بما لا يقل عن نسبة 5 في المائة بين الحالات المصابة».

فقدان لمصادر الرزق
الإجراءات الاحترازية لمواجهة الوباء أدت إلى فقدان الكثيرين من العاملين لمصدر رزقهم، ويوضح سمير، وهو شباب في العقد الثالث ولديه طفلان لـ«الشرق الأوسط»، أنه ومع إغلاق ورشة الخياطة التي كان يعمل فيها بعد الإجراءات الحكومية الاحترازية، وتوقف راتبه الشهري يجد نفسه في حيرة في كيفية تدبر مصروف العائلة. ويقول: «البعض من أرباب الورش لديهم رحمة وسيواصلون دفع أجور العمال، لكن الغالبية ليس لديهم رحمة، وأنا ومثلي كثيرون عندما نعمل نأكل وعندما لا نعمل لا نأكل».

الشاب يبدي تخوفاً كبيراً من أن تطول فترة الإجراءات الاحترازية، ويؤكد أن ما يدخره من مال «بالكاد يكفي العائلة مدة أسبوعين أو ثلاثة»، ويقول: «لا أعرف ماذا أفعل، والمصيبة أن غالبية الناس حالياً تتحسب للأيام القادمة، وباتت ترفض إقراض بعضها البعض»، ويضيف: «قد تكون منيتنا أن نموت من الجوع، أو بـ(الكورونا) الذي لا نملك ثمن معقمات تحمينا منه».
ولم يفلح قرار إيقاف الأفران بيع مادة الخبز بشكل مباشر للناس في إنهاء حالات الازدحام، حيث باتت الحشود تتجمع أمام محال المعتمدين وسيارات التوزيع، بينما نشرت صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو تظهر العشرات من الشباب والأطفال يركضون وراء السيارات للحصول على ربطة خبز (سبعة أرغفة)، والتي وصل ثمنها في السوق السوداء إلى 600 ليرة، على حين يبلغ سعرها الحكومي 50 ليرة.
ومع إعلان الحكومة منع التنقل بين مراكز المحافظات وأريافها، بات كثير من السوريين في مناطق سيطرة الحكومة يتندرون على مواقع التواصل الاجتماعي بالإعلان عن لائحة أسعار لتهريب الأشخاص من حارة إلى حارة ومن مدينة إلى أخرى ومن محافظة إلى أخرى، في إشارة إلى ظاهرة الرشوة المتفشية بشكل كبير في مناطق سيطرة الحكومة.

الرعب والذعر من «كوفيد - 19» لم يشمل الأشخاص فقط، بل انسحب على المشهد العام لمدينة دمشق، حيث أغلقت المحال التجارية في أسواقها القديمة والعريقة وأبرزها «الحميدية» و«الحريقة» و«الطويل» والحديثة مثل «الحمراء» و«الصالحية»، وبدت فارغة من روادها في مشهد لم يمر مثله على السوريين قط، بينما يقول لـ«الشرق الأوسط» أحد أصحاب المحال التجارية: «مو بس البشر مرعوبة من (كورونا)، حتى الحجر مرعوب».
وفي ساعات فرض حظر التجول الممتدة من الساعة السادسة مساء وحتى السادسة صباحاً تبدو الشوارع خالية إلا من دوريات الشرطة وعدد نادر من المخالفين والمصرح لهم بالتجول، حيث يقوم عناصر الشرطة بالتحقق من هوياتهم والتأكد إن كانوا من المصرح لهم بالخروج في هذه الفترة أم لا، حيث يتم تنظيم ضبوط بحق المخالفين.


مقالات ذات صلة

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)
صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

التطعيم يحمي الأم ووليدها

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)

مصر لتقنين أوضاع المدارس السودانية بعد أزمات إغلاقها

وزير التعليم المصري خلال استقبال نظيره السوداني بالقاهرة (وزارة التعليم المصرية)
وزير التعليم المصري خلال استقبال نظيره السوداني بالقاهرة (وزارة التعليم المصرية)
TT

مصر لتقنين أوضاع المدارس السودانية بعد أزمات إغلاقها

وزير التعليم المصري خلال استقبال نظيره السوداني بالقاهرة (وزارة التعليم المصرية)
وزير التعليم المصري خلال استقبال نظيره السوداني بالقاهرة (وزارة التعليم المصرية)

أعلنت الحكومة المصرية، استعدادها لتقنين أوضاع المدارس السودانية على أراضيها، بعد أزمة إغلاقها منذ عدة أشهر، وسط شكاوى متكررة من الجالية السودانية بالقاهرة.

وأكد وزير التربية والتعليم المصري محمد عبد اللطيف، «استعداد بلاده لتقديم الدعم الكامل للسودان في عدد من المجالات التعليمية؛ من بينها تطوير المناهج، ونظم التقييم والامتحانات والتعليم الفني»، وشدد خلال استقباله نظيره السوداني التهامي الزين، الثلاثاء، على «حرص القاهرة على تعزيز أطر التعاون المشترك وتبادل الخبرات بما يخدم مصلحة الطلاب السودانيين».

وناقش وزيرا التعليم المصري والسوداني، «سبل تعزيز التعاون المشترك في تطوير المنظومة التعليمية وتبادل الخبرات، بما يسهم في الارتقاء بجودة التعليم»، حسب إفادة لوزارة التعليم المصرية.

وخلال اللقاء، أكد وزير التعليم المصري «استعداد بلاده لتقنين أوضاع المدارس السودانية في مصر، بما يعزز التعاون المشترك وتبادل الخبرات».

وفي يونيو (حزيران) من عام 2024، أغلقت السلطات المصرية المدارس السودانية العاملة في مصر، لحين توفر الاشتراطات القانونية لممارسة النشاط التعليمي، وشملت إجراءات الإغلاق مدرسة «الصداقة» التي دشنتها السفارة السودانية بالقاهرة في عام 2016، ومدارس خاصة، قبل أن تعلن السفارة السودانية، استئناف الدراسة في مدرسة «الصداقة» مرة أخرى، بداية من ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وطالبت السلطات المصرية وقتها، من أصحاب المدارس السودانية العاملة بمصر، الالتزام بثمانية شروط لتقنين أوضاع المدارس المغلقة، وتضمنت وفق إفادة للملحقية الثقافية بالسفارة السودانية، «موافقة من وزارتي التعليم والخارجية السودانية، وموافقة من الخارجية المصرية، وتوفير مقر للمدرسة في جميع الجوانب التعليمية مصحوباً برسم تخطيطي لهيكل المدرسة، وإرفاق البيانات الخاصة لمالك المدرسة، مع طلب من مالك المدرسة للمستشارية الثقافية بالسفارة السودانية، وملف كامل عن المراحل التعليمية وعدد الطلاب المنتظر تسجيلهم بالمدرسة».

وبسبب الحرب السودانية، فرّ نحو مليون و200 ألف سوداني، إلى مصر، حسب إحصائيات رسمية، إلى جانب آلاف آخرين من الذين يعيشون فيها منذ سنوات.

محادثات بين وزير التعليم المصري ونظيره السوداني بالقاهرة الثلاثاء (وزارة التعليم المصرية)

ويعد تقنين أوضاع المدارس السودانية، خطوة إيجابية سيستفيد منها كثير من الأسر المقيمة بمصر، وفق رئيس لجنة العلاقات الخارجية بـ«جمعية الصداقة السودانية - المصرية»، محمد جبارة، الذي قال إن «المحادثات بين وزيري التعليم المصري والسوداني، تعكس موافقة على استئناف الدراسة في بعض المدارس السودانية التي قننت أوضاعها، وفق مواصفات التعليم بمصر».

وفي وقت سابق، أعلنت السفارة السودانية، عن قيام «لجنة من وزارة التعليم المصرية بزيارة بعض المدارس السودانية المغلقة، لمراجعة البيئة المدرسية، والتأكد من توافر اشتراطات ممارسة النشاط التعليمي»، وشددت في إفادة لها لأصحاب المدارس على «الالتزام بتقديم كل المستندات الخاصة بممارسة النشاط التعليمي، وفق الضوابط المصرية».

ويرى جبارة، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «عودة الدراسة بالمدارس السودانية ستعالج كثيراً من إشكاليات كانت تواجهها الأسر السودانية بمصر»، وقال إن «هناك عدداً من المدارس السودانية التي كانت عاملة في مصر، بدأت في العودة للسودان مرة أخرى، مع تزايد رحلات العودة الطوعية»، عاداً ذلك «سيعزز من فرص التعاون بين القاهرة والخرطوم في المجال التعليمي».

وخلال اللقاء، دعا وزير التعليم السوداني، إلى «تعزيز التعاون مع الجانب المصري في جهود إعمار وتطوير المؤسسات التعليمية في السودان»، وأكد أهمية «الاستفادة من التجربة المصرية الناجحة في التعليم، خاصة نموذج الشراكة مع الجانب الياباني»، حسب «التعليم المصرية».

ويأتي التعاون التعليمي بين مصر والسودان، بوصفه من أبرز ثمار الزيارات واللجان المشتركة بين البلدين، وفق مدير وحدة العلاقات الدولية بـ«المركز السوداني للفكر والدراسات الاستراتيجية»، مكي المغربي، الذي قال إن «ملف التعليم والمدارس السودانية، كان أحد الملفات التي جرت مناقشتها في زيارة رئيس وزراء السودان، كامل إدريس للقاهرة، نهاية شهر فبراير (شباط) الماضي».

ويرى المغربي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «استئناف الدراسة في المدارس السودانية لا يتعارض مع برامج العودة الطوعية التي تهتم بها الحكومة السودانية»، مشيراً إلى أن «هناك كثيراً من الأسر السودانية، ارتبطت بجدول دراسي لأبنائها داخل مصر، ومن ثمّ فإن استئناف الدراسة بالمدارس، سيعالج كثيراً من إشكاليات أعضاء الجالية».

واتفق وزيرا التعليم المصري والسوداني، على «تشكيل لجنة مشتركة من الوزارتين، تتولى مناقشة مختلف مجالات التعاون»، إلى جانب «وضع آليات تنفيذها بشكل عملي، ومتابعة وتقييم ما يتم إنجازه، بما يضمن سرعة البدء في التنفيذ وتحقيق النتائج المستهدفة»، حسب بيان وزارة التعليم المصرية.


تحركات مصرية لدفع المفاوضات بين واشنطن وطهران

لقاء وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا في الرياض فجر الخميس (الخارجية المصرية)
لقاء وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا في الرياض فجر الخميس (الخارجية المصرية)
TT

تحركات مصرية لدفع المفاوضات بين واشنطن وطهران

لقاء وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا في الرياض فجر الخميس (الخارجية المصرية)
لقاء وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا في الرياض فجر الخميس (الخارجية المصرية)

واصلت مصر تحركاتها المكثفة لدفع المفاوضات بين واشنطن وطهران، تزامناً مع حديث أميركي عن تلقي إيران نقاطاً للبحث عبر وسطاء. وأكد خبراء لـ«الشرق الأوسط» أن «القاهرة تسعى لتقريب وجهات النظر، والوصول إلى اتفاق عادل مستدام يراعي مصالح أطرافه، ويحفظ أمن الخليج».

وأجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالات هاتفية، الاثنين، مع نظرائه في السعودية وسلطنة عمان والإمارات وتركيا وباكستان وفرنسا وقبرص، إضافة إلى ستيف ويتكوف المبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط.

وصرح السفير تميم خلاف، المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية، في بيان صحافي، بأن «هذه الاتصالات المكثفة تأتي في إطار حرص مصر على مواصلة التنسيق والتشاور مع الأشقاء العرب، ومع الشركاء الإقليميين والدوليين إزاء التطورات الأمنية المتسارعة التي تشهدها المنطقة، وبحث سبل احتواء التصعيد العسكري الجاري»، مؤكداً أن من شأن هذا التصعيد واتساع نطاقه ورقعته «أن يجر الإقليم بأكمله إلى فوضى شاملة غير محسوبة العواقب تضر بالسلم والأمن الإقليميين والدوليين».

وأضاف خلاف أن «الاتصالات تناولت المفاوضات المحتملة بين الجانبين الإيراني والأميركي في ضوء مبادرة الرئيس دونالد ترمب الأخيرة، والجهود المبذولة من جانب عدد من الأطراف الإقليمية في المنطقة من بينها مصر، لدفع المسار الدبلوماسي والتفاوضي بوصفه السبيل الوحيد لتفادي الفوضى الشاملة في المنطقة». وقال إن «لغة الحوار هي الضمان الحقيقي لتجنيب المنطقة مخاطر اتساع رقعة الصراع، وصون مقدرات شعوبها».

وشدد وزير الخارجية المصري خلال اتصالاته مجدداً على «الإدانة الكاملة للاعتداءات الإيرانية التي تستهدف دول الخليج، وعدم تبريرها بأي ذرائع واهية، وضرورة وقفها بشكل فوري»، وأكد «أهمية تضافر جميع الجهود لخفض التصعيد، ودعم مصر الكامل وانخراطها الإيجابي مع جميع المبادرات والمساعي الهادفة لتحقيق التهدئة وإنهاء الحرب».

وفي سياق متصل، نقلت شبكة «سي بي إس» الأميركية عن مسؤول رفيع في «الخارجية الإيرانية» قولَهُ، إنّ بلاده تلقّت نقاطاً للتفاوض، من الولايات المتحدة عبرَ وسطاء، مشيراً إلى أنّ «هذه النقاط قيد الدراسة».

ووفق ما نشره موقع «أكسيوس» الأميركي، الاثنين، فإن «مصر وتركيا وباكستان نقلت رسائل متبادلة بين الولايات المتحدة وإيران، حيث أجرى مسؤولون من الدول الثلاث اتصالات منفصلة مع مبعوث البيت الأبيض ستيف ويتكوف، ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي».

وأوضح مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير محمد حجازي لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ضوء تصاعد خطورة الوضع الراهن على كل دول المنطقة والعالم وما تعرضت له سلاسل الإمداد العالمية تحركت عدة دول، ومن بينها مصر وباكستان وتركيا، من أجل وقف التصعيد وتجنيب المنطقة ويلات المزيد من التصادم والفعل ورد الفعل بضرب البنية التحتية».

وقال إن «مصر تستغل درجة المصداقية التي تتمتع بها لدى طهران وواشنطن في التحرك، ونقل رسائل مهمة تركز على الدعم الدبلوماسي والسياسي والمادي لدول الخليج باعتبار أمن الخليج جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي العربي، والتأكيد على ضرورة وقف التصعيد».

وأضاف حجازي أن مصر والوسطاء «نقلوا رسائل مهمة لمد جسور التفاهم بين طرفي النزاع، وخفض التصعيد، والتأكيد على أنه ما كان يجب الانخراط في هذه المواجهة التي أدت تفاقم الوضع، وقد تخلف إذا استمرّت، الكثير من الضغائن»، مشيراً إلى أن «مصر تسعى لتقديم مقترحات تراعي مصالح الجميع، وتسمح لكل طرف بالخروج من المعركة، وتجنب المزيد من الخسائر». وقال: «القاهرة تسعى لاتفاق عادل مستدام يراعي مصالح أطرافه، وينهي التصعيد الحالي، ويحمي أمن الخليج».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره الباكستاني محمد إسحاق دار في باكستان (الخارجية المصرية)

وأجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي جولة خليجية ضمت السعودية وقطر والإمارات والبحرين أعقبت جولة خليجية مماثلة لوزير الخارجية بدر عبد العاطي، تم خلالها التأكيد على أن «أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري والعربي».

وكان الرئيس المصري قد أكد خلال اتصال هاتفي خلال الشهر الحالي مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، بحسب إفادة رسمية للرئاسة المصرية.

بدوره، أكد عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية السفير رخا أحمد حسن، أن «مصر تلعب دوراً رئيسياً في الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب كل من تركيا وباكستان»، مشيراً إلى أن «القاهرة تريد أولاً احتواء التصعيد وصولاً لوقف إطلاق النار».

وأضاف حسن لـ«الشرق الأوسط»، أن «هناك كثيراً من الشكوك لدى الطرفين، ومصر والوسطاء يحاولون بما لديهم من مصداقية لدى واشنطن وطهران، التوفيق بين وجهات النظر من أجل الوصول إلى اتفاق ينهي الحرب الحالية»، مشيراً في هذا الصدد، إلى اتصال السيسي وبزشكيان الذي أعربت فيه مصر عن استعدادها للوساطة.

ولم يستبعد حسن ألا تختلف «البنود المقترحة عن تلك التي سبق طرحها في المفاوضات التي جرت قبل الحرب بين الطرفين»، لكنه شكك في «جدية الطرح الأميركي الأخير في ظل استمرار الهجمات الإسرائيلية».

وقال: «الأيام ستكشف إلى أي مدي ستنجح الضغوط الدولية والوضع الاقتصادي العالمي المتأزم في إقناع ترمب وحليفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لوقف الحرب».

وتواصلت الغارات الأميركية والإسرائيلية على إيران والهجمات الصاروخية الإيرانية على إسرائيل، الثلاثاء، رغم إعلان الرئيس ترمب، الاثنين، عبر منصته «تروث سوشيال» أنه سينتظر 5 أيام أخرى قبل تنفيذ الضربات التي هدّد بشنّها على محطات كهرباء وبنى تحتية أخرى في إيران إن لم تفتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة، مشيراً إلى مفاوضات «جيدة جداً» مع مسؤول إيراني رفيع لم يسمه.

وأوضح ترمب، في تصريحات صحافية، أن الجانبين توصلا إلى نحو 15 نقطة اتفاق. وقال: «أعتقد أن هناك فرصة كبيرة جداً للتوصل إلى اتفاق».


اجتماع وزاري عربي مرتقب يناقش تداعيات الهجمات الإيرانية والتصعيد الإقليمي

اجتماع سابق لوزراء الخارجية العرب (الجامعة العربية)
اجتماع سابق لوزراء الخارجية العرب (الجامعة العربية)
TT

اجتماع وزاري عربي مرتقب يناقش تداعيات الهجمات الإيرانية والتصعيد الإقليمي

اجتماع سابق لوزراء الخارجية العرب (الجامعة العربية)
اجتماع سابق لوزراء الخارجية العرب (الجامعة العربية)

تترأس البحرين، يوم الأحد المقبل، اجتماع الدورة العادية الـ165 لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية. وقال مصدر دبلوماسي عربي لـ«الشرق الأوسط» إن «الاجتماع سيعقد عن بعد عبر الاتصال المرئي، وسيركز على بند واحد هو الاعتداءات الإيرانية على الأراضي العربية».

وأوضح المصدر، الذي رفض الكشف عن هويته، أن «الاجتماع سيبحث اتخاذ موقف عربي واحد إزاء الاعتداءات الإيرانية على الأراضي العربية على غرار الاجتماع الطارئ الذي عقده وزراء الخارجية العرب أخيراً، للسبب نفسه».

وكان وزراء الخارجية العرب أدانوا، في اجتماع طارئ يوم 8 مارس (آذار) الجاري، اعتداءات طهران على دول عربية، وأكدوا تأييد جميع الإجراءات التي تتخذها تلك الدول، بما في ذلك خيار الرد على الاعتداءات. ودعا الوزراء، في الاجتماع الذي عقد بتقنية الاتصال المرئي، طهران إلى الوقف الفوري للهجمات العسكرية العدوانية، ووقف جميع الأعمال المتعلقة بإغلاق مضيق هرمز.

وأشار الدبلوماسي العربي إلى أن «الاجتماع يأتي في سياق الاجتماعات الدورية لمجلس الجامعة العربية على المستوى الوزاري، وكان من المفترض أن يتضمن جدول أعماله عدداً من الموضوعات المتعلقة بالعمل العربي المشترك، لكن حساسية الظرف الراهن دفعت إلى تأجيل مناقشة كل الملفات والاقتصار على ملف الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية».

وقال إن «المناقشات التحضيرية بشأن الاجتماع خلصت إلى أن وجود أكثر من موضوع على جدول الأعمال سيسحب التركيز من الموضوع الرئيسي وهو اعتداءات إيران، لذا كان القرار بتأجيل الملفات الاعتيادية، والاكتفاء بملف واحد مركزي».

وكان من المنتظر أن يناقش الاجتماع التحضير للقمة العربية المقبلة.

وفي هذا الصدد، قال المصدر الدبلوماسي إن «من المفترض أن يتم خلال الاجتماع الاتفاق على موعد القمة المقبلة، لكن الظرف الراهن يجعل من الصعب الاتفاق على موعد محدد».

من اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري في 8 مارس 2026 (الخارجية المصرية)

وأجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالات هاتفية مع نظرائه في البحرين والأردن والعراق، تناولت التحضيرات الجارية لانعقاد الاجتماع.

وأكدت الوزارة في بيان «أهمية إطلاق موقف عربي موحد في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية المشتركة والتصعيد الخطير الذي تشهده المنطقة».

بدوره، عوّل المحلل السياسي الدكتور عبد المنعم سعيد على الاجتماع الوزاري «للوصول إلى رؤية عربية موحدة إزاء التعامل مع الوضع الراهن». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الوضع يتحرك ويتطور بصورة متسارعة... وفي ظل موقف أميركي مرتبك، من المهم عقد مشاورات عربية لتحديد الموقف تجاه الوضع الراهن».

واقترح سعيد «تشكيل مجموعة عمل عربية للتفكير فيما سيكون عليه الموقف مستقبلاً في مواجهة المشروعين الإيراني والإسرائيلي، اللذين يتصادمان على الأرض العربية». وقال إنه «يمكن عقد اتفاقات ثنائية في الإطار العربي لتعزيز التعاون في مواجهة أي عدوان».

وكان المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير تميم خلاف، رجّح في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط» أن «تطرح القاهرة قضية الترتيبات الإقليمية الجديدة، في الاجتماع الوزاري العربي، ضمن التوجه المصري الهادف إلى احتواء التصعيد بالمنطقة». وقال إن هناك أولوية مصرية «لوضع تصور شامل لتلك الترتيبات لما بعد الحرب الإيرانية».

وسبق أن تحدث وزير الخارجية عبد العاطي عن «ضرورة بلورة مفهوم عملي للأمن الجماعي العربي والإقليمي، ووضع آليات تنفيذية له». وأشار خلال محادثات مع نظيره السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، في الرياض، منتصف الشهر الحالي، إلى أن «الشروع في وضع ترتيبات أمنية في الإطار الإقليمي سواء بالجامعة العربية، أو بالتعاون مع أطراف إقليمية غير عربية، ضرورة استراتيجية ملحة للتعامل مع التحديات غير المسبوقة التي تستهدف سيادة الدول العربية».