يوميات كامل الشناوي... ولع بالجمال و«البحث في كل شيء»

صاحب قصيدة «لا تكذبي» مزج الشعر بمحبة الحياة

يوميات كامل الشناوي... ولع بالجمال و«البحث في كل شيء»
TT

يوميات كامل الشناوي... ولع بالجمال و«البحث في كل شيء»

يوميات كامل الشناوي... ولع بالجمال و«البحث في كل شيء»

شغلت نبوءات نهاية العالم الشاعر والكاتب المصري الراحل كامل الشناوي، في ستينيات القرن الماضي؛ تلك التي كانت تخرج نائحة كل حين، فتتساءل بلسان: «هل ينتهي الكون حسب نبوءات المنجمين في عالم يثير التنبؤ بنهاية العالم اهتماماً كاسحاً بين البشر، يستوي في ذلك الأشقياء والسعداء. فالشقي يريد أن يعيش إلى أن تتاح له السعادة، والسعيد يريد أن يعيش لأنه سعيد»، هكذا يقول في واحدة من يومياته التي نشرتها جريدة «الجمهورية» عام 1962، ووردت ضمن عشرات اليوميات التي تم جمعها في كتاب «يوميات كامل الشناوي» الصادر أخيراً عن دار «الكرمة» للنشر بالقاهرة.
يفتتح كتاب «يوميات كامل الشناوي»، الذي يقع في 548 صفحة، بوصية الشاعر الراحل كامل الشناوي إلى الكاتب الصحافي أحمد رجب، التي نشرها في جريدة «الأخبار» في أكتوبر (تشرين الأول) 1962، ويقول نصها: «أنت يا صديقي أحمد تصغرني بعشرين عاماً على الأقل، وستعيش بعدي، وعندما تحترق سيجارة حياتي، ويرشف القدر آخر نفس فيها، فاهرع إلى بيتي، وخذ ما تجده من أوراق وانشره على الناس، وما أقوله لك ليس مداعبة، ولكن وصية أسجلها هنا علناً وعلى رؤوس الأشهاد».
بعد وفاة كامل الشناوي، لم يتمكن أحمد رجب من تنفيذ وصيته، ولكنه حاول، حيث انتقل مأمون الشناوي للإقامة في بيت شقيقه بعد وفاته، وقال له إنه سيتكفل بجمع أوراقه المبعثرة التي دوّن فيها شقيقه خواطره وأشعاره، وقام مأمون بنشر عدد من الإصدارات مع «دار المعارف» تجمع بعضاً من هذه الخواطر، لكن في هذا الكتاب نقبت المُحررة رحاب خالد في جهات الأرشيف «المُهمل» عن أبواب اليوميات التي نشرها الشناوي على مدار 35 عاماً قضاها في الصحافة، والتي لم تنشر من قبل، تشمل بعض الخواطر العاطفية التي كتبها في مجلة «آخر ساعة» في الفترة من 1946 - 1948، علاوة على ما كتبه في باب «يوميات»، وهو الباب الذي واظب على كتابته ما بين أعوام 1953 - 1965، وتتضمن مشاهداته الخاصة، وتُطل فيها مصر بشوارعها وناسها وفنونها في الخمسينيات والستينيات.
يُعبر كامل الشناوي عن فهمه ومشاعره إزاء كلمة «يوميات»، بقوله: «عندما أكتب اليوميات أحس أني أخاطب صديقاً أحبه ويحبني. فأنا أبثه شكواي، وأعرض عليه مشكلاتي، وأسرد أهم ما صدفني في يومي، وأكون معه كما أنا، كما ينبغي أن أكون. فهو يراني ضاحكاً وعابساً، يحس يأسي ورجائي، يشعر بقوتي وضعفي». وفي ضوء هذا التعريف تُنشر في هذا الكتاب لأول مرة يوميات نشرها كامل الشناوي في صحف «الأخبار»، و«أخبار اليوم»، و«الجمهورية» خلال الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي.
يُخصص الكتاب فصلاً عن سيرة الشناوي (1965 - 1908)، وهي سيرة تستعرض محطات حياته تتضمن اقتباسات من انطباعاته الخاصة حول مولده وصباه وسنوات عمله الأولى في الصحافة، بداية من ولادته بقرية نوسا البحر بمحافظة الدقهلية، وتنقله بين المحافظات في سنوات طفولته المبكرة، وتأثره بالنشأة في بيئة دينية، فوالده الشيخ سيد الشناوي القاضي الشرعي، وجده لأبيه الشيخ سيد أحمد الشناوي عالم الدين، مروراً باختباره المُبكر للوحدة والعزلة، التي كان أحد أسبابها هيئته الممتلئة، وما صاحبها من سخرية أصدقائه من ضخامته، يقول: «بدأت أفضل الشارع الخالي من المارة، والدكان الخالي من الزبائن، والقهوة الخالية من الرواد. ولكن هذا النقص الذي شعرت به هو الذي دفعني إلى الرغبة في التفوق من أجل أن أتميز بشيء عن باقي الأطفال. وكانت العزلة هي فرصتي في تنمية حبي الذي ظهر نحو القراءة والأدب والشعر بوجه خاص».
غير أن سنوات الشباب بدلّت الأحوال، بعدما لاحظ رفاقه خفة ظله الشديدة وطبيعته الساخرة، وحضوره الطاغي «فشملوني بتقديرهم، ورفعوا عني الإحساس بالنقص، وجمعنا حب الفن». وكانت آراؤه في الفن والأدب والسياسة جديرة بالاهتمام ما دفعه لمراسلة الصحف في فترة متقدمة، حتى أنه بدأ حياته العملية في الصحافة في النصف الثاني من عام 1930 وكان وقتها في العشرين من عمره، بلا مؤهل دراسي. يقول الكتاب: «فقط كان قارئاً جيداً للأدب وذاكرته تحتفظ بكثير من الشعر القديم والحديث»، ولميوله الوفدية آنذاك كانت أولى محطاته مع جريدة «كوكب الشرق» ذات الاتجاه الوفدي، التي عمل فيها مصححاً أدبياً، حتى صار محرراً للصفحة الأدبية بعد ثلاثة أشهر فقط.
تتوالى الأيام، ويقرر الشناوي الاستقلال عن حزب الوفد وكل الحياة الحزبية، وظل حريصاً على استقلاله برأيه الذي لازم محطاته التصاعدية في الحياة الصحافية والفنية، وظل حريصاً على رعاية المواهب الفنية الجديدة في الشعر والأدب والكاريكاتير. يقول «ولست أتكلف ذلك، فأنا مولع بالجمال وأبحث في كل شيء. والفنان الجديد جمال جديد... وليس قليلاً أن أعثر على جديد في الجمال، وأتغنى به، وأسلط عليه الأضواء العالية».
تقترب اليوميات التي يضمها الكتاب، من فلسفة الشناوي في الحياة التي لا يمكن قراءتها بمعزل عن شاعريته، نُشاركه حواراً عابراً تُغلفه الرومانسية، يجمعه بسيدة جميلة مثقفة في قطار متجه للإسكندرية، ونتعرف من رؤيته للموت، على الزُهد، وأسئلة المصير التي تقوده كثيراً لتشاؤم يغرق في بئره طويلاً، ففي واحدة من يومياته يقول «اتهمني أصدقائي بأني إنسان متشائم، أنظر إلى الحياة من خلال منظار أسود، أرى الورد والشوك معاً، فلا أفرح بالشوك لأن له ورداً، وأحزن للورد لأن له شوكاً. والواقع أني لا أريد أن أتفاءل أو أتشاءم، ولا أن أبكي أو أغني. وإنما أردت أن أعبر عن شعوري بالحياة فأنا أحياها ولا أعرف لماذا أحياها؟ إن الحياة مشكلة لم أستطع أن أحلها ولا أن أتجاهلها، ولا أقوى على مواجهتها ولا أدري كيف أفر منها».
تُطل من يومياته وجوه لأشهر كُتاب وموسيقيي مصر في هذه الفترة، محمد عبد الوهاب، وأم كلثوم، وكمال الملاخ، وإحسان عبد القدوس، وعبد الحليم حافظ وغيرهم. ومن مطارح الطفولة يلتقط الشناوي الكثير من المشاهد، في سينمائية ورومانسية مقتبسة من الشوارع والطرقات، يقول في واحدة من يومياته «وما زلت حتى هذه اللحظة أرمق بعين الإعجاب والحسد شاباً كان تردد على الدكك الخشبية في ظل الأشجار الكثيفة ومعه فتاة تلتف بملاءة سوداء، وكم تمنيت وأنا طفل صغير، لو يتاح لي يوماً أن أجلس كما يجلس، وأن تكون لي مثله فتاة أتبادل معها الحديث، والذرة المشوية، والفول السوداني، واللب والترمس، وأفتح لها زجاجة كازوزة تشرب نصفها، وأشرب نصفها، ثم أتمشي معها على الكورنيش، فإذا اعترض أحد خلعت الجاكت واشتبكت معه في معركة أستعمل فيها يدي ورأسي وقدمي وأنتصر عليه، ثم أمضي ومعي فتاتي وكأن شيئاً لم يحدث».
لا ينفصل استدعاء الشناوي لفيض الطفولة، عن سائر تأملاته في فصول العمر، وصولاً للشيخوخة وأشباحها، يقول في نص بعنوان «الشتاء»: «لقد أصبح الشتاء بغيضاً إلى نفسي، أستقبله في بيتي وكل النوافذ مغلقة، وألقاه في الطريق وأنا في غاية الاحتشام، ألقاه بالبالطو، والكوفيه، والبذلة السميكة، وعلى صدري صوف، وفي قدمي صوف. وما من مرة واجهته إلا صفعني في وجهي، أو ركلني في ظهري، أو ألهب جسدي بالسياط. وأقول للطبيب ما هذه الصفعات والركلات فيقول لي: لا صفعات ولا لكمات، هذا فقط برد، وزكام، وروماتيزم، والتهاب في الأعصاب. فما الذي أغرى الشتاء بي؟ أخشى أن أقول الشيخوخة المبكرة فيقول متشائم! ولكي أكون متفائلاً فلأقل إن الشباب الذاهب هو الذي أغرى الشتاء بي. ويا ويلتي إذا تقدم بي العمر وأصبحت نهباً للشتاء، والصيف، والربيع، والخريف».
وكتب في واحدة من يومياته التي نُشرت في جريدة «أخبار اليوم»، في يونيو (حزيران) عام 1965، قبل 7 أشهر فقط من وفاته، تحت عنوان «الكلمة صارت مشكلتي»: «طال حنيني إلى التعبير عن مشاعري وأفكاري بالكلمة. فمنذ أصابني المرض في أواخر العام الماضي، وأنا أشعر بعجزي عن تسجيل انفعالاتي بالألفاظ والحروف. كم من خاطر يختلج في نفسي فأحاول أن أجعل له وجوداً بأن أعبر عنه، فإذا تعبيري ناقص وغامض. وقد أفهم التعبير برغم نقصه أو غموضه، ولكن صعوبة ليست في أن يفهم الكاتب ما يكتب، وإنما الصعوبة في أن يفهم القراء ما يعنيه الكاتب لكي يعيشوا معه أحاسيسه وخواطره. فمن غير هذه المشاركة العاطفية والفكرية بين الكاتب والقارئ، تصبح الكتابة صوتاً بلا صدى».



متاحف الآثار المصرية تحتفي بالمرأة في يومها العالمي وعيد الأم

السلطانة ملك (وزارة السياحة والآثار)
السلطانة ملك (وزارة السياحة والآثار)
TT

متاحف الآثار المصرية تحتفي بالمرأة في يومها العالمي وعيد الأم

السلطانة ملك (وزارة السياحة والآثار)
السلطانة ملك (وزارة السياحة والآثار)

احتفت متاحف مصرية بالمرأة خلال شهر مارس (آذار) الحالي الذي وافق اليوم العالمي للمرأة في الثامن من الشهر، كما يوافق عيد الأم 21 من الشهر نفسه، عبر اختيار قطع أثرية لمقتنيات نسائية وتماثيل النساء من العصور القديمة، ومنسوجات عليها رسوم تجسد المرأة، وصور ومتعلقات من مكاحل وأمشاط وغيرها.

وتحتفي المتاحف المصرية بدور المرأة عبر التاريخ، وتسلّط الضوء على نماذج مشرّفة لنساء أسهمن بعطائهن وإنجازاتهن في خدمة المجتمع، وتركْن بصمات خالدة في مجالات العمل الإنساني والثقافي والحضاري، وفق بيان لوزارة السياحة والآثار، الجمعة.

ومن بين القطع الأثرية التي اختارتها بعض المتاحف لتكون قطعة شهر مارس، وفق تصويت إلكتروني لزوار المتاحف والجمهور، أبرز متحف مطار القاهرة الدولي تمثالاً صغيراً من البرونز للإلهة إيزيس وهي جالسة تُرضع طفلها حورس، ويعلو رأسها تاج يتكون من قرنين يتوسطهما قرص الشمس. وقد اتخذ المصريون القدماء من الإلهة إيزيس رمزاً للأمومة والحماية.

ويعرض متحف إيمحتب بسقارة تمثالاً للإلهة إيزيس في هيئة آدمية جالسة ترتدي تاج القرنين وقرص الشمس، وتحمل طفلاً صغيراً يمثل الإله حورس.

بينما يعرض متحف الإسماعيلية لوحة من الحجر الجيري تعود للدولة القديمة تمثل الثالوث المقدس في نقش بارز، حيث تظهر إيزيس على اليمين وحورس على اليسار، بينما يتوسطهما الملك ممثلاً للإله أوزيريس، في مشهد يعكس دور إيزيس كحامية للملك ولابنها حورس.

الثالوث إيزيس وأوزيريس وحورس (وزارة السياحة والآثار)

كما يعرض متحف كفر الشيخ (دلتا مصر) رأس تمثال من الجرانيت للملكة برنيكي الثانية، ابنة ماجاس حاكم قورينية والملكة أباما السورية، التي وُلدت عام 267 ق.م، وحكمت مصر في أثناء حرب الملك بطليموس الثالث ضد الملك سلوقس الثاني.

ويعرض متحف طنطا (دلتا مصر) تمثالاً من الحجر الجيري للإلهة تاورت، إلهة الحمل والإنجاب عند المصري القديم، التي صُوّرت في هيئة أنثى فرس النهر.

كما يعرض متحف الإسكندرية القومي تمثالاً من البرونز للإلهة إيزيس من العصر البطلمي، ويصورها في وضع الجلوس وهي تُرضع الطفل حربوقراط (حورس).

ويعرض متحف الأقصر للفن المصري القديم مرآة من البرونز كانت من أهم أدوات الزينة والتجميل منذ أقدم العصور، ويعرض متحف النوبة بأسوان تمثالاً من الغرانيت للأميرة آمونرديس، ابنة الملك كاشتا وأخت الملك بعنخي، التي شغلت منصب الزوجة الإلهية للإله آمون.

من المعروضات المتحفية المختارة في شهر مارس (وزارة السياحة والآثار)

ومن العصور الوسطى والعصر الحديث يعرض متحف الفن الإسلامي مكحلة من العاج المطعّم بالصدف ترجع إلى العصر المملوكي، ويعرض المتحف القبطي قطعة من النسيج القبطي تصور المرأة بأشكال مختلفة، ومن بينها قطعة تحمل صورة نصفية لسيدة بكامل زينتها، تحيط بها جامات زخرفية تضم طيوراً متنوعة.

بينما يعرض متحف المركبات الملكية ببولاق صورة فوتوغرافية من فترة حكم الأسرة العلوية، وهي صورة للسلطانة ملك، الزوجة الثانية للسلطان حسين كامل، التي لُقبت بـ«أميرة الفقراء وراعية الأيتام» تقديراً لأعمالها الخيرية الواسعة. وقد اشتهرت بعطائها الإنساني، خاصة خلال شهر رمضان.

أما متحف ركن فاروق بحلوان (جنوب القاهرة) فيعرض صورة فوتوغرافية للأميرة فوزية فؤاد التي اشتهرت بدعمها للأعمال الخيرية وحقوق المرأة، حيث تولت رئاسة مبرة محمد علي لفترة طويلة، وأسهمت في تنفيذ العديد من البرامج الخيرية لخدمة الفقراء وإنشاء المستشفيات ومكافحة الأوبئة.

بينما يعرض متحف المجوهرات الملكية بالإسكندرية لوحة زيتية للأميرة فاطمة ابنة الخديوي إسماعيل، التي تعد من أبرز الداعمين للتعليم في مصر، حيث تبرعت بمجوهراتها والأرض التي أُقيمت عليها الجامعة المصرية (جامعة القاهرة حالياً).

من القطع الأثرية التي تحتفي بالمرأة (وزارة السياحة والآثار)

ويعرض متحف جاير أندرسون بالسيدة زينب (وسط القاهرة) شكمجية من الخشب المطعّم بالصدف تتكون من درجين تعلوهما مرآة صغيرة بين قائمين، وترتكز على أربع أرجل تنتهي كل منها بشكل كروي ومذهّب.

ويعرض متحف الشرطة القومي بقلعة صلاح الدين مشطاً خشبياً مزيناً بزخارف هندسية ونباتية دقيقة ومطعّماً بالصدف، وقد زُيّن أحد جانبيه بثلاث جامات دائرية تتوسطها جامة كُتب بداخلها: «إن الشيطان لكم عدو مبين».

ويأتي تقليد اختيار قطعة الشهر في متاحف الآثار المصرية ليؤكد على التفاعل بين الجمهور الذي يختار القطع الأثرية عبر تصويت على «فيسبوك»، والعرض المتحفي، وتفاعل المتاحف مع المناسبات المختلفة المحلية والعالمية.


طوروس سيرانوسيان... صفحة من مجد الزمن الجميل تُطوى

أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)
أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)
TT

طوروس سيرانوسيان... صفحة من مجد الزمن الجميل تُطوى

أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)
أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)

قلّة من جيل اليوم تتذكّر اسم متعهّد الحفلات اللبناني من أصل أرمني طوروس سيرانوسيان، فهو شخصية فنّية عملت منذ الستينات حتى الألفية الثانية على تعزيز موقع لبنان الفنّي في العالم. وبرحيله تُطوى صفحة من مجد الزمن الجميل في لبنان، فصاحب اللقب الأحبّ إلى قلبه «وزير السياحة المتنقّل» أسَّس «مهرجانات جبيل» في أوائل السبعينات، وكذلك «مهرجانات دير القلعة»، ناشراً بذلك مفهوم الفنّ المناطقي من خلال إحياء حفلات ضمن المهرجانات. وكان يتذكّر تلك المرحلة راوياً: «عام 1970 قدّمت إلى وزارة السياحة طلباً لإقامة مهرجانات في جبيل. وافقت وأعطتني حقاً حصرياً لـ10 أعوام. صرفتُ أكثر من نصف مليون دولار، واشتريت من إنجلترا أجهزة صوت وإنارة. أضأتُ القلعة والطرقات المؤدّية إليها، فكتب رئيس بلدية جبيل الدكتور أنطوان شامي: (كان الشوك يفترش أرض قلعة جبيل فأنارها طوروس سيرانوسيان وجعل منها منارة)».

ومن خلال «بيت الفنان اللبناني» الذي أسَّسه عام 1987، خلق صلة وصل بين متعهّدي الحفلات في الخارج ونجوم لبنان.

كتب مذكراته في كتاب «مذكرات في ذكريات» (فيسبوك)

لم يكن يفصل بين علاقات العمل والصداقة، بل كان يفتخر بذلك ويقول: «ربحت صداقة جميع الفنانين اللبنانيين وأكثرية الفنانين العالميين». أما الأحبّ إلى قلبه من زمن الفن الجميل، فكانت الراحلة صباح التي تولّى إدارة أعمالها لـ30 سنة متتالية، فاحتلّت مكانة خاصة لديه؛ إذ كان يعدّها من أهم المطربات في العالم العربي.

وكان سيرانوسيان أول مَن استقدم نجوماً أجانب إلى لبنان، فقد أحضر شارل أزنافور 6 مرات، في حين زار جيلبير بيكو بيروت لإحياء 5 حفلات، وتفوّقت عليهما داليدا بإحيائها في مرحلة السبعينات 7 حفلات غنائية من تنظيم سيرانوسيان. وكذلك الأمر بالنسبة إلى ديميس روسوس، وراي تشارلز، وغلوريا غاينر. وكان في كلّ مرة يزور فيها باريس أو اليونان يتواصل مع هؤلاء النجوم محافظاً على صداقته معهم لعقود متتالية.

بالنسبة إليه، فإنّ «مهرجانات بيت الدين» هي الوحيدة التي استطاعت الحفاظ على مكانتها الرائدة بين المهرجانات الأخرى. في المقابل كانت لديه ملاحظات على مهرجانات لم تعرف، وفق رأيه، التعمُّق أكثر فيما يطلبه الجمهور اللبناني وما يراعي مشاعره الوطنية.

تولّى إدارة أعمال الراحلة صباح لـ30 سنة (فيسبوك)

ولم يكتفِ سيرانوسيان بإحياء حفلات لفنانين لبنانيين وغربيين بين لبنان والعالم، بل أسهم أيضاً في صناعة نجوم غناء. من بين هؤلاء الثنائي نينا وريدا بطرس في أوائل التسعينات. اكتشف موهبتهما بعدما حضر لهما حفلات فنّية، لا سيما أنّ الأختين كانتا قد فازتا بالميدالية الذهبية في برنامج «استوديو الفن» لهواة الغناء. وبذلك كان سيرانوسيان أول مَن أطلق ثنائياً غنائياً في لبنان والعالم العربي. ومن أشهر أغانيهما «لولي»، و«بأمارة إيه»، و«البلدي وبس».

وحرص الراحل على توثيق هذه المسيرة الطويلة في كتابه «مذكرات في ذكريات»، فاستعرض كواليس العمل مع العمالقة وأسرار صناعة المهرجانات الكبرى، ليكون مرجعاً للأجيال القادمة في إدارة الفنّ والترفيه. وضمَّ الكتاب سيرته الذاتية والمواقف الصعبة التي واجهها خلال مشواره.

وبرحيل طوروس سيرانوسيان يفقد لبنان أحد مؤسِّسي العمل النقابي والفنّي وداعمي المواهب الشابة. وكان الراحل وديع الصافي من أكثر المعجبين به، وقد وصفه بأنه «الرجل التاريخي في رفع اسم لبنان فنّياً وثقافياً».

وإثر إعلان وفاته، نعاه عدد كبير من معاصريه، بينهم الإعلامي والناقد الفنّي جمال فياض الذي كتب كلمات مؤثرة: «رحل طوروس سيرانوسيان... حبيبنا وصديقنا ورفيق الأيام الحلوة والزمن الجميل. رحل الطيب الآدمي، الفنان الذي احترم كلمته ووعده في كلّ عمل قام بإنتاجه. دعم وقدَّم كثيراً للفنانين في بداياتهم حتى نجوميتهم. طوروس الحبيب... نفسك في السماء».


حملة مصرية لتوثيق تجارب السائحين في المعالم التاريخية والطبيعية

جانب من الحملة الترويجية (وزارة السياحة والآثار)
جانب من الحملة الترويجية (وزارة السياحة والآثار)
TT

حملة مصرية لتوثيق تجارب السائحين في المعالم التاريخية والطبيعية

جانب من الحملة الترويجية (وزارة السياحة والآثار)
جانب من الحملة الترويجية (وزارة السياحة والآثار)

أعلنت وزارة السياحة المصرية إطلاق حملة ترويجية للمقاصد السياحية في مصر، تتضمن تصوير مقاطع فيديو للسائحين يوثقون فيها تجاربهم، ويتحدثون عن انطباعهم حول المقصد السياحي المصري الذي زاروه.

وتتضمن الحملة مقاطع فيديو في أماكن متنوعة، من بينها مقاصد تاريخية مثل المعابد والأهرامات ومناطق السياحة الثقافية عموماً، وكذلك مقاطع فيديو في السواحل المصرية؛ حيث السياحة البيئية والشاطئية والعلاجية وسياحة المؤتمرات.

وتأتي هذه الحملة، التي تنفذها الهيئة العامة للتنشيط السياحي بالتعاون مع الاتحاد المصري للغرف السياحية، في إطار توجيهات وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، بضرورة توثيق ونقل تجارب السائحين من مختلف الجنسيات بشكل يومي خلال زيارتهم الحالية لمصر، بما يعكس ما تنعم به البلاد من أمن وأمان واستقرار، ويبرز استمتاع الزائرين بتجاربهم السياحية، في ظل التطورات الإقليمية الراهنة، وفق بيان للوزارة، الجمعة.

وتسعى الحملة الإعلامية المصوّرة، التي انطلقت الخميس، إلى إبراز الأجواء الإيجابية والحركة السياحية بالوجهات المصرية؛ حيث تعتمد على تصوير مقاطع فيديو قصيرة مع السائحين بشكل يومي في عدد من الوجهات السياحية المختلفة، يتم نشرها عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي التابعة للوزارة والهيئة والاتحاد والغرف السياحية.

كما تهدف المقاطع إلى التعرف على ردود فعل السائحين وانطباعاتهم، بما يُسهم في رصد مؤشرات الحركة السياحية في ظل الأحداث الإقليمية الراهنة، ودعم الجهود المبذولة للارتقاء بجودة الخدمات المقدمة للزائرين، وتعزيز تجربة السائح بالمقصد السياحي المصري.

فيديو من الحملة الترويجية أمام الأهرامات (وزارة السياحة والآثار)

وأكد رئيس الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، الدكتور أحمد يوسف، أن المقاطع التي يتم تصويرها مع السائحين تؤكد أن الصورة الذهنية للمقصد السياحي المصري ما زالت تعكس شعورهم بالأمن والأمان خلال الزيارة، مشيراً إلى أن الهيئة تحرص على نقل تجارب أكبر عدد من السائحين في الوجهات السياحية المصرية المختلفة.

ولفتت سوزان مصطفى، رئيس الإدارة المركزية للتسويق السياحي بالهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، إلى أن هذه المقاطع تتيح نقل صورة حية ومباشرة للحركة السياحية في مصر، من خلال عرض التجارب الحقيقية للسائحين وانطباعاتهم خلال زيارتهم، وإبراز ما يتمتع به المقصد السياحي المصري من مقومات سياحية متنوعة وبيئة آمنة ومستقرة.

وعدّ الخبير السياحي المصري، محمد كارم، هذه الحملة «من أهم أدوات الترويج حالياً، وهي خطوة توثق تجربة السائحين في المقصد السياحي المصري».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «السائح لم يعد يعتمد على الإعلانات التقليدية، ولكنه ينجذب أكثر للتجارب الحقيقية، فحين نقدم تجارب حية وواقعية تنتقل بسهولة للسائحين الآخرين، وكأن السائح بمنزلة سفير لمصر في الخارج؛ يتحدّث عنها ويبرز تجربته فيها، بما يجذب سائحين آخرين إليها».

الغردقة من المقاصد السياحية المصرية الجاذبة للأجانب (وزارة السياحة والآثار)

وعدّ كارم أن «الهدف الأساسي من هذه الحملة توجيه رسالة بأن مصر دولة آمنة مستقرة تتمتع بالتنوع السياحي من حضارة وتاريخ وطبيعة، ما يُسهم في ترسيخ صورة ذهنية إيجابية للمقصد السياحي، وهو ما أتوقع أن ينعكس على زيادة معدلات الزائرين ومعدلات الإشغالات والإقبال على المقصد السياحي المصري».

ويُمثل قطاع السياحة أحد مصادر الدخل القومي المهمة لمصر، ووصل عدد السائحين الذين زاروا مصر العام الماضي إلى نحو 19 مليون زائر، وهو رقم قياسي لم تحققه من قبل، وتطمح مصر لجذب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2031، من خلال برامج ترويجية متنوعة، من بينها برنامج أطلق قبل فترة بعنوان «تنوع لا يضاهى» لتأكيد تنوع الأنماط السياحية التي تتمتع بها مصر، ومن بينها السياحة الثقافية والشاطئية والعلاجية والبيئية والترفيهية وسياحة المؤتمرات والسفاري.