يوميات كامل الشناوي... ولع بالجمال و«البحث في كل شيء»

صاحب قصيدة «لا تكذبي» مزج الشعر بمحبة الحياة

يوميات كامل الشناوي... ولع بالجمال و«البحث في كل شيء»
TT

يوميات كامل الشناوي... ولع بالجمال و«البحث في كل شيء»

يوميات كامل الشناوي... ولع بالجمال و«البحث في كل شيء»

شغلت نبوءات نهاية العالم الشاعر والكاتب المصري الراحل كامل الشناوي، في ستينيات القرن الماضي؛ تلك التي كانت تخرج نائحة كل حين، فتتساءل بلسان: «هل ينتهي الكون حسب نبوءات المنجمين في عالم يثير التنبؤ بنهاية العالم اهتماماً كاسحاً بين البشر، يستوي في ذلك الأشقياء والسعداء. فالشقي يريد أن يعيش إلى أن تتاح له السعادة، والسعيد يريد أن يعيش لأنه سعيد»، هكذا يقول في واحدة من يومياته التي نشرتها جريدة «الجمهورية» عام 1962، ووردت ضمن عشرات اليوميات التي تم جمعها في كتاب «يوميات كامل الشناوي» الصادر أخيراً عن دار «الكرمة» للنشر بالقاهرة.
يفتتح كتاب «يوميات كامل الشناوي»، الذي يقع في 548 صفحة، بوصية الشاعر الراحل كامل الشناوي إلى الكاتب الصحافي أحمد رجب، التي نشرها في جريدة «الأخبار» في أكتوبر (تشرين الأول) 1962، ويقول نصها: «أنت يا صديقي أحمد تصغرني بعشرين عاماً على الأقل، وستعيش بعدي، وعندما تحترق سيجارة حياتي، ويرشف القدر آخر نفس فيها، فاهرع إلى بيتي، وخذ ما تجده من أوراق وانشره على الناس، وما أقوله لك ليس مداعبة، ولكن وصية أسجلها هنا علناً وعلى رؤوس الأشهاد».
بعد وفاة كامل الشناوي، لم يتمكن أحمد رجب من تنفيذ وصيته، ولكنه حاول، حيث انتقل مأمون الشناوي للإقامة في بيت شقيقه بعد وفاته، وقال له إنه سيتكفل بجمع أوراقه المبعثرة التي دوّن فيها شقيقه خواطره وأشعاره، وقام مأمون بنشر عدد من الإصدارات مع «دار المعارف» تجمع بعضاً من هذه الخواطر، لكن في هذا الكتاب نقبت المُحررة رحاب خالد في جهات الأرشيف «المُهمل» عن أبواب اليوميات التي نشرها الشناوي على مدار 35 عاماً قضاها في الصحافة، والتي لم تنشر من قبل، تشمل بعض الخواطر العاطفية التي كتبها في مجلة «آخر ساعة» في الفترة من 1946 - 1948، علاوة على ما كتبه في باب «يوميات»، وهو الباب الذي واظب على كتابته ما بين أعوام 1953 - 1965، وتتضمن مشاهداته الخاصة، وتُطل فيها مصر بشوارعها وناسها وفنونها في الخمسينيات والستينيات.
يُعبر كامل الشناوي عن فهمه ومشاعره إزاء كلمة «يوميات»، بقوله: «عندما أكتب اليوميات أحس أني أخاطب صديقاً أحبه ويحبني. فأنا أبثه شكواي، وأعرض عليه مشكلاتي، وأسرد أهم ما صدفني في يومي، وأكون معه كما أنا، كما ينبغي أن أكون. فهو يراني ضاحكاً وعابساً، يحس يأسي ورجائي، يشعر بقوتي وضعفي». وفي ضوء هذا التعريف تُنشر في هذا الكتاب لأول مرة يوميات نشرها كامل الشناوي في صحف «الأخبار»، و«أخبار اليوم»، و«الجمهورية» خلال الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي.
يُخصص الكتاب فصلاً عن سيرة الشناوي (1965 - 1908)، وهي سيرة تستعرض محطات حياته تتضمن اقتباسات من انطباعاته الخاصة حول مولده وصباه وسنوات عمله الأولى في الصحافة، بداية من ولادته بقرية نوسا البحر بمحافظة الدقهلية، وتنقله بين المحافظات في سنوات طفولته المبكرة، وتأثره بالنشأة في بيئة دينية، فوالده الشيخ سيد الشناوي القاضي الشرعي، وجده لأبيه الشيخ سيد أحمد الشناوي عالم الدين، مروراً باختباره المُبكر للوحدة والعزلة، التي كان أحد أسبابها هيئته الممتلئة، وما صاحبها من سخرية أصدقائه من ضخامته، يقول: «بدأت أفضل الشارع الخالي من المارة، والدكان الخالي من الزبائن، والقهوة الخالية من الرواد. ولكن هذا النقص الذي شعرت به هو الذي دفعني إلى الرغبة في التفوق من أجل أن أتميز بشيء عن باقي الأطفال. وكانت العزلة هي فرصتي في تنمية حبي الذي ظهر نحو القراءة والأدب والشعر بوجه خاص».
غير أن سنوات الشباب بدلّت الأحوال، بعدما لاحظ رفاقه خفة ظله الشديدة وطبيعته الساخرة، وحضوره الطاغي «فشملوني بتقديرهم، ورفعوا عني الإحساس بالنقص، وجمعنا حب الفن». وكانت آراؤه في الفن والأدب والسياسة جديرة بالاهتمام ما دفعه لمراسلة الصحف في فترة متقدمة، حتى أنه بدأ حياته العملية في الصحافة في النصف الثاني من عام 1930 وكان وقتها في العشرين من عمره، بلا مؤهل دراسي. يقول الكتاب: «فقط كان قارئاً جيداً للأدب وذاكرته تحتفظ بكثير من الشعر القديم والحديث»، ولميوله الوفدية آنذاك كانت أولى محطاته مع جريدة «كوكب الشرق» ذات الاتجاه الوفدي، التي عمل فيها مصححاً أدبياً، حتى صار محرراً للصفحة الأدبية بعد ثلاثة أشهر فقط.
تتوالى الأيام، ويقرر الشناوي الاستقلال عن حزب الوفد وكل الحياة الحزبية، وظل حريصاً على استقلاله برأيه الذي لازم محطاته التصاعدية في الحياة الصحافية والفنية، وظل حريصاً على رعاية المواهب الفنية الجديدة في الشعر والأدب والكاريكاتير. يقول «ولست أتكلف ذلك، فأنا مولع بالجمال وأبحث في كل شيء. والفنان الجديد جمال جديد... وليس قليلاً أن أعثر على جديد في الجمال، وأتغنى به، وأسلط عليه الأضواء العالية».
تقترب اليوميات التي يضمها الكتاب، من فلسفة الشناوي في الحياة التي لا يمكن قراءتها بمعزل عن شاعريته، نُشاركه حواراً عابراً تُغلفه الرومانسية، يجمعه بسيدة جميلة مثقفة في قطار متجه للإسكندرية، ونتعرف من رؤيته للموت، على الزُهد، وأسئلة المصير التي تقوده كثيراً لتشاؤم يغرق في بئره طويلاً، ففي واحدة من يومياته يقول «اتهمني أصدقائي بأني إنسان متشائم، أنظر إلى الحياة من خلال منظار أسود، أرى الورد والشوك معاً، فلا أفرح بالشوك لأن له ورداً، وأحزن للورد لأن له شوكاً. والواقع أني لا أريد أن أتفاءل أو أتشاءم، ولا أن أبكي أو أغني. وإنما أردت أن أعبر عن شعوري بالحياة فأنا أحياها ولا أعرف لماذا أحياها؟ إن الحياة مشكلة لم أستطع أن أحلها ولا أن أتجاهلها، ولا أقوى على مواجهتها ولا أدري كيف أفر منها».
تُطل من يومياته وجوه لأشهر كُتاب وموسيقيي مصر في هذه الفترة، محمد عبد الوهاب، وأم كلثوم، وكمال الملاخ، وإحسان عبد القدوس، وعبد الحليم حافظ وغيرهم. ومن مطارح الطفولة يلتقط الشناوي الكثير من المشاهد، في سينمائية ورومانسية مقتبسة من الشوارع والطرقات، يقول في واحدة من يومياته «وما زلت حتى هذه اللحظة أرمق بعين الإعجاب والحسد شاباً كان تردد على الدكك الخشبية في ظل الأشجار الكثيفة ومعه فتاة تلتف بملاءة سوداء، وكم تمنيت وأنا طفل صغير، لو يتاح لي يوماً أن أجلس كما يجلس، وأن تكون لي مثله فتاة أتبادل معها الحديث، والذرة المشوية، والفول السوداني، واللب والترمس، وأفتح لها زجاجة كازوزة تشرب نصفها، وأشرب نصفها، ثم أتمشي معها على الكورنيش، فإذا اعترض أحد خلعت الجاكت واشتبكت معه في معركة أستعمل فيها يدي ورأسي وقدمي وأنتصر عليه، ثم أمضي ومعي فتاتي وكأن شيئاً لم يحدث».
لا ينفصل استدعاء الشناوي لفيض الطفولة، عن سائر تأملاته في فصول العمر، وصولاً للشيخوخة وأشباحها، يقول في نص بعنوان «الشتاء»: «لقد أصبح الشتاء بغيضاً إلى نفسي، أستقبله في بيتي وكل النوافذ مغلقة، وألقاه في الطريق وأنا في غاية الاحتشام، ألقاه بالبالطو، والكوفيه، والبذلة السميكة، وعلى صدري صوف، وفي قدمي صوف. وما من مرة واجهته إلا صفعني في وجهي، أو ركلني في ظهري، أو ألهب جسدي بالسياط. وأقول للطبيب ما هذه الصفعات والركلات فيقول لي: لا صفعات ولا لكمات، هذا فقط برد، وزكام، وروماتيزم، والتهاب في الأعصاب. فما الذي أغرى الشتاء بي؟ أخشى أن أقول الشيخوخة المبكرة فيقول متشائم! ولكي أكون متفائلاً فلأقل إن الشباب الذاهب هو الذي أغرى الشتاء بي. ويا ويلتي إذا تقدم بي العمر وأصبحت نهباً للشتاء، والصيف، والربيع، والخريف».
وكتب في واحدة من يومياته التي نُشرت في جريدة «أخبار اليوم»، في يونيو (حزيران) عام 1965، قبل 7 أشهر فقط من وفاته، تحت عنوان «الكلمة صارت مشكلتي»: «طال حنيني إلى التعبير عن مشاعري وأفكاري بالكلمة. فمنذ أصابني المرض في أواخر العام الماضي، وأنا أشعر بعجزي عن تسجيل انفعالاتي بالألفاظ والحروف. كم من خاطر يختلج في نفسي فأحاول أن أجعل له وجوداً بأن أعبر عنه، فإذا تعبيري ناقص وغامض. وقد أفهم التعبير برغم نقصه أو غموضه، ولكن صعوبة ليست في أن يفهم الكاتب ما يكتب، وإنما الصعوبة في أن يفهم القراء ما يعنيه الكاتب لكي يعيشوا معه أحاسيسه وخواطره. فمن غير هذه المشاركة العاطفية والفكرية بين الكاتب والقارئ، تصبح الكتابة صوتاً بلا صدى».



مصر: «القومي للسينما» يعود بدورة استثنائية في الربيع

لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)
لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)
TT

مصر: «القومي للسينما» يعود بدورة استثنائية في الربيع

لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)
لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)

أعلنت وزارة الثقافة المصرية المنظمة للمهرجان القومي للسينما عن اختيار المنتج السينمائي هشام سليمان رئيساً للدورة الـ25، وذلك بعد قرار وزير الثقافة أحمد فؤاد هنو إعادة المهرجان للانعقاد مجدداً عقب توقفه لمدة 3 سنوات، حيث تقرر الاحتفال باليوبيل الفضي لإطلاقه في الدورة الجديدة، التي تحدد لها موعد مبدئي في 26 أبريل (نيسان) المقبل، ليصبح مهرجان اليوم الواحد لإعلان الفائزين وتسليم الجوائز والتكريمات وذلك بشكل استثنائي هذه الدورة.

ويعكس المهرجان القومي النشاط السينمائي المصري خلال العام، ويتاح التقديم به لكل صناع الأفلام المحليين، لكنه توقف بشكل مفاجئ قبل أن يعلن وزير الثقافة عن عودة المهرجان بحلة جديدة أكثر تطوراً.

وأقيم مؤتمر صحافي بسينما الهناجر، الأحد، بحضور المعماري حمدي سطوحي رئيس قطاع صندوق التنمية الثقافية ود. أحمد صالح رئيس المركز القومي للسينما، وهشام سليمان رئيس المهرجان، يمثل ثلاثتهم اللجنة العليا للمهرجان، وذكر حمدي سطوحي أن المهرجان القومي سيشهد تطويراً وتنظيماً جديداً يليق به كمهرجان قومي تقيمه الدولة.

صورة لأعضاء اللجنة الفنية للمهرجان القومي للسينما (وزارة الثقافة المصرية)

وكشف سطوحي عن تكوين لجنة فنية تضم عدداً من صناع السينما والنقاد، من بينهم ليلى علوي والناقد أحمد شوقي والمنتج هشام عبد الخالق، رئيس غرفة صناعة السينما، والمخرج عمر عبد العزيز، رئيس اتحاد النقابات الفنية، والمؤلفة مريم نعوم، وهي اللجنة المنوط بها وضع تصورات لتطوير المهرجان، مشيراً إلى أن الموعد المقترح للدورة الجديدة سيكون في 26 أبريل 2026 وهو ما ستبحثه اللجنة الفنية بعد مراجعة خريطة المهرجانات في مصر.

وقال د. أحمد صالح إننا نستهدف تقديم دورة تعكس مكانة السينما المصرية وطموحاتها، وإن دورة اليوبيل الفضي ستكون دورة استثنائية تستعيد انتظام المهرجان وتعكس تطور السينما المصرية وتفتح آفاقاً جديدةً للحوار والتقييم والاحتفاء بالإبداع، مؤكداً أن اختيار المنتج هشام سليمان رئيساً للمهرجان لما يمتلكه من خبرات ورؤية واعية، وكذلك إيمانه بأهمية المهرجان منصة وطنية جامعة لكل الأطياف السينمائية.

وقال هشام سليمان إن الهدف الأول هو إعادة المهرجان أولاً، وإقامة الدورة الـ25 بشكل مختلف، حيث تقام خلال يوم واحد بشكل استثنائي لكنه سيتضمن عروضاً للأفلام على مدى العام، ولفت إلى أن مسابقة الأفلام الروائية لن يخصص لها جوائز مالية هذه الدورة، وسيتم توجيه مخصصاتها للأفلام القصيرة والتسجيلية وأفلام الطلبة، وأعلن عن تكريم رؤساء المهرجانات المصرية لأنهم نجحوا في سد ثغرة كبيرة في السينما.

جانب من إعلان تفاصيل الدورة الجديدة (وزارة الثقافة المصرية)

وتخرج هشام سليمان (59 عاماً) في قسم الإنتاج بمعهد السينما وعمل مديراً لإنتاج عدد كبير من الأفلام المصرية والعالمية، من بينها «المصير»، و«كونشرتو درب سعادة»، و«ميدو مشاكل»، كما أنتج أفلام «طير انت» و«إتش دبور» لأحمد مكي.

ورأى الناقد أحمد سعد الدين أن المؤتمر الصحافي تضمن تأكيداً على عودة المهرجان القومي بعد توقف واختيار هشام سليمان رئيساً له، مع تغيير الشكل العام للمهرجان ليقام خلال يوم واحد بدلاً من إقامته خلال أسبوع كما كان يحدث سابقاً، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «موعد انعقاده لا يزال تقريبياً، لكن الشكل النهائي للمهرجان سيتحدد بعد الدورة الـ25 وسيسعى خلال الفترة المقبلة للاستعانة برعاة لدعم المهرجان وجوائز للأفلام الروائية».


دواء مبتكر ينظم الدهون والكوليسترول في الدم

ارتفاع مستويات الدهون الثلاثية في الدم يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب (جامعة موناش)
ارتفاع مستويات الدهون الثلاثية في الدم يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب (جامعة موناش)
TT

دواء مبتكر ينظم الدهون والكوليسترول في الدم

ارتفاع مستويات الدهون الثلاثية في الدم يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب (جامعة موناش)
ارتفاع مستويات الدهون الثلاثية في الدم يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب (جامعة موناش)

كشفت دراسة قادها باحثون من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا، عن نتائج واعدة لأول تجربة بشرية لعقار جديد قادر على خفض الدهون الثلاثية في الدم بشكل ملحوظ.

وأوضح الباحثون في النتائج التي نُشرت الجمعة، بدورية «Nature Medicine» أن هذا الدواء المبتكر قد يمثل نقلة نوعية في علاج اضطرابات الدهون والأمراض الأيضية المرتبطة بها.

وعند تناول الطعام، يحوّل الجسم السعرات الحرارية الزائدة، خصوصاً من الكربوهيدرات والسكريات والدهون والكحول، إلى جزيئات تُعرف بالدهون الثلاثية، وهي شكل من أشكال الدهون التي تُخزَّن في الخلايا الدهنية لاستخدامها مصدراً للطاقة بين الوجبات، إلا أن ارتفاع مستويات هذه الدهون في الدم يزيد بشكل كبير من خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتة الدماغية والتهاب البنكرياس، ما يجعل التحكم فيها ضرورة صحية ملحّة.

ويعتمد توازن دهون الدم على تناغم دقيق بين إنتاج الدهون في الكبد والأمعاء وبين تكسيرها وإزالتها من مجرى الدم. وعندما يختل هذا التوازن، تتراكم الدهون الثلاثية، ممهّدة الطريق لأمراض مثل اضطراب دهون الدم، والتهاب البنكرياس الحاد، ومرض الكبد الدهني المرتبط بالخلل الأيضي.

وأحد المفاتيح الرئيسية في هذا النظام هو بروتين يُعرف بمستقبل الكبد «إكس» (LXR)، الذي ينظم عدداً من الجينات المسؤولة عن تصنيع الدهون والتعامل معها. و يؤدي تنشيط هذا المستقبل لارتفاع الدهون الثلاثية والكوليسترول، ما جعل استهدافه دوائياً فكرة جذابة، لكنه محفوف بالمخاطر؛ إذ يشارك هذا المستقبل أيضاً في مسارات وقائية للكوليسترول بأنسجة أخرى من الجسم.

ولتجاوز هذه المعضلة، طوّر الفريق مركباً دوائياً يُؤخذ عن طريق الفم، يُعرف باسم «TLC‑2716»، يتميز بقدرته على تثبيط نشاط مستقبل (LXR) بشكل انتقائي في الكبد والأمعاء فقط، دون التأثير على المسارات الوقائية للكوليسترول في باقي الجسم. ويُصنَّف الدواء كـ«ناهض عكسي»، أي أنه لا يكتفي بمنع تنشيط المستقبل، بل يدفعه لإرسال إشارة معاكسة لتأثيره المعتاد.

خفض الدهون

وأظهرت التجارب قبل السريرية على الحيوانات أن الدواء نجح في خفض الدهون الثلاثية والكوليسترول في الدم وتقليل تراكم الدهون في الكبد. وفي نماذج كبد بشرية مخبرية، لوحظ انخفاض تراكم الدهون، مع تراجع الالتهاب والتليف الكبدي. كما أظهرت دراسات السلامة أن الدواء يتركز في الكبد والأمعاء فقط، ما يقلل مخاطره على بقية الأنسجة.

وشملت التجربة السريرية من المرحلة الأولى بالغين أصحاء، تلقوا الدواء يومياً لمدة 14 يوماً. وركّزت على تقييم السلامة والتحمّل، حيث أثبت الدواء نجاحه في تحقيق هذه الأهداف دون تسجيل آثار جانبية مُقلقة.

أما على صعيد الفاعلية، فقد خفّض الدواء الدهون الثلاثية بنسبة 38.5 في المائة عند أعلى جرعة (12 ملغ)، كما أدى لانخفاض الكوليسترول المتبقي بعد الوجبات بنسبة 61 في المائة، رغم أن المشاركين كانت لديهم مستويات دهون شبه طبيعية في الأساس. كما ساعد الدواء في تسريع إزالة الدهون الثلاثية من الدم عبر خفض نشاط بروتينين معروفين بتأخير هذه العملية.


«متحف الاستقلال»... بالهولوغرام والذكاء الاصطناعي يروى تاريخ لبنان

قلعة راشيا تتحوّل إلى متحف يروي حكاية طرد الانتداب (متحف الاستقلال)
قلعة راشيا تتحوّل إلى متحف يروي حكاية طرد الانتداب (متحف الاستقلال)
TT

«متحف الاستقلال»... بالهولوغرام والذكاء الاصطناعي يروى تاريخ لبنان

قلعة راشيا تتحوّل إلى متحف يروي حكاية طرد الانتداب (متحف الاستقلال)
قلعة راشيا تتحوّل إلى متحف يروي حكاية طرد الانتداب (متحف الاستقلال)

أخيراً نالت قلعة راشيا، رمز الاستقلال اللبناني، الاهتمام الذي تستحق، وتحوَّلت إلى متحف يروي حكاية طرد الانتداب، ونيل السيادة، بأدوات عصرية، تعتمد على الذكاء الاصطناعي والهولوغرام والتوثيق الدقيق.

ترميم متقن، وإعادة جمع للمستندات والصور والصحف، كما الملابس والحاجيات والأثاث، لجعل القلعة أشبه ما يمكن، بما كانت عليه في تلك الفترة الفاصلة من تاريخ لبنان والمنطقة.

هولوغرام الرئيس رياض الصلح (متحف الاستقلال)

موقع القلعة مرتفع وخلاب، يُشرف على منحدرات محيطة بها من 3 جهات، وعلى قمة حرمون. وهي مبنى تاريخي شُيِّد على مراحل، تنطوي على آثار رومانية، وبرج صليبي أقيم لمراقبة قوافل التجار الآتين من فلسطين عبر وادي التيم، ومن دمشق إلى القدس، كما بنى الفرنسيون السور الشرقي للقلعة عندما دخلوها عام 1920.

لهذا، فإن تحويل المكان برمزيته العالية وموقعه على مفترق طرق، إلى «متحف الاستقلال» في هذه الفترة التي تفتت بها دول، وتخشى أخرى من العدوى، هو أمر في غاية الأهمية.

فبعد أن كانت قلعة راشيا شبه فارغة، رغم بنيانها الرائع بقناطره وشرفاته وردهاته، ها هي تصبح موضع جذب سياحي وشبابي.

في الطابق السفلي حيث العقد الصليببي القديم، أُعيد تأهيل المدخل الجميل، وزوّد بجهاز ذكي، تطرح عليه، مع بدء الزيارة، ما يخطر على بالك من أسئلة. فهو مجهز ليجيبك بأي معلومة تحتاجها. في هذا الطابق أيضاً تُشاهد عرضاً مشوقاً عن تاريخ القلعة التي بُنيت على مراحل، ومرت عليها سلطات وعهود، تركت آثارها في المبنى.

مرحلة الاستقلال ليست سوى الجزء الأخير من تاريخ المكان. فقد شهد جانباً من الثورة العربية الكبرى التي قام بها الموحدون الدروز ضد الفرنسيين عام 1925. وها هي خيمة قائد الثورة السلطان باشا الأطرش تنتصب هنا، لتذكرنا بما سبق الاستقلال من مقاومات ونضالات.

يحدثنا الدكتور عبد السلام ماريني، مدير عام مؤسسة الوليد بن طلال، التي قامت بجهد كبير لإعادة بث الحياة في جوانب المتحف، بالتعاون مع نائب المنطقة وائل أبو فاعور، عن حرص المؤسسة على أن تكون الخيمة بالمواصفات نفسها التي كانت للسلطان باشا الأطرش، وهذا تطلب بحثاً وجهداً خاصين. يومها اقتحم الدروز القلعة وتمكنوا من الدخول على الفرنسيين، وكادت القلعة تسقط، لكن جنود الانتداب طلبوا دعماً من قيادتهم في الشام، فأرسلت الطائرات التي قصفت راشيا وأحرقتها وقتلت 400 من الثوار. وفي المتحف لوحة بأسمائهم تخلّد ذكرى بطولاتهم الوطنية، على طريق تحرير بلادهم.

تستكمل حكاية الاستقلال نابضة، مجسدة، في الطابق الثاني من القلعة. هنا في ليل 11 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1943، كان الحدث التاريخي الفاصل. فقد احتجزت سلطة الانتداب الفرنسيّة رئيس الجمهورية اللبنانيّة الشيخ بشارة الخوري، ورئيس مجلس الوزراء رياض الصلح والوزراء: كميل شمعون، وعادل عسيران، وسليم تقلا، والنائب عبد الحميد كرامي، جرّاء معركة تعديل الدستور، التي قرّرت خلالها السلطة اللبنانيّة إنهاء الانتداب الفرنسي.

مكتب الرئيس رياض الصلح وقلمه وطربوشه (متحف الاستقلال)

غرفة رئيس الوزراء رياض الصلح أعيد تأثيثها، لتعود كما كانت يوم سُجن فيها. وها هو يقف منتصباً أمامك، بفضل تقنية الهولوغرام، يشرح ظروف اعتقاله وما عاشه في سجنه، وكيف اقتيد مع رفاقه من بيروت إلى راشيا، ولم يكن أي منهم يحمل سلاحاً، ولا يطلب منصباً، بل كل ما كانوا يبتغونه هو الحرية. دقيقتان ونصف دقيقة تقف فيها أمام رياض الصلح، كأنه حاضر اليوم. و«هو أمر لم يكن بالسهل تقنياً. فاستعادة الصوت والهيئة والطلة لشخص غادرنا، ولم يبقَ من آثاره الكثير، كان تحدياً كبيراً»، يقول الدكتور ماريني، وكذلك استعادة الأثاث والحاجيات، من أسرّة وملابس ومقتنيات. فقد أريد لهذه الأمكنة أن تكون حيوية، وكأنما هؤلاء الثوار لا يزالون فيها. هذا نراه أيضاً في غرفة الرئيس بشارة الخوري، الذي يحدث زائريه أيضاً بالهولوغرام، وهو ما يُضفي على المتحف صفة الطرافة ويجعله أكثر جذباً للشباب والتلامذة الصغار. وهم الجمهور المستهدف بشكل أساسي.

نمر على غرفة التحقيقات والاتصالات والتنصت بأجهزتها التي كانت تُستخدم في تلك الفترة، وغرفة الضابط الفرنسي بمستلزماتها. هناك أيضاً حجرة الجنود الفرنسيين، وأخرى للإعلام جمعت فيها أعداد الصحف التي صدرت عام 1943 أي عام الاعتقال، ليطّلع الزائر على كيفية سرد الأخبار حينها. وثمة تسجيلات لمقابلات أُجريت مع أشخاص عاصروا المرحلة، بينهم امرأة تروي كيف كانت نساء راشيا يطبخن للسجناء، ويرسلن لهم الطعام. وقد فارقتنا هذه السيدة، ولحسن حظنا أنها سجلت شهادتها قبيل وفاتها.

إحدى باحات القلعة المهابة (متحف الاستقلال)

حرص المشرفون على المتحف على ألَّا تكون زيارته عابرة، بل تحتاج وقتاً وتمعناً. ويمكن أن يقضي الزائر ساعتين ونصف ساعة مستمعاً، قارئاً، متفرجاً، متأملاً، لينتهي به الأمر إلى غرفة متَّسعة تصلح لمجموعات الزائرين الذين يودون التباري في ما بينهم، لاختبار معلومات تعلموها خلال جولتهم. وفي المتحف غرفة مخصصة للاجتماعات والحوارات.

نائب المنطقة، وائل أبو فاعور، سعيد وهو يتحدث عن هذا الإنجاز لبلدته التي أُعيد رصف أحيائها القديمة، والسوق الأثرية، ودرج الاستقلال وهو يصل السوق بالقلعة، كما تمت إنارتها.

«هذا يشكل مشروعاً متكاملاً بحيث يتمكن الزائر للمتحف من الاستمتاع بطبيعة راشيا، وسحر موقعها، كما يزور قلعتها ويفهم تاريخها، وقد استكملت هويتها»، يقول النائب أبو فاعور. «في المتحف يعيش الزائر لحظة الاستقلال، كما هي، سياسياً ووطنياً. لقد حرصنا على بلورة وتقديم الحكاية الأكثر تعبيراً عن المرحلة، وعن تلاقي الإرادات الوطنية اللبنانية». كما يحدثنا النائب أبو فاعور عن أمله في أن يلعب المتحف دوراً توجيهياً وتربوياً، على مدار السنة وليس في عيد الاستقلال فقط. «ويجري العمل حالياً مع وزارتي التربية والثقافة، لتحفيز المدارس على تنظيم رحلات لطلابهم لزيارة المتحف، والاستفادة منه».

وكانت «مؤسسة الوليد بن طلال» قد أخذت قراراً بترميم القلعة منذ عام 2009. لكن فكرة المتحف لم تكن قد نضجت بعد، كما أن تجميع المقتنيات الشخصية لرجالات الاستقلال وتوثيق تفاصيل إقامتهم في القلعة لم يكن بالأمر اليسير. «التواصل مع نائب المنطقة وائل أبو فاعور أتى أُكُله، وكذلك التعاون مع البلدية، وتجاوب وزير الثقافة غسان سلامة الذي اشتغل على قانون يؤمّن الحفاظ على متاحف لبنان»، حسب د. ماريني.

من مقتنيات غرفة الاتصال في المتحف (متحف الاستقلال)

أما إعادة توثيق حكاية الاستقلال، فقد احتاجت عودة إلى كتب ووثائق، منها مذكرات الرئيس بشارة الخوري، وكتاب لجبران جريج، أحد الذين كانوا قد اعتقلوا في قلعة راشيا، وروى في كتابه كيف كانت ظروف السجناء، كذلك تمت مراسلة جهات فرنسية مختصة، لمعرفة اسم الضابط الذي كان مشرفاً على المكان، والحصول على صورته، ووثائق أخرى.

وحرصاً على الاستفادة من تجارب سبقت، تم التواصل مع عدد من المتاحف في فرنسا وألمانيا، و«مدام توسو» في بريطانيا. أما التحدي الحقيقي فكان إنجاز الهولوغرام للرئيسين بشارة الخوري ورياض الصلح، حيث يجب أن تأتي المقاييس مطابقة لما كانت عليه الشخصية، وكذلك الحركة ونبرة الصوت، والملابس. «الهولوغرامات في المتاحف موجودة، لكن المتقن منها قليل وله تكاليفه العالية، حيث تُحسب بالثانية التي يتحدث فيها الشخص. ونحن حرصنا على أن نقدِّم أفضل ما يمكننا، لذا وقع اختيارنا على إيطاليا لتنفيذ الهولوغرامين»، يقول د. ماريني.

تكتمل الزيارة بإطلالة من شرفة المتحف على بيوت راشيا القرميدية الساحرة، ووادي التيم بجماله الخلاب، وجبل حرمون بروحانيته الشفافة، لتشعر أن المجيء إلى هنا واجب وطني بحق.