ضغط الشارع يجبر إيران على تشديد الإجراءات ضد الوباء

اقتراب المصابين من 30 ألفاً وارتفاع الوفيات إلى 2234

الشرطة الإيرانية تغلق طريقاً سريعاً لفحص المسافرين في طهران أمس (إ.ب.أ)
الشرطة الإيرانية تغلق طريقاً سريعاً لفحص المسافرين في طهران أمس (إ.ب.أ)
TT

ضغط الشارع يجبر إيران على تشديد الإجراءات ضد الوباء

الشرطة الإيرانية تغلق طريقاً سريعاً لفحص المسافرين في طهران أمس (إ.ب.أ)
الشرطة الإيرانية تغلق طريقاً سريعاً لفحص المسافرين في طهران أمس (إ.ب.أ)

وصل عدد الإصابات بفيروس كورونا المستجد في إيران، أمس، إلى حافة 30 ألفاً، في وقت جددت الحكومة الإيرانية عزمها على تطبيق قيود أكثر صرامة لاحتواء الوباء، فيما كشف مسؤول رفيع في وزارة الداخلية عن ضغوط وانتقادات في الشارع الإيراني وراء الإجراءات الجديدة.
وبلغ إجمالي الوفيات بسبب كورونا في إيران 2234 حالة، بحسب الإحصائية الرسمية. وقال المتحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية، كيانوش جهانبور، في مؤتمر صحافي، أمس، إن 157 شخصاً توفوا بسبب فيروس «كوفيد 19» خلال 24 ساعة حتى منتصف نهار أمس.
واقتربت إيران من تخطي 30 ألف إصابة، بعدما أكدت وزارة الصحة تسجيل 2389 حالة جديدة، ما رفع حصيلة المصابين إلى 29406 حالة. انطلاقاً من هنا، دقّ جهانبور جرس الإنذار مرة أخرى عندما حثّ الإيرانيين على البقاء في منازلهم، ورجّح أن تشهد إيران ذروة الوباء بعد 3 أسابيع. ومع ذلك، قال إنه «لحسن الحظ، ثمة حتى يومنا 10457 شخصاً شفوا وغادروا المستشفيات»، بحسب ما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية.
وبدأت السلطات إجراءات تقييد التنقلات بين المدن، بدءاً من أمس، على أن تمنعها بشكل تام انطلاقاً من السبت. وذلك بعدما تراجعت الحكومة عن مواقف سابقة، وأقرت سلسلة تدابير جديدة بهدف الحد من انتشار الوباء.
ورفضت الحكومة حتى الآن فرض إجراءات عزل أو حجر عام، على غرار ما قامت به عدة دول، مؤكدة أنّ من شأن إجراءات كهذه الإضرار بالاقتصاد المتداعي تحت العقوبات الأميركية. وفي وقت سابق من هذا الشهر، قال مسؤول إيراني إن الحكومة تواجه عجزاً مالياً في توفير تكاليف الحجر الصحي، ومنها تعويضات لأصحاب المهن والمحلات التجارية والقطاع الخاص الذي يتأثر بالقرار.
وكان الرئيس الإيراني حسن روحاني قد أثنى، أول من أمس، على ما سماه الحجر تطوعي، وذلك بعد أسبوع من قوله: «لن يكون حجر في البلد، لا الآن، ولا مستقبلاً».
وإيران حالياً في وسط الاحتفالات السنوية برأس السنة الفارسية، التي بدأت في 20 مارس (آذار)، وتستمر لمدة أسبوعين. ويستغل كثير من الإيرانيين هذه الفترة كفرصة لأخذ عطلة.
وأمس، جددت الحكومة دعوتها للإيرانيين إلى احترام التدابير المتخذة. وقال نائب وزير الداخلية للشؤون الأمنية، حسين ذو الفقاري في كلمة متلفزة: «من كانوا يتطلعون إلى السفر، عليهم الإلغاء فوراً»، مضيفاً أن «من هم خارج محافظاتهم، تتعيّن عليهم العودة إلى ديارهم في أسرع وقت». وبذلك، لن يسمح للإيرانيين الإقامة في غير محافظاتهم.
وأقرّ ذو الفقاري بالضغوط الشعبية لدى قوله إن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة جاءت بعد تحولها إلى قضية رأي عام في البلد، ونقلت وكالة «تسنيم» عن ذو الفقاري قوله إن «الناس ينتقدون عدم اتخاذ قرارات حازمة للسيطرة على تفشي الوباء»، وأضاف: «خطط كثيرة تمت مناقشتها، لكن بسبب المشكلات التي تسببها لم نتوصل إلى إجماع، إلى أن تم إقرار خطة أول من أمس».
وقال ذو الفقاري؛ إن السلطات ستستثني القطاعات الضرورية لتوفير الحاجات اليومية للناس، مشيراً إلى إصدار قائمة تتضمن القطاعات التي سيشملها الحظر.
وتابع ذو الفقاري، وهو عضو رفيع ضمن اللجنة المشكلة لمواجهة تفشي فيروس كورونا المستجد، أن «كل التجمعات، سواء الرسمية أو غير الرسمية (...) كلها ممنوعة أيضاً»، محذّراً من أنّ عدم احترام الإجراءات سيعاقب بغرامة مالية، ومصادرة آلية النقل، أو إغلاق المحلات التجارية.
وقالت «الداخلية» في إرشادات جديدة؛ إنه لن يتم السماح سوى للمقيمين الدائمين فقط بدخول المدن مجدداً.
وسوف تتم مصادرة كل السيارات التي تحمل أرقاماً من مناطق أخرى لمدة شهر، كما يتعين على أصحابها دفع غرامة تعادل ما يصل إلى 33 دولاراً، بحسب القواعد الجديدة.
وفي الوقت ذاته، قال وزير الداخلية عبد الرضا رحماني فضلي، أمس، إن الوزارة ستتخذ إجراءات جديدة ضد من يخالفون التعليمات الصحية التي أقرتها الحكومة.
من جهته، قال رئيس لجنة إدارة مكافحة كورونا، في طهران، علي رضا زالي، إن مجلس بلدية طهران يدرس إغلاق خط مترو الأنفاق.
ومن جهة ثانية، أعلنت وزارة الاتصالات الإيرانية أنها لم تمدد الإنترنت المجاني الذي فتحته للمواطنين بهدف تشجيعهم على البقاء في المنازل. وبحسب مدير العلاقات العامة في الوزارة، رفضت اللجنة العليا طلب وزير الاتصالات للتمديد.
وأعرب الرئيس حسن روحاني خلال جلسة حكومية عن أمله في أن تؤدي «التدابير الشديدة» إلى احتواء انتشار الفيروس، لافتاً إلى أن الحكومة تتطلع لتطبيق «العزل الاجتماعي» في أقل من أسبوعين، لقطع وتيرة الوباء.
ويترقب روحاني القرار الذي سيتخذه المرشد علي خامنئي، بعد أن تقدم أمس بطلب لأخذ ميزانية قدرها مليار دولار من صندوق التنمية الوطني، بهدف التعامل مع «تعقيدات وإشكالات فيروس كورونا المستجد، بخاصة حاجات القطاع الطبي».
وستعمل السلطات الإيرانية على مساعدة الشركات التي لم تصرف موظفيها في هذه المرحلة عبر توفير قروض بفوائد منخفضة.
ووجّه النائب المنتخب مصطفي مير سليم، ومرشح الرئاسة في الانتخابات السابقة، رسالة إلى روحاني يتساءل فيها عن أسباب تأخره في اتخاذ الإجراءات. وقال مخاطباً روحاني: «نظراً لتجربة الصين والتحذيرات الأولى لوزير الصحة، لماذا لم تأمر بفرض قيود على مدينة قم بعد التعرف على حالتي إصابة؟!».


مقالات ذات صلة

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)
صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

التطعيم يحمي الأم ووليدها

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

كم سفينة تعرضت لهجمات في الخليج منذ اندلاع حرب إيران؟

دخان يتصاعد من سفينة الشحن التايلاندية «مايوري ناري» قرب مضيق هرمز بعد تعرضها لهجوم أمس (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد من سفينة الشحن التايلاندية «مايوري ناري» قرب مضيق هرمز بعد تعرضها لهجوم أمس (أ.ف.ب)
TT

كم سفينة تعرضت لهجمات في الخليج منذ اندلاع حرب إيران؟

دخان يتصاعد من سفينة الشحن التايلاندية «مايوري ناري» قرب مضيق هرمز بعد تعرضها لهجوم أمس (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد من سفينة الشحن التايلاندية «مايوري ناري» قرب مضيق هرمز بعد تعرضها لهجوم أمس (أ.ف.ب)

فرضت حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران تهديدات لمواني الخليج، وأدت إلى اضطراب حركة التجارة العالمية عبر مضيق هرمز الذي يمر عبره عادة نحو خُمس النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وحذر «الحرس الثوري» الإيراني من أن أي سفينة تمر عبر مضيق هرمز سيجري استهدافها.

وفيما يلي قائمة بالهجمات المبلغ عنها ​منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط):

* أول مارس (آذار)

قالت شركة «في شيبس» إن أحد أفراد الطاقم قُتل على متن ناقلة النفط الخام «إم كيه دي فيوم» التي ترفع علم جزر مارشال بعد أن أصيبت بمقذوف أثناء إبحارها قبالة ساحل سلطنة عُمان على بُعد 50 ميلاً بحرياً شمال العاصمة مسقط. وتعرضت ناقلة النفط «هرقل ستار» التي ترفع علم جبل طارق وتزود السفن بالوقود، لهجوم بمقذوف على بُعد 17 ميلاً بحرياً شمال غربي ميناء صقر في رأس الخيمة بالإمارات.

وذكرت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية أنه تسنى إخماد حريق نجم عن الهجوم. وتعرضت ناقلة ترفع علم بالاو لهجوم في مضيق هرمز على بُعد ميلين بحريين شمالي كمزار بسلطنة عُمان. وقال ‌مركز الأمن البحري ‌العُماني إنه جرى إجلاء طاقم ناقلة «سكايلايت» الخاضعة للعقوبات الأميركية.

* الثاني من ​مارس ‌

قالت ⁠هيئة ​عمليات التجارة ⁠البحرية البريطانية إن ناقلة منتجات تحمل اسم «ستينا إمبراتيف» وترفع علم الولايات المتحدة أصيبت بمقذوفين في ميناء بالبحرين، ما أدى إلى اندلاع حريق وإجلاء الطاقم.

* الثالث من مارس

قالت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ناقلة النفط الخام «ليبرا تريدر» التي ترفع علم جزر مارشال وناقلة البضائع السائبة «غولد أوك» التي ترفع علم بنما تعرضتا لأضرار طفيفة على بُعد ما بين 7 و10 أميال بحرية من ميناء الفجيرة الإماراتي.

* الرابع من مارس

قالت مصادر في قطاع الشحن إن سفينة الحاويات «سافين برستيج» التي ترفع علم مالطا تعرضت لأضرار جراء مقذوف أثناء ⁠إبحارها باتجاه مضيق هرمز على بُعد ميلين بحريين شمالي سلطنة عُمان. وتسبب الهجوم ‌في اندلاع حريق في غرفة المحركات، ما أجبر طاقمها على ‌إخلاء السفينة.

* الخامس من مارس

قالت شركة «سونانجول مارين سيرفيسز» إن انفجاراً وقع على متن ناقلة النفط الخام «سونانجول ناميبي»، ‌التي تمثلها، أثناء توقفها قرب ميناء خور الزبير في العراق.

وتشير التقييمات الأولية من مصدرين أمنيين عراقيين ‌في الميناء إلى أنه جرى استخدام زورق إيراني يتم التحكم فيه عن بُعد ومحمل بالمتفجرات لاستهداف السفينة وإلحاق الضرر بها، وترفع السفينة علم جزر البهاما.

* السادس من مارس

ذكرت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية أن زورق قطْر أصيب بمقذوفات في مضيق هرمز على بُعد 6 أميال بحرية شمالي سلطنة عُمان أثناء تنفيذ عمليات مع السفينة «سافين برستيج»، التي ‌استهدفت في الرابع من مارس.

* السابع من مارس

نقلت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية عن جهة لم تذكر اسمها أن هجوماً محتملاً بمسيرة وقع على ⁠بُعد 10 أميال بحرية ⁠شمالي مدينة الجبيل السعودية. وقالت إنه جرى إجلاء معظم أفراد الطاقم.

* 11 مارس

تعرضت سفينة شحن البضائع السائبة «مايوري ناري» التي ترفع علم تايلاند لهجوم بمقذوف في مضيق هرمز على بُعد 11 ميلاً بحرياً شمالي سلطنة عُمان.

وقالت شركة «بريشوس شيبينغ»، ومقرها بانكوك، في بيان، إن حريقاً اندلع على متن السفينة التابعة لها، ما دفع الطاقم إلى إخلائها. وتعرضت سفينة الحاويات «وان ماجستي» التي ترفع علم اليابان لأضرار طفيفة بعد أن أصيبت بمقذوف على بُعد 25 ميلاً بحرياً شمال غربي رأس الخيمة في الإمارات. وقالت شركة «فانغارد» لإدارة المخاطر البحرية إن بدن سفينة الشحن «ستار جوينيث»، التي ترفع علم جزر مارشال، تضرر بعدما تعرضت لهجوم بمقذوف على بُعد 50 ميلاً بحرياً شمال غربي دبي. وقالت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إنه لا توجد أي آثار بيئية وإن الطاقم بخير.

وقال مسؤولو المواني العراقية ووكالة الأنباء الرسمية إن ناقلتي الوقود «سيف سي فيشنو» التي ترفع ​علم جزر مارشال و«زيفيروس» التي ترفع علم مالطا ​تعرضتا لهجوم في الخليج قرب السواحل العراقية، مما دفع المواني النفطية العراقية إلى تعليق جميع عملياتها. وقال مسؤول أمني في أحد المواني إنه جرى انتشال جثة أحد أفراد الطاقم الأجانب من المياه.


أكراد إيران أمام معضلة خطرة في ظل غموض أهداف واشنطن من الحرب

تصاعد الدخان جرَّاء الغارات الإسرائيلية على طهران (رويترز)
تصاعد الدخان جرَّاء الغارات الإسرائيلية على طهران (رويترز)
TT

أكراد إيران أمام معضلة خطرة في ظل غموض أهداف واشنطن من الحرب

تصاعد الدخان جرَّاء الغارات الإسرائيلية على طهران (رويترز)
تصاعد الدخان جرَّاء الغارات الإسرائيلية على طهران (رويترز)

في ظل الضربات الأميركية-الإسرائيلية المتواصلة على إيران، تجد الجماعات الكردية نفسها أمام قرار بالغ الحساسية: هل تستغل اللحظة للتحرك ضد النظام، أم تتجنب مغامرة عسكرية محفوفة بالمخاطر في ظل غموض الاستراتيجية الأميركية ونهايات الحرب. هذا ما أكَّده وينثروب رودجرز، الباحث المشارك في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والمتخصص في قضايا السياسة والأمن الإقليمي وشؤون الأقليات، في تقرير نشره المعهد الملكي للشؤون الدولية (تشاتام هاوس).

ويقول رودجرز إنه بعد أكثر من أسبوع على بدء الضربات الجوية الأميركية-الإسرائيلية المتواصلة على إيران، لا تزال نهاية الحرب غير واضحة المعالم. وفي ظل وضع يزداد تعقيداً، لا تبدو الولايات المتحدة وكأنها تمتلك استراتيجية متماسكة ومستقرة، إذ تطرح إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب أهدافاً وتبريرات متغيرة ومتباينة.

ووسط هذا الغموض، بدا أن ترمب يشجع الجماعات الكردية في إيران على الانتفاض ضد النظام الإيراني، قبل أن يبدو وكأنه يتراجع عن موقفه لاحقاً. ففي الخامس من مارس (آذار)، أي بعد ستة أيام من إطلاق الولايات المتحدة وإسرائيل أولى ضرباتهما، قال ترمب بشأن احتمال تحرك عسكري كردي: «من الرائع أنهم يريدون فعل ذلك، وأنا أؤيد ذلك تماماً». لكن بعد يومين فقط، قال للصحافيين: «لا أريد للأكراد أن يدخلوا إلى إيران... فالحرب معقدة بما يكفي كما هي».

وعملياً، تواصل الولايات المتحدة وإسرائيل تنفيذ قصف مكثف على أهداف في المناطق الكردية غرب إيران، وقد فسِّر ذلك على أنه محاولة محتملة لتهيئة الأرض أمام الأحزاب الكردية المتمركزة في تلك المنطقة وعبر الحدود في العراق لشن هجوم ضد النظام.

وذكرت شبكة «سي إن إن» نقلاً عن مسؤولين أكراد وأميركيين لم تسمهم أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) تعمل على تسليح قوات كردية. وأفاد التقرير بأن إدارة ترمب تجري مناقشات نشطة مع جماعات كردية بشأن تقديم دعم عسكري لها، ربما لشن هجوم يمكن أن يقيد قوات أمن النظام ويفتح المجال أمام انتفاضة أوسع للمعارضة.

ورفضت وكالة الاستخبارات المركزية التعليق على تقرير «سي إن إن»، بينما قال وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث إن «أياً من أهدافنا لا يقوم على افتراض دعم تسليح أي قوة بعينها».

وكانت الولايات المتحدة قد درَّبت وموَّلت مقاتلين أكراداً في كل من العراق وسوريا في السابق. وبناء على هذه التجارب، تجد الجماعات الكردية الإيرانية نفسها أمام معضلة؛ فالشراكة مع الولايات المتحدة قد تحدث فرقاً إيجابياً حقيقياً في تحقيق أهدافها، لكنها ستكون في الأساس علاقة قائمة على المصالح المتبادلة. كما لا توجد مؤشرات تذكر على أن إدارة ترمب مستعدة لتضمين التزام أساسي بدعم الأهداف السياسية للأكراد، إذ يبدو أن تصورها لنهاية الصراع في إيران يكتنفه الارتباك في أفضل الأحوال.

ويقول رودجرز إنه لذلك يتعين على كل من واشنطن والأكراد الإيرانيين التفكير في مدى قوة واستمرارية أي دعم أميركي محتمل، خاصة في ضوء تجارب سابقة تخلَّت فيها الولايات المتحدة عن شركائها الأكراد، كان أحدثها عندما تخلت عن «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد). كما يتعين عليهم أيضاً التساؤل عما إذا كانت انتفاضة كردية تخدم مصالحهم على المدى الطويل أم لا.

الأكراد في إيران

يشكل الأكراد إحدى أكبر الأقليات العرقية في إيران، ويقدر عددهم بما يتراوح بين 7 ملايين و15 مليون نسمة (نحو 8 إلى 17 في المائة من إجمالي سكان البلاد)، ويتركز وجودهم على طول الحدود الغربية لإيران مع العراق وتركيا، وهي من أكثر مناطق البلاد فقراً.

ورغم أن الدستور الإيراني ينص نظرياً على المساواة في الحقوق بين جميع القوميات، فإن الحكومة الإيرانية لجأت في الواقع مراراً إلى العنف لقمع مظاهر الهوية الثقافية واللغوية والسياسية الكردية.

وبحسب رودجرز، يتسم المشهد السياسي الكردي بالتشرذم بين عدة أحزاب تتبنى طيفاً واسعاً من الآيديولوجيات وتستند إلى قواعد دعم مختلفة. كما أن الرأي العام الكردي ليس موحداً، ولا يؤيد جميع الأكراد الأحزاب القومية الكردية. وتملك هذه الجماعات أيضاً سجلاً ضعيفاً في التعاون فيما بينها، بل إنها خاضت أحياناً صراعات ضد بعضها البعض. ومع ذلك، فإن ما يجمع الأحزاب القومية الكردية هو معارضتها للجمهورية الإسلامية وسعيها لضمان حقوق الأكراد والحكم الذاتي المحلي في إطار إيران ديمقراطية مستقبلية.

في 22 فبراير (شباط)، أعلنت خمسة أحزاب كردية تشكيل ائتلاف القوى السياسية لكردستان إيران، وتشمل هذه الأحزاب: الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، وحزب كومله لكادحي كردستان، وحزب حرية كردستان، وخبات، وحزب الحياة الحرة الكردستاني. وفي 4 مارس (آذار) انضم أيضاً حزب «كومله» إلى الائتلاف. وتتمركز قيادة هذا الائتلاف إلى حد كبير في العراق أو في دول الغرب، لكنها تتمتع أيضاً بتنظيم داخل إيران عبر شبكات سرية.

أما حزب الحياة الحرة الكردستاني فينظر إليه باعتباره الفرع الإيراني لحزب العمال الكردستاني، الذي خاض تمرداً طويلاً ضد الدولة التركية، ويفترض أنه يمتلك كوادر أكثر خبرة في القتال. في المقابل، يعد حزبا حرية كردستان وخبات أصغر بكثير ويتمتعان بتأثير محدود داخل كردستان الإيرانية.

التحديات

على الرغم من توحُّد هذه الأحزاب، فإن اختبارات كبيرة تنتظرها، بحسب رودجرز؛ فحجم القوات العسكرية التابعة لهذه الجماعات وقدراتها القتالية الفعلية غير معروفين. وعلى مدى سنوات، ظل معظمها محصوراً داخل معسكراته في إقليم كردستان العراق، بينما تبقى قوتها داخل إيران غير واضحة.

ورغم أن قوات الأمن الإيرانية تعرضت لقدر من الضعف، فإنها لا تزال تمتلك قدرة كبيرة على استخدام العنف، وأظهرت استعدادها لاستعماله ضد السكان المدنيين الأكراد، كما حدث خلال احتجاجات يناير (كانون الثاني) 2026. كما استهدف الجيش الإيراني بالفعل قوات كردية في العراق في إطار رده على الضربات الأميركية والإسرائيلية.

وبالتالي، يقول رودجرز إن إطلاق الجماعات الكردية عمليات مسلحة ضد النظام يمثل مخاطرة هائلة، حتى مع وجود دعم جوي أميركي وإسرائيلي. وقال عبد الله مهتدي، زعيم حزب كومله، لصحيفة «دي تسايت» الألمانية مؤخراً: «لن نرسل قواتنا إلى المسلخ».

إضافة إلى ذلك، ليس من الواضح ما إذا كانت الوحدة الجديدة بين الأكراد الإيرانيين ستستمر، فخلافات الاستراتيجية والتنافس على الموارد والعداوات التاريخية وتغير الظروف قد تقوض تعاونهم في المدى القريب. وحتى إذا نجحوا في تحقيق أهدافهم السياسية وأقاموا شكلاً من أشكال السيطرة المحلية، فإن تحديات الحكم السياسي والإداري ستصبح واقعاً سريعاً.

وإذا قررت الجماعات الكردية الانتفاض، فإن نجاحها سيعتمد على التوازن السياسي والاستعداد العسكري والتخطيط الدقيق للمستقبل والتوقيت المناسب. كما يبقى من غير الواضح ما إذا كان إيرانيون آخرون سينتفضون ضد النظام، ومن الطبيعي أن يؤثر ذلك في كيفية النظر إلى أي انتفاضة كردية في مناطق أخرى من إيران.

وبينما اتهم كل من النظام والمعارضة الأوسع «جماعات انفصالية» لم يسمها، أكدت الأحزاب الكردية الإيرانية بوضوح أن هدفها ليس الانفصال، بل أن تكون جزءاً من إيران متعددة القوميات وديمقراطية.

وعملياً، تشير تجربة الجماعات الكردية في سوريا وغيرها إلى أن التعاون مع فصائل أخرى مناهضة للنظام ضمن جبهة شعبية واسعة سيواجه تحديات. ويقول رودجرز إنه لذلك ينبغي على الجماعات الكردية توخي الحذر من الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة في الدعم السياسي والعسكري، خاصة في ظل التصريحات المتغيرة الصادرة عن إدارة ترمب. وقد يؤدي غياب المساعدة العلنية من الولايات المتحدة في الواقع إلى تبسيط حسابات الأكراد الإيرانيين، الذين لا يتوقف مستقبلهم في إيران على هذا البيت الأبيض المتقلب.


كيف غيّرت حرب إيران العالم في أقل من أسبوعين؟

لافتة تعرض أسعار البنزين والديزل في محطة وقود في الولايات المتحدة (د.ب.أ)
لافتة تعرض أسعار البنزين والديزل في محطة وقود في الولايات المتحدة (د.ب.أ)
TT

كيف غيّرت حرب إيران العالم في أقل من أسبوعين؟

لافتة تعرض أسعار البنزين والديزل في محطة وقود في الولايات المتحدة (د.ب.أ)
لافتة تعرض أسعار البنزين والديزل في محطة وقود في الولايات المتحدة (د.ب.أ)

منذ أن شنّ الرئيس الأميركي دونالد ترمب الحرب على إيران، صوّرها على أنها هجوم خاطف ذو عواقب قليلة طويلة الأمد، لا سيما على الأميركيين. وقد وصفها، يوم الاثنين الماضي، بأنها «اضطراب مؤقت».

لكن خبراء ومحللين دوليين أشاروا إلى تحول هذه الحرب سريعاً إلى صدمة للنظام الأمني ​​والاقتصاد العالميين تفوق بكثير تلك التي أحدثتها صراعات أخرى حديثة في الشرق الأوسط، بحسب ما نقلته صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية.

ففي أقل من أسبوعين، أعادت الحرب تشكيل أنماط السفر، والاعتماد على الطاقة، وتكاليف المعيشة، وطرق التجارة، والشراكات الاستراتيجية.

وقد تعرضت دولٌ عادةً ما تكون بمنأى عن الصراعات الإقليمية، مثل قبرص والإمارات العربية المتحدة، لضربات إيرانية مباشرة.

وقد تُؤدي تداعيات هذه الحرب إلى تعطيل انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، وتغيير حسابات الحرب في أوكرانيا، وإجبار الصين على تغيير استراتيجيتها الاقتصادية بشكلٍ جذري.

هذه الآثار قد تتفاقم إذا مضى ترمب قدماً في الحرب، لا سيما إذا صعّدت إيران هجماتها المضادة وأغلقت مضيق هرمز، الممر النفطي الحيوي.

وتؤثر الحرب بشكل مباشر وملموس على الشرق الأوسط. فقد أسفرت الهجمات في أنحاء المنطقة عن مقتل أكثر من ألف شخص، وألحقت أضراراً جسيمة بالبنية التحتية الحيوية والبيئة، خصوصاً في طهران، حيث امتدت أعمدة من الدخان السام والأمطار السوداء فوق البلاد بعد غارات إسرائيلية على مستودعات الوقود.

صدمة في أسواق النفط

بالنسبة لمعظم أنحاء العالم، كانت أولى آثار الحرب المدمرة ارتفاع أسعار البنزين. إذ قفزت أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل بعد توقف مرور بعض ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات النفطية في العالم.

ويحذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار الأزمة قد يشعل موجة متصاعدة من ارتفاع الأسعار في مختلف الاقتصادات، مما سيؤثر سلباً على النمو الاقتصادي، وهو مصير مشابه لسيناريو «الركود التضخمي» الذي أعقب الثورة الإيرانية عام 1979، حيث ترتفع الأسعار بينما يتباطأ النمو الاقتصادي.

تداعيات عالمية

الحرب لا تؤثر على الشرق الأوسط فقط، بل تمتد آثارها إلى مناطق عدة.

ففي الصين، يُشكّل فقدان إمكانية الوصول إلى النفط الرخيص خطراً متزايداً، وهو ليس الخطر الوحيد. فقد بات المصدرون الصينيون يعتمدون بشكل متزايد على المستهلكين في الشرق الأوسط. وقد يؤدي أي اضطراب في اقتصادات الشرق الأوسط إلى الحد من مبيعات البضائع الصينية هناك، مما يُقوّض نمو الصين.

في المقابل، يُفيد ارتفاع أسعار النفط روسيا، من خلال تعزيز عائدات النفط التي تُسهم في تمويل آلة موسكو الحربية في أوكرانيا.

كما يساور الأوروبيين قلقٌ من أن القتال العنيف في الشرق الأوسط سيُلحق ضرراً غير مباشر بالدفاعات الأوكرانية، فكلما زاد استخدام الولايات المتحدة وحلفائها للصواريخ الاعتراضية لمواجهة إيران، قلّت الصواريخ المتاحة لأوكرانيا للدفاع عن نفسها ضد الهجمات الروسية.

تداعيات سياسية داخل الولايات المتحدة

داخلياً، تواجه الحرب انتقادات متزايدة في الولايات المتحدة، حيث لا تحظى بدعم شعبي يُذكر مقارنةً بالحروب السابقة. ويستغل الديمقراطيون ارتفاع تكاليف الطاقة لكسب أصوات الناخبين قبل انتخابات التجديد النصفي.

كما ألقت الحرب بظلالها على استعدادات استضافة الولايات المتحدة لكأس العالم لكرة القدم هذا الصيف، خاصة مع الغموض حول إمكانية مشاركة المنتخب الإيراني في البطولة.

مخاوف من غياب خطة لنهاية الحرب

في أوروبا، تتصاعد المخاوف من أن الولايات المتحدة وإسرائيل لا تمتلكان خطة واضحة لما بعد الحرب أو لكيفية إدارة إيران إذا انهار نظامها.

ويحذر قادة أوروبيون من أن استمرار القتال دون استراتيجية خروج واضحة قد يفتح الباب أمام أزمة إقليمية طويلة الأمد.

وبينما تصر الإدارة الأميركية على أن آثار الحرب مؤقتة، يرى مراقبون أن الصراع قد يعيد رسم خريطة الاقتصاد والسياسة في العالم إذا طال أمده أو توسعت رقعته.