الأقصى.. هل يشعل حربا دينية؟

«الوضع القائم» في المسجد مطلب فلسطيني وعربي لكن غلاة المتطرفين اليهود يصبون الزيت على النار

الأقصى.. هل يشعل حربا دينية؟
TT

الأقصى.. هل يشعل حربا دينية؟

الأقصى.. هل يشعل حربا دينية؟

إذا كان يمكن وصف الصراع في مدينة القدس بأنه صراع هوية وعلى كل متر مربع من الأرض، فإن المسجد الأقصى يعد قلب الصراع الذي يحمل أوجها أخرى بين الفلسطينيين والإسرائيليين، إذ يعده (الأقصى) الفلسطينيون المسلمون وقفا إسلاميا خالصا لا حق لأحد آخر فيه ويقع في قلب العاصمة الفلسطينية المنتظرة، ويرى فيه المتشددون اليهود جبل الهيكل الذي يجب أن يبنى ثانية ويقع في قلب العاصمة الإسرائيلية الموحدة.
وخلال 47 عاما على احتلال المسجد، حاولت الحكومة الإسرائيلية الحفاظ على ما يعرف بـ«الوضع القائم»، أي السماح للمسلمين بالصلاة فيه والسماح للإسرائيليين بزيارته ضمن برنامج السياحة الخارجي، لكن خلال السنوات القليلة الماضية أخذت جماعات يهودية متطرفة ومسؤولون بالمجاهرة بضرورة السماح لليهود كذلك بالصلاة في «جبل الهيكل»، وراح هؤلاء ينظمون زيارات استفزازية للأقصى ويطرحون على الكنيست الإسرائيلي قوانين لتقسيم المسجد وفرض السيادة الإسرائيلية عليه، وهو ما دق جرس الإنذار «الأحمر» عن الفلسطينيين والمسلمين الذي حذروا صراحة من جر المنطقة إلى حرب دينية.

قال محمود الهباش، قاضي قضاة فلسطين ومستشار الرئيس الفلسطيني للشؤون الدينية، إن الحرب المسعورة التي تشنها إسرائيل بكل أجهزتها على المسجد الأقصى وصلت إلى مرحلة خطيرة جدا، متهما الحكومة الإسرائيلية بالسعي إلى السيطرة على المسجد الأقصى. وحذر الهباش من أن المساس بالأقصى سيفجر أنهارا من الدماء وسيحول الصراع من سياسي إلى ديني. وأوضح أن «العداء الفلسطيني - الإسرائيلي هو سياسي ولم يكن يوما دينيا، لكن ما يجري على الأرض من انتهاكات سيجر المنطقة إلى صراع ديني في كل العالم».
وأردف: «المسجد الأقصى يمكن أن يكون بوابة سلام في المنطقة أو بوابة حرب». ولأنه فعلا يعد للكثيرين بوابة سلام أو حرب، تفجرت سريعا ما يعرف بـ«انتفاضة المقدسيين» التي شهدت خلال الأسابيع القليلة الماضية اشتباكات عنيفة وعمليات إطلاق نار وعمليات دهس وقتلى وجرحى واعتقالات وتخللها أول إغلاق للمسجد الأقصى منذ احتلاله قبل 47 عاما. وكانت إسرائيل أغلقت المسجد يوم الخميس الموافق 30 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ومنعت أي مسلم من دخوله منذ الفجر وحتى فجر اليوم التالي، وهو الأمر الذي وصفه الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) آنذاك بأنه بمثابة إعلان حرب. وقال عباس في بيان رسمي: «إن القدس والمقدسات الإسلامية والمسيحية فيها هي خط أحمر لن يقبل المساس بها.. إننا نحمل الحكومة الإسرائيلية مسؤولية التصعيد الخطير في مدينة القدس المحتلة، والذي وصل ذروته بإغلاق المسجد الأقصى المبارك، صباح الخميس».
وأضاف: «إن هذا القرار الذي أصدرته إسرائيل بإغلاق المسجد الأقصى المبارك لأول مرة، يعتبر تحديا سافرا وتصرفا خطيرا، الأمر الذي سيؤدي إلى مزيد من التوتر وعدم الاستقرار وخلق أجواء سلبية وخطيرة». وجاء في البيان: «إن دولة فلسطين ستتخذ كل الإجراءات القانونية لمحاسبة إسرائيل، ولوقف هذه الاعتداءات المتكررة». وطالب عباس المجتمع الدولي باتخاذ الإجراءات الفورية لوقف هذا العدوان، لأن استمرار هذه الاعتداءات والتصعيد الإسرائيلي الخطير هو بمثابة إعلان حرب على الشعب الفلسطيني ومقدساته وعلى الأمتين العربية والإسلامية. وكان أمر الإغلاق اتخذه وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي يتسحاق أهارونوفتش فور محاولة قتل الناشط اليميني يهودا غليك، وجاء ذلك بعد تعليمات من نتنياهو الذي أمر بتعزيز الأمن في القدس للحفاظ على ما وصفه «الأمن» وعلى «الوضع القائم في الأماكن المقدسة».
وعلى الرغم من أن الصراع يتركز بين الفلسطينيين والإسرائيليين، لكن الوضع القائم الذي يتغنى به الإسرائيليين وينشده الفلسطينيون يعني أن الوصاية هناك هي لطرف ثالث وهو الأردن التي كان لها دور بارز ومتقدم في الأزمة الأخيرة. وقال عزام الخطيب، مدير الأوقاف الإسلامية في القدس، إن إغلاق المسجد الأقصى كان خطوة خطيرة ولها تداعيات وتجري لأول مرة منذ احتلال الشق الشرقي من المدينة عام 1967.
وأضاف الخطيب لـ«الشرق الأوسط»: «لم يغلق بهذه الطريقة منذ 67. أغلق جزئيا في عام 2000 بسبب زيارة شارون. ولكن هذا الإغلاق الكامل لم يجر من قبل». وتابع: «آنذاك صليت وحدي مع الموظفين فقط، وهذا لم أشاهده طيلة حياتي في المسجد». وأكد الخطيب أن الخطوة إذا مال تكررت يمكن أن تجر المنطقة إلی ما لا يحمد عقباه.
وأضاف: «لولا تدخل المملكة الأردنية كان يمكن أن يتدهور الأمر أكثر». وكان الأردن بصفته راعي المقدسات، اتخذ موقفا صارما تجاه ما يحدث في الأقصى، استدعت السفير في تل أبيب، وتوجهت بشكوى إلى مجلس الأمن وألغت الاحتفالات بمعاهدة السلام مع إسرائيل وحذرت من تداعيات على العلاقة. وقال رئيس الوزراء الأردني عبد الله النسور، إن ما تشهده مدينة القدس من اضطرابات خلال الأسابيع الأخيرة شكل «طعنة في كل تفكير بالسلام» مع إسرائيل.
وأضاف في تلميح استثنائي: «بيننا وبين إسرائيل معاهدة سلام، واحترام اتفاقية السلام واجب ليس على طرف واحد دون الآخر، بل هو واجب على الطرفين كليهما»، مؤكدا أن «حكومة المملكة الأردنية الهاشمية تدين بأقوى الكلمات التطورات التي حصلت في القدس في الأسابيع الأخيرة، خصوصا التي لا تدل على أخطاء إدارية وتجاوزات من أفراد متطرفين، بل نرى فيها خطة حكومية ونيات واضحة لتغيير الحقائق بما يتعلق بالأماكن المقدسة، وخصوصا المسجد الأقصى وقبة الصخرة المباركين».
وتابع: «الوصاية على القدس هي للأسرة الهاشمية منذ عام 1924، وانتقلت حتى وصلت للملك الحالي شخصيا». وتعترف إسرائيل التي وقعت معاهدة سلام مع الأردن في 1994 بإشراف المملكة الأردنية على المقدسات الإسلامية في مدينة القدس. ودخول الأردن على الخط وبعدها الجامعة العربية وتوالي الضغوط التي مورست على إسرائيل أشعل بدوره قلق الكثيرين في إسرائيل من مواجهة أشمل. وأكثر ما يخشاه الإسرائيليون هو إشعال حرب دينية في المنطقة يكون رأس حربتها الفلسطينيين الذين يعيشون في الداخل وهو ما سيشبه بالنسبة لإسرائيل حربا «أهلية».
وترجمت وزير القضاء الإسرائيلي تسيبي ليفني القلق الإسرائيلي بتحذيرات علنية من تحول الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي إلى نزاع ديني مع كل العالم العربي والإسلامي. وقالت ليفني إنه يجب التصرف بحكمة.
وتبعت تصريحات ليفني مواقف متعددة من وزراء بمن فيهم وزير الخارجية المتطرف أفيغدور ليبرمان الذي عد زيارة نواب الكنيست الإسرائيليين للأقصى مجرد غباء وتستهدف الاستعراض. وأمام القوة الإسرائيلية على الأرض، لم يجد الفلسطينيون بموازاة الانتفاضة المقدسية التي أطلقوها في القدس، سبيلا آخر غير التوجه إلى مجلس الأمن لطلب كف يد إسرائيل عن المسجد الأقصى.
وقال أبو مازن في مستهل اجتماع طارئ للقيادة الفلسطينية، السبت الماضي، إنه يريد من مجلس الأمن تدخلا مباشرا في شأن الاعتداءات الإسرائيلية على القدس، موضحا الموقف الفلسطيني «نحن نريد من مجلس الأمن بيانا يؤكد (الستاتكو/ النظام الثابت والمعمول به) لأوضاع القدس المعتمد عام 1967، والذي يقول إن هذه أراضي مقدسات إسلامية لا يجوز الاعتداء عليها.. إسرائيل تخترق كل القرارات الدولية، وتقوم بهذا العمل، ونحن نطالب مجلس الأمن بإدانة ما يحدث والتأكيد على (الستاتكو)».
واتهم عباس الحكومة الإسرائيلية بالسعي لتصعيد الأوضاع في القدس، وقال إن الانتهاكات والاقتحامات المتكررة للمسجد الأقصى تهدف إلى توتير الأجواء في المدينة المقدس وتصعيد الأوضاع هناك.
وجاء حديث عباس بعد ساعات من اتهامات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو له بالتحريض على «العنف» في القدس، واصفا إياه بالمحرض رقم واحد.
وطالبت الرئاسة الفلسطينية بتدخل الدول المعنية لوضع حد للتصعيد الإسرائيلي الخطير، قائلة إن عدم تدخلها قد يجر المنطقة إلى «حرب دينية لا يحمد عقباها»، خصوصا بعدما «وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي الأحداث الحالية بأنها معركة القدس». ويأمل الفلسطينيون في قرار ملزم من مجلس الأمن. ودعا أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ياسر عبد ربه، مجلس الأمن إلى اتخاذ قرار قاطع بحماية القدس والأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها المقدسات الإسلامية والمسيحية.
وحذر عبد ربه في بيان صحافي من «خطورة مواصلة حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل، سياسة التوسع الاستيطاني العنصري، وبشكل خاص في مدينة القدس ومحيطها». واتهم عبد ربه الحكومة الإسرائيلية بـ«ممارسة الابتزاز الرخيص؛ لوضع القيادة الفلسطينية في موضع دفاعي، في الوقت الذي تواصل فيه عدوانها واستهدافها للمسجد الأقصى وللوجود الفلسطيني في مدينة القدس».
وأكد عبد ربه أن «مثل هذه السياسة العنصرية تستدعي دعم دول العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة، للتوجه الفلسطيني إلى مجلس الأمن لاستصدار قرار لتحديد موعد نهائي لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، والاعتراف رسميا بحدود الرابع من 1967 حدودا لدولة فلسطين المستقلة وعاصمتها القدس، بدلا من الاكتفاء ببيانات الشجب والاستنكار».
ولم تعد المواجهات التي فجرها الأقصى مقتصرة على القدس فقط، بل انتقلت إلى مناطق في إسرائيل والضفة الغربية كذلك.
وشهدت رام الله والخليل وبيت لحم مواجهات عنيفة بين فلسطينيين هتفوا للأقصى والجيش الذي أصاب واعتقل الكثيرين منهم.
كما شهدت البلدات العربية في إسرائيل، مواجهات وإضرابات احتجاجا على قتل الشرطة الإسرائيلية الشاب خير الدين حمدان بدم بارد من بلدة كفر كنا في الجليل، وهو الأمر الذي أدى إلى إعلان الشرطة الإسرائيلية عن حالة تأهب بدرجة واحدة تحت القصوى، وتهديد بنيامين نتنياهو بمعاقبة كل من يخالف القانون بشدة، مضيفا: «سنعمل بحزم ضد كل من راشقي الحجارة وملقي الزجاجات الحارقة والمفرقعات، ومن يقوم بقطع الطرق والمظاهرات التي تدعو إلى تدميرنا. لن نقبل بالمزيد من المظاهرات التي تجري في قلب مدننا، حيث يتم فيها رفع رايات حماس أو (داعش) وإطلاق الهتافات: بالروح بالدم نفديك يا فلسطين، هذه هي فعلا مناشدات إلى تدمير دولة إسرائيل. لقد أوعزت لوزير الداخلية بالعمل بشتى الوسائل، بما فيها النظر في إمكانية سحب الجنسية الإسرائيلية ممن يدعو إلى تدمير الدولة. لقد حان الوقت للقيام بذلك، والجهة التي تقف وراء هذا التحريض هي في مقدمة الأمر، الحركات الإسلامية المختلفة: حماس والحركة الإسلامية في إسرائيل. وفي الصدارة، على الأقل فيما يتعلق بالتحريض الذي نراه في جبل الهيكل، يقف من يسمون المرابطين والمرابطات، وهذه هي حركات تحريضية يموّلها الإسلام المتطرف».
واضطرت المواجهات المستمرة في القدس الشرطة الإسرائيلية إلى وضع خطط أمنية جديدة ونشر 1500 عنصر إضافي على الأقل في المدينة، إضافة إلى نصب حواجز وكتل إسمنتية في محطتي القطار الخفيف اللتين ارتكب فيهما عمليتا الدهس الأخيرتان.
وقال قائد شرطة الاحتلال في القدس موشيه، إنه «على الرغم من تراجع البؤر التي تقع فيها المواجهات، فإننا نشهد وقوع هجوم إرهابي أسبوعيا كجزء من التصعيد في المنطقة».
وعلى الرغم من كل الاحتياطات هاجم فلسطيني جنديا إسرائيليا في قلب تل أبيب الاثنين الماضي وطعنه فيما كانت القيادتان السياسة والأمنية في إسرائيل عقدتا سلسلة من المشاورات الحثيثة إثر القلق الذي ينتاب الجيش الإسرائيلي وجهاز الشاباك من امتداد أحداث العنف من القدس إلى المدن والقرى العربية داخل إسرائيل وإلى أراضي السلطة الفلسطينية.
وقال حاتم عبد القادر، وزير القدس السابق، لـ«الشرق الأوسط»، إن الانفجار قادم لا محالة؛ إذ لا يمكن لأي فلسطيني أو مسلم أن يساوم على الأقصى. وأضاف أنه خط أحمر لا يمكن أن نسمح بالمساس به.
إذن، إنه صراع تاريخي وقديم ومتجدد ويحمل أوجها مختلفة سياسيا ودينيا ووجوديا وجغرافيا وديموغرافيا، ويبدو أنه سيبقى كذلك.
قال الشاعر الفلسطيني محمود درويش في قصيدة عن القدس: «صاحت فجأة جندية: هو أنت ثانية؟ ألم أقتلك؟ قلت: قتلتني.. ونسيت، مثلك، أن أموت».
الأقصى تاريخ من الأحداث
*691م: بنى الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان مسجد قبة الصخرة المشرفة.
705م: تم الانتهاء من بناء المسجد الأقصى على يد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان وابنه الوليد.
* 747م - 1099م: خضعت القدس لسيطرة العباسيين، فالطولونيين، فالإخشيديين، فالفاطميين الذين اهتموا بالقدس، وقاموا بتعمير المسجد الأقصى وقبة الصخرة وغيرهما من أبنية المدينة؛ بعد ما أصابها من الدمار نتيجة الزلازل، وذلك في عهد أبو جعفر المنصور، والمهدي، وهارون الرشيد، والمأمون، والمقتدر، وكافور الإخشيدي، والحاكم بأمر الله، والظاهر لإعزاز دين الله، والمنتصر.
* 1099م: احتل الصليبيون القدس وارتكبوا مذبحة رهيبة قتلوا فيها معظم سكانها. ثم حولوا مسجد قبة الصخرة إلى «كنيسة السيد المسيح»، أما المسجد الأقصى فحولوا جزءا منه إلى كنيسة، والجزء الآخر إلى مسكن لفرسان «الداوية»، وبنوا فيه مستودعا للأسلحة، واستخدموا السراديب التي تحته كإسطبلات خيول؛ وهي المعروفة باسم «الأقصى القديم، والمصلى المرواني»، واستمر الاحتلال الصليبي للمدينة 88 سنة.
* 1187م: حرر صلاح الدين الأيوبي المدينة من الصليبيين، وأمر بترميم أسوارها؛ ولكن الصليبيين تمكنوا من السيطرة عليها لفترات قصيرة، أكثر من مرة، أيام الأيوبيين؛ كما تم هدم أسوارها وإعادة بنائها في زمنهم.
* 1516م: استولى الأتراك العثمانيون على المدينة. وأهم الأحداث التي شهدتها تلك الفترة هي:
إنشاء السور الحالي على يد السلطان سليمان القانوني، وترميم قبة الصخرة المشرفة والمسجد الأقصى.
تكالب الدول الغربية على فتح قنصليات لها في القدس؛ لزعزعة النفوذ التركي.
توصل الدول الغربية والدولة العثمانية لما يعرف باسم «اتفاق الوضع الراهن» (ستاتيكو) فيما يخص الأماكن الدينية المقدسة في القدس.
* 1863م: أنشئت بلدية القدس، ثم جرى تعمير كنيسة القيامة.
* 1950: إعلان إسرائيل أن القدس الغربية عاصمة لها، ونقل الكنيست ومقر الحكومة إليها.
* 1967: الاحتلال الإسرائيلي لكامل المدينة (الجزء الشرقي) والإعلان عن تطبيق القوانين الإسرائيلية على القدس، وهدم السور وتوحيد شطري القدس.
* 1967: إسرائيل تغلق المسجد الأقصى بشكل كامل.
21 / 8 / 1969: أحرق اليهودي «مايكل دينيس روهان» المسجد الأقصى المبارك.
* 1976: صدور حكم قضائي إسرائيلي يسمح لليهود بالصلاة داخل الحرم القدسي الشريف.
* 1982: أحد جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي يهاجم مسجد قبة الصخرة المشرفة.
* 1994: توقيع اتفاقية «وادي عربة» التي تعهدت فيها إسرائيل باحترام الدور الحالي الخاص للمملكة الأردنية الهاشمية في الأماكن الإسلامية المقدسة في القدس؛ كما تعهدت فيها دولة الاحتلال بإعطاء أولوية كبرى للدور الأردني التاريخي في هذه الأماكن عند انعقاد مفاوضات الوضع النهائي.
* 1996: افتتحت إسرائيل نفق الأقصى؛ ما أشعل «هبة الأقصى» التي أدت إلى استشهاد 62 فلسطينيا، ومقتل 15 يهوديا، وسقوط مئات الجرحى.
* 2000: اشتعال انتفاضة الأقصى؛ جراء اقتحام أرئيل شارون (رئيس حزب الليكود المعارض آنذاك) الحرم القدسي الشريف بحراسة 3 آلاف جندي إسرائيلي.
* 2014: ثاني إغلاق للمسجد الأقصى بشكل كامل بعد سلسلة اقتحامات إسرائيلية له ومواجهات عنيفة ووقع قتلى من الطرفين.



كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.