مخاوف الانكماش تنذر بحرب جديدة للعملات بين البنوك المركزية الكبرى

الين عند أدنى مستوى له في 6 أعوام واليورو خلال عامين

مخاوف الانكماش تنذر بحرب جديدة للعملات بين البنوك المركزية الكبرى
TT

مخاوف الانكماش تنذر بحرب جديدة للعملات بين البنوك المركزية الكبرى

مخاوف الانكماش تنذر بحرب جديدة للعملات بين البنوك المركزية الكبرى

تذكي مخاوف انكماش الاقتصاد لدى البنوك المركزية الكبرى من احتمالية الإعلان عن اندلاع حرب عملات جديدة، إذ يؤشر تراجع العملات الكبرى على غرار اليورو والين مقابل الدولار على حرب تدور رحاها في الخفاء للفوز بحصة أكبر من النمو العالمي الضعيف.
وبدا أن الولايات المتحدة تغض الطرف عن محاولات البنوك المركزية الكبرى لتخفيض قيمة عملاتها مقابل الدولار، مع مؤشرات على نمو الاقتصاد الأميركي وتحسن في معدلات البطالة التي تراجعت في سبتمبر (أيلول) الماضي إلى أدنى مستوياتها منذ أغسطس (آب) عام 2008.
وقال محللون لـ«الشرق الأوسط» إن «محاولات البنوك المركزية الكبرى لتقليل قيمة عملتها مقابل الدولار تأتي في إطار السياسات النقدية لتلك البنوك التي تهدف إلى تحفيز الاقتصاد من خلال تحفيز معدلات التضخم المنخفضة التي قد تدفع باقتصادياتها نحو مرحلة جديدة من الكساد».
وعلى مدار سنوات، سمحت الولايات المتحدة بارتفاع قيمة عملتها أمام سلة من العملات الرئيسية بما يعطي الفرصة لدفع عجلة الاقتصاد قدما في تلك البلدان.
ويعكس الصمت الحالي حقيقة أن الاقتصاد الأميركي بدأ يسترد عافيته، مع الوضع في الاعتبار أن نمو اقتصادات على غرار منطقة اليورو واليابان يصب أيضا في مصلحة الاقتصاد الأميركي.
ونما الاقتصاد الأميركي بمعدل سنوي بلغ نحو 3.5 في المائة بالربع الثالث من العام الحالي، متجاوزا توقعات بنمو قدره 3 في المائة.
ولكن محضر اجتماع الفيدرالي الأميركي الأخير الذي أعلن فيه البنك عن إنهاء برنامجه للتيسير الكمي، يظهر أن الولايات المتحدة غير مستعدة بقبول استمرار صعود الدولار أمام سلة العملات الرئيسية بما يضر الاقتصاد لديها بعد انتهاء برنامجها للتحفيز.
وتأكد الولايات المتحدة باستمرار أنه يجب على الأسواق تحديد قيمة العملات، وانتقدت الدول التي تحاول التلاعب بأسعار صرف العملات، وهو شيء معاكس للوضع الصامت حاليا.
ويقول فيكتور لي كينغ، خبير أسواق العملات لدى «إتش إس بي سي» لـ«الشرق الأوسط»: «تسعى دول كبرى إلى الإبقاء على سعر عملتها منخفضا في مواجهة سلة العملات الأخرى، رغبة منها في زيادة حركة صادراتها وتحفيز الاقتصاد بوجه عام. وفي سبيل ذلك تستخدم البنوك المركزية في تلك البلدان كل الوسائل الممكنة، ومن بينها أسعار الفائدة وبرامج التيسير الكمي واستهداف مستويات مرتفعة للتضخم، على غرار ما يحدث في اليابان ومنطقة اليورو».
وغالبا ما تستهدف البنوك المركزية مستويات تضخم تحوم حول اثنين في المائة، والتي ترى فيها تلك البنوك أفضل وسيلة لتحقيق الاستدامة بالنمو الاقتصادي، فيما تظهر أرقام اطلعت عليها «الشرق الأوسط» لنحو 36 دولة نجاح 8 دول فقط في الوصول إلى هذا المستوى، فيما زالت دول أخرى على غرار اليابان ومنطقة اليورو بعيدة عن مستويات التضخم المستهدفة.
وفي اليابان، حوم مؤشر التضخم الأساسي لأسعار المستهلكين باليابان عند مستويات منخفضة نحو 1.2 في المائة الشهر الماضي، مع استبعاد التأثير الناتج عن سريان زيادة في ضريبة المبيعات في أبريل (نيسان) الماضي، وهو ما يلقي شكوكا على إمكانية أن يتسارع نمو الأسعار إلى اثنين في المائة العام المقبل الذي يضعه البنك المركزي كهدف رئيسي.
ويضيف كينغ أن «البيئة الصفرية لأسعار الفائدة تجعل من فكرة تحرك العملات صعودا أو هبوطا يتوقف على كمية العملة التي تقوم البنوك المركزية بضخها في الأسواق، وهنا نستحضر تلك التي رفعت من برنامجها للتيسير الكمي في الوقت الذي أعلنت الولايات المتحدة عن انتهائه».
وفي خطوة مفاجأة خالفت كل توقعات الخبراء، عزز المركزي الياباني في مطلع الشهر الحالي من برنامجه للتيسير الكمي، في إقرار واضح منه أن النمو الاقتصادي والتضخم في البلاد لم يتسارعا بالقدر المتوقع بعد رفع ضريبة المبيعات في أبريل.
وتتناقض خطوة بنك اليابان مع قرار المركزي الأميركي الذي أنهى برنامجه التحفيزي مطلع الشهر الحالي، إذ يرى أن الاقتصاد الأميركي تعافى بما يكفي للاستغناء عن ضخ السيولة في نظامه المالي.
ووافق البنك أيضا على زيادة مشترياته من السندات الحكومية اليابانية إلى 80 تريليون ين (723.4 مليار دولار) سنويا بزيادة 30 تريليون ين.
وقال هاروهيكو كورودا، محافظ المركزي الياباني، في المؤتمر الصحافي الشهري: «تمر اليابان حاليا بلحظة حرجة للخروج من دائرة انكماش الأسعار. وخطوات اليوم تظهر إصرارنا القوي على إنهاء الانكماش».
وخفض البنك المركزي الياباني من توقعاته للتضخم إلى 1.7 في المائة خلال العام المالي المنتهي في مارس (آذار) 2016، من توقعاته السابقة في يوليو (تموز) بنسبة 1.9 في المائة.
وتظهر حسابات لـ«الشرق الأوسط» تراجع الين الياباني إلى أدنى مستوى له في نحو 6 أعوام أمام الدولار القوي، فاقدا نحو 25 في المائة من قيمته منذ مطلع العام الحالي وحتى نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.
وإلى منطقة اليورو، حيث يقف التضخم عند مستويات متدنية للغاية بلغت 0.4 في المائة في نهاية أكتوبر الماضي مبتعدا عن المستوى المستهدف من قبل المركزي الأوروبي عند نحو اثنين في المائة.
وهبطت في المقابل العملة الموحدة إلى أدنى مستوياتها في نحو عامين مقابل الدولار بنهاية تعاملات الشهر الماضي.
وسعى المركزي الأوروبي خلال الأشهر الأخيرة إلى تخفيض قيمة اليورو من خلال مجموعة من التدابير، منها عرض البنك القروض التي كانت بلا فائدة، من الناحية العملية، على البنوك التجارية التي وعدت بإقراض الأموال إلى الشركات والمستهلكين وهو ما يؤدي إلى زيادة المعروض من اليورو وبالتالي تراجعه.
كما خفض البنك من أسعار الفائدة في نهاية سبتمبر الماضي إلى مستوى 0.05 في المائة، في خطوة عزاها المحللون إلى رغبة البنك في تخفيض أسعار اليورو مقابل سلة العملات الرئيسية.
وفي آخر اجتماع للبنك مطلع الشهر الحالي، لمح ماريو دراغي، رئيس البنك المركزي الأوروبي، إلى وجود خطط لدى البنك لإطلاق حزمة إجراءات تحفيز اقتصادي جديدة إذا لزم الأمر، بهدف مساعدة اقتصادات منطقة اليورو المتعثرة على التعافي.
ومن شأن أي برنامج للتيسير الكمي من قبل المركزي الأوروبي أن يسهم في تراجع اليورو أمام سلة العملات الأخرى.
وتقول فريناندا كايلوكس، خبير أسواق الفوريكس لدى «بي إن بي باريبا»: «قد نرى خطوات تحفيزية حقيقة من قبل دراغي لتحفيز النمو من خلال برامج للتيسير الكمي، ومحاولات أيضا لخفض قيمة العملة الموحدة في ظل التراجع المستمر في الصادرات على مدى الأشهر الثلاثة الماضية».
وتظهر الأرقام المتاحة على موقع البنك المركزي الأوروبي، والتي أطلعت عليها «الشرق الأوسط»، انخفاض الصادرات في أغسطس الماضي بواقع 0.9 في المائة، مقارنة مع يوليو الذي تراجعت فيه الصادرات هي الآخرى بنسبة بلغت 0.3 في المائة على أساس شهر.
وإلى الصين ثاني أكبر اقتصاد بالعالم بعد الولايات المتحدة، حيث تشير آخر الأرقام الصادرة عن بنك الشعب الصيني، البنك المركزي، تباطؤ التضخم في سبتمبر الماضي إلى أدنى مستوى له في نحو 4 سنوات عند 1.6 في المائة. والدولار مرتفع منذ مطلع العام أمام العملة الصينية بواقع 1.4 في المائة.
كما ارتفعت قيمة الصادرات بنسبة 15.3 في المائة خلال سبتمبر الماضي عن مستواها قبل سنة، لتصل إلى 213.7 بليون دولار.
وتقول كايلوكس: «فيما يتعلق بالصين، فهي بحاجة ماسة إلى خفض قيمة عملتها مقابل الدولار مع خططها لخفض نسبة الاستثمار في الناتج المحلي الإجمالي واستهداف معدلات تضخم أعلى من المستويات الحالية، لذا فإن الخطوات التحفيزية القادمة من قبل المركزي الصيني لتحفيز الاقتصاد تضع خفض قيمة عملتها نصب أعينها».
وإلى بريطانيا، حيث تراجع معدل التضخم إلى أدنى مستوى في 5 سنوات خلال سبتمبر الماضي عند مستوى 1.2 في المائة، انخفاضا من مستوى 1.5 في المائة الشهر الذي يسبقه.
ويظهر آخر محضر اجتماع لبنك إنجلترا، البنك المركزي، رسالة إلى الأسواق مفادها أن البنك لا يفضل وجود سعر صرف مرتفع، لأن ذلك يساهم في تراجع المستوى العام للأسعار، هذا فضلا عن التأثير سلبا على الصادرات التي تراجعت بواقع 2.8 في المائة في أغسطس على أساس شهري وفق آخر الأرقام المتاحة.
وفي دول أخرى على غرار سويسرا ونيوزلندا، تؤكد البنوك المركزية التابعة لتلك البلدان على خفض عملتها في مقابل الدولار، حيث يظهر آخر محضر اجتماع للمركزي النيوزلندي نية البنك التدخل في سوق الصرف، بهدف خفض سعر الصرف أمام الدولار الأميركي.
ويقول محضر الاجتماع: «سنتدخل في أي وقت نراه مناسبا إذا ما استمر الدولار النيوزيلندي في الارتفاع بشكل غير مبرر».
وإلى سويسرا التي انخفض فيها التضخم خلال سبتمبر الماضي إلى ما دون الصفر عند سالب 0.1 في المائة، فإن المركزي السويسري يرى ضرورة حماية عملته في مواجهة الدولار واليورو.
ولامس مؤشر الدولار الذي يقيس أداء العملة الأميركية أمام سلة من العملات بنهاية الشهر الماضي أعلى مستوى له منذ يونيو (حزيران) 2010 عند 88.174 نقطة.
* الوحدة الاقتصادية لـ«الشرق الأوسط»



أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
TT

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)

قفزت أسعار النفط نحو 4 في المائة، يوم الاثنين، بعد أن بدأ الجيش الأميركي حصاراً بحرياً على السفن المغادرة للموانئ الإيرانية. وتأتي هذه الخطوة التصعيدية في أعقاب انهيار محادثات نهاية الأسبوع الرامية لإنهاء الحرب، مما دفع طهران للتهديد بالرد ضد جيرانها في الخليج.

تقلبات حادة في الأسواق الآجلة والفورية

أنهت العقود الآجلة تعاملات يوم الاثنين على ارتفاع، مواصلةً حالة التذبذب التي سادت الأسواق منذ بدء النزاع في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وارتفع خام برنت بمقدار 4.16 دولار أو ما نسبته 4.4 في المائة ليستقر عند 99.36 دولار للبرميل. كما صعد الخام الأميركي بمقدار 2.51 دولار أو 2.6 في المائة ليستقر عند 99.08 دولار.

وسجلت أسعار الخام المخصص للتسليم الفوري في أوروبا مستويات قياسية وصلت إلى 150 دولاراً للبرميل.

مضيق هرمز: شريان الطاقة العالمي في خطر

تسببت الحرب في أكبر اضطراب شهدته إمدادات النفط والغاز العالمية على الإطلاق، نتيجة تعطل حركة المرور في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً.

وفي حين ذكر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن 34 سفينة عبرت المضيق يوم الأحد، إلا أن تقارير الملاحة تشير إلى انخفاض حاد، حيث تعبر في الظروف العادية أكثر من 100 سفينة يومياً.

تداعيات التضخم العالمي وتراجع الطلب

بدأت التكاليف المرتفعة تضغط بشدة على ميزانيات المستهلكين حول العالم. ففي الولايات المتحدة، سجلت أسعار البنزين والديزل أعلى مستوياتها منذ صيف 2022. وفي أوروبا، أعلنت المفوضية الأوروبية عن زيادة قدرها 22 مليار يورو في فواتير الوقود الأحفوري منذ بدء الحرب.

في حين خفضت منظمة «أوبك» توقعاتها للطلب العالمي على النفط في الربع الثاني بمقدار 500 ألف برميل يومياً.

انقسام دولي وإجراءات طارئة

في الوقت الذي لوّح فيه ترمب باستهداف أي سفن هجومية إيرانية تقترب من الحصار، أعلن حلفاء الناتو امتناعهم عن المشاركة في خطة الحصار، مقترحين التدخل فقط بعد انتهاء القتال.

من جانبه، أشار رئيس وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، إلى أن الدول الأعضاء قد تضطر للسحب من احتياطاتها النفطية الاستراتيجية لمواجهة نقص الإمدادات، معرباً عن أمله في ألا تكون هذه الخطوة ضرورية إذا استقرت الأوضاع.


«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
TT

«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)

أطلق رؤساء ثلاث من كبرى المنظمات الدولية - وكالة الطاقة الدولية وصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي - تحذيراً شديد اللهجة بشأن التداعيات الاقتصادية المتفاقمة والناجمة عن الحرب المستمرة في منطقة الشرق الأوسط.

وفي بيان مشترك صدر يوم الاثنين عقب اجتماع رفيع المستوى في واشنطن، أكد قادة هذه المؤسسات أن النزاع أحدث صدمة «جوهرية وعالمية وغير متكافئة»، حيث طال الضرر بشكل أساسي الدول المستوردة للطاقة، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل. وأشار القادة إلى أن هذه «الصدمة» أدت بشكل مباشر إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، وإثارة مخاوف جدية تتعلق بالأمن الغذائي وفقدان الوظائف، وانخفاض كبير في إيرادات الصادرات لبعض الدول المنتجة للطاقة في المنطقة.

استمرار حالة عدم اليقين واضطراب الملاحة

وصف البيان الوضع الراهن بأنه «لا يزال غير يقيني للغاية»، مع الإشارة إلى أن حركة الشحن عبر مضيق هرمز لم تعُد إلى طبيعتها بعد. وحذر القادة من أنه حتى في حال استئناف الملاحة المنتظمة، فإن العودة لمستويات الإمداد ما قبل النزاع ستستغرق وقتاً، مما قد يبقي أسعار الوقود والأسمدة مرتفعة لفترة طويلة نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.

تداعيات قطاعية وإنسانية

أوضح البيان أن نقص المدخلات الأساسية الناتج عن تعطل الإمدادات سيؤثر على قطاعات الطاقة والغذاء والصناعة. كما أشار إلى أن الحرب تسببت في نزوح قسري للسكان، وتأثر الوظائف بشكل مباشر، وتراجع في حركة السفر والسياحة، وهو مسار قد يستغرق وقتاً طويلاً للتعافي منه.

تنسيق دولي ودعم مالي مرتقب

يأتي هذا الاجتماع باعتباره جزءاً من «مجموعة التنسيق» التي تم إنشاؤها في أوائل أبريل (نيسان) الجاري لضمان استجابة مؤسسية متكاملة للأزمة. وأعلن القادة أن فرق العمل المشتركة تعمل حالياً على مستوى الدول لتقديم مشورات تقنية مخصصة بهدف مساعدة الحكومات على وضع سياسات لمواجهة الصدمة، وتوفير دعم مالي مباشر من خلال صندوق النقد والبنك الدوليين للدول الأكثر تضرراً، لا سيما الدول ذات الدخل المنخفض التي تعاني من عبء فاتورة استيراد الطاقة.

واختتم رؤساء المنظمات بيانهم بالتزامهم بمواصلة مراقبة الأسواق عن كثب، والتنسيق مع المنظمات الدولية الأخرى لضمان وضع أسس «تعافٍ مرن» يضمن الاستقرار والنمو وتوفير فرص العمل في مرحلة ما بعد النزاع.


اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
TT

اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)

اتفاق غاز بين مصر وقبرص جاء بعد تقلبات في إمدادات الغاز الإسرائيلي بسبب حرب إيران، لكن إسرائيل تحدثت عن أنها «شريكة بذلك الحقل القبرصي وأن ذلك دليل على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

في المقابل، تعتقد مصر بحسب تصريحات رسمية، أن «لقبرص سيادة على الحقل، وليس لإسرائيل سلطة مطلقة فيه»، وهو ما جعل خبراء بينهم رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية للبرلمان) يؤكدون لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق يساعد مصر على تنويع الإمدادات من مصادر عدة، ويجعلها بعيدة عن الارتهان لضغوط سياسية من إسرائيل أو غيرها، بخلاف كونه يؤكد مكانة مصر في الإسالة التي لا بديل عنها حالياً».

وقالت سفارة إسرائيل لدى مصر، في بيان، إنه «تم توقيع عقد غاز ضخم مع مصر في حقل قبرصي بمشاركة شركة (نيو ميد) الإسرائيلية»، زاعمة أن «هذه الصفقة تسلط الضوء على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

وسبق محاولة إسرائيل تكريس هيمنتها، تأكيد وزير الدولة المصري للإعلام، ضياء رشوان، الخميس الماضي، في مؤتمر صحافي، أن «العقد موقَّع بين مصر وقبرص كمالكة للحقل، و(شيفرون) و(شل) بوصفهما الشركتين المسؤولتين عن إدارته». ولفت إلى أن جميع الشركات متعددة الجنسيات تضم «أطرافاً أخرى» (في إشارة لإسرائيل).

وتحت عنوان «مصر تخرج من شرنقة إسرائيل غازياً» كتب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عمرو هاشم ربيع، مقالاً بصحيفة «المصري اليوم» المحلية، قال فيه إن الكمية المصدرة من قبرص تقترب من الكمية المصدرة من إسرائيل، وتبلغ نحو مليار قدم مكعب يومياً، ومن ثم فإن تنويع المصادر الخارجية للغاز المورد لمصر أمر مهم للغاية، حتى تتجنب أي مثالب تتعلق باستيراد كمية كبيرة من الغاز من إسرائيل.

ويخلص إلى «أنه بذلك تكون مصر قد خرجت تدريجياً من شرنقة الغاز الإسرائيلي»، لافتاً إلى «أنه صحيح أن الغاز المتفق على توريده أخيراً من حقل (أفروديت) منتج من حقل تشارك فيه شركة (نيوميد إنرجي) الإسرائيلية، إلا أن باقي الشركاء غير ذلك؛ فالحكومة القبرصية في واجهة المشهد، لوقوع الحقل في أرضها، كما أن أكبر مُلاك الحقل هما شركة (شيفرون) الأميركية، وشركة (بي جي شل) البريطانية».

منصة الغاز التابعة لحقل «ليفياثان» أكبر حقول الغاز في إسرائيل (رويترز)

وتحدثت شركة «نيوميد إنرجي» الشريكة في حقل «أفروديت» القبرصي، الخميس، عن توقيع اتفاق لمدة 15 عاماً لبيع الغاز الطبيعي إلى شركة (إيغاس) المصرية، في وقت تنشط الجهود الحكومية لضمان تغطية الاستهلاك المحلي في ظل اضطرابات أسواق الطاقة، مع تأثر القاهرة سلباً بتوقف إمدادات الغاز القطري نتيجة «الحرب الإيرانية»، ومع إغلاق إسرائيل بعض حقولها قبل أن تستأنف العمل في حقل «ليفياثان» أخيراً.

وزير البترول المصري الأسبق، رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ، أسامة كمال، يشير إلى أن الاتفاق المصري - القبرصي ليس صفقة لإدخال الغاز غداً، بل صفقة مستقبلية سيبدأ تنفيذها فور انتهاء شركة «شيفرون» من أعمال الربط في 2027، لافتاً إلى أن الحقل قبرصي، ولا يوجد أمام أي دولة في منطقة شرق المتوسط مخرج لتصدير غازها إلا من خلال الشبكة البحرية المصرية ومحطتي الإسالة الموجودتين في مصر، حيث لا تمتلك أي دولة أخرى في المنطقة هذه الإمكانات، ومصر لها الأولوية في الغاز.

وأكد كمال لـ«الشرق الأوسط» أن «المشروعات المشتركة تربط مصائر الدول ببعضها البعض؛ ما يضمن وقوف دول أوروبية مثل قبرص واليونان بجانب مصر في مختلف المواقف السياسية حال كررت إسرائيل، وأوقفت إمدادات غازها مجددا»، موضحاً أن الاتفاقية مع قبرص «ليست لها علاقة بالغاز الإسرائيلي، بل في إطار التنوع لمجابهة أي ضغوط سياسية مستقبلية».

الخبير الاستراتيجي في الطاقة، والزميل الزائر بجامعة جورج ميسن الأميركية، الدكتور أوميد شكري، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن اتفاق الغاز المصري - القبرصي يأتي في إطار استراتيجي، وليس اتفاقية تجارية نهائية، موضحاً أنه «يُتيح تطوير وتصدير الغاز البحري القبرصي مستقبلاً، لا سيما من حقلي (أفروديت) و(كرونوس)، عبر البنية التحتية المصرية القائمة للغاز الطبيعي المسال».

وأضاف «أنه بالنسبة لمصر يُساعد هذا الاتفاق في سدّ فجوة متزايدة في الإمدادات المحلية، مع تعزيز دورها بوصفها مركزاً إقليمياً للغاز، أما بالنسبة لقبرص فهو يُوفر مساراً تجارياً مُجدياً لتصدير الموارد التي كانت ستُهدر لولا ذلك».

وبشأن إمكانية أن يُمثل الاتفاق تحولاً عن الاعتماد على الغاز الإسرائيلي، قال شكري: «ليس تماماً... حيث يعكس الاتفاق تنويعاً لا استبدالاً، خصوصاً أن مصر مُرتبطة هيكلياً بواردات الغاز الإسرائيلي، التي تُوفر إمدادات فورية وقابلة للتوسع عبر البنية التحتية القائمة. ومع ذلك، يُقلل اتفاق قبرص من اعتماد مصر على الغاز الإسرائيلي».

وتستورد مصر ما يصل إلى مليار قدم مكعبة يومياً، من الغاز الإسرائيلي بموجب اتفاق تم توقيعه عام 2019، ثم جرى تعديله بنهاية عام 2025 لينص على توريد 130 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي لمصر بقيمة 35 مليار دولار حتى عام 2040.

وتراجع إنتاج مصر من الغاز الطبيعي إلى نحو 4.1 مليار قدم مكعبة يومياً، مقابل احتياجات يومية تقارب 6.2 مليار قدم مكعبة، ترتفع إلى نحو 7.2 مليار قدم مكعبة خلال أشهر الصيف، وفقاً لتقديرات حكومية.