هل إقامة المباريات بدون جمهور تؤثر سلباً على الأندية صاحبة الأرض؟

الإحصائيات تؤكد أن نسبة الانتصارات ترتفع عندما تخوض الفرق والمنتخبات المنافسات بملعبها

فالنسيا حُرم من جماهيره في ملعبه المرعب فخسر أمام أتالانتا (أ.ف.ب)
فالنسيا حُرم من جماهيره في ملعبه المرعب فخسر أمام أتالانتا (أ.ف.ب)
TT

هل إقامة المباريات بدون جمهور تؤثر سلباً على الأندية صاحبة الأرض؟

فالنسيا حُرم من جماهيره في ملعبه المرعب فخسر أمام أتالانتا (أ.ف.ب)
فالنسيا حُرم من جماهيره في ملعبه المرعب فخسر أمام أتالانتا (أ.ف.ب)

يُعد ملعب «الميستايا» في مدينة فالنسيا أحد أكثر الملاعب رعباً في العالم بالنسبة للفرق الزائرة، حيث إن الطريقة التي صُمّمت بها المدرجات تسمح لجمهور النادي الإسباني بإنشاء «جدار خانق من الضوضاء»، إن جاز التعبير. وقد استغل الجمهور هذه الميزة تماماً في دعم نادي فالنسيا أو منتخب إسبانيا في المباريات التي تُقام على هذا الملعب الذي يتسع لـ55 ألف متفرج. ومنذ فترة، شاهدت فالنسيا يلعب أمام برشلونة على ملعب «الميستايا»، وسط أجواء جماهيرية مشحونة، في ليلة لم أرَ مثلها من قبل في أي ملعب من ملاعب كرة القدم.
كما كانت الأجواء مختلفة إلى حد ما عندما استضاف فالنسيا نادي أتالانتا الإيطالي في مباراة الإياب من دور الـ16 لدوري أبطال أوروبا. وإذا كان هناك فريق يحتاج لدعم جماهيري قوي في أصعب الظروف، فلا يوجد جمهور متحمس وداعم لفريقه أكثر من جمهور نادي فالنسيا، الذي كان قد خسر في المباراة الأولى في إيطاليا بأربعة أهداف مقابل هدف وحيد، وكان في حاجة ماسَّة لتعويض تلك النتيجة الثقيلة من أجل التأهُّل لدور الثمانية. لكن بسبب تفشي فيروس كورونا، أقيمت المباراة بدون جمهور. وفي الحقيقة، كانت مشاهدة المباراة عبر شاشات التلفزيون غريبة، حيث كان يمكنك سماع أصوات اللاعبين وهم يتحدثون إلى بعضهم البعض أو وهم يحتفلون أو يعترضون ويطالبون حكم اللقاء باحتساب خطأ لصالحهم. وفي بعض الأحيان، كان يتعيّن عليك أن تذكِّر نفسك بأن هذه مباراة في دوري أبطال أوروبا وليست حصة تدريبية!
واشتعلت المباراة بعد مرور 90 ثانية فقط، عندما حصل أتالانتا على ركلة جزاء، حولها المهاجم السلوفيني جوزيب إليسيتش إلى هدف، قبل أن يضيف ثلاثة أهداف أخرى ويقود النادي الإيطالي للفوز بأربعة أهداف مقابل ثلاثة. وعقب نهاية المباراة، نشر النجم السابق للمنتخب الإنجليزي، غاري لينكر، تغريدة على «تويتر» قال فيها: «مباراة رائعة كان ينقصها الحضور الجماهيري على ملعب (الميستايا). تخيّل تسجيل الأهداف الأربعة بالشكل الذي فعله إليسيتش في ظل الحضور الجماهيري في الملعب».
وتلا هذه المباراة قرار الإعلان عن تأجيل جميع مباريات ومسابقات كرة القدم في إنجلترا واسكوتلندا حتى شهري أبريل (نيسان) على الأقل. كما تم تأجيل مباريات دوري أبطال أوروبا والدوري الأوروبي، ولا توجد رؤية واضحة الآن بشأن كيفية استئناف هذه المباريات. وربما تُقام مباريات فاصلة من أجل تحديد الأندية الفائزة بالبطولات والأندية التي ستهبط إلى الدوريات الأدنى. وعلاوة على ذلك، قد يتم تأجيل نهائيات «كأس الأمم الأوروبية 2020». وقد نرى المزيد من المباريات دون جمهور، بالشكل الذي رأيناه في مباراة فالنسيا وأتلانتا.
وإذا كان لا بد من إقامة المزيد من المباريات بدون جمهور، فهل نتوقع أن يؤثر ذلك على النتائج؟ وهل يهبط مستوى ليفربول، على سبيل المثال، فجأة بسبب خوضه للمباريات دون جمهور؟ من المؤكَّد أن خوض أي فريق للمباريات على ملعبه يُعدّ ميزة كبيرة للغاية في عالم الرياضة، خصوصاً في كرة القدم، لكن ما الذي سيحدث إذ تم حذف الحضور الجماهيري من المعادلة؟!
دائماً ما كان يتم عقاب الأندية والمنتخبات التي تنتهك اللوائح والقواعد بخوض المباريات على أرضها دون جمهور. ومنذ أوائل الثمانينات من القرن الماضي، بدأت جميع الأندية الأوروبية تشعر بالقلق من مواجهة الأندية الإنجليزية على ملاعبها، بسبب الحماس الجماهيري منقطع النظير، وكان وستهام يونايتد أكثر الأندية الإنجليزية رعباً للأندية الأخرى التي تأتي لمواجهته على ملعبه. وفي سبتمبر (أيلول) 1980، لعب وستهام يونايتد أمام الفريق الرديف لنادي ريال مدريد، أو ما يُعرَف بـ«كاستيا»، على ملعب «سنتياغو برنابيو» في العاصمة الإسبانية مدريد في إطار مباريات كأس الكؤوس الأوروبية. وخسر وستهام يونايتد في تلك المباراة بثلاثة أهداف مقابل هدف وحيد، وشعر جمهور وستهام بالإهانة بسبب خسارة ناديه أمام الفريق الرديف للنادي الملكي، لذلك قامت الجماهير الغاضبة بأعمال شغب خارج ملعب المباراة، ودهست حافلة أحدَ المشجعين، فتُوفّي في الحال.
وبناء على ذلك، قرر الاتحاد الأوروبي لكرة القدم إقامة مباراة الإياب على ملعب «أبتون بارك» من دون جمهور. في الواقع، كان الحضور الرسمي للجماهير هو 262 شخصاً، بما في ذلك أعداد اللاعبين والطاقم الفني للفريقين والأطفال حاملي الكرات والإعلاميين الذي جاءوا لتغطية أحداث تلك المباراة. لكن الأجواء كانت غريبة للغاية بسبب غياب الجمهور. وتذكر حارس مرمى وستهام يونايتد السابق، فيل باركس، ما حدث، قائلاً إنه اضطر لضبط الراديو على إذاعة الرياضة من أجل الاستماع إلى التعليق على المباراة، ووضع جهاز الراديو خلف المرمى! وأصبحت تلك المباراة تُعرَف باسم «مباراة الأشباح».
لقد عوقب وستهام يونايتد بسبب أعمال الشغب التي قام بها جمهور النادي في مدريد. وكان من المتوقَّع أن يحضر مباراة العودة على ملعب «أبتون بارك» 36 ألف متفرج، لذلك فإن حرمان النادي من الحضور الجماهيري قد أثَّر كثيراً على النادي من الناحية المالية. لكن ماذا عن تأثير ذلك على اللاعبين داخل أرض الملعب؟ وهل عانى وستهام بسبب غياب الجماهير المتحمسة عن ملعب أبتون بارك؟
انتهت المباراة الثانية بفوز وستهام يونايتد بثلاثة أهداف مقابل هدف، وهي نتيجة المباراة الأولى ذاتها، لذلك امتدّت المباراة للوقت الإضافي، وأضاف الفريق الإنجليزي هدفين إضافيين. وقد حدث شيء مماثل في سبتمبر (أيلول) 1982، عندما اضطر أستون فيلا لبدء مشواره الأوروبي باللعب بعد ظهر يوم الأربعاء في تمام الساعة الثانية والنصف مساءً أمام 187 متفرجاً فقط، كعقوبة بسبب أعمال الشغب التي قامت بها جماهيره في الموسم السابق في بلجيكا. ومرة أخرى، لم يؤثر غياب الجماهير على أداء اللاعبين داخل الملعب، وفاز أستون فيلا على بشكتاش التركي بثلاثة أهداف مقابل هدف وحيد. ولعب إنترميلان الإيطالي ثلاث مباريات على ملعبه في دوري أبطال أوروبا دون جمهور في عام 2005، وحقق الفوز في المباريات الثلاث.
لكن ذلك لا يعني أننا نقول إن الأندية تلعب بشكل أفضل عندما تخوض المباريات على ملعبها من دون جمهور، حيث لا توجد إحصائيات كافية لتأكيد هذا الأمر أو نفيه. لكن هذه المباريات التي تقام بدون جمهور تجعلك تتساءل عن مدى تأثير الحضور الجماهيري على أداء اللاعبين داخل المستطيل الأخضر.
وتُظهِر الأبحاث أن خوض الأندية والمنتخبات للمباريات على ملعبها يُعدّ ميزة كبيرة للغاية في عالم كرة القدم. وإذا نظرنا إلى الأرقام والإحصائيات المتعلّقة بجميع الفرق والدوريات في إنجلترا، فسنجد أن الفريق المضيف يفوز في نحو 45 في المائة من المباريات ويتعادل في 25 في المائة. ربما تعتقد الجماهير أن هذا الأمر يعود إلى دعمهم وحماسهم داخل الملعب، لكن في الواقع لا يبدو أن الحضور الجماهيري وشراسة التشجيع لهما تأثير كبير على النتيجة.
ومع ذلك، فإن الحضور الجماهيري قد يكون له تأثير كبير في بعض الأحيان على قرارات الحكام، حيث أشارت دراستان إلى أن حكام كرة القدم يشعرون بالقلق من اتخاذ قرارات مثيرة للجدل (عن غير قصد بالطبع) ضد الأندية صاحبة الملعب، لأنهم يعتقدون أن الجمهور قد يتعدى عليهم. ومن الناحية العملية، يعني هذا عدداً أقل من البطاقات الصفراء، وعدداً أكبر من ركلات الجزاء للأندية صاحبة الملعب، وكلما زاد تشجيع الجماهير، زاد التحيُّز اللاواعي من قِبَل الحكم لصالح الفريق صاحب الملعب.
إذا انتهى الأمر بإقامة بعض المباريات المهمة هذا الموسم من دون جمهور، فهل سنرى الحكام يتخذون قرارات أفضل؟ وهل سيقل حماس لاعبي الفريق الذي يلعب على ملعبه بسبب غياب الجمهور؟
أو، من زاوية أخرى، هل سيلعب هؤلاء اللاعبون بحرّية أكبر؟ لقد اشتكى جوي بارتون ذات مرة من أن مشجعي نيوكاسل يونايتد في ملعب «سانت جيمس بارك» قد دمّروا ثقة اللاعبين بأنفسهم. وبالمثل، أعرب غاري نيفيل عندما كان مديراً فنياً لفالنسيا عام 2016 عن أنه كان يتمنى أن يكون ملعب «الميستايا» خالياً من الجماهير، لأنها تشكل ضغطاً هائلاً على اللاعبين. وبقدر ما يكون الأمر رائعاً لأي لاعب عندما يسمع 55 ألف شخص يهتفون باسمه في المدرجات، فهل نتخيل مدى الضغط الهائل الذي كان يتعرض له نيفيل عندما كان هذا العدد الهائل من الجمهور يغني قائلاً: «غاري، ارحل الآن».


مقالات ذات صلة

فالفيردي: العويس حرمنا الفوز أمام السعودية

رياضة عالمية العويس يتصدَّى لإحدى الكرات الأوروغوايانية (أ.ف.ب)

فالفيردي: العويس حرمنا الفوز أمام السعودية

فاز فيدريكو فالفيردي، نجم خط وسط فريق ريال مدريد الإسباني، بجائزة رجل مباراة منتخب بلاده، أوروغواي أمام السعودية.

«الشرق الأوسط» (ميامي)
رياضة سعودية الدوسري يصافح حارس أوروغواي موسليرا بعد نهاية المباراة (رويترز)

سالم الدوسري: شرّفنا السعودية... وهدفنا التأهل

أشاد سالم الدوسري قائد المنتخب السعودي بأداء زملائه بعد التعادل 1 - 1 مع أوروغواي في الجولة الأولى من المجموعة الثامنة لكأس العالم 2026.

«الشرق الأوسط» (ميامي)
رياضة سعودية العمري يعترض طريق الأوروغواياني خوان مانويل سانابريا (رويترز)

العمري: استحققنا الفوز أمام أوروغواي

بدا عبد الإله العمري مدافع نادي النصر والمنتخب السعودي راضياً بعد التعادل 1 - 1 مع أوروغواي في الجولة الأولى من المجموعة الثامنة لكأس العالم 2026.

«الشرق الأوسط» (ميامي)
رياضة عالمية فالفيردي يتعثر بعد احتكاكه مع العمري (أ.ف.ب)

فالفيردي «رجل مباراة السعودية وأوروغواي» رغم تصديات العويس

فاز فيدريكو فالفيردي نجم خط وسط فريق ريال مدريد الإسباني بجائزة رجل مباراة منتخب بلاده أوروغواي أمام السعودية.

«الشرق الأوسط» (ميامي)
رياضة عالمية الحكم الأسترالي نفى قيامه بإيماءة عنصرية خلال بث المباراة (أ.ف.ب)

الحكم الأسترالي شون إيفانز ينفي القيام بإيماءة عنصرية في المونديال

نفى الحكم الأسترالي، شون إيفانز، تعمده القيام بإيماءة يد ترمز للقومية البيضاء وجماعات اليمين المتطرف، مؤكداً أنَّ الحركة لم تكن سوى ارتعاش لا إرادي ولا شعوري.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.