الحوثيون يحوّلون «كورونا» إلى أداة قمع ويفاقمون معاناة اليمنيين

ابتزاز للمسافرين وإغلاق كلي للمنافذ مع المناطق المحررة

متسوقون ومارة في سوق وسط صنعاء أمس (رويترز)
متسوقون ومارة في سوق وسط صنعاء أمس (رويترز)
TT

الحوثيون يحوّلون «كورونا» إلى أداة قمع ويفاقمون معاناة اليمنيين

متسوقون ومارة في سوق وسط صنعاء أمس (رويترز)
متسوقون ومارة في سوق وسط صنعاء أمس (رويترز)

لم تشأ الميليشيات الحوثية أن تفوت تداعيات انتشار فيروس «كورونا» المستجد في بعض دول العالم، دون أن تحولها إلى أداة قمعية جديدة للتضييق على اليمنيين وزيادة معاناتهم بذريعة الخوف من انتشار الفيروس في مناطق سيطرتها.
يقول يمني فضل ترميز اسمه بـ«محمد. خ» وهو أحد سكان صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «لم يعد في مقدوري الآن أن أزور أبي وأمي في المناطق المحررة في مدينة تعز بسبب قرار الحوثيين تعليق الانتقال بين المناطق المحررة والأخرى الخاضعة للجماعة».
ويضيف: «كنت أتجشم مشقة السفر نحو 12 ساعة للوصول إلى مدينة تعز المحاصرة. أما الآن بعد قرار الجماعة، فقد أصبحنا عبارة عن أسرى في معتقل كبير».
ويرى آخر، وهو من سكان صنعاء أيضاً، رمز اسمه بـ«سليم. غ» أن المسألة لا علاقة لها بحرص الميليشيات الحوثية على سلامة السكان كما تزعم، ولكنها تستثمر الأمر سياسياً لتلميع صورتها، خصوصاً أن الحكومة الشرعية قد اتخذت جميع الخطوات المطلوبة لمنع انتشار الوباء إلى اليمن عبر المنافذ الجوية والبحرية، مضيفاً: «لو كانت الجماعة حقّاً تخاف على السكان لكانت صرفت رواتب الموظفين، وتوقفت عن نهب المستشفيات والمساعدات الإنسانية الطبية، ولكانت اتخذت تدابير لوقف تفشي الأمراض الأخرى مثل الكوليرا».
ويؤكد مسافرون يمنيون في عدن أنهم بعد منع الحوثيين للتنقل بين المناطق المحررة والمناطق الخاضعة لهم باتوا «بحكم المحتجزين»، بعيداً عن عائلاتهم في صنعاء أو إب أو غيرها المناطق.
وتتهم مصادر محلية الجماعة الحوثية بأنها حولت نقاط التفتيش التي أقامتها بين المحافظات وما تسميه مناطق الحجر الصحي في مناطق سيطرتها، إلى وسائل جديدة لابتزاز المسافرين.
ففي حين تزعم أنها لن تسمح بمرور المسافرين، إلى مناطق سيطرتها، إلا بعد مرور أسبوعين، أكد أشخاص وصلوا إلى صنعاء في اليومين الأخيرين أنهم دفعوا أموالاً للمشرفين الحوثيين في تلك النقاط مقابل السماح لهم بالانتقال.
ويعتقد عاملون في القطاع الصحي، في صنعاء، أن الجماعة تحاول تقديم نفسها، على أنها دولة مستقلة في مناطق سيطرتها، سعياً للحصول على المزيد من المساعدات الأممية.
ويستدلون بقيام المشرفين الحوثيين منذ أكثر من أسبوعين بسحب أغلب الكميات من الكمامات والوسائل الطبية الأخرى ذات العلاقة بالحماية من انتشار الفيروس المستجد من الصيدليات تمهيدا لبيعها في السوق السوداء.
فعوضاً عن شراء الكمامة من قبل السكان بنحو 20 ريالاً أصبحت تباع بخمسة أضعاف السعر، ولأن المسألة تختص بالمكسب أولاً، دفعت الجماعة بالعشرات من النساء إلى مصنع الغزل والنسيج في صنعاء للقيام بخياطة الكمامات، ومن ثم بيعها بأسعار مرتفعة، وفق ما يقوله العاملون في القطاع الصحي.
ويتهم سكان صنعاء الجماعة الحوثية بأنها «تستغل الوباء العالمي فقط لأهداف سياسية واقتصادية، وقتالية، أيضاً»، مستدلين على ذلك بعدم توقف الجماعة عن إقامة الفعاليات الطائفية والتجمعات الحاشدة لاستقطاب المجندين، على الرغم من تعليق الدراسة وإغلاق صالات المناسبات.
ويتزامن إصرار الجماعة على إقامة هذه الفعاليات ذات الصبغة الطائفية في صنعاء وغيرها من المحافظات، مع استغلالها لانتشار الفيروس في العالم، من أجل استقطاب المزيد من المجندين للقتال في صفوفها، بحجة أن ذلك هو السبيل الوحيد لحمايتهم من الإصابة بالمرض، وفق ما أفادت به مصادر محلية في صنعاء.
وكانت الجماعة تجاهلت كل التدابير الحكومية، وأعلنت من جهتها إغلاق جميع المنافذ وإيقاف الرحلات من وإلى مناطق سيطرة الحكومة الشرعية لمدة أسبوعين، في سياق زعمها مواجهة فيروس «كورونا».
وهددت الميليشيات في تعميم صادر عن «الهيئة العامة لتنظيم شؤون النقل البري» الخاضعة لها في صنعاء شركات النقل وشركات تأجير السيارات، بأنها ستعاقب مَن يخالف توجيهاتها.
ومع استياء السكان من القيود الحوثية على تنقلاتهم بين المحافظات، على الرغم من عدم تسجيل أي حالة مؤكدة مصابة، وفق ما أعلنته الصحة العالمية والحكومة الشرعية، حذر وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني من استغلال الجماعة الانقلابية لما وصفه بـ«حالة الفوبيا العالمية من فيروس كورونا لفرض المزيد من التضييق على المواطنين، وتصفية حساباتها مع الرافضين لمخططها الانقلابي والمحافظات المحررة، وفي المقدمة محافظة تعز التي عززت الميليشيات من حصارها بحجة الإجراءات الاحترازية».
وقال الوزير اليمني في تصريحات رسمية(الأربعاء) «مرتزقة إيران (في إشارة إلى الجماعة الحوثية) يتخذون من فيروس كورونا والإجراءات الاحترازية لمواجهته مبرراً لتنفيذ أحكامهم العرفية على المواطنين، وتشديد قبضتهم الأمنية وتقييد الحريات والتضييق على حركة المدنيين بين المحافظات، وتحويل مناطق سيطرتهم إلى سجن كبير، في استغلال بشع وقبيح لهذا الوباء العالمي».
وأشار الإرياني ‏إلى تناقض ميليشيات الحوثي الصارخ بقوله: «في الوقت الذي تتحدث فيه عن إجراءات احترازية لمواجهة فايروس (كورونا)، تحشد كل يوم المواطنين بالترغيب والترهيب لعقد اللقاءات والتنظيم لإحياء فعالياتها السياسية والدينية والتحشيد لجبهات القتال في مختلف المحافظات بمناطق سيطرتها».
وكانت الحكومة اليمنية استنفرت كل طاقتها لمنع انتشار الفيروس إلى البلاد، وعلقت الرحلات عبر المنافذ البحرية والجوية والبرية، وعلّقت الدراسة في المدارس والجامعات.
وقال رئيس الحكومة معين عبد الملك في خطاب وجهه إلى الشعب: «ينبغي عدم التهاون أو الاستهتار بخطورة هذا المرض، في ظل سرعة انتشاره وضرره وعدم توفر لقاح أو علاج ناجع حتى الآن مع ضعف نظامنا الصحي جراء الحرب والنزاعات ومحدودية الموارد».
وأوضح أن حكومته اتخذت تدابير عدة منها «تعليق الرحلات الجوية من وإلى اليمن، وكذا إغلاق المنافذ البرية والبحرية لمدة أسبوعين، بدءاً من مساء الثلاثاء الموافق 17 مارس (آذار)، فضلاً عن الحركة التجارية وتشديد إجراءات السلامة البحرية وإجراءات الفحوصات للطواقم قبل دخول السفن إلى الموانئ، وكذا تعليق الدراسة في المؤسسات التعليمية العامة والخاصة مبدئياً لمدة أسبوع، إضافة لتخصيص ميزانية طارئة لقطاع الصحة».
وكشف عن أن وزارة الصحة قامت بتجهيز المنافذ البرية والبحرية بوسائل الفحص اللازم، وتجهيز 11 فريقاً صحياً للعمل في 11 منفذاً جوياً وبرياً وبحرياً في حين يجري تجهيز 12 مركزاً للعزل والحجر الصحي في المحافظات المختلفة، وتدريب كادر طبي للعمل في المراكز المختلفة.


مقالات ذات صلة

وزير الداخلية اليمني لـ«الشرق الأوسط»: إيران تسعى إلى «عسكرة باب المندب» عبر الحوثيين

خاص حذر وزير الداخلية اليمني من أن إيران تسعى إلى «عسكرة باب المندب» عبر الحوثيين (تركي العقيلي) p-circle

وزير الداخلية اليمني لـ«الشرق الأوسط»: إيران تسعى إلى «عسكرة باب المندب» عبر الحوثيين

حذّر وزير الداخلية اليمني من مساعٍ إيرانية لتحويل مضيق باب المندب إلى منطقة نفوذ عسكري طويلة الأمد، عبر نقل خبرة «عسكرة الممرات البحرية».

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الخليج شعار منظمة التعاون الإسلامي (متداولة)

«التعاون الإسلامي» تدين الاعتداءات «الآثمة» للحوثيين على مكة المكرمة

دانت منظمة التعاون الإسلامي، اليوم (الأربعاء)، ما وصفته بـ»الاعتداءات الآثمة» التي نفّذتها ميليشيا الحوثي على مكة المكرمة. الأمانة العامة لمنظمة التعاون…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي سفن تجارية ترسو قبالة سواحل اليمن عند باب المندب (أ.ف.ب)

تقرير: الحوثيون يحفرون خنادق قرب باب المندب ويلغمون البحر

كشف مصدر عسكري يمني، اليوم الثلاثاء، أن جماعة الحوثي حفرت خنادق في جبال مطلة وقريبة من مضيق باب المندب، وقامت بتلغيم الممر البحري الدولي الحيوي.

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني مستقبلاً محافظ الحديدة الحسن طاهر في عدن (سبأ نت)

رئيس الوزراء اليمني: معركة استعادة الدولة لا تنتهي بتغير خطوط التماس

أكد رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني أن معركة استعادة الدولة لا تنتهي بتغير خطوط التماس، مشدداً على توثيق جرائم الحوثيين في الساحل الغربي لمحاسبة مرتكبيها.

«الشرق الأوسط» (عدن)
تحليل إخباري سيطرة الحوثيين على باب المندب تزيد المخاوف من زيادة علميات تهريب الأسلحة وتهديد الملاحة وتوسيع التعاون مع جماعات مسلحة في القرن الأفريقي (القوات المسلحة اليمنية)

تحليل إخباري المخا وباب المندب... مخاوف من توسيع التهريب وتهديد الملاحة

حذّر مسؤول يمني وخبيران في الشؤون الأمنية والعسكرية من أن التوسع الحوثي في الساحل الغربي والجزر المحيطة بباب المندب قد يتجاوز تغيير موازين المعركة

عبد الهادي حبتور (الرياض)

عشرات القتلى في انهيار منجم ذهب بالسودان

الحادث وقع الثلاثاء في منجم الزرع قرب مدينة النهود بولاية غرب كردفان (أرشيفية - رويترز)
الحادث وقع الثلاثاء في منجم الزرع قرب مدينة النهود بولاية غرب كردفان (أرشيفية - رويترز)
TT

عشرات القتلى في انهيار منجم ذهب بالسودان

الحادث وقع الثلاثاء في منجم الزرع قرب مدينة النهود بولاية غرب كردفان (أرشيفية - رويترز)
الحادث وقع الثلاثاء في منجم الزرع قرب مدينة النهود بولاية غرب كردفان (أرشيفية - رويترز)

قضى عشرات العمال في انهيار منجم للذهب في ولاية غرب كردفان في السودان، وفق ما أفاد ناجيان، الأربعاء، في حين لا يزال كثُر مفقودين ويُخشى أن يكونوا قد لقوا حتفهم تحت الأنقاض.

ووقع الحادث، الثلاثاء، في «منجم الزرع» قرب مدينة النهود في الولاية الواقعة بجنوب البلاد، وبحلول صباح الأربعاء، كان المسعفون قد انتشلوا 60 جثة.

وقال أحد الناجين، خير السيد جبارة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لا نعلم عدد من لا يزالون في الداخل (...) الناس يبذلون جهداً لإخراج الجثث أو الأحياء لكن الوضع صعب. نحتاج إلى آلات ثقيلة لرفع الحجارة والتراب».

ومنذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023 بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع»، اعتمد الطرفان في تمويل جهدهما الحربي بشكل كبير على قطاع الذهب، وفق الأمم المتحدة، إلى جانب دعم أطراف خارجية.

غالبية إنتاج الذهب السوداني تأتي من خلال التعدين التقليدي (رويترز)

وألحق النزاع ضرراً كبيراً بالاقتصاد السوداني الذي كان ضعيفاً أصلاً، وخسر عدد كبير من السودانيين عملهم مما دفع كثراً إلى ممارسة عمليات خطيرة للتنقيب عن الذهب.

وتجري عمليات التنقيب اليدوي في مناطق غير رسمية أو في مناجم متوقفة عن العمل.

وقال الأمين سليمان، وهو عامل في المنجم، إن «الآبار في المنطقة متجاورة، وهدم أي بئر يؤدي إلى هدم تلك المجاورة لها وهذا ما حصل».

وأضاف: «هناك أناس تحت الأرض منذ أمس (الثلاثاء) ولا أظن أنهم أحياء».

ومن الصعب تنفيذ عملية إنقاذ واسعة النطاق في غرب كردفان التي تسيطر عليها قوات «الدعم السريع»، وكذلك إقليم دارفور المجاور، حيث اتهمت «بارتكاب إبادة جماعية»... وعلى الرغم من إعلانها، حكومة موازية، لا تزال قدراتها على إدارة المناطق الخاضعة لسيطرتها محدودة، ويعتمد السكان في غرب السودان، إلى حد كبير، على المساعدات وشبكات المجتمعات المحلية للبقاء على قيد الحياة.

سبائك من المعدن النفيس في منشأة لصهر الذهب (رويترز)

وحتى قبل أن تهدد الحرب ملايين السودانيين بالجوع، كان التعدين يوفر العمل لأكثر من مليوني شخص، وفق بيانات القطاع.

ويعد السودان، ثالث أكبر دولة في أفريقيا من حيث المساحة، من أبرز منتجي الذهب في القارة، وسجل العام الماضي أعلى مستوى للإنتاج في خمسة أعوام بلغ 70 طناً، وفق البيانات.

لكن مسؤولين يقولون، إن معظم الذهب يُهرب عبر حدود السودان، بما في ذلك عبر تشاد وجنوب السودان ومصر، قبل وصوله إلى دول أخرى.


أطفال اليمن في صدارة ضحايا التصعيد الحوثي

يمني مع أطفاله بمخيم للنزوح بعد مقتل زوجته في هجوم حوثي بطائرة مسيرة (رويترز)
يمني مع أطفاله بمخيم للنزوح بعد مقتل زوجته في هجوم حوثي بطائرة مسيرة (رويترز)
TT

أطفال اليمن في صدارة ضحايا التصعيد الحوثي

يمني مع أطفاله بمخيم للنزوح بعد مقتل زوجته في هجوم حوثي بطائرة مسيرة (رويترز)
يمني مع أطفاله بمخيم للنزوح بعد مقتل زوجته في هجوم حوثي بطائرة مسيرة (رويترز)

أظهرت بيانات دولية أن الأطفال من بين أعلى الفئات تضرراً من التصعيد الحوثي الأخير في غرب اليمن، مع مقتل وإصابة 68 طفلاً خلال أسابيع، بينما تجاوز عدد الذين أجبروا على الفرار من منازلهم 100 ألف شخص، وسط تحذيرات أممية من اتساع موجات النزوح وتفاقم الضغوط على الخدمات الإنسانية في اليمن وجيبوتي.

وفي عدن، عززت السلطات المحلية استجابتها للنزوح المتصاعد من مناطق غرب البلاد، وشكلت خلية إنسانية لمتابعة أوضاع الأسر التي وصلت إلى المدينة هرباً من العمليات العسكرية والتداعيات التي رافقت تقدم الحوثيين في الساحل الغربي وأجزاء من محافظة تعز.

وقالت منظمة «إنقاذ الطفولة» إن أكثر من واحد من كل 5 ضحايا مدنيين سقطوا خلال التصعيد الأخير هم من الأطفال، مشيرة إلى مقتل 19 طفلاً وإصابة 49 آخرين خلال الفترة بين 1 أغسطس (آب) الماضي و9 سبتمبر (أيلول) الحالي.

ووفق المنظمة، فقد شكل الأطفال 21.1 في المائة من إجمالي الضحايا المدنيين خلال الفترة نفسها، والبالغ عددهم 323 شخصاً، هم 117 قتيلاً، و206 مصابين. وأضافت أن أسبوعاً واحداً شهد سقوط 175 ضحية مدنية، بينهم 43 طفلاً، وهو أعلى عدد أسبوعي للضحايا من الأطفال خلال الـ12 شهراً الماضية.

يمنية في أحد المخيمات بعد أن أجبرها الحوثيون على مغادرة منطقتها (إعلام محلي)

وقالت ريشانا حنيفة، المديرة القطرية لمنظمة «إنقاذ الطفولة» في اليمن، إن الأطفال عانوا لأكثر من عقد من الأزمات؛ «مما جعل ملايين منهم عرضة للخطر قبل التصعيد الأخير»، مضيفة أنهم «يدفعون مجدداً الثمن الباهظ» لأعمال العنف التي تشهدها البلاد.

وحذرت المنظمة من تزامن الصراع والنزوح مع ارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض المعدية والمنقولة بالمياه، إلى جانب الأمطار الغزيرة والفيضانات، عادةً أن «اجتماع هذه العوامل قد يقود إلى تفاقم الأزمة الإنسانية خلال فترة قصيرة».

«نزوح يتجاوز الحدود»

في السياق، قالت «مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» إن أكثر من 100 ألف شخص أُجبروا على الفرار من منازلهم خلال الأيام الماضية، مع استمرار القتال في عدد من الجبهات اليمنية، فيما دفعت المخاطر الأمنية آلافاً آخرين إلى عبور البحر باتجاه جيبوتي بحثاً عن الأمان.

وأعربت «المفوضية» عن مخاوفها من موجات نزوح جديدة داخل اليمن وتحركات لجوء إضافية في حال تصاعد العمليات القتالية. وقالت إن كثيراً من الأسر اضطرت إلى المغادرة على عجل، حاملة معها القليل من ممتلكاتها، بينما باتت الحاجة إلى المأوى والغذاء والمياه النظيفة والرعاية الصحية وخدمات الحماية من بين الأولويات العاجلة.

يمنيون بأحد المخيمات في جيبوتي بعد أن فروا من الهجوم الحوثي (الأمم المتحدة)

وأشارت إلى أن المجتمعات المضيفة، ومواقع النزوح، يواجهان ضغوطاً متصاعدة تتجاوز القدرات الاستيعابية، في وقت لا يزال فيه وصول المساعدات الإنسانية يمثل تحدياً كبيراً؛ بسبب تدهور الوضع الأمني وتضرر الطرق وانقطاع الاتصالات وقيود الحركة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وبين تعز والتربة وعدن.

وأضافت أن الأضرار التي لحقت بميناء المخا زادت من القيود المفروضة على حركة العاملين في المجال الإنساني والعمليات اللوجستية.

وقالت «المفوضية» إنها تقود الاستجابة المشتركة في مجالات الحماية والمأوى والتنسيق وإدارة المواقع، وتعمل مع شركائها على تقديم المساعدات رغم الظروف الأمنية الصعبة، كما فعّلت قدراتها للاستجابة الطارئة، مع التركيز على خدمات الحماية والمأوى والمواد الإغاثية والمساعدات المالية.

ضغوط في جيبوتي

في جيبوتي، قالت ساندرين ديزامور، ممثلة «مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين»، إن الآتين من اليمن يصلون بعد رحلات بحرية شاقة، وإن كثيراً منهم مرهقون ومتأثرون نفسياً ولا يحملون سوى القليل مما تمكنوا من أخذه معهم.

وحذرت بأن الاستجابة الإنسانية تواجه ضغوطاً كبيرة، مشيرة إلى الحاجة إلى مزيد من الدعم قبل وصول مزيد من الأسر وتجاوز الاحتياجات قدرة الجهات الإنسانية على الاستجابة.

وقالت إن الوافدين يبحثون عن الحماية الدولية، داعية إلى استقبالهم وتقديم المساعدة لهم، ومشيدة باستضافة جيبوتي اللاجئين منذ سنوات وبإبقائها حدودها مفتوحة أمام الفارين من النزاعات.

جانب من أحد مخيمات النازحين في تعز بعد فرار الآلاف من هجمات الحوثيين (أ.ب)

وأوضحت أن الأسر الجيبوتية تستقبل اللاجئين اليمنيين وتتقاسم معهم مواردها المحدودة، «في وقت تواجه فيه الاستجابة الإنسانية أزمة تمويل حادة». وأضافت أن «المخيم لا يتسع إلا لنحو 5 آلاف لاجئ إضافي، بينما تستعد الجهات المعنية لاستقبال أكثر من 10 آلاف شخص».

ويمثل الأطفال والمراهقون نسبة كبيرة من الوافدين، وفق المسؤولة الأممية، التي أشارت إلى العمل مع الحكومة الجيبوتية على دمجهم في المدارس القائمة، «رغم معاناتها أصلاً من الاكتظاظ».

ولا تقتصر تداعيات التصعيد على الجانب الإنساني؛ إذ أثارت المسؤولة الأممية مخاوف من تأثير استمرار الاضطرابات على حركة المساعدات والتجارة عبر باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن.

فارون من تصعيد الحوثيين يعيشون في مخيمات بدائية أقيمت غرب تعز (إعلام محلي)

وقالت إن استمرار انعدام الأمن في هذا الممر البحري الحيوي قد يؤثر على حركة شحن المساعدات الإنسانية والتجارية المتجهة إلى اليمن والسودان وغيرهما من مناطق الطوارئ في المنطقة وخارجها.

وأضافت أن أي تدهور إضافي قد يدفع إلى «إعادة توجيه الشحنات عبر رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا، بما يضيف بين 25 و30 يوماً إلى مدة الرحلات، ويرفع تكاليف النقل ويؤخر وصول الإمدادات الإغاثية».

عدن تستنفر

في عدن، شكلت السلطة المحلية خلية إنسانية لمتابعة تداعيات النزوح الناتج عن التصعيد الحوثي، والاستجابة للاحتياجات المتصاعدة للأسر القادمة من محافظة تعز والساحل الغربي.

ونص قرار عبد الرحمن شيخ، وزير الدولة محافظ عدن، على أن يرأس الخلية محمد الصوفي، مدير الوحدة الحكومية المسؤولة عن إدارة مخيمات النازحين في المحافظة.

أطفال فروا من تصعيد الحوثيين ووصلوا إلى أحد مخيمات النزوح (إعلام محلي)

وحدد القرار مهام الخلية بالنزول الميداني إلى مخيمات ومواقع وجود النازحين، والوقوف على أوضاع الأسر الفارة من التصعيد العسكري الأخير، وتحديد احتياجاتها من المستلزمات الضرورية والمعيشية والإيوائية والإغاثية، والعمل على توفيرها وفق الإمكانات المتاحة.

كما طلب القرار رفع تقرير عاجل إلى المحافظ يتضمن الاحتياجات والمساعدات التي يتعذر توفيرها محلياً، تمهيداً لرفعها إلى مجلس القيادة الرئاسي ورئاسة الوزراء والتحالف العربي، وبحث سبل توفير الدعم اللازم للنازحين.

وألزم القرار الخلية رفع تقارير يومية عن أعمالها وتطورات الوضع الإنساني في مواقع النزوح والاحتياجات المطلوبة، إلى جانب تنسيق جهود الاستجابة مع الجهات والمنظمات الإنسانية المحلية والدولية.


مجلس الأمن يحذر من اتساع تهديد الحوثيين للملاحة الدولية

سفينة راسية قبالة السواحل اليمنية عند مضيق باب المندب (أ.ف.ب)
سفينة راسية قبالة السواحل اليمنية عند مضيق باب المندب (أ.ف.ب)
TT

مجلس الأمن يحذر من اتساع تهديد الحوثيين للملاحة الدولية

سفينة راسية قبالة السواحل اليمنية عند مضيق باب المندب (أ.ف.ب)
سفينة راسية قبالة السواحل اليمنية عند مضيق باب المندب (أ.ف.ب)

انتقل ملف التصعيد الحوثي في اليمن إلى مستوى دولي أوسع خلال جلسة طارئة لمجلس الأمن، بعدما حذرت الحكومة اليمنية من أن التطورات الأخيرة في الساحل الغربي وباب المندب لم تعد شأناً داخلياً، وإنما أصبحت تهديداً لأمن المنطقة وحرية الملاحة وإمدادات الطاقة والتجارة العالمية.

وتقاطعت مع هذا الطرح مواقف أميركية وبريطانية وفرنسية ودنماركية ويونانية، ركزت على خطورة الهجمات الحوثية واستهداف الملاحة والبنية التحتية والمدنيين، مع تحميل إيران مسؤولية دعم الجماعة.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن الحكومة تتعامل مع التطورات في الساحل الغربي وباب المندب بمسؤولية وحزم، مؤكداً أن القوات المسلحة تعيد تنظيم صفوفها، وتعمل على استعادة زمام المبادرة ومنع الحوثيين من تحويل وجودهم على الساحل إلى منصة دائمة لتهديد المضيق والملاحة الدولية.

وأكد السعدي أن التطورات، مهما بلغت خطورتها، لن تغير مسار المعركة أو أهداف الحكومة والقوى الوطنية، مشيراً إلى أن اليمنيين لا يدافعون عن أراضيهم ومياههم فحسب، بل عن مصلحة دولية مشتركة، بالنظر إلى أهمية باب المندب لحركة السفن وشحنات الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

جانب من جلسة لمجلس الأمن الدولي عن شأن اليمن (الأمم المتحدة)

وحذّر من أن القضية لم تعد تتعلق بالسيطرة على بضعة كيلومترات من الساحل، وإنما بما إذا كان المجتمع الدولي سيقبل بتحويل أحد أهم ممرات التجارة والطاقة إلى ورقة ابتزاز بيد جماعة مسلحة. وربط بين الهجمات الحوثية داخل اليمن واستهداف السعودية والمنشآت المدنية ومصادر الطاقة والممرات البحرية، بوصفها، وفق طرح الحكومة اليمنية، أجزاء من تهديد واحد يتجاوز مصالح البلاد.

دعم أميركي وبريطاني

جاء الموقف الأميركي متقاطعاً مع التحذيرات اليمنية، إذ أكدت واشنطن دعمها للحكومة اليمنية، وحملت إيران مسؤولية استمرار دعم الحوثيين بالسلاح والتدريب والتمويل. وقالت ممثلتها إن الهجمات الحوثية زادت معاناة الشعب اليمني وألحقت خسائر اقتصادية بملايين الدولارات جراء استهداف الموانئ، مطالبة إيران بوقف دعمها للحوثيين.

وأكدت الولايات المتحدة مساندتها لتنفيذ قراري مجلس الأمن (2140) و(2216)، ووقف أشكال الدعم والتدريب المقدمة للجماعة، مشيرة إلى أن إيران تنتهك حظر الأسلحة ونظام الجزاءات المرتبطين بالقرارين.

جندي من الجيش اليمني خلال مواجهات سابقة مع الحوثيين في غرب تعز (أ.ف.ب)

وفي موقف أكثر شمولاً، حمّلت المملكة المتحدة الحوثيين المسؤولية الكاملة عن التطورات، منددة بهجماتهم على السعودية وتصعيد عملياتهم داخل اليمن وتهديد الملاحة الدولية والاستقرار الإقليمي. وقالت نائبة المندوب البريطاني لدى الأمم المتحدة، السفيرة كيت فوستر، إن هجمات الحوثيين على السعودية خلال الليلة السابقة أصابت 13 مدنياً وألحقت أضراراً بمنازل ومناطق سكنية، وتسببت في اضطراب حركة الطيران التجاري.

وحذّرت فوستر من مساعي الحوثيين لتعزيز سيطرتهم على الساحل اليمني للبحر الأحمر ومحيط باب المندب، عادّةً ذلك تهديداً مباشراً لأحد أهم طرق الملاحة العالمية. كما أشارت إلى نزوح أكثر من 126 ألف شخص، مع توقع ارتفاع العدد، وازدياد الاحتياجات الغذائية والصحية واحتياجات الحماية، خصوصاً للنساء والأطفال.

وطالبت لندن بالإفراج عن موظفي الإغاثة والأمم المتحدة والبعثات الدبلوماسية المحتجزين لدى الحوثيين، مؤكدة أن الدعم الإيراني للجماعة يسهم في تمكين هجمات تهدد المدنيين والدول المجاورة وأمن الملاحة وفرص السلام، ودعت إلى تنفيذ قرارات مجلس الأمن، ومنع نقل الأسلحة والدعم العسكري للحوثيين.

أوروبا تحذر

في السياق نفسه، ركّزت فرنسا على البُعد الدولي للتهديد، إذ أكد مندوبها أن هجمات الحوثيين واستهداف المدنيين والبنية التحتية المدنية تمثل تهديداً للأمن والسلم الدوليين، مشدداً على ضرورة ضمان حرية الملاحة في البحر الأحمر والمضايق الدولية. وأكد استمرار بلاده في عملية «إسبيدس» البحرية الأوروبية، ودعا إلى وقف الهجمات ومواصلة العملية السياسية برعاية الأمم المتحدة.

موكب في صنعاء نظمه الحوثيون لتشييع عدد من قتلاهم (أ.ب)

وأدانت الدنمارك الهجمات الحوثية على المدنيين والبنى التحتية والملاحة التجارية، عادّةً أنها تقوض فرص السلام وتهدد استقرار المنطقة، كما أدانت الدعم الإيراني للجماعة. أما اليونان، فأكدت تضامنها مع الحكومة اليمنية والسعودية، وحذّرت من تداعيات التطورات في اليمن، بالتزامن مع أزمة مضيق هرمز، على أمن الملاحة والتجارة والازدهار العالميين، معربة عن قلقها من موجات النزوح الجديدة.

وفي السياق ذاته، أكد ممثل ليبيريا باسم المجموعة الأفريقية أن البحر الأحمر وباب المندب ممران حيويان للتجارة وخطوط الإمداد العالمية، وأن حرية الملاحة مبدأ قانوني، محذراً من تحويل اليمن إلى مسرح للقوة الإقليمية أو الحرب بالوكالة.