الأمن... تحدٍّ جديد يواجه روما ومدريد في مكافحة «كوفيد ـ 19»

الأمن... تحدٍّ جديد يواجه روما ومدريد في مكافحة «كوفيد ـ 19»

الاستخبارات الإيطالية حذّرت من «أعمال تمرد» وعنف في الأقاليم الجنوبية
الأحد - 4 شعبان 1441 هـ - 29 مارس 2020 مـ رقم العدد [ 15097]
جنود ينتشرون في شوارع مدينة ليون الإسبانية أمس (إ.ب.أ)
مدريد: شوقي الريّس

عندما اقتربت عقارب الساعة من العاشرة ليلاً يوم الخميس الماضي في بروكسل، وبعد ست ساعات من النقاش المتواصل والمتوتر بين قادة الاتحاد الأوروبي في القمة الاستثنائية التي عُقدت عبر الفيديو، لمناقشة الاقتراح الذي تقدمت به بلدان الجنوب لاعتماد خطة مشتركة للإنقاذ من تداعيات جائحة «كوفيد- 19»، توجه رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانتشيز إلى المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التي كانت تعترض على فكرة إصدار «سندات كورونا»، وتصر على ربط اللجوء إلى صندوق الإغاثة بشروط قاسية، وقال لها: «هذا غير مقبول على الإطلاق في الظروف الراهنة يا أنجيلا... ألا تدركون فداحة الوضع الذي نعيشه؟».

ردت عليه المستشارة الألمانية بانزعاج واضح، وقالت: «بيدرو، كيف تقول إننا لا ندرك ذلك؟!»، ليعقب رئيس الحكومة الإيطالية جوزيبي كونتي على ردها بقوله: «أعتقد أنكم لا تدركون حق الإدراك»، بينما كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يومئ موافقاً على كلام الرئيسين الإسباني والإيطالي.

هذه الصورة التي نقلها مصدر دبلوماسي عن أجواء القمة الأوروبية، والتي تعكس التعثر الذي يتخبط فيه الاتحاد الأوروبي في مواجهة أخطر أزمة يمر بها منذ تأسيسه، ترسم أيضاً الإطار المأساوي الذي تندرج ضمنه هذه الأزمة في إسبانيا وإيطاليا؛ حيث يشكل عدد الوفيات الناجمة عن الإصابة بالفيروس ثلاثة أرباع الوفيات في أوروبا، وأكثر من نصفها في العالم. وقد شاءت الصدف المؤلمة أن يتزامن فشل القمة الأوروبية في الاتفاق على خطة مشتركة لمواجهة الأزمة، مع تحطيم الأرقام القياسية لعدد الوفيات اليومية في إيطاليا؛ حيث قارب الألف وتجاوز 800 أمس في إسبانيا.

الشعور السائد في الحالتين الإيطالية والإسبانية، أن السلطات والأجهزة المعنية بإدارة الأزمة قد استنفدت كل قدراتها، واستنجدت بكل الأطراف الخارجية الممكنة، ولم يعد أمامها سوى المراهنة على قدرات الأنظمة والطواقم الصحية التي تتحمل العبء الأكبر في مواجهة الأزمة، وعلى الصمود المعيشي والاقتصادي والنفسي للمواطنين الذين يقفون على عتبة المجهول، بانتظار فرج لا أحد يعرف متى ومن أين سيأتي.

كل يوم تعلن إسبانيا قبيل انتصاف النهار أعداد الإصابات والوفيات الجديدة التي تكشف عنها إيطاليا في السادسة من كل مساء، بينما تتوالى الأنباء عن المعاناة الشديدة للطواقم الصحية التي بلغت نسبة المصابين في صفوفها 14 في المائة في إيطاليا، و169 في المائة في إسبانيا من مجموع الإصابات.

في المستشفيات الإسبانية، وبخاصة في العاصمة التي تسجل أكثر من نصف الوفيات، يقاسي الأطباء والممرضون ظروفاً تراجيدية بسبب من الاكتظاظ ونقص أجهزة العلاج ومعدات الوقاية، واضطرارهم في معظم الأحيان للمفاضلة في العناية بين المرضى، وتبدية الأصغر سناً والأوفر صحة على الحالات الأصعب.

ثلث الوفيات العالمية التي نجمت حتى الآن عن «كوفيد- 19» وقع في إيطاليا التي باتت تعرف أنها لن تستطيع الاعتماد سوى على نفسها، بعد انتشار الوباء في جميع أنحاء العالم. وبينما لا تزال الأجهزة الصحية تنتظر انحسار الإصابات وتراجع عدد الوفيات في المناطق الشمالية، تخشى السلطات حدوث موجة واسعة من التفشي في الجنوب، الذي بدأت تظهر عليه عوارض أزمة معيشية وأمنية، ناجمة عن الشلل الذي أصاب العجلة الاقتصادية.

ومع تكاثر حوادث السطو والهجوم على أسواق المواد الغذائية في عدد من مدن الجنوب، مثل باليرمو ونابولي، أُفيد بأن جهاز المخابرات الداخلية رفع تقريراً إلى رئيس الوزراء يحذر من اضطرابات اجتماعية وأعمال تمرد، عفوية ومنظمة؛ خصوصاً في الأقاليم الجنوبية التي تسجل أعلى نسبة من البطالة والاقتصاد غير المنظم، وحيث تنشط المافيا التي سبق أن استغلت أزمة عام 2008 لنشر شبكة واسعة تمارس الربا في الأوساط التي فقدت مصادر دخلها.

ومنذ أسابيع، تشهد مدن عديدة في الجنوب حوادث سطو يومياً على محلات الأغذية والصيدليات، وظهرت مجموعات منظمة على وسائل التواصل الاجتماعي تدعو إلى التمرد واقتحام أسواق المواد الغذائية، على غرار ما حصل مؤخراً في بعض المدن الإسبانية. وأفادت بلدية باليرمو بأن أكثر من 2500 عائلة تحصل على مساعدات غذائية منذ بداية الأزمة بعد أن فقدت مصادر رزقها.

وتجدر الإشارة إلى أن إيطاليا التي تحتل اليوم المرتبة الأولى بين الدول الأكثر تضرراً من جائحة «كوفيد- 19»، دخلت هذه الأزمة من باب المركز الأول بين دول الاتحاد الأوروبي من حيث الفوارق الاجتماعية. وكان البابا فرنسيس في صلاته يوم الجمعة من ساحة القديس بطرس الخاوية، قد أشار إلى أن «الناس جائعة، وبدأت تظهر على المجتمع في بعض المناطق عوارض ما بعد الجائحة».

ومع تفاقم الوضع الصحي، وازدياد الضغط على البنية الاقتصادية والاجتماعية، دعا رئيس الجمهورية سرجيو ماتاريلا الشركاء الأوروبيين إلى «التحرك بسرعة قبل فوات الأوان أمام هذه الصفحة الحزينة من تاريخ القارة»، وحذر من أن هذه الأزمة باتت تشكل خطراً على النظام الديمقراطي.


إيطاليا إيطاليا أخبار فيروس كورونا الجديد

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة