الحكومة اليمنية تؤدي اليمين أمام هادي.. وصالح والحوثيون نحو إعلان تحالف علني

مستشار الرئيس اليمني لـ («الشرق الأوسط») : العائق الأمني كبير.. ويجب تنفيذ الملحق الأمني والعسكري

رئيس الحكومة الجديد خالد بحاح لدى أدائه اليمين الدستورية أمام الرئيس اليمني في القصر الجمهوري أمس (رويترز)
رئيس الحكومة الجديد خالد بحاح لدى أدائه اليمين الدستورية أمام الرئيس اليمني في القصر الجمهوري أمس (رويترز)
TT

الحكومة اليمنية تؤدي اليمين أمام هادي.. وصالح والحوثيون نحو إعلان تحالف علني

رئيس الحكومة الجديد خالد بحاح لدى أدائه اليمين الدستورية أمام الرئيس اليمني في القصر الجمهوري أمس (رويترز)
رئيس الحكومة الجديد خالد بحاح لدى أدائه اليمين الدستورية أمام الرئيس اليمني في القصر الجمهوري أمس (رويترز)

أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة خالد بحاح، اليمين الدستورية أمام الرئيس عبد ربه منصور هادي في القصر الجمهوري، دون تأثير على ما يبدو لرفض الحوثيين وحزب الرئيس السابق علي عبد الله صالح للتركيبة الحكومية. في حين أكدت مصادر يمنية مطلعة أن جماعة الحوثي وحزب المؤتمر الشعبي برئاسة الرئيس السباق، يتجهان لإعلان تحالفهما علنا من خلال توقيع اتفاق سياسي للتنسيق في قضايا البلاد، بعد أن كان هذا التحالف سرا لأكثر من عامين، ونتج عنه سقوط مدن عديدة وتسليمها للحوثيين من بينها عمران والعاصمة صنعاء. وتأتي الخطوة بعد أن تخلص المؤتمر الشعبي من الرئيس هادي بطرده من الحزب.
وأدى 31 وزيرا ووزيرة اليمين بحضور وزراء من المؤتمر الشعبي وآخرين مقربين من الحوثيين. وكانت أنباء أشارت أمس إلى رفض حزب المؤتمر الشعبي العام والحوثيين لتشكيلة الحكومة. وأعلن رئيس الوزراء خالد محفوظ بحاح أن الوزراء أدوا القسم وأن الحكومة لديها ثلاث أولويات وهي الأمن والاقتصاد والحكم الرشيد. وعن انتشار الحوثيين في صنعاء ومناطق أخرى، قال بحاح «كانت هناك حالة فراغ أمني.. والآن هناك اتصالات تجرى مع مختلف الأطراف لإعادة ترتيب الوضع الأمني». وأضاف أن الحكومة «ستخضع للتقييم خلال 90 يوما». وقال بحاح في كلمته «بالنظر إلى التعقيدات التي تواجه الوطن فإننا ننتظر من كل القوى السياسية أن تعمل إلى جانب الرئيس عبد ربه منصور هادي رئيس الجمهورية وإلى جانب الحكومة في التعاطي مع استحقاقات مرحلة الانتقال السياسي وفقا لما تقضي به التزاماتها تجاه اتفاقيات التسوية كلها بدءا من المبادرة الخليجية وانتهاء باتفاق تفويض الرئيس ورئيس الحكومة واتفاق السلم والشراكة وقرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني». كما أثنى بحاح على حزب المؤتمر الشعبي العام الذي يتمتع بأغلبية في البرلمان، وقال إنه «حزب وطني كبير ونحرص على التواصل معه».
وتأتي هذه الحكومة، التي أريد لها أن تكون حكومة كفاءات ووحدة وطنية، تطبيقا لاتفاق السلم والشراكة الوطنية الذي تم التوصل إليه في 21 سبتمبر (أيلول) مع المسلحين الحوثيين في اليوم نفسه الذي سيطروا فيه على صنعاء من دون مقاومة من الدولة. وشكل أداء الحكومة لليمين الدستورية ضربة قوية للرئيس السابق علي عبد الله صالح الذي أعلن حزبه عدم المشاركة في الحكومة، وقال وزير في الحكومة اليمنية لـ«الشرق الأوسط»، رفض الكشف عن هويته، إن صالح وحزبه والحوثيين فشلوا «في إفشال تشكيل الحكومة وأدائها اليمين الدستورية»، وارجع ذلك إلى «مخاوفهم من العقوبات الدولية وتصاعدها بحقهم إذا استمروا في إفشال العملية السياسية في اليمن»، بعد القرار الأممي لمجلس الأمن الدولي الذي فرض عقوبات على الرئيس السابق علي عبد الله صالح واثنين من القيادات الحوثية، بسبب عرقلة العملية السياسية الجارية في اليمن في ضوء المبادرة الخليجية.
وقال الدكتور فارس السقاف، مستشار الرئيس اليمني، لـ«الشرق الأوسط»، إن الحكومة «طالما أدت اليمين الدستورية أمام الرئيس بحضور هذا العدد الكبير من الوزراء، فهذا يعد تجاوزا للمعضلة الكبرى، والتحديات التي نصبت أمامها». وأضاف «الاعتراضات الحالية بسيطة ولا تهدد بانهيار الحكومة الجديدة». وحول اعتراض «أنصار الله» الحوثيين على بعض الأسماء في الحكومة، قال السقاف لـ«الشرق الأوسط» إنهم «اعترضوا على أسماء لم يذكروها.. كما أنهم فوضوا الرئيس هادي ورئيس الحكومة بحاح لاختيار أعضاء الحكومة من الكفاءات، ووعدوا بعدم الاعتراض عليها.. وهم إذا أرادوا أن يثبتوا أي شيء غير قانوني أو اعتراض على بعض الأسماء فعليهم اتخاذ إجراءات قانونية والتأكد والتثبت من هذا الأمر، ويمكن معالجة مثل هذه الأمور في ضوء الوثائق والأدلة التي يمكن أن يقدموها».
وأكد مستشار هادي أن «الحكومة لن تتوقف أمام خلافات بسيطة وسوف تقدم برنامجها إلى مجلس النواب (البرلمان) لمنحها الثقة قبل أن تمضي لتنفيذ برنامجها المحدد». وعما إذا كانت التحركات المسلحة للحوثيين في كثير من المحافظات والبلدات عائقا أمام عمل الحكومة، رد السقاف بالقول «لا شك أن الجانب الأمني هو العائق الأكبر، في الوقت الراهن، لأنه لا يمكن للحكومة أن تعمل في ظل الانفلات الأمني.. ويجب أن ينفذ الملحق الأمني والعسكري المتفق عليه في اتفاق السلم والشراكة بين النظام والحوثيين».
ورفض الحوثيون السبت التشكيلة الحكومية، وقالوا في بيان إنها «تعد مخالفة لاتفاق السلم والشراكة الوطنية.. وعرقلة واضحة لمسار العملية السياسية لحساب مصالح خاصة وضيقة». وشدد الحوثيون في بيان على «ضرورة تعديل هذه التشكيلة وإزاحة من لم تنطبق عليه المعايير المنصوص عليها وفي مقدمتها الكفاءة والنزاهة والحيادية في إدارة شؤون البلاد، ومن عليهم ملفات فساد». وبدوره، دعا حزب المؤتمر الشعبي العام، السبت، أعضاءه إلى الانسحاب من الحكومة، الأمر الذي لم يحصل.
وتحظى الحكومة بتأييد دولي واسع النطاق. ورحبت واشنطن بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة التي أعلنت الجمعة. كما رحب الاتحاد الأوروبي واعتبرها خطوة مهمة لتحقيق الإصلاحات. وأكد على ضرورة دعم كل الأطراف السياسية للحكومة الجديدة. وقد حظيت هذه الحكومة بدعم دولي كبير من كل الأطراف، غير أن تحركات الحوثيين في الميدان واستمرار استيلائهم على المدن والبلدات قد يعوق عمل الحكومة، حسبما يقول المراقبون.
في غضون ذلك، أكدت مصادر يمنية مطلعة أن حزب المؤتمر الشعبي وجماعة «أنصار الله»، يتجهان لتوقيع تحالف علني بشأن قضايا الوطن، وضد نظام الرئيس هادي والحكومة الجديدة. وتشير المصادر التي تحدثت إليها «الشرق الأوسط» إلى أن هذا التحالف ظل قائما منذ فترة تقترب من السنتين، غير أنه لم يكن معلنا. وتدلل المصادر على ذلك بالحديث عن الترتيبات بين الطرفين من أجل اجتياح صنعاء ومحافظة عمران وعدد من المحافظات اليمنية بمساعدة أنصار صالح في قوات الجيش والأمن والذين أسهموا، بصورة مباشرة، في هذا الاتجاه، وهو الأمر الذي استدعى أن يصدر مجلس الأمن الدولي قرارا بعقوبات على صالح وأبرز القيادات الميدانية الحوثية، خلال الأيام الماضية.
وذكرت المصادر الخاصة أن أنصار صالح سهلوا للحوثيين الاستيلاء على المعسكرات والمدن وأيضا الأسلحة الثقيلة التي يطالب المجتمع الدولي بأن تعاد إلى حظيرة الجيش اليمني المنقسم في الوقت الراهن، رغم عملية إعادة الهيكلة التي قام بها الرئيس عبد ربه منصور هادي. وتركز الولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا ودول الخليج العربي بصورة كبيرة على تطورات الأوضاع في اليمن، ويعتقد أن هناك تحركات خليجية جديدة متوقعة من أجل الوضع في اليمن في حال وجود سيناريوهات أخرى من أجل عرقلة التسوية ومقاومة القرارات الأممية.
من ناحية ثانية، أعلنت الأمم المتحدة في بيان لها إطلاق سراح المهندس جيمس ماساكوي الذي يعمل في مشروع للصرف الصحي في اليمن والذي اختطف في أكتوبر (تشرين الأول) 2013 وأنه بخير وبصحة جيدة، ويعمل جيمس كونراد ماساكوي، الذي اختطف في أكتوبر 2013 من قبل مسلحين مجهولين من طريق مطار صنعاء، كمتخصص في معالجة المياه، حيث كان يعمل في اليمن للمساعدة على توفير خدمات المياه والصرف الصحي بهدف تحسين صحة الأطفال.
وتعتبر عمليات الاختطافات في اليمن مستمرة منذ عقود، ويجري اختطاف الأجانب من قبل رجال القبائل الذين يستخدمونهم للضغط على الحكومة اليمنية لتنفيذ مشاريع قبلية. وغالبا ما تطال عملية الاختطافات عددا من السياح والدبلوماسيين والعمال الأجانب في اليمن، وقد انتشرت بشكل كبير في عدد من محافظات الجمهورية، إذ بات البعض يرى ظاهرة الاختطافات على أنها أحداث عابرة، غير أن تنظيم القاعدة، في الغالب، يقوم بقتل المختطفين الأجانب.
من ناحية أخرى، اختطف الحوثيون شخصا يعمل طبيبا وصحافيا من مديرية رداع التي تشهد صراعا بينهم وبين تنظيم «أنصار الشريعة» التابع لتنظيم القاعدة والذي قتل فيه، خلال الساعات الماضية، العشرات من الحوثيين على أيدي ذلك التنظيم المتشدد. وقال حزب الإصلاح الإسلامي (السني) إن الجماعات الحوثية المسلحة اختطفت الطبيب عمار التام، وذلك على خلفية نشاطه الصحافي إلى جانب كونه طبيبا.
إلى ذلك، علمت «الشرق الأوسط» من مصدر في جهاز الأمن السياسي (المخابرات) أن كل موظفي الجهاز نظموا، أمس، اعتصاما في المقر الرئيسي للجهاز بمشاركة ضباط من المحافظات، وذلك للمطالبة بعودة الرئيس السابق للجهاز، جلال الرويشان، الذي عين وزيرا للداخلية، وهذه هي المرة الأولى التي ينظم فيها منتسبو المخابرات مثل هذا الاعتصام الحاشد، حسبما أكدت المصادر. وكلف البرلمان اليمني، أمس، عددا من أعضائه بإعداد مسودة للمصالحة الوطنية في البلاد، في الوقت الذي دعا فيه رئيسه، يحيى الراعي، إلى التصالح والتسامح، وهو ينتمي لحزب المؤتمر الذي يتزعمه صالح. في حين أكد مجلس الشورى (الغرفة التشريعية الثانية) على الأمر ذاته. وتنتظر الأوساط اليمنية جلسة البرلمان من أجل تحديد مستقبل الحكومة الجديدة في ضوء منحها الثقة من قبل كل الكتل البرلمانية في المجلس وأبرزها كتلة حزب المؤتمر الشعبي وكتلة حزب التجمع اليمني للإصلاح ضمن أحزاب اللقاء المشتـرك.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.