الفيروس على أبواب إيران... قصة فشل طهران في وقف انتشار المرض

سيدة ترتدي كمامة في سوق بطهران (رويترز)
سيدة ترتدي كمامة في سوق بطهران (رويترز)
TT

الفيروس على أبواب إيران... قصة فشل طهران في وقف انتشار المرض

سيدة ترتدي كمامة في سوق بطهران (رويترز)
سيدة ترتدي كمامة في سوق بطهران (رويترز)

بعد ظهوره أمام الكاميرات يسعل بشدة ويتعرق بغزارة، تعهّد الرجل الذي يقود الجهود الإيرانية لوقف انتشار فيروس «كورونا» بأنه لا يُشكل خطراً حقيقياً على البلاد! وأفاد إيراج حريرشي قائلاً: «إن تدابير الحجر الصحي ترجع إلى العصر الحجري». وخضع بنفسه لإجراءات الحجر الصحي إثر إصابته بالفيروس القاتل بعد ذلك التصريح بيوم واحد.
وتعتبر قصة السيد حريرشي صورة مصغرة لما يجري في إيران في خضمّ انتشار الوباء القاتل. فكل 9 من أصل 10 حالات للإصابة بالفيروس في منطقة الشرق الأوسط تأتي من الجمهورية الإسلامية، التي أبلغت حتى الآن عن إصابة أكثر من 16 ألف مواطن بالفيروس مع سقوط 988 حالة وفاة على الأقل، في خضم مخاوف من احتمال عدم الإبلاغ عن المزيد من حالات الإصابة. وفي حين تعافى أغلب المصابين بالمرض في البلاد، فإن الفيروس يواصل الانتشار بسرعة هائلة مع سهولة سقوط كبار السن وأصحاب المشكلات التنفسية والأمراض الكامنة ضحايا الفيروس القاتل.
وكانت أيام الامتناع الرسمي عن الإقرار بتفشي الفيروس قد منحته الفرصة لمواصلة الانتشار على نطاق كبير في البلاد التي تشهد الذكرى الحادية والأربعين لاندلاع الثورة الإسلامية عام 1979. والاحتفالات والتجمعات الكبيرة التي واكبت تلك المناسبة، فضلاً عن إجراء الانتخابات البرلمانية التي سعت فيها السلطات بكل جهدها لإثبات زيادة معدلات الإقبال على التصويت. واليوم، يحذر التلفزيون الحكومي الإيراني المواطنين من الفيروس الذي قد ينال من حياة الملايين، في حين أصدر المرشد الأعلى أمراً دينياً يوم الثلاثاء الماضي بحظر رحلات السفر غير الضرورية في عموم البلاد.
ورغم أن إيران تملك واحداً من أفضل النظم الطبية الموجودة في منطقة الشرق الأوسط، فإن هناك حالة من الاكتظاظ تشهدها مستشفيات البلاد حالياً، كما طالبت السلطات الإيرانية بشراء 172 مليون قناع واقٍ من الخارج. كما طلبت الحكومة الإيرانية من صندوق النقد الدولي قرضاً مقداره 5 مليارات دولار، وهو القرض الأول من نوعه الذي تتقدم بطلبه الحكومة في طهران منذ عام 1962.
وقال الدكتور أمير أفخامي، المختص في الدراسات الإيرانية من جامعة جورج واشنطن، إن طلب القرض الإيراني يعكس مدى خطورة الأوضاع في البلاد مع الإشارة إلى قرب خروجها عن نطاق السيطرة.
ولدى إيران فرصة سانحة للحد من انتشار الفيروس القاتل، لا سيما مع اقتراب أعياد النوروز (رأس السنة الفارسية) يوم الجمعة المقبل. ومن شأن قرار حظر السفر الصادر، في بادرة نادرة، عن مكتب المرشد الإيراني علي خامنئي أن يساعد في تلك الجهود.
ومن غير المعروف ما الذي سوف يحدث في الأيام المقبلة، ولكن من المؤكد أنه لن يؤثر فقط على الحكومة المدنية في إيران أو على الهيئة الدينية الحاكمة في البلاد، اللتين أصيب بعض رجالهما بالمرض فعلاً، وإنما سوف يؤثر على العالم بأسره.
ومن بين المجهولات الإيرانية في الآونة الراهنة هي شخصية «المريض صفر» الإيراني، وهو أول مواطن أصيب فعلاً بالفيروس القاتل على مستوى البلاد.
وتعتقد السلطات أن بدء انتشار الوباء كان في مدينة قُــم المقدسة، ومعقل رجال المذهب الشيعي في إيران، التي تقع على مسافة 125 كيلومتراً إلى جنوب غربي العاصمة طهران. وتفترض السلطات الإيرانية إصابة أحد رجال الأعمال الإيرانيين بالفيروس من الخارج ونقله إلى داخل البلاد بعد عودته من رحلة إلى الصين. وتجتذب مدينة قُـم الطلاب الشيعة الصينيين إلى معاهدها ومدارسها على طول مسار القطار السريع الذي تبلغ تكلفة إنشائه 2.7 مليار دولار، وتتولى بناءه إحدى الشركات الصينية العاملة في البلاد.
وحذرت صحيفة «آفتاب يزد» الإيرانية (المحسوبة على تيار الإصلاح)، من أن الفيروس الغامض بات على أبواب إيران في الوقت الذي شرعت فيه الحكومة الصينية في حملة الإغلاق الشهيرة اعتباراً من يناير (كانون الثاني) الماضي، ورغم ذلك استمرت رحلات السفر من دون توقف بين الصين وإيران.
وأعلنت السلطات الإيرانية عن أول حالتين للإصابة بالمرض في 19 فبراير (شباط) الماضي، وقد توفيت الضحيتان بعد ذلك في مدينة قُــم. ونظراً لأن ظهور أعراض الإصابة بالمرض يستغرق أسبوعين، ربما يكونان قد أصيبا بالمرض منذ أوائل فبراير.
ومضت الحكومة الإيرانية (رغم ذلك) قدماً في تنظيم الانتخابات البرلمانية في 21 فبراير، مسجلة فيها أقل نسبة إقبال على التصويت منذ اندلاع الثورة قبل 41 عاماً. ورغبت الحكومة في تعزيز شرعيتها داخلياً عقب إسقاط طائرة الركاب الأوكرانية الذي أسفر عن مقتل 176 شخصاً كانوا فيها. وقبل ذلك بأيام، شنت الولايات المتحدة غارة بالطائرات المسيرة في العراق أسفرت عن مقتل الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس التابع لقوات الحرس الثوري الإيراني، الأمر الذي فاقم من زعزعة مصداقية النظام الإيراني على الصعيدين الداخلي والإقليمي.
وفي مدينة قُـم، وصلت الجمهورية الإسلامية فتح مقام «حرم فاطمة المعصومة» للزوار. وظلت حشود الزائرين تتجمع هناك على مدار اليوم في كل يوم من أيام الأسبوع، فضلاً عن الممارسات المعهودة من لمس وتقبيل عتبات المقام. وكانت السلطات في بلدان أخرى قد قررت إغلاق دور العبادة من المساجد والكنائس وغيرها من الأماكن المقدسة، أو قامت بتنظيفها وتطهيرها بالكامل.
وقال مهدي خلجي، المحلل لدى معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، وأستاذ المذهب الشيعي من خريجي معاهد مدينة قُـم لوكالة «أسوشيتد برس»: «كان المقصد من الصفة الدينية للمدينة (موئل النبي وآل بيته) هو طمأنة المؤمنين في جميع أنحاء العالم أن المدينة محفوظة ومحروسة ضد كل أشكال الأوبئة والكوارث الأخرى. فإذا ما تأكدت صحة التقارير بشأن الانتشار المبكر للفيروس القاتل في هذه المدينة، فإن الوضعية الآيديولوجية التي تتمتع بها المدينة على اعتبارها العاصمة الدينية للثورة الإسلامية، قد ساعدت في تحويلها إلى مركز انتشار للفيروس الفتاك إلى بقية أرجاء البلاد، وربما إلى سبعٍ من دول الجوار الأخرى على الأقل».
ومنذ ذلك الحين، عكف العمال على تطهير الأضرحة والمقامات والمزارات. وبحلول مساء الاثنين الماضي، أُغلق «حرم فاطمة المعصومة»، ومقام آخر في مدينة مشهد أمام الزوار، وفي مقطع فيديو على الإنترنت شوهد بعض المتدينين المتشددين من معتنقي المذهب الشيعي يحاولون اقتحام المزارات بقوة ويطالبون باستمرارها مفتوحة أمام الناس. بيد أن الفيروس كان قد وجد طريقه بالفعل بين أوساط الحكومة ورجال المذهب الشيعي.

ضحايا من المسؤولين
فقد نال الفيروس من حياة محمد مير محمدي عضو مجلس تشخيص مصلحة النظام، المعروف بقربه من خامنئي. كما لقي كل من هادي خسروشاهي، المبعوث الإيراني الأسبق لدى الفاتيكان، وأحمد تويسركاني، مستشار رئيس السلطة القضائية، حتفه بالفيروس، فضلاً عن بعض أعضاء البرلمان. ومن بين المصابين بالمرض السيدة معصومة ابتكار، نائبة الرئيس الإيراني والمعروفة إعلامياً باسم «الأخت مريم»، وكانت المتحدثة الناطقة باللغة الإنجليزية عن جموع الطلاب الإيرانيين الذين احتلوا مقر السفارة الأميركية في طهران عشية اندلاع الثورة الإسلامية عام 1979.
وشوهد المرشد الإيراني علي خامنئي يضع قفازين واقيين في مناسبة لغرس بعض الأشجار في العاصمة مؤخراً.
يذكر أن ثمة تقارير تفيد بأن معدلات الوفيات في إيران جراء الفيروس الفتاك هي أعلى منها لدى البلدان الأخرى المتضررة بشدة. ويزعم خبراء من خارج البلاد، فضلاً عن بعض المشرعين والمسؤولين الإيرانيين، أن الحكومة تتعمد حجب الأرقام الحقيقية لحالات الإصابة والوفيات حتى الآن. بيد أن موقف الإنكار الرسمي الأول بدأ التلاشي مع مرور الوقت.
وفي هذا السياق، قال نائب وزير الصحة الإيراني رضا مالك زاده: «اكتشفنا أمر انتشار الفيروس في البلاد في وقت متأخر قليلاً، لأننا أخطأنا تقديره بأنه مجرد أنفلونزا عادية من التي تصيب الجميع».
وكان مواطن من سكان مدينة قُـم قد صوّر صفوفاً متراصة من جثث الموتى داخل أكياس سوداء وتوابيت في انتظار الدفن في أحد الخنادق، زاعماً أنها جميعها سجلت قراءات إيجابية للإصابة بالفيروس. وقال أحد المسؤولين إن تأخير إجراءات الدفن كان بسبب انتظار نتائج الاختبارات، ولقد ألقت السلطات القبض على المواطن صاحب مقطع الفيديو في وقت لاحق.

سنوات العزلة
يبلغ تعداد سكان إيران نحو 80 مليون نسمة، الذين فقدوا إحساسهم بالأخطار العالية إثر سنوات مطولة من العزلة الدولية المفروضة على بلادهم، وتراهم محتشدين لتأمين حاجاتهم من محلات البقالة ومتاجر القصابين إثر خشيتهم مما تبثه وسائل الإعلام الحكومية من أنباء مشبوهة.
ولم تتحرك الحكومة الإيرانية إلى حد إصدار أوامر حظر السفر الرسمية على الصعيد الداخلي، حتى في ما يتصل بأعياد النوروز التي تشهد خروج الملايين من المواطنين. ولم يخرج توضيح مقنع من جانب الحكومة لذلك حتى الآن، ولكن يمكن تفسير الأمر بأن هناك قلقاً متزايداً لدى الأوساط الحكومية من ارتفاع وتيرة السخط الشعبي أو إبطاء اقتصاد البلاد المنهك بالفعل جراء العقوبات الدولية المفروضة على النظام.
وتعكس مقاطع الفيديو على الإنترنت المواطنين الإيرانيين وهم يتجاهلون تماماً مناشدات وسائل الإعلام للبقاء في منازلهم ويسافرون برغم ذلك إلى شواطئ بحر قزوين ومختلف سواحل الخليج العربي.
وقال حريرشي، مسؤول وزارة الصحة الإيرانية الذي أصيب بالفيروس مؤخراً إن بلاده تأمل في احتواء الفيروس الفتاك بحلول يوم 25 مارس (آذار) الحالي. وأضاف الرجل الذي وصف الحجر الصحي بأنه من الممارسات التي مرّ عنها الزمن: «أناشد المواطنين في كل مكان الإقلال قدر الإمكان من الرحلات والتواصلات، مع عزل المرضى والمصابين عن الأصحاء عزلاً تاماً».


مقالات ذات صلة

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

صحتك صورة توضيحية لفيروس «كوفيد - 19» (أرشيفية - رويترز)

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

عقار فلوفوكسامين المضاد للاكتئاب، وهو عقار شائع الاستخدام وغير مكلف، حسن على نحو ملحوظ نوعية الحياة لدى البالغين المصابين «بكوفيد طويل الأمد».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)
صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

إيران تتهم أميركا بانتهاك وقف إطلاق النار وتتوعد بالرد على مهاجمة سفينة

جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)
جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)
TT

إيران تتهم أميركا بانتهاك وقف إطلاق النار وتتوعد بالرد على مهاجمة سفينة

جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)
جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)

اتهمت القيادة الموحدة للقوات المسلحة ​الإيرانية، المعروفة باسم «مقر خاتم الأنبياء»، الولايات المتحدة بانتهاك وقف إطلاق ‌النار من ‌خلال ​مهاجمة ‌إحدى ⁠السفن التجارية ​الإيرانية في ⁠خليج عمان، وتوعدت بالرد.

ونقلت وسائل إعلام حكومية عن متحدث ⁠باسم «خاتم ‌الأنبياء» ‌قوله اليوم ​الأحد ‌إن السفينة ‌كانت متجهة من الصين إلى إيران.

وذكر المتحدث «نحذر من ‌أن القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية الإيرانية ⁠سترد ⁠قريبا وتنتقم من هذه القرصنة المسلحة التي ارتكبها الجيش الأميركي».


الإيرانيون يخشون من تفاقم الضغوط بعد الحرب وحملة القمع

إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
TT

الإيرانيون يخشون من تفاقم الضغوط بعد الحرب وحملة القمع

إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)

يسعى الإيرانيون إلى الحفاظ على لمحة من مظاهر الحياة الطبيعية بعد أسابيع شهدت قصفاً أميركياً وإسرائيلياً، وحملة قمع ضد المتظاهرين أسقطت قتلى في يناير (كانون الثاني)، ولا يزالون يشعرون بالقلق إزاء المستقبل في ظل الآثار السلبية الناجمة عن الغارات الجوية وانقطاع خدمة الإنترنت.

وفي ظل الخلافات الدائرة بين إيران والولايات المتحدة حول تمديد وقف إطلاق النار والاتفاق على إنهاء الصراع، فتحت المتاجر والمطاعم والمكاتب الحكومية أبوابها. وفي أيام الربيع المشمسة، تزدحم حدائق المدينة بأسر خرجت للتنزه وشبان يمارسون الرياضة، بينما يتجمع آخرون في المقاهي على جوانب الشوارع.

لكن وراء هذه المشاهد الهادئة، يتداعى الاقتصاد الإيراني، ويخشى الناس من حملة قمع جديدة من الحكومة، ويشعرون بالغضب إزاء الغارات الجوية المدمرة.

ويبدو أن الصعوبات التي أذكت اضطرابات واحتجاجات حاشدة في يناير ستزداد تفاقماً، حسب وكالة «رويترز».

وانتهت المحادثات التي جرت في إسلام آباد هذا الشهر، وهي أول مفاوضات مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران منذ سنوات، دون التوصل إلى اتفاق. ولكن مع اقتراب موعد انتهاء وقف إطلاق النار الهش الحالي يوم الأربعاء، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب اليوم الأحد إن مبعوثيه سيتوجهون إلى باكستان وإنهم مستعدون لإجراء مزيد من المحادثات.

إيرانيتان تنظران إلى هاتف ذكي عند البوابة الرئيسية لجامعة طهران الأحد (أ.ب)

خوف من ضغوط مع استمرار نظام الحكم

قالت فريبا (37 عاماً) التي شاركت في مظاهرات يناير لـ«رويترز» عبر الهاتف من إيران: «ستنتهي الحرب، لكن عندها ستبدأ مشاكلنا الحقيقية مع النظام. أخشى جداً من أن يزيد الضغط على الناس العاديين إذا توصل النظام إلى اتفاق مع الولايات المتحدة».

وأضافت: «لم ينس الشعب جرائم النظام في يناير، ولم ينس النظام أن الناس لا يريدونه. إنه يكبح نفسه الآن لأنه لا يريد القتال على الجبهة الداخلية أيضاً».

وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن القصف أودى بحياة الآلاف، منهم عشرات التلميذات في مدرسة للبنات في اليوم الأول من الصراع.

ودمر القصف أيضاً بنى تحتية في أنحاء البلاد، مما زاد من احتمالات حدوث تسريح جماعي للعمال.

ويبدو أن النظام الإيراني راسخ كما كان في الماضي، بعد أن نجا من القصف المكثف على مدى أسابيع وعرقل إمدادات النفط العالمية.

وقال أوميد ميماريان، محلل الشأن الإيراني لدى مركز الأبحاث المستقل «دون» في الولايات المتحدة: «أدرك الإيرانيون أن هذه الحرب لن تؤدي إلى إسقاط النظام، لكنها في الوقت نفسه ستجعل حياتهم أسوأ بكثير من الناحية الاقتصادية».

وأضاف: «لن يضع الجيش أسلحته. سيبقون، وسيكون الوضع دموياً. سيكون مكلفاً من دون أي أمل في مستقبل أفضل».

وفي شمال طهران، أجرت «رويترز» الأسبوع الماضي مقابلات بالفيديو مع شبان إيرانيين تحدثوا عن الحرب ومخاوفهم. وتعمل وسائل الإعلام الأجنبية في إيران بموجب المبادئ التوجيهية التي تضعها وزارة الثقافة والإرشاد، التي تنظم نشاط الصحافة والتراخيص.

الإيرانيون يستمتعون بيوم مشمس في حديقة عامة في خضم وقف إطلاق النار في طهران الأسبوع الماضي (رويترز)

وقالت مهتاب، الموظفة في شركة خاصة، التي طلبت عدم ذكر اسم عائلتها، إن الأمور يمكن أن تكون أسوأ بالنسبة للإيرانيين، بالنظر إلى تأثير الحرب والعقوبات والعزلة على مدى سنوات.

وأضافت: «لا أريد أن أقول إن الوضع طبيعي، لكن كإيرانية عاصرت كل هذا، إذ إنه ليس سيئاً للغاية. يمكننا التعايش معه».

لكن لم يكن لدى الإيرانيين الذين تواصلت معهم «رويترز» عبر الهاتف هذا الرأي، إذ أبدوا قلقاً أكبر بكثير خلال حديثهم، بشرط عدم الكشف عن هوياتهم خوفاً من التعرض للانتقام.

وقالت سارة (27 عاماً)، وهي مدرسة خاصة، طلبت عدم الكشف عن اسم عائلتها أو مكان إقامتها: «نعم، الناس يستمتعون بوقف إطلاق النار في الوقت الحالي... لكن ماذا سيحدث بعد ذلك؟ ماذا يُفترض بنا أن نفعل مع نظام أصبح أكثر قوة؟».

خيارات قليلة

قُتل الآلاف عندما قمعت السلطات احتجاجات استمرت أسابيع في يناير، وقال حينها ترمب إنه سيأتي لمساعدة الإيرانيين.

ولم ترد بعثة إيران الدائمة لدى الأمم المتحدة في جنيف بعد على طلبات للتعليق على هذه القصة. وكانت قد ألقت سابقاً باللوم في أعمال العنف التي وقعت في يناير على «إرهابيين مسلحين» مرتبطين بإسرائيل والولايات المتحدة.

وقال ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في بداية الحرب إنهما يريدان الإطاحة بالحكام، لكن هذا الهدف تلاشى مع استمرار القصف.

وقال ميماريان إن الغضب من القمع جعل كثيراً من الإيرانيين يأملون في تولي حكام جدد السلطة، لكن سرعان ما تحولت مشاعر الغضب إلى الحرب ضد بلادهم.

وأضاف: «أعتقد أنه أصبح أكثر وضوحاً لكثير من الإيرانيين أن هذه الحرب ليست مصممة، أو لا تهدف، إلى مساعدة الشعب الإيراني».

إيرانيات يمررن بجانب ضابط شرطة يقف حراسة في ساحة تجريش شمال طهران الأربعاء الماضي (رويترز)

ولم تكن مهتاب ولا النساء الأخريات الجالسات في مقهى شمال طهران يرتدين الحجاب الإلزامي المفروض منذ عقود في إيران. وصارت قواعد الزي العامة أكثر مرونة عقب الاحتجاجات الشعبية في عام 2022، ومنها مظاهرات رفعت مطالب تتعلق بحقوق المرأة، التي قمعتها السلطات، وخففت بعدها ضمنياً تطبيق بعض قواعد الزي.

وقال المحلل السياسي الإيراني المستقل المقيم في بريطانيا حسين رسام إنه أصبح واضحاً في يناير أن السلطات لن تتراجع بسهولة مجدداً، وأنها لن تنهار في مواجهة الهجوم العسكري.

وجعلت الحرب الإيرانيين أكثر انقساماً من ذي قبل، لكن مع خيارات قليلة. وقال رسام: «هذه لحظة حاسمة للإيرانيين لأنهم في النهاية، وخاصة الإيرانيين داخل البلاد، يدركون أنهم بحاجة إلى العيش معاً. لا مكان يذهبون إليه».

نار تحت الرماد

يخشى كثيرون من تفاقم القمع الآن. وقال أرجانج، وهو أب لطفلين يبلغ من العمر 43 عاماً، لـ«رويترز» عبر الهاتف من شمال طهران: «في الشوارع، تتجول النساء دون حجاب، لكن ليس واضحاً ما إذا كانت هذه الحريات ستستمر بعد التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة. سيزداد الضغط 100 في المائة، لأنه بمجرد التوصل إلى سلام مع واشنطن، لن يواجه النظام الضغط الخارجي نفسه».

ولم تحدث احتجاجات بداية العام أي تغيير ملموس في حياة الناس، بل دفعت السلطات إلى فرض قيود صارمة على استخدام الإنترنت؛ وهو ما أثر كثيراً على الشركات والمواطنين العاديين الذين كانوا في حاجة ماسة إلى المعلومات أثناء الحرب.

إيرانيات يستقللن مركبة عسكرية أثناء مشاركتهن في مسيرة مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران الجمعة (إ.ب.أ)

وقالت فائزة (47 عاماً)، وهي تلعب الكرة الطائرة مع أصدقائها في حديقة شمال طهران: «حتى أصغر الأمور، مثل التواصل مع أفراد عائلتنا الذين يعيشون خارج البلاد، باتت مستحيلة».

وقال ميماريان إن الاستياء الشعبي قد يتصاعد بعد انتهاء الحرب، وإن الناس أصبحوا أقل خوفاً حيال اتهامهم بالخيانة.

وأضاف: «هناك الكثير من النار تحت الرماد».


المخابرات العسكرية الإسرائيلية تشير إلى تصدع كبير في القيادة الإيرانية

أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)
أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)
TT

المخابرات العسكرية الإسرائيلية تشير إلى تصدع كبير في القيادة الإيرانية

أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)
أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)

في تقرير صادر عن شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي «أمان»، أكدت تل أبيب أن هناك تصدعاً كبيراً في القيادة الإيرانية، مضيفة أن هذا التصدع بات مبشراً بانهيار جزئي على الأقل للنظام في طهران.

وقالت «أمان» إن غياب المرشد علي خامنئي، ترك فراغاً هائلاً ولم يعد هناك من يتمتع مثله بسطوة القائد الذي يُجمَع حوله الباقون وتكون له الكلمة الأخيرة. فابنه مجتبى، الذي انتخب للمنصب بعد وفاة والده، لا يتمتع بشخصية كارزماتية مثل والده، ويُنظر إليه بوصفه شخصية ناقصة دينياً وسياسياً، فضلاً عن كونه جريحاً، ويُعتقد أنه لا يقوى على الحسم.

لذلك فإن وراثة خامنئي الأب ما زالت مفتوحة، خصوصاً أن الشارع الإيراني يذكر القيادة الحالية بأن أحد عيوب نظام الشاه في الحكم أنه كان عائلياً يرث فيه الابن أباه. والآن يتصرف النظام الحالي بالطريقة نفسها التي هاجمها في الماضي.

قادة إيران الجدد

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان

ونشر تقرير «أمان»، الذي ظهر في موقع «واللا» يوم الأحد، قائمة القادة الحاليين في إيران «الذين بقوا في الحكم بعد أن تمت تصفية 55 شخصية قيادية أساسية في الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران». وتضم قائمة القادة الحاليين، بالإضافة إلى مجتبى خامنئي، حسين طائب الرئيس السابق لجهاز استخبارات «الحرس الثوري»، وهو مستشار كبير لدى مجتبى خامنئي وأمين سره، ويُعرف عنه أنه يقود الاتجاه المتطرف، وقد سُمع وهو يقول إن الاتفاق مع الغرب والتنازل له خيانة تُشكل تهديداً وجودياً للنظام.

وتضم القائمة أيضاً محمد عبد اللهي رئيس مكتب المرشد العام وهو حامل مفاتيح باب الوصول إلى خامنئي، ويعد مدير التوازنات الحساسة بين التيارات المتصارعة على القيادة. كذلك أحمد وحيدي القائد العام لـ«الحرس الثوري»، وكان وزيراً للداخلية والدفاع، وكان أيضاً أول قائد لـ«فيلق القدس»، وهو متطرف جداً في مواقفه، ويمثل التيار الأمني والتنفيذي لـ«الحرس الثوري»، ويتمسك بالأذرع الإيرانية في المنطقة.

محمد باقر قاليباف: رئيس البرلمان ومن كبار المفاوضين مع الولايات المتحدة. يعد محافظاً ولكنه مهتم بتحسين الاقتصاد، ويسعى إلى منع الانهيار الداخلي السياسي والاجتماعي، الذي من شأنه أن يؤدي إلى موجة احتجاجات شعبية جديدة ضد النظام، ومع ذلك يحرص على قناة تواصل مع التيار الراديكالي.

وفي مجموعة الإصلاحيين: الرئيس مسعود بزشكيان، وهو الذي يحاول قيادة الخط الأكثر اعتدالاً لغرض إزالة العقوبات الاقتصادية عن إيران، لكنه محدود التأثير بسبب القيود التي يفرضها عليه «الحرس الثوري». كما أنه يتعرض لحملة تحريض تتهمه بـ«خيانة قيم الثورة».

عباس عراقجي، وزير الخارجية الذي كان مفاوضاً في الاتفاق النووي الأول سنة 2015، مع دول الغرب. ويقول ضابط كبير في «أمان» إن عراقجي دبلوماسي لديه خبرة ويبحث عن صيغ للتنازلات بطريقة لا تظهر إيران مستسلمة للإرادة الأميركية.

كما يقول تقرير «أمان» إنه بالإضافة إلى هؤلاء، توجد مجموعة اسمها «الممسكون بالخيوط»، وأبرز هؤلاء: علي إفتخاري وهو شخصية مؤثرة في المخابرات وبين صفوف النخبة الدينية التي انتخبت مجتبى مرشداً، تعد هذه المجموعة العقيدة الدينية للثورة ركناً أساسياً للنظام.

علي رائدين، هو رجل أمن رفيع ذو علاقات وطيدة بدوائر اتخاذ القرارات الحساسة، ويصفه جنرال إسرائيلي بأنه «أقوى خلية في السلسلة»، ومكلف بحماية النظام وثباته في مواجهة الأخطار الداخلية والخارجية. وقد كُلف بإعادة بناء قوة «الباسيج» بعدما تلقت ضربات كبيرة من إسرائيل.

حلقة الضعف

أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)

ويقول جنرال إسرائيلي في «أمان» إن حلقة الضعف في هذه القيادة أنه لا يوجد شخص يملك الكلمة الفصل، لذلك فإن كل قرار يصدر حالياً تنشأ له فوراً معارضة وشكوك، بحيث بدأت الثقة تتزعزع لدى الكثيرين بأنفسهم، وكذلك في بعضهم بعضاً. كما يسود التوتر بين هذه القيادات حتى في ظل وقف النار.

ويضيف أن وقائع الحرب والاغتيالات، وغياب علي خامنئي، والدمار وفقدان التواصل، كلها عوامل أدت إلى تصدع حقيقي داخل سلطة الحكم الإيرانية، وعقّدت قدرتها على اتخاذ القرارات.

ومع وجود قادة جدد في مواقع المسؤولية نشأت فوضى، وتعمقت أزمة الحكم والسلطة. ويُلاحظ أنه يوجد لدى المفاوضين الإيرانيين قدر محدود من المعرفة بما يمكن أن تقدمه حكومتهم من تنازلات أو حتى بمن يتعين عليهم سؤاله على وجه الدقة. وفضلاً عن ذلك، فإن المتشددين داخل «الحرس الثوري» باتوا أكثر نفوذاً ويمارسون سلطة أكبر من القيادة الدينية التي تتولى الحكم اسمياً.

ولا تستبعد «أمان» أن التيار المتشدد يخرب على أولئك الذين يتوصلون إلى اتفاقيات وتفاهمات مع واشنطن.

تقويض النظام

احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في مدينة مشهد 10 يناير (رويترز)

من جهة أخرى، قال موقع «واللا» الإسرائيلي إنه خلال عملية «زئير الأسد» تم استهداف مئات الأهداف التابعة لقوات «الباسيج»، وتم اغتيال مسؤولين كبار. ومع ذلك، يوضح الجيش الإسرائيلي أنه لم تُصدر أي تعليمات لإسقاط النظام، وأن الضربات الجوية وحدها ليست كافية لتحقيق ذلك.

في الوقت نفسه، كُشف أن المستوى السياسي منع استهداف بنى تحتية وطنية، وأنه رغم الأضرار، لم يخرج الشعب الإيراني إلى الشوارع. وتشير التقديرات داخل المؤسسة الأمنية إلى أن الهدف من العملية كان زعزعة استقرار النظام الإيراني وإضعاف قبضته، من خلال ضرب أذرعه الأمنية الداخلية، وعلى رأسها قوات «الباسيج»، التي تُعد أداة رئيسية في قمع الاحتجاجات الشعبية.

وقد شملت الهجمات مئات المواقع المرتبطة بهذه القوات، إضافة إلى استهداف شخصيات قيادية بارزة. وعُد ذلك جزءاً من محاولة إحداث تأثير داخلي في إيران، وليس فقط توجيه ضربة عسكرية تقليدية.

مع ذلك، شدّد مسؤولون في الجيش الإسرائيلي على أن إسقاط النظام لم يكن هدفاً رسمياً للعملية، وأن مثل هذا الهدف يتطلب أدوات أوسع بكثير من مجرد الضربات الجوية، بما في ذلك تحركات سياسية وشعبية داخلية.

كما تبين أن القيادة السياسية فرضت قيوداً على نطاق الهجمات، إذ منعت استهداف بنى تحتية وطنية حيوية داخل إيران، وهو ما حدّ من مستوى التصعيد، ومن حجم الضرر الممكن إحداثه.

ورغم الضربات التي وُجهت، تشير التقديرات إلى أن الشارع الإيراني لم يشهد تحركاً واسعاً أو احتجاجات كبيرة نتيجة هذه الهجمات، وهو ما عُد عاملاً مهماً في عدم تحقيق تأثير استراتيجي أعمق على استقرار النظام.

في المحصلة، ترى التقييمات أن الضربات الجوية، حتى وإن كانت واسعة، لا تكفي وحدها لإحداث تغيير سياسي جوهري داخل إيران، خصوصاً في ظل غياب تحرك داخلي من قبل الإيرانيين أنفسهم.