الأقصى.. هل يشعل حربا دينية؟

«الوضع القائم» في المسجد مطلب فلسطيني وعربي لكن غلاة المتطرفين اليهود يصبون الزيت على النار

الأقصى.. هل يشعل حربا دينية؟
TT

الأقصى.. هل يشعل حربا دينية؟

الأقصى.. هل يشعل حربا دينية؟

إذا كان يمكن وصف الصراع في مدينة القدس بأنه صراع هوية وعلى كل متر مربع من الأرض، فإن المسجد الأقصى يعد قلب الصراع الذي يحمل أوجها أخرى بين الفلسطينيين والإسرائيليين، إذ يعده (الأقصى) الفلسطينيون المسلمون وقفا إسلاميا خالصا لا حق لأحد آخر فيه ويقع في قلب العاصمة الفلسطينية المنتظرة، ويرى فيه المتشددون اليهود جبل الهيكل الذي يجب أن يبنى ثانية ويقع في قلب العاصمة الإسرائيلية الموحدة.
وخلال 47 عاما على احتلال المسجد، حاولت الحكومة الإسرائيلية الحفاظ على ما يعرف بـ«الوضع القائم»، أي السماح للمسلمين بالصلاة فيه والسماح للإسرائيليين بزيارته ضمن برنامج السياحة الخارجي، لكن خلال السنوات القليلة الماضية أخذت جماعات يهودية متطرفة ومسؤولون بالمجاهرة بضرورة السماح لليهود كذلك بالصلاة في «جبل الهيكل»، وراح هؤلاء ينظمون زيارات استفزازية للأقصى ويطرحون على الكنيست الإسرائيلي قوانين لتقسيم المسجد وفرض السيادة الإسرائيلية عليه، وهو ما دق جرس الإنذار «الأحمر» عن الفلسطينيين والمسلمين الذي حذروا صراحة من جر المنطقة إلى حرب دينية.

قال محمود الهباش، قاضي قضاة فلسطين ومستشار الرئيس الفلسطيني للشؤون الدينية، إن الحرب المسعورة التي تشنها إسرائيل بكل أجهزتها على المسجد الأقصى وصلت إلى مرحلة خطيرة جدا، متهما الحكومة الإسرائيلية بالسعي إلى السيطرة على المسجد الأقصى. وحذر الهباش من أن المساس بالأقصى سيفجر أنهارا من الدماء وسيحول الصراع من سياسي إلى ديني. وأوضح أن «العداء الفلسطيني - الإسرائيلي هو سياسي ولم يكن يوما دينيا، لكن ما يجري على الأرض من انتهاكات سيجر المنطقة إلى صراع ديني في كل العالم».
وأردف: «المسجد الأقصى يمكن أن يكون بوابة سلام في المنطقة أو بوابة حرب». ولأنه فعلا يعد للكثيرين بوابة سلام أو حرب، تفجرت سريعا ما يعرف بـ«انتفاضة المقدسيين» التي شهدت خلال الأسابيع القليلة الماضية اشتباكات عنيفة وعمليات إطلاق نار وعمليات دهس وقتلى وجرحى واعتقالات وتخللها أول إغلاق للمسجد الأقصى منذ احتلاله قبل 47 عاما. وكانت إسرائيل أغلقت المسجد يوم الخميس الموافق 30 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ومنعت أي مسلم من دخوله منذ الفجر وحتى فجر اليوم التالي، وهو الأمر الذي وصفه الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) آنذاك بأنه بمثابة إعلان حرب. وقال عباس في بيان رسمي: «إن القدس والمقدسات الإسلامية والمسيحية فيها هي خط أحمر لن يقبل المساس بها.. إننا نحمل الحكومة الإسرائيلية مسؤولية التصعيد الخطير في مدينة القدس المحتلة، والذي وصل ذروته بإغلاق المسجد الأقصى المبارك، صباح الخميس».
وأضاف: «إن هذا القرار الذي أصدرته إسرائيل بإغلاق المسجد الأقصى المبارك لأول مرة، يعتبر تحديا سافرا وتصرفا خطيرا، الأمر الذي سيؤدي إلى مزيد من التوتر وعدم الاستقرار وخلق أجواء سلبية وخطيرة». وجاء في البيان: «إن دولة فلسطين ستتخذ كل الإجراءات القانونية لمحاسبة إسرائيل، ولوقف هذه الاعتداءات المتكررة». وطالب عباس المجتمع الدولي باتخاذ الإجراءات الفورية لوقف هذا العدوان، لأن استمرار هذه الاعتداءات والتصعيد الإسرائيلي الخطير هو بمثابة إعلان حرب على الشعب الفلسطيني ومقدساته وعلى الأمتين العربية والإسلامية. وكان أمر الإغلاق اتخذه وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي يتسحاق أهارونوفتش فور محاولة قتل الناشط اليميني يهودا غليك، وجاء ذلك بعد تعليمات من نتنياهو الذي أمر بتعزيز الأمن في القدس للحفاظ على ما وصفه «الأمن» وعلى «الوضع القائم في الأماكن المقدسة».
وعلى الرغم من أن الصراع يتركز بين الفلسطينيين والإسرائيليين، لكن الوضع القائم الذي يتغنى به الإسرائيليين وينشده الفلسطينيون يعني أن الوصاية هناك هي لطرف ثالث وهو الأردن التي كان لها دور بارز ومتقدم في الأزمة الأخيرة. وقال عزام الخطيب، مدير الأوقاف الإسلامية في القدس، إن إغلاق المسجد الأقصى كان خطوة خطيرة ولها تداعيات وتجري لأول مرة منذ احتلال الشق الشرقي من المدينة عام 1967.
وأضاف الخطيب لـ«الشرق الأوسط»: «لم يغلق بهذه الطريقة منذ 67. أغلق جزئيا في عام 2000 بسبب زيارة شارون. ولكن هذا الإغلاق الكامل لم يجر من قبل». وتابع: «آنذاك صليت وحدي مع الموظفين فقط، وهذا لم أشاهده طيلة حياتي في المسجد». وأكد الخطيب أن الخطوة إذا مال تكررت يمكن أن تجر المنطقة إلی ما لا يحمد عقباه.
وأضاف: «لولا تدخل المملكة الأردنية كان يمكن أن يتدهور الأمر أكثر». وكان الأردن بصفته راعي المقدسات، اتخذ موقفا صارما تجاه ما يحدث في الأقصى، استدعت السفير في تل أبيب، وتوجهت بشكوى إلى مجلس الأمن وألغت الاحتفالات بمعاهدة السلام مع إسرائيل وحذرت من تداعيات على العلاقة. وقال رئيس الوزراء الأردني عبد الله النسور، إن ما تشهده مدينة القدس من اضطرابات خلال الأسابيع الأخيرة شكل «طعنة في كل تفكير بالسلام» مع إسرائيل.
وأضاف في تلميح استثنائي: «بيننا وبين إسرائيل معاهدة سلام، واحترام اتفاقية السلام واجب ليس على طرف واحد دون الآخر، بل هو واجب على الطرفين كليهما»، مؤكدا أن «حكومة المملكة الأردنية الهاشمية تدين بأقوى الكلمات التطورات التي حصلت في القدس في الأسابيع الأخيرة، خصوصا التي لا تدل على أخطاء إدارية وتجاوزات من أفراد متطرفين، بل نرى فيها خطة حكومية ونيات واضحة لتغيير الحقائق بما يتعلق بالأماكن المقدسة، وخصوصا المسجد الأقصى وقبة الصخرة المباركين».
وتابع: «الوصاية على القدس هي للأسرة الهاشمية منذ عام 1924، وانتقلت حتى وصلت للملك الحالي شخصيا». وتعترف إسرائيل التي وقعت معاهدة سلام مع الأردن في 1994 بإشراف المملكة الأردنية على المقدسات الإسلامية في مدينة القدس. ودخول الأردن على الخط وبعدها الجامعة العربية وتوالي الضغوط التي مورست على إسرائيل أشعل بدوره قلق الكثيرين في إسرائيل من مواجهة أشمل. وأكثر ما يخشاه الإسرائيليون هو إشعال حرب دينية في المنطقة يكون رأس حربتها الفلسطينيين الذين يعيشون في الداخل وهو ما سيشبه بالنسبة لإسرائيل حربا «أهلية».
وترجمت وزير القضاء الإسرائيلي تسيبي ليفني القلق الإسرائيلي بتحذيرات علنية من تحول الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي إلى نزاع ديني مع كل العالم العربي والإسلامي. وقالت ليفني إنه يجب التصرف بحكمة.
وتبعت تصريحات ليفني مواقف متعددة من وزراء بمن فيهم وزير الخارجية المتطرف أفيغدور ليبرمان الذي عد زيارة نواب الكنيست الإسرائيليين للأقصى مجرد غباء وتستهدف الاستعراض. وأمام القوة الإسرائيلية على الأرض، لم يجد الفلسطينيون بموازاة الانتفاضة المقدسية التي أطلقوها في القدس، سبيلا آخر غير التوجه إلى مجلس الأمن لطلب كف يد إسرائيل عن المسجد الأقصى.
وقال أبو مازن في مستهل اجتماع طارئ للقيادة الفلسطينية، السبت الماضي، إنه يريد من مجلس الأمن تدخلا مباشرا في شأن الاعتداءات الإسرائيلية على القدس، موضحا الموقف الفلسطيني «نحن نريد من مجلس الأمن بيانا يؤكد (الستاتكو/ النظام الثابت والمعمول به) لأوضاع القدس المعتمد عام 1967، والذي يقول إن هذه أراضي مقدسات إسلامية لا يجوز الاعتداء عليها.. إسرائيل تخترق كل القرارات الدولية، وتقوم بهذا العمل، ونحن نطالب مجلس الأمن بإدانة ما يحدث والتأكيد على (الستاتكو)».
واتهم عباس الحكومة الإسرائيلية بالسعي لتصعيد الأوضاع في القدس، وقال إن الانتهاكات والاقتحامات المتكررة للمسجد الأقصى تهدف إلى توتير الأجواء في المدينة المقدس وتصعيد الأوضاع هناك.
وجاء حديث عباس بعد ساعات من اتهامات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو له بالتحريض على «العنف» في القدس، واصفا إياه بالمحرض رقم واحد.
وطالبت الرئاسة الفلسطينية بتدخل الدول المعنية لوضع حد للتصعيد الإسرائيلي الخطير، قائلة إن عدم تدخلها قد يجر المنطقة إلى «حرب دينية لا يحمد عقباها»، خصوصا بعدما «وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي الأحداث الحالية بأنها معركة القدس». ويأمل الفلسطينيون في قرار ملزم من مجلس الأمن. ودعا أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ياسر عبد ربه، مجلس الأمن إلى اتخاذ قرار قاطع بحماية القدس والأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها المقدسات الإسلامية والمسيحية.
وحذر عبد ربه في بيان صحافي من «خطورة مواصلة حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل، سياسة التوسع الاستيطاني العنصري، وبشكل خاص في مدينة القدس ومحيطها». واتهم عبد ربه الحكومة الإسرائيلية بـ«ممارسة الابتزاز الرخيص؛ لوضع القيادة الفلسطينية في موضع دفاعي، في الوقت الذي تواصل فيه عدوانها واستهدافها للمسجد الأقصى وللوجود الفلسطيني في مدينة القدس».
وأكد عبد ربه أن «مثل هذه السياسة العنصرية تستدعي دعم دول العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة، للتوجه الفلسطيني إلى مجلس الأمن لاستصدار قرار لتحديد موعد نهائي لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، والاعتراف رسميا بحدود الرابع من 1967 حدودا لدولة فلسطين المستقلة وعاصمتها القدس، بدلا من الاكتفاء ببيانات الشجب والاستنكار».
ولم تعد المواجهات التي فجرها الأقصى مقتصرة على القدس فقط، بل انتقلت إلى مناطق في إسرائيل والضفة الغربية كذلك.
وشهدت رام الله والخليل وبيت لحم مواجهات عنيفة بين فلسطينيين هتفوا للأقصى والجيش الذي أصاب واعتقل الكثيرين منهم.
كما شهدت البلدات العربية في إسرائيل، مواجهات وإضرابات احتجاجا على قتل الشرطة الإسرائيلية الشاب خير الدين حمدان بدم بارد من بلدة كفر كنا في الجليل، وهو الأمر الذي أدى إلى إعلان الشرطة الإسرائيلية عن حالة تأهب بدرجة واحدة تحت القصوى، وتهديد بنيامين نتنياهو بمعاقبة كل من يخالف القانون بشدة، مضيفا: «سنعمل بحزم ضد كل من راشقي الحجارة وملقي الزجاجات الحارقة والمفرقعات، ومن يقوم بقطع الطرق والمظاهرات التي تدعو إلى تدميرنا. لن نقبل بالمزيد من المظاهرات التي تجري في قلب مدننا، حيث يتم فيها رفع رايات حماس أو (داعش) وإطلاق الهتافات: بالروح بالدم نفديك يا فلسطين، هذه هي فعلا مناشدات إلى تدمير دولة إسرائيل. لقد أوعزت لوزير الداخلية بالعمل بشتى الوسائل، بما فيها النظر في إمكانية سحب الجنسية الإسرائيلية ممن يدعو إلى تدمير الدولة. لقد حان الوقت للقيام بذلك، والجهة التي تقف وراء هذا التحريض هي في مقدمة الأمر، الحركات الإسلامية المختلفة: حماس والحركة الإسلامية في إسرائيل. وفي الصدارة، على الأقل فيما يتعلق بالتحريض الذي نراه في جبل الهيكل، يقف من يسمون المرابطين والمرابطات، وهذه هي حركات تحريضية يموّلها الإسلام المتطرف».
واضطرت المواجهات المستمرة في القدس الشرطة الإسرائيلية إلى وضع خطط أمنية جديدة ونشر 1500 عنصر إضافي على الأقل في المدينة، إضافة إلى نصب حواجز وكتل إسمنتية في محطتي القطار الخفيف اللتين ارتكب فيهما عمليتا الدهس الأخيرتان.
وقال قائد شرطة الاحتلال في القدس موشيه، إنه «على الرغم من تراجع البؤر التي تقع فيها المواجهات، فإننا نشهد وقوع هجوم إرهابي أسبوعيا كجزء من التصعيد في المنطقة».
وعلى الرغم من كل الاحتياطات هاجم فلسطيني جنديا إسرائيليا في قلب تل أبيب الاثنين الماضي وطعنه فيما كانت القيادتان السياسة والأمنية في إسرائيل عقدتا سلسلة من المشاورات الحثيثة إثر القلق الذي ينتاب الجيش الإسرائيلي وجهاز الشاباك من امتداد أحداث العنف من القدس إلى المدن والقرى العربية داخل إسرائيل وإلى أراضي السلطة الفلسطينية.
وقال حاتم عبد القادر، وزير القدس السابق، لـ«الشرق الأوسط»، إن الانفجار قادم لا محالة؛ إذ لا يمكن لأي فلسطيني أو مسلم أن يساوم على الأقصى. وأضاف أنه خط أحمر لا يمكن أن نسمح بالمساس به.
إذن، إنه صراع تاريخي وقديم ومتجدد ويحمل أوجها مختلفة سياسيا ودينيا ووجوديا وجغرافيا وديموغرافيا، ويبدو أنه سيبقى كذلك.
قال الشاعر الفلسطيني محمود درويش في قصيدة عن القدس: «صاحت فجأة جندية: هو أنت ثانية؟ ألم أقتلك؟ قلت: قتلتني.. ونسيت، مثلك، أن أموت».
الأقصى تاريخ من الأحداث
*691م: بنى الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان مسجد قبة الصخرة المشرفة.
705م: تم الانتهاء من بناء المسجد الأقصى على يد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان وابنه الوليد.
* 747م - 1099م: خضعت القدس لسيطرة العباسيين، فالطولونيين، فالإخشيديين، فالفاطميين الذين اهتموا بالقدس، وقاموا بتعمير المسجد الأقصى وقبة الصخرة وغيرهما من أبنية المدينة؛ بعد ما أصابها من الدمار نتيجة الزلازل، وذلك في عهد أبو جعفر المنصور، والمهدي، وهارون الرشيد، والمأمون، والمقتدر، وكافور الإخشيدي، والحاكم بأمر الله، والظاهر لإعزاز دين الله، والمنتصر.
* 1099م: احتل الصليبيون القدس وارتكبوا مذبحة رهيبة قتلوا فيها معظم سكانها. ثم حولوا مسجد قبة الصخرة إلى «كنيسة السيد المسيح»، أما المسجد الأقصى فحولوا جزءا منه إلى كنيسة، والجزء الآخر إلى مسكن لفرسان «الداوية»، وبنوا فيه مستودعا للأسلحة، واستخدموا السراديب التي تحته كإسطبلات خيول؛ وهي المعروفة باسم «الأقصى القديم، والمصلى المرواني»، واستمر الاحتلال الصليبي للمدينة 88 سنة.
* 1187م: حرر صلاح الدين الأيوبي المدينة من الصليبيين، وأمر بترميم أسوارها؛ ولكن الصليبيين تمكنوا من السيطرة عليها لفترات قصيرة، أكثر من مرة، أيام الأيوبيين؛ كما تم هدم أسوارها وإعادة بنائها في زمنهم.
* 1516م: استولى الأتراك العثمانيون على المدينة. وأهم الأحداث التي شهدتها تلك الفترة هي:
إنشاء السور الحالي على يد السلطان سليمان القانوني، وترميم قبة الصخرة المشرفة والمسجد الأقصى.
تكالب الدول الغربية على فتح قنصليات لها في القدس؛ لزعزعة النفوذ التركي.
توصل الدول الغربية والدولة العثمانية لما يعرف باسم «اتفاق الوضع الراهن» (ستاتيكو) فيما يخص الأماكن الدينية المقدسة في القدس.
* 1863م: أنشئت بلدية القدس، ثم جرى تعمير كنيسة القيامة.
* 1950: إعلان إسرائيل أن القدس الغربية عاصمة لها، ونقل الكنيست ومقر الحكومة إليها.
* 1967: الاحتلال الإسرائيلي لكامل المدينة (الجزء الشرقي) والإعلان عن تطبيق القوانين الإسرائيلية على القدس، وهدم السور وتوحيد شطري القدس.
* 1967: إسرائيل تغلق المسجد الأقصى بشكل كامل.
21 / 8 / 1969: أحرق اليهودي «مايكل دينيس روهان» المسجد الأقصى المبارك.
* 1976: صدور حكم قضائي إسرائيلي يسمح لليهود بالصلاة داخل الحرم القدسي الشريف.
* 1982: أحد جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي يهاجم مسجد قبة الصخرة المشرفة.
* 1994: توقيع اتفاقية «وادي عربة» التي تعهدت فيها إسرائيل باحترام الدور الحالي الخاص للمملكة الأردنية الهاشمية في الأماكن الإسلامية المقدسة في القدس؛ كما تعهدت فيها دولة الاحتلال بإعطاء أولوية كبرى للدور الأردني التاريخي في هذه الأماكن عند انعقاد مفاوضات الوضع النهائي.
* 1996: افتتحت إسرائيل نفق الأقصى؛ ما أشعل «هبة الأقصى» التي أدت إلى استشهاد 62 فلسطينيا، ومقتل 15 يهوديا، وسقوط مئات الجرحى.
* 2000: اشتعال انتفاضة الأقصى؛ جراء اقتحام أرئيل شارون (رئيس حزب الليكود المعارض آنذاك) الحرم القدسي الشريف بحراسة 3 آلاف جندي إسرائيلي.
* 2014: ثاني إغلاق للمسجد الأقصى بشكل كامل بعد سلسلة اقتحامات إسرائيلية له ومواجهات عنيفة ووقع قتلى من الطرفين.



هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.


جولة مع القراءة الفرنسية لسياسات واشنطن الجديدة

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع السفير لدى «ناتو» ماثيو ويتيكر في بروكسل (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع السفير لدى «ناتو» ماثيو ويتيكر في بروكسل (غيتي)
TT

جولة مع القراءة الفرنسية لسياسات واشنطن الجديدة

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع السفير لدى «ناتو» ماثيو ويتيكر في بروكسل (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع السفير لدى «ناتو» ماثيو ويتيكر في بروكسل (غيتي)

تواجه العواصم الأوروبية، وفي مقدمتها باريس، اختباراً وجودياً غير مسبوق أمام سياسات واشنطن الجديدة؛ حيث أدت الضغوط الأميركية للاستحواذ على غرينلاند والتدخلات العسكرية في فنزويلا وإيران إلى تصدّعات في بنيان حلف شمال الأطلسي «ناتو»، ما يدفع أوروبا نحو استقلالية استراتيجية غير مسبوقة عن الولايات المتحدة، وقد تلعب فيه فرنسا دوراً ريادياً يهدف إلى استعادة السيادة الدفاعية بعيداً عن أولويات البيت الأبيض. كذلك رصّد المراقبون تحوّلاً تدريجياً في الموقف الرسمي الفرنسي، بدأ بمقاربة «حذرة» تجنبت الصدام المباشر مع الحليف الأطلسي الأكبر، حيث اكتفى الرئيس إيمانويل ماكرون في البداية بالترحيب بنهاية «ديكتاتورية مادورو» (في فنزويلا) مع التذكير بضرورة احترام السيادة، إلا أن هذا التحفّظ سرعان ما تبدّد تحت وطأة الضغوط الداخلية.

في ضوء أحدث التطوّرات الأطلسية - ولعل آخرها كلام وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في «مؤتمر ميونيخ للأمن» - انتقلت باريس إلى مربع «الحزم المدروس».

هذا ما عكسه تصريح وزير الحكومة سيباستيان ليكورنو أمام الجمعية الوطنية (البرلمان) قبل فترة عندما وصف التدخل في فنزويلا بأنه «غير قانوني». وهذا بالتوازي مع تحذيرات منسقة السياسات الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس من أن «النموذج الفنزويلي» يمثل سابقة خطيرة قد تشرعن أطماع واشنطن في غرينلاند، الأمر الذي يهدّد السيادة الأوروبية والمصالح الدنماركية في تلك المنطقة الاستراتيجية.

العقيد ميشال غويا، الخبير العسكري البارز، يرى أن هذا التحوّل الفرنسي يعكس «نضجاً استراتيجياً» فرضته تجربة «حرب أوكرانيا»، حيث لم تعُد باريس تقبل بدور «التابع» في استراتيجية أميركية تشتِّت موارد حلف شمال الأطلسي «ناتو» بين صراعات النفط في أميركا اللاتينية وطموحات تحييد البرنامج النووي الإيراني.

بل إن بعض التقارير ترى أن باريس باتت تقود اليوم حراكاً أوروبياً يهدف إلى «أورَبة» الدفاع وتحقيق الحكم الذاتي الاستراتيجي، معتبرة أن «الانعزالية» الأميركية الجديدة تفرض على أوروبا أن تكون «سيدة قرارها» لتجنب شلّل استراتيجي يلوح في الأفق نتيجة تقلبات القرار في واشنطن.

غرينلاند

تمثل قضية غرينلاند مختبراً خطيراً يجسّد هذه المخاوف، حيث يستغل الرئيس دونالد ترمب إقليماً تابعاً للدنمارك، وهي دولة عضو في «الناتو»، لاختبار حدود التحالف من دون تفجيره. فهو تكلم صراحة عن «الاستحواذ» على الجزيرة «بطريقة أو بأخرى»، مشيراً علناً إلى الخيار العسكري، رغم وجود قواعد أميركية هناك بموجب اتفاقية 1951.

هذا التصعيد الجديد هو وفق العديد من المسؤولين الفرنسيين، يعادل عدواناً من عضو على آخر، وهو ما لا تنصّ عليه المعاهدة، وقد يؤدي إما إلى شلل أو إلى انفجار التحالف. وأيضاً يرى المحلّلون الفرنسيون في ذلك توضيحاً ملموساً لنية «تدمير ناتو من الداخل» باعتبار أن التحالف لا يتفكّك بانسحاب رسمي للولايات المتحدة، بل بأفعال تجعل عمله غير قابل للاستمرار.

ويضيف هؤلاء أن أي مغامرة عسكرية أميركية ضد جزيرة غرينلاند، التابعة لسيادة مملكة الدنمارك، لن تكون مجرّد أزمة دبلوماسية عابرة، بل ستمثل «خطراً وجودياً» يهدد بقاء حلف شمال الأطلسي.

ويذهب بعض الخبراء إلى حد التنبؤ الصريح بـ«موت ناتو» في حال أقدمت واشنطن على ضرب شريك وحليف بدلاً من توفير الحماية له، ما يقلب فلسفة الحلف رأساً على عقب. وفي هذا السياق، يرى ألكسندر تايت، الأستاذ الباحث في «مؤسسة البحوث الاستراتيجية» (FRS)، أن تهديدات الرئيس ترمب تندرج ضمن «حرب نفسية» أو نوع من «التضليل»، لكنه يشير إلى أن الخطر الحقيقي يكمن في «العجز الأوروبي» وحالة الانقسام القاري أمام حليف تحوّل هو نفسه إلى مصدر خطر.

وفق تايت، فإن «أوروبا لا تملك سوى القليل من أوراق الضغط، وستظل منقسمة لأن دولاً مثل المجر أو بولندا قد أعلنت ولاءها التام للولايات المتحدة». وفي تحليل لافت، وصف تايت الخطاب الأميركي حول التهديدات الروسية والصينية في غرينلاند بأنه خطاب مبالغ فيه. ورأى أن ترمب يعمد إلى «تضخيم» البُعد الاستراتيجي للجزيرة لأغراض تتعلق بالسياسة الداخلية الأميركية، ما يكشف كيف يمكن توظيف حلف «ناتو» وتحويله إلى أداة لخدمة أجندات انتخابية محلية في واشنطن.

انهيار عقيدة «الدفاع الجماعي»

من جهة أخرى، وفي تحليل جيوسياسي معمّق، حذّر خبراء من أنه إذا انتقلت الولايات المتحدة من مرحلة الضغط اللفظي إلى مرحلة «العمليات العسكرية» ضد غرينلاند، فإن ذلك سيفقد المنظمة - أي «الناتو» - مبرّر وجودها الأخلاقي والقانوني «لأن ميثاق الحلف لم يُصمم أبداً لإدارة صراع يعتدي فيه عضو على عضو آخر». ومع أن البيت الأبيض يؤكد أن «اللجوء إلى الجيش الأميركي يظل خياراً قائماً» بذريعة وجود «حاجة حيوية» لتأمين الجزيرة في مواجهة روسيا والصين، فإن المحللين يجمعون على أن هذا النهج يضع الحلف أمام الاختبار الأكثر حرجاً وخطورة في تاريخه منذ تأسيسه عام 1949، حيث تترنّح المبادئ أمام لغة القوة والمصالح القومية الضيقة.

تحوّل استراتيجي

هنا يجب التذكير، بأن خبراء فرنسيين اعتبروا التدخل الأميركي في فنزويلا، مطلع يناير (كانون الثاني) 2026، «تحوّلاً استراتيجياً جوهرياً» في سياسة واشنطن الخارجية، وتفعيلاً صريحاً لـ«شرعة مونرو». وحقاً، يضع هذا التوجه الجديد تأمين النصف الغربي من الكرة الأرضية على رأس الأولويات الأميركية، على حساب الالتزامات التاريخية عبر الأطلسي. وفي مقال نشره موقع التحليل السياسي «ديبلو ويب»، كتب الباحثان سيلفان دوميرغ وفيكتوريا فولات أن هذه العملية، بالتزامن مع التقارير الواردة من إدارة ترمب حول تدخل عسكري محتمل في إيران، أدّت إلى سحب هائل للموارد العسكرية الأميركية، من قطع بحرية وطائرات وقوات خاصة، وتوجيهها نحو القارة الأميركية والشرق الأوسط. وحذّر الباحثان، من ثم، من أن هذا التحرّك يقلّص بشكل حاد القدرات المتاحة لـ«ناتو» في شرق أوروبا.من جانبه، نبّه العقيد روبرت هنري بيرغر، في مقال نشرته مجلة «لو غران كونتينان» من التأثير المتسلسل المعروف بـ«تأثير الدومينو»، إذ يرى أن هذا التركيز الأميركي يفرض أجندات إقليمية أحادية الجانب من دون التشاور مع الحلفاء. وهو أمر يُعرّض الحلف لـ«إنهاك استراتيجي» تُضحي فيه واشنطن بالتماسك الجماعي مقابل مكاسب فورية، تتمثل في السيطرة على النفط الفنزويلي، وتحييد البرنامج النووي الإيراني.

تعدد الجبهات واستنزاف القدرات

وفي قراءته للمشهد، أوضح جان ميشيل بلانكيه، الوزير الفرنسي السابق، أن «نشوة ما بعد مادورو» هي التي تغذّي الآن طموحات ترمب تجاه طهران، مع تزايد الكلام عن ضربات محتملة تستهدف «الحرس الثوري» أو المنشآت النووية. ووفق صحيفة «لوموند»، هذه «النشوة» تشكّل معضلة عسكرية وتأتي بينما تحاول واشنطن «الموازنة» بين انسحابها من الشرق الأوسط وتركيزها الجديد على فنزويلا.

في سياق موازٍ، نقلت مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية (FRS) عن ضباط فرنسيين قولهم إن «تشتت القوى الأميركية بين مكافحة تهريب المخدرات والسيطرة على النفط في فنزويلا من جانب، ومواجهة (محور المقاومة) في إيران من جانب آخر، أدّى إلى استنزاف القدرات اللوجستية. ومن ثم، حّد من عمليات التناوب العسكري في بحر البلطيق والبحر الأسود، تاركاً (ناتو) في وضع دفاعي هّش أمام تحركات روسية انتهازية».

وضمن السياق ذاته، حذّر الجنرال فنسنت ديبورت، عبر قناة «بوبليك سينا»، من «متلازمة المسارح المتعددّة»، مؤكداً أن الموارد الأميركية المثقلة أصلاً في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، تكافح بصعوبة لدعم هذه الجبهات في وقت واحد، ما يخلق فراغاً استراتيجياً قد تستغله موسكو عبر حروب هجينة في أوكرانيا.

انتقاد لسياسة «المركز والأطراف»

عودة إلى العقيد ميشيل غويا، فقد وصف الخبير العسكري الفرنسي البارز هذا التحول بأنه يشكّل عودة إلى سياسة «المركز والأطراف»، حيث يتحول حلفاء «ناتو» إلى مجرد «توابع» لعمليات أميركية خارج النطاق الأوروبي، ما يضعف مصداقية «المادة الخامسة» للحلف أمام الاستفزازات الروسية.

وبدوره، ربط كلود مونيكيه، مدير معهد «إيريس» للأبحاث الاستراتيجية (IRIS) الفرنسي، بين الملفين الفنزويلي والإيراني، لافتاً إلى أن أي ضربة ضد طهران ستستوجب استنفار الأسطول الخامس الأميركي، وهو ما سيسحب أصولاً عسكرية حيوية من «ناتو».

وبالتالي، حذّر من أن هذا «الكيل بمكيالين» - إذ يُتسامح معه في أميركا اللاتينية ويُدان في روسيا - سيستغله فلاديمير بوتين لتبرير توسّعاته. وفي جلسة استماع بمجلس الشيوخ، شّدد الأدميرال باتريك شوفاليري على التداعيات «السيبرانية» والفضائية، مؤكداً أن العمليات في فنزويلا وإيران تستنزف قدرات الحرب الإلكترونية الأميركية، ما سيترك أوروبا، المفتقرة للأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة الكافية، في حالة ارتهان وضعف.

سيناريوهات لتفتت حلف «الناتو» إلى ائتلافات إقليمية متباينة

سلاح في يد الخصوم!

كثير من المقالات تطرق أيضاً إلى «شرعية معيارية منهارة»، إذ كل عملية أحادية (اختطاف مادورو، قصف منشآت إيرانية) تمنح موسكو وبكين حجة دامغة إزاء «المعايير المزدوجة» الغربية: «ناتو» يتسامح مع انتهاكات واشنطن لكنه يدين الانتهاكات الروسية، ما يجعل خطابه غير مسموع لدى الجنوب العالمي، حتى أوروبا الشرقية.ومداخلات لخبراء معهد العلاقات الدولية أشارت إلى أن وضعية كهذه قد تضعف التعبئة الأوروبية؛ فكيف ندافع عن «المادة الخامسة» ضد روسيا إذا كانت واشنطن، الحليف الأطلسي الأكبر، تتجاوزها في مكان آخر؟

 

هذا يسرّع الدعوات إلى «ركيزة أوروبية» مستقلة... إذ عندما تنتهك واشنطن سيادة دولة (فنزويلا) أو تفكّر في استخدام القوة ضد إقليم حليف (غرينلاند)، يجد الأوروبيون أنفسهم في استحالة أخلاقية للدفاع عن «القواعد» التي يعارضون بها روسيا، خاصة في أوكرانيا.

وهذا التناقض يجعل من الصعب تعبئة الرأي العام الأوروبي لالتزامات «ناتو» المقدمة كدفاع عن القانون الدولي، لأن هذه الاستراتيجية «الترمبية» تمنح موسكو ذريعة لتصعيد العمليات في أوكرانيا تحت مسمى «المعاملة بالمثل»، مستغلة الانفرادية الأميركية والصمت الأوروبي.

ثم إن هذا الواقع دفع شخصيات من اليسار، مثل جان لوك ميلونشون وفابيان روسيل، لوصف المشهد بـ«الإمبريالية» التي تجبر «ناتو» على مراجعة ذاتية عميقة؛ فهل يواصل الحلف تقبّل قيادة أميركية متقلبة، أم يدفع نحو «أورَبة» الحلف؟

خصوصية باريس

في أي حال، تظل الخصوصية الفرنسية نابعة من إرثها التاريخي الديغولي ومصالحها القومية؛ ففي أفريقيا والمشرق العربي، لا يمكن لباريس القبول بسابقة أميركية تُشرعِن التدخلات العابرة للحدود، خشية أن تستحضر بعض الأصوات «النموذج الفنزويلي» للرد على العمليات الفرنسية (في الساحل أو لبنان).

ومن الناحية الاستراتيجية، تمتلك فرنسا قوة نووية مستقلة ونفوذاً في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ما يجعلها أقل ارتهاناً لـ«المظلة الأميركية» مقارنة بألمانيا. هذا الاستقلال يتيح لها هامشاً للمناورة والانتقاد من دون الخوف من «التخلي الأميركي»، ولا سيما أن الغواصات النووية وحاملة الطائرات «شارل ديغول» تعوض الانكفاء الأميركي في المتوسط.

لكن مع ذلك، أي مواجهة مع إيران ستمس مباشرة مصالح شركة «توتال إنرجي» وطرق إمدادات النفط في مضيق هرمز. واقتصادياً، تثير الهيمنة الأميركية على النفط الفنزويلي (1.5 مليون برميل يومياً تحت سيطرة «إكسون»)، ومعها احتمال السيطرة على الحقول الإيرانية، مخاوف من قفزة في الأسعار، ما قد يفاقم فاتورة الطاقة الفرنسية (التي ارتفعت بالفعل بنسبة 20 في المائة بعد أزمة أوكرانيا).

كل هذا يفرض على باريس تسريع تنويع مصادرها من الطاقة، وهو مسار قد يصطدم مجدداً مع توجهات ترمب بشأن العقوبات الثانوية.

 

نحو نهاية «الناتو»... كما نعرفه اليوم؟

> تشير التحليلات الفرنسية إلى أن نموذج «القوة كمنظم» يقوّض «ناتو» من الداخل، ليس بانسحاب رسمي، بل بفقدان التماسك المعياري. إذ كل عملية في أميركا اللاتينية أو تهديد لإيران، أو ضغط على غرينلاند، تطوّر يوسّع الهوة بين الخطاب الأطلسي القائم على القِيَم والممارسة الأميركية القائمة على القوة المجرّدة. ويرى خبراء فرنسيون أن احتمال انسحاب واشنطن من «ناتو» - رغم كونه غير وشيك وسط استفزازات إدارة ترمب في غرينلاند وإيران وكوبا - يفتح الباب أمام سيناريوهات استراتيجية كبرى: يتمثل الأول في بقاء «ناتو مصغّر» تحت قيادة أوروبية، يعاني من فقدان 70 في المائة من القدرات الأميركية الحيوية، أما الثاني فيقوم على «تفتت التحالف» إلى ائتلافات إقليمية متباينة، ما سيترك القارة عرضةً لروسيا متأهبة. وفي المقابل، يطلُّ «سيناريو» متفائل يتمثل في ولادة «اتحاد دفاعي أوروبي» بتمويل ضخم وتنسيق نووي (فرنسي - بريطاني) لحماية ألمانيا وبولندا. وفي هذا المشهد التحّولي، ستلعب فرنسا دور «حجر الزاوية» كقائد عسكري لا غنى عنه، مستندةً إلى «قوة الردع» المستقلة وخبرتها الميدانية الواسعة. ومن المتوقع أن تتولى باريس قيادة الحلفاء الأطلسيين في الجنوب، وتنسيق «قوة مهام قطبية» لمواجهة الأطماع في غرينلاند، فارضةً بذلك رؤيتها «الديغولية» لـ«أوروبا القوية». وتشير تحليلات «مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية» (FRS) إلى أن هذا الانسحاب المفترض سيُجبر فرنسا على تحمّل 30 في المائة من جهود الحلف. وتحويل «توجّسها» الحالي من التخبّط الأميركي إلى «قيادة أوروبية مستدامة»، كرّسها الرئيس إيمانويل ماكرون في «قمة لاهاي 2025» حين دعا إلى «استقلال استراتيجي لا رجعة فيه».


ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.