«الواقعية المفرطة» في قصص جليل القيسي

القصة بالنسبة إليه قضية يناصر بها الحق وإن كان وحده

جليل القيسي
جليل القيسي
TT

«الواقعية المفرطة» في قصص جليل القيسي

جليل القيسي
جليل القيسي

الواقعية المفرطة مفهومٌ من مفاهيم الدراسات الثقافية، ويعني التضافر اللامرئي ما بين الواقع والوهم اللذين بهما تبدو الحياة لا متناهية، وقد اكتنفتها التقلبات والمتضادات، فبدت مطوقة وغير مطوقة وهي تعج بما هو غير متوقع وأحياناً أو غالباً غير معقول، مأمول الظفر بحقيقتها تارة وميئوس من ذلك تارة أخرى. وفي كلا الحالين لا يكون هناك احتمال في النجاة من ترهاتها أو تحاشي الوقوع في حبائلها؛ بل هي الاستحالة أو شبهها.
وما جدلية الواقعي - الوهمي التي جذبت أكثر الفلاسفة لتأملها سوى تمرين من تمرينات التفكر الواعي في كنه الحياة. والبغية الوقوف على حقيقة المغزى المراد بلوغه منها ومعرفة ما في واقعيتها المفرطة من يقين يغرينا بالتمسك بها، وبسط أواصر البقاء على قيدها.
والواقعية المفرطة سمة من سمات الثقافة ما بعد الحداثية التي بدأت بوادرها واضحة في كتابات والتر بنيامين؛ بيد أن هناك من يذهب إلى عدها حقلاً معرفياً محدداً من حقول علم الدلالة وليست مفهوماً مرتهناً بالثقافة.
ولعل أدل الحجج على ذلك اكتراثها بإعادة تصنيع الواقع من أجل الحصول على فهم أكثر منطقية وجمالية، أياً كان شكل ذلك الفهم مرعباً يستقطب مخاوفنا أو كان جاذباً يعطينا شعوراً مزيفاً نقتنع به بلا مبالاة أو تحفظات.
وعندها لا يعود الواقع رديف الحياة اليومية المعيشة ولا يغدو التوظيف الجمالي منطوياً على وظيفة تضمينية للموجودات، كونه يتجاوز المعطى الدلالي إلى معطى ثقافي، فيه لا تتحدد القيمة التبادلية للعلامة في علاقة الأشياء بوجودها العياني وغير العياني وإنما في المتاحات التأويلية التي بها نعاين الوجود بمنظار أوسع وأعمق.
وإذا كان في التصور الدلالي للواقعية المفرطة اتباع واضح لنظرية المحاكاة الأفلاطونية وعدم الحياد عن مفاهيم الانعكاس والالتزام والنزوع الاجتماعي بالوعي الممكن والوعي القائم؛ فإن التصور الثقافي لهذه الواقعية سيظل ميزة نظرية ما بعد حداثية، بها يصبح الفكر رهين قضايا المجتمع في تحولاتها المتصلة بالعولمة والإنتاج المادي وغير المادي والاستهلاك والذكاء الصناعي والفاعلية الرقمية للصوت والصورة ووسائل المراقبة البارومترية والفضاء السيبراني وغير ذلك كثير.
وبالواقعية المفرطة لا تتحول صورة العالم من صورة واقعية إلى صورة مجازية لها أصل ومرجع من نموذج أو صورة نمطية سابقة؛ وإنما هو البقاء في الواقع من أجل واقع أشد واقعية من الواقع نفسه. وعندها سيبدو كل شيء مخادعاً بسيرورة إنتاج بديلة تؤدي إلى ما يسميه بودريار (اغتيال الواقع).
وما دامت هذه الواقعية ترفض الواقع؛ فإن سعيها يكمن في اعتماد القوانين الإنسانية وليس القوانين الطبيعية ضمن عالم جديد لا استلاب فيه ولا فوقية مجتمعية وبتاريخية مادية ولا مادية، فيها ـ كما يرى دوركايم في نظريته الأمبريقية حول تقسيم العمل في المجتمع ـ أن المستقبل مكتوب لتوه وأنّ له من يعرف كيف يقرأه.
وقد لا نعدو الصواب إذا قلنا إن في واقعية روجيه غارودي بوادر الواقعية المفرطة، كونه هو الذي أراد الواقعية عائمة بلا ضفاف، مستشرفاً بذلك المآل الذي ستصير عليه الواقعية لاحقاً حتى أنها قد تصبح عدوة نفسها، صانعة غيرها بإفراط.
ولا شك أن لغارودي إيماناً واضحاً بالفن بوصفه أسلوب حياة للإنسان، وهو عبارة عن عمليتي انعكاس وخلق لا ينفصمان، لكنه لم ينكر أن الإنسان وهو منعزل في عالمه الصغير قد يحوي في انعزاله ثقافة الجنس البشري السابقة عليه بينما يوجد عصره حاضراً في كيانه.
ومثّل على ذلك ببيكاسو الذي وجده يحمل العالم في جنباته وأعماله تحول العالم المفروض علينا إلى عالم يقيمه هو بنفسه. (واقعية بلا ضفاف، ص19)
وهذا التصور يصب بالضبط في باب اللانمطية التي هي أهم سمة من سمات الواقعية المفرطة، انطلاقاً من سعي صميمي إلى اقتلاع الشيء من أصله واستبداله بما هو زائف وآلي، تجاوزاً للمفاهيم المعتادة كالصورة والتصوير والرمزية والسحرية والغرائبية التي هي نتاج جمالي من نتاجات المرحلتين الكلاسيكية والحداثية.
وتتجلى الواقعية المفرطة في ميدان الشعر كما تتجلى في ميدان السرد الذي فيه متاحات جمالية تتمثل خير تمثيل عند القاص الراحل جليل القيسي الذي انبرى في ستينيات القرن العشرين إلى توظيفها في قصصه القصيرة، مؤكداً إمكانات هذا الجنس السردي في التأقلم على وفق متغيرات العصر والتماشي مع ضرورات الحياة ومقتضياتها.
ولا يعني هذا أن القاص كان متقصداً تطبيق الواقعية المفرطة في أعماله، وليس شرطاً أن يعي المبدع ما ستؤول إليه تسمية اجتراحاته فيما بعد؛ وإنما هو هاجس إبداعي قد يكون عفوياً، امتلكه بعمق فمكَّنه من أن يكون ذا خط واقعي نوعي خاص، به عبَّر عن موقفه من جدلية التضاد الواقعي في العالم كنوع من الرفض له والسعي إلى تغييره أو تخطيه.
ولقد تحرى جليل القيسي حقيقة هذا العالم فوجد أن هناك ازدواجاً جدلياً ما بين الوعي بهذا العالم وواقعية هذا الوعي أيضاً. ففي مفتتح قصة (ديوس أكس ماشينا) يقول السارد (في الحلم وفي أعماق الصحو تعلمت أن الإنسان لا يستطيع أن ينتبه بما فيه الكفاية)، فراح يبحث عن مغزى الذات، طامعاً في التصالح مع الوجود بأزمنته كلها، موظفاً إياها داخل القصة الواحدة متقلباً ما بين ضمائر السرد وجامعاً المخاطب والغائب والمتكلم والمتكلمين معاً.
وهو في تمثيله لهذا الازدواج ليس كاتباً يائسا ينغمس في التهويمات من دون أي جذر يربطه بالحياة؛ بل هو كاتب كافكوي النهج يصبو للاندماج بكل كيانه قاصداً المعرفة ومتطلعاً إلى السعادة التي كان كافكا قد وجدها كامنة في الإحساس بأننا عندما نعيش بوعي وندرك بوضوح ارتباطاتنا بالآخرين وواجباتنا إزاءهم يصبح الوطن القديم هو دائماً الوطن المتجدد (نقلا عن يانوش (قال لي كافكا)، ينظر: واقعية بلا ضفاف، ص149). وأغلب خواتيم قصص جليل القيسي القصيرة تجسّد هذا النهج، ففي خاتمة قصته (صهيل المارة حول العالم) يدخل السارد في معركة مع غريمه (فكرت بجدية أن أقبل هذا الحيوان إذا ما قتلته لأنه أشعرني بحقيقة وجودي بنمو قواي بسعادتي ورغم الشلل الذي راح يدب في جسدي كنت أشعر بلذة للاشتباك معه في المعركة من جديد)
وفي قصة (ثلاثة تلال من الجراد) نلمس أملاً بالحاضر واكتراثاً بالآتي (هنا يكمن انتصارنا، قد لا نستطيع التغلب، وفعلاً لن نستطيع، لكننا - وهذا الأهم - انتصرنا على أنفسنا نحن الذين اخترنا، فلا بأس إذن بالنتيجة).
وواقعية جليل القيسي ليست نمطية، ففي الوقت الذي يكون فيه منطوياً وهو يصف الأشياء على وفق علاقات منغلقة وضيقة، مادية ولا مادية، فإن الوجود يغدو متناهياً وغير متناه.
وهذا الإحساس الواقعي المفرط يجعل الإنسان كائناً غريباً في عالم مهجور يشبه إلى حد ما عالم كافكا الغريب والنزّاع إلى الازدواج، عالم مقزز بالظلمات والشروخ، والإنسان واقع في هوة سحيقة تطحنه، حتى لا مجال أمامه سوى الانتحار. ويرجع غارودي هذا التصور الكافكوي للإنسان إلى مسألتين، الأولى هي العندية التي ترفض القياس والأخرى الكينونة التي لا مقاييس لها والمكونة من مسالك خيالية تفتقر إلى نظام أو قانون تنصهر فيه المعاني الحقيقية والأسطورية.
ومن انعكاسات هذا التصور أن الواقع سيغدو عصياً على الفهم غريباً أو ضيقاً أو مهجوراً فيتبرم منه بإفراط، مسرفاً في استعمال الأوصاف التي تشي بالانعزال والصمت. وإذا ما تجسد الواقع أمام الكينونة في صورة ملحمية، فذلك لأنها تسقط عليه كل أوجاعها وشكوكها إسقاطاً أسطورياً.
وبسبب واقعية جليل القيسي المفرطة تغدو القصة بالنسبة إليه قضية يناصر بها الحق وإن كان لوحده، رافضاً الانتماء والتقوقع المجاني مع الآخرين غير متوانٍ عن توبيخ نفسه وإعلان الحرب عليها (هل كنت أكذب على نفسي؟ لم بقيت أكذب على نفسي ببراءة طفل؟ لماذا لم يكلفني الكذب سوى توبيخ ساخن ولوقت قصير؟ كلا... قررت أن أنتحر بوتر ربابة أحد المغنين أو بثدي كبير لإحدى الغجريات بأن أضعه على أنفي الأفطس حتى أختنق، لن أرجع بعد الآن إلى الشوارع والوجوه الكئيبة).
وهذا الربط للواقعية بالوجود يجعل الإنسان ضمير الواقع. أما الفن فليس هو الواقع وإن كان منطلقاً منه. ومع ابتعاد الفن عن الواقع يغدو أكثر واقعية وأكثر خلقاً وإيقاعاً. وبالخلق والإيقاع يمتلك الإنسان وعيه الخاص، فتغدو الواقعية بالنسبة إليه فلسفة ممتدة ولا حتمية، بل هي ملحمية برومثيوسية تخلق الأساطير (كم آلمني أن توجد ثمة أشياء كثيرة أقوى مني وكنت قبل هذا المصير السينمائي أصر بدافع من كبريائي أن هذا الكون خال من القوة... ماذا يعني هذا الاستمرار في التفكير وهو لا يفضي إلى نتيجة ما)
والتسربل في اللغز والحيرة والغيبوبة والهذيان واللامعقول سمات الواقعية المفرطة التي تجعل الفرد مختلياً بنفسه صامتاً ونائياً عن المجتمع الذي ما عاد لديه قدر كبير من المهارة تمكنه من أن يدرك الأحداث ويعيد إنتاجها.
ودائماً ما يصادفنا في مجموعات جليل القيسي القصصية الثلاث: مملكة الانعكاسات الضوئية وصهيل المارة حول العالم وزليخة البعد يقترب، وجود عدو مجهول ولغز محير. وبشكل يؤكد أن واقعية هذا القاص واقعية انحرفت عن الطريق المعتاد واختارت طريقاً لا معتاداً، أساسه واقعية مفرطة في رؤية الواقع ومعاينته ورؤيا العالم والتفكر فيه.



مقاهي جدة التاريخية في رمضان… حين يصبح المساء طقساً اجتماعياً

مقاهي جدة التاريخية تستقطب السياح ليستمتعوا بالقهوة وأصالة المكان (الشرق الأوسط)
مقاهي جدة التاريخية تستقطب السياح ليستمتعوا بالقهوة وأصالة المكان (الشرق الأوسط)
TT

مقاهي جدة التاريخية في رمضان… حين يصبح المساء طقساً اجتماعياً

مقاهي جدة التاريخية تستقطب السياح ليستمتعوا بالقهوة وأصالة المكان (الشرق الأوسط)
مقاهي جدة التاريخية تستقطب السياح ليستمتعوا بالقهوة وأصالة المكان (الشرق الأوسط)

في جدة التاريخية، يبدأ المساء متأخراً في رمضان. بعد الإفطار وصلاة التراويح تتبدل ملامح الأزقة القديمة؛ تفتح المقاهي أبوابها على إيقاع مختلف، وتتحول الجلسات إلى محطات لقاء لا يقصدها الزوار بحثاً عن القهوة فقط، بل عن تجربة كاملة يعيشون فيها تفاصيل المكان. بين برحة نصيف وشارع الذهب، تتشكل اليوم هوية جديدة لمقاهي «البلد»، حيث يلتقي الجيل الجديد بتاريخ المدينة، في محاولة لإعادة تعريف المقهى داخل فضاء تراثي عمره قرون.

«ميناء»... حين يصبح المقهى نقطة انطلاق

خلف بيت نصيف مباشرة، اختار مقهى ميناء أن يكون جزءاً من التحول الذي تشهده المنطقة، لا مجرد مشروع جديد داخلها. المقهى يصفه مالكه محمد جوجو بأنه محاولة للمشاركة في صناعة التغيير نفسه، عبر تقديم القهوة المختصة ضمن قراءة معاصرة للمكان، تحافظ على التاريخ دون أن تمسّه.

مقهى ميناء نقطة التقاء وانطلاق لاكتشاف أزقة جدة التاريخية (الشرق الأوسط)

يقول جوجو لـ«الشرق الأوسط» إن الفكرة لم تكن إنشاء مقهى فقط، بل إعادة صياغة مفهوم المقهى والمحمصة داخل بيئة تاريخية، بحيث يلتقي الزمن الماضي بالحاضر في تجربة واحدة. فالمكان معاصر بطبيعته، لكنه يعيش داخل تاريخ طويل يجب احترامه لا استبداله. فاختيار الموقع جاء نتيجة علاقة شخصية مع جدة التاريخية؛ إذ أمضى جوجو عاماً كاملاً في دراسة الهندسة الإسلامية، والحرف التقليدية في البلد، متتبعاً تفاصيل الرواشين، والنجارة، والخزف، والجبس، قبل أن يقرر أن يبدأ مشروعه من هنا تحديداً.

يقول جوجو: «أصل جدة هو البلد»، معتبراً أن تأسيس المشروع في هذا الموقع منحه جذوراً حقيقية قبل التفكير في أي توسع لاحق. ولا يركّز ميناء على المنتج وحده، بل على التجربة الكاملة. فالقهوة المختصة -خاصة البن اليمني- تكتسب معنى إضافياً بوجود المقهى في حارة اليمن، بينما تتحول الخدمة والتواصل مع الزوار إلى جزء أساسي من هوية المكان.

«نحن لا نبيع قهوة فقط، بل نبيع تجربة»، يوضح جوجو، مشيراً إلى أن الزوار يقصدون جدة التاريخية لا للشراء السريع، بل للعيش داخل المكان. ومن هنا جاء اسم «ميناء»؛ نقطة ترسو عندها الرحلات قبل أن تنطلق من جديد. كثير من الزوار يبدأون جولتهم من المقهى، ثم يعودون إليه طلباً لتوجيهات جديدة لاكتشاف بقية الأزقة والمعالم، ليصبح المكان محطة تجمع تنطلق منها تجربة البلد كاملة.

ويمتد ارتباط المقهى بالمنطقة إلى التعاون مع حرفيين محليين شاركوا في تصميم عناصر المكان، من الإضاءة المصنوعة يدوياً إلى البلاطات والزخارف، في محاولة لخلق علاقة حقيقية بين المشروع والبيئة الحرفية المحيطة به. وخلال رمضان، يتجه المقهى إلى تطوير منتجات مستوحاة من الهوية المحلية، مثل الآيس كريم بنكهات عربية، ومشروبات مرتبطة بالمذاق الرمضاني، في استمرار لفكرة المزج بين التجربة المعاصرة وروح المكان التاريخي.

زوار جدة التاريخية يتجمعون في المقاهي بعد صلاة التراويح (الشرق الأوسط)

رمضان... موسم المقاهي الأكبر

يرى القائمون على المقاهي في المنطقة أن رمضان يمثل الذروة الحقيقية لحضور جدة التاريخية، إذ تتحول الأزقة إلى فضاء اجتماعي مفتوح يستقبل ملايين الزوار، معظمهم من داخل المملكة، يبحثون عن تجربة مختلفة لليالي الشهر الفضيل. وعلى شارع الذهب، أحد أكثر شوارع البلد حركة، افتُتح مقهى ميغوستا، وكانت انطلاقته الفعلية في منتصف شهر رمضان الماضي. ويقدم المقهى، المصمم بأسلوب ريفي بسيط داخل بيئة تاريخية، القهوة والمشروبات الحديثة، مع جلسات داخلية وخارجية تستوعب الزوار خلال جولتهم الليلية. يؤكد مالكه بسام ياسر أن رمضان يشكل موسماً رئيساً للسياحة المحلية، حيث يبحث الزوار عن أماكن تمنحهم تجربة المكان بقدر ما تقدّم لهم المشروبات، ما يدفع المقاهي إلى إضافة منتجات موسمية، ونكهات مرتبطة بالشهر الفضيل.

ومن أمام بيت نصيف مباشرة، يواصل مقهى هولا لوبز حضوره في جدة التاريخية حيث اختار مالكه أحمد أبو طه الموقع انطلاقاً من قناعته بأن البلد تمثل البيئة الأصدق لخلق تجربة تجمع بين التاريخ والحياة المعاصرة.

مقاهي جدة التاريخية تستعد لاستقبال زوارها مساءً في رمضان (الشرق الأوسط)

في رمضان، تتغير هوية المقهى بإضافة منتجات مستوحاة من تاريخ جدة تُقدَّم بنكهات حديثة تمنح الزوار تجربة متجددة دون الابتعاد عن روح المكان. ويبحث رواد المقاهي عن الأجواء الشعبية، والنكهات المرتبطة بالذاكرة، إلى جانب أسلوب الترحيب الذي يعكس طريقة استقبال أهل جدة قديماً.

وتتمثل الطقوس اليومية في تزيين المكان، واستقبال الزوار بطريقة تمنحهم شعور المشاركة في أجواء الشهر، مع الحفاظ على الطابع التاريخي عبر تطوير المنتجات بما ينسجم مع هوية الموقع. ويختصر أبو طه ليالي رمضان بوصفه ليالي رمضان في المقهى بأنها «ليالٍ تاريخية بنكهة حضارية».

مقاهي جدة التاريخية تجمع بين القهوة الحديثة وروح المكان التراثي (الشرق الأوسط)

المقاهي... قلب المشهد الليلي

وفي الشهر الفضيل، لا تعد مقاهي جدة التاريخية مجرد أماكن جلوس، بل نقاط اجتماع، ومحطات انطلاق داخل المدينة القديمة. يجلس الزوار طويلاً، يتبادلون الأحاديث، أو يخططون لمحطتهم التالية، بينما تتحول القهوة إلى سبب للبقاء أكثر، ومع كل موسم رمضاني تعيد مقاهي جدة التاريخية رسم علاقتها بالمدينة؛ بين الماضي الذي يحتفظ به المكان، والحاضر الذي يصنعه رواده.


عادات غذائية خاطئة تزيد الوزن في رمضان

الوجبات المتوازنة تساعد على إنقاص الوزن في رمضان (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين)
الوجبات المتوازنة تساعد على إنقاص الوزن في رمضان (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين)
TT

عادات غذائية خاطئة تزيد الوزن في رمضان

الوجبات المتوازنة تساعد على إنقاص الوزن في رمضان (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين)
الوجبات المتوازنة تساعد على إنقاص الوزن في رمضان (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين)

قد يبدو شهر رمضان فرصة مثالية لمن يسعون للتخلص من الوزن الزائد؛ إذ يعتقد بعضهم أن الامتناع عن الطعام والشراب من الفجر حتى المغرب يكفي لإنقاص الدهون تلقائياً. لكن خبراء التغذية يؤكدون أن فقدان الوزن لا يعتمد على الصيام وحده، بل يتأثر بشكل كبير بالعادات الغذائية الخاطئة خلال وجبتَي الإفطار والسحور. ويحذر المختصون من أن بعض السلوكيات الشائعة قد تعرقل خسارة الوزن، بل قد تؤدي إلى زيادته رغم الصيام، وفق صحيفة «بورنيو بوست»، الماليزية.

وتشدد الدكتورة نورشام جوليانا نور الدين، رئيسة مجموعة أبحاث الإيقاع الحيوي ونمط الحياة بكلية الطب والعلوم الصحية في جامعة العلوم الإسلامية الماليزية، على أن فقدان الوزن يعتمد على إجمالي السعرات الحرارية ونوعية الطعام وحجم الحصص والنشاط البدني.

وتوضح أن الإفراط في تناول الأطعمة الغنية بالسكر والدهون خلال الإفطار أو السحور قد يؤدي إلى زيادة الوزن، خصوصاً عند قلة الحركة واضطراب النوم؛ لأن الطاقة الزائدة تُخزن على شكل دهون. ومع ذلك، تشير إلى أن الصيام يمكن أن يساعد في ضبط الوزن إذا ترافق مع تغذية متوازنة ونشاط بدني منتظم.

القهوة والسهر ليلاً

في السنوات الأخيرة، أصبحت جلسات القهوة بعد التراويح شائعة، خصوصاً بين الشباب. وتوضح نور الدين أن شرب القهوة ليلاً ليس مثالياً من الناحية الفسيولوجية؛ إذ يعرقل النوم بسبب تأثير الكافيين الذي يمنع إفراز المواد المحفزة للنوم في الدماغ، ما يؤدي إلى تعب خلال النهار. كما أن القهوة مدرّة للبول، ما يزيد فقدان السوائل في وقت يحتاج فيه الجسم لتعويضها. بالإضافة إلى ذلك، قد تعوق مركبات القهوة امتصاص بعض المعادن مثل الحديد والكالسيوم، وتنصح بتجنب القهوة عند الإفطار.

الأكل الليلي المتكرر

يميل بعض الصائمين إلى تناول وجبات إضافية بعد التراويح، غالباً تكون غنية بالكربوهيدرات والسكريات. ويحذر الخبراء من أن الأكل المتأخر ليلاً يُبطئ عملية الأيض، ويعيد الجسم إلى وضع تخزين الطاقة، مما يقلل من فوائد الصيام في حرق الدهون. وتوصي نورشام بالاعتدال وتجنب الأطعمة الثقيلة أو السكرية التي قد تسبب اضطرابات في الهضم والنوم.

أهمية وجبة السحور

تشير نور الدين إلى أن تخطي السحور قد يخل بتوازن الجسم؛ لأن توقيت الوجبات يلعب دوراً مهماً في ضبط الساعة البيولوجية؛ فالسحور يهيئ الجسم لبداية يوم الصيام ويساعد الأعضاء على العمل بكفاءة، ما يدعم استقرار الطاقة.

كما تحذر من بدء الإفطار أو السحور بمشروبات وأطعمة شديدة الحلاوة، مثل المشروبات المحلاة والحلويات؛ لأنها تسبب ارتفاعاً سريعاً في سكر الدم يتبعه هبوط مفاجئ يؤدي إلى التعب وزيادة الرغبة في تناول السكريات. وتشير أيضاً إلى أن الإفراط في الملح يزيد الشعور بالعطش ويؤثر على جودة النوم، مما قد يؤدي إلى الجفاف أثناء الصيام.

توقيت الوجبات

تؤكد الدكتورة أرياتي أحمد، الأستاذة المشاركة بكلية العلوم الصحية في جامعة السلطان زين العابدين الماليزية، أن توقيت الإفطار والسحور عامل أساسي للحفاظ على الصحة خلال رمضان.

وتنصح بالبدء بأطعمة خفيفة سهلة الهضم لتجنب الانتفاخ أو الارتجاع، وللحد من الإفراط في الأكل نتيجة الجوع الشديد. أما السحور، فيوفر طاقة مستدامة ويحسن مستوى الترطيب قبل ساعات الصيام الطويلة.

الرياضة خلال الصيام

تدحض الدكتورة أرياتي الاعتقاد بأن النشاط البدني لا بدَّ أن يتوقف خلال رمضان، مشيرة إلى أن التمارين الخفيفة إلى المتوسطة مفيدة للحفاظ على اللياقة والكتلة العضلية وضبط الوزن.

وتوصي بممارسة أنشطة خفيفة قبل الإفطار بنحو 30 إلى 60 دقيقة، مثل المشي أو التمدد، أو بعد الإفطار بساعة إلى ساعتين لممارسة تمارين القوة المعتدلة.


قبل أضواء «سيزار»… معركة جديدة بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي

صورة تعبيرية عن الجدل بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي (شاترستوك)
صورة تعبيرية عن الجدل بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي (شاترستوك)
TT

قبل أضواء «سيزار»… معركة جديدة بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي

صورة تعبيرية عن الجدل بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي (شاترستوك)
صورة تعبيرية عن الجدل بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي (شاترستوك)

في وقت تستعد فيه السينما الفرنسية للاحتفاء بنجومها على سجادة جوائز «سيزار» الحمراء، يرتفع صوت الاحتجاج داخل الوسط الفني ضد الذكاء الاصطناعي، بعد تحرّك لافت قاده نحو 4 آلاف ممثل ومخرج ندَّدوا بما وصفوه بـ«النهب المنظّم» عبر استخدام أصواتهم وصورهم من دون إذن.

وفي مقال نُشر على موقع صحيفة «لو باريزيان»، ونقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»، حذَّرت هيئة «أدامي» التي أطلقت المبادرة قائلة: «نشهد تحوّلاً عميقاً في مهنتنا منذ وصول الذكاء الاصطناعي. هذه الأداة القيِّمة لبعض المهن هي أيضاً وحش نهم للفنانين من أمثالنا».

وضمَّت قائمة الموقِّعين أسماء بارزة في السينما الفرنسية، من بينهم سوان أرلو، وجيرار جونيو، وجوزيه غارسيا، إلى جانب الممثلات ليا دروكر، وإلودي بوشيه، وكارين فيار، في خطوة عكست حجم التوتر المتصاعد داخل الأوساط الفنية.

وشدَّد الفنانون على أن استنساخ الأصوات بات ظاهرة متكررة، مؤكدين أن القلق يزداد مع كل أسبوع جديد، في ظل منافسة تكنولوجية شرسة قد تغيّر شكل المهنة نفسها. وأشاروا أيضاً إلى أن الفنانين الأقل شهرة هم الأكثر هشاشة، إذ قد تدفعهم ضغوط العمل أحياناً إلى التنازل عن حقوقهم، رغم ما قد يحمله ذلك من مخاطر على سمعتهم ومسارهم المهني.

وطالب الموقِّعون بوضع إطار قانوني واضح ينظِّم استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال الفني، بما يضمن تحقيق توازن حقيقي بين الابتكار التقني وحماية حقوق التأليف والحقوق المجاورة.

ويأتي هذا التحرُّك ضمن موجة متصاعدة من المبادرات الفنية في مواجهة تأثير الذكاء الاصطناعي، إذ شهدت باريس مؤخراً وقفة احتجاجية شارك فيها عدد من الفنانين والممثلين.

وفي تطور أثار ضجة واسعة، اتهمت استوديوهات هوليوودية كبرى مؤخراً برمجية صينية تُدعى «سيدانس 2.0» بانتهاك حقوق التأليف، بعد انتشار فيديو مولَّد بالذكاء الاصطناعي جمع بين توم كروز وبراد بِت وحقق انتشاراً كبيراً على مواقع التواصل.

وبين وعود التكنولوجيا ومخاوف الفنانين، تبدو معركة السينما مع الذكاء الاصطناعي قد بدأت فعلياً، معركة قد تُعيد رسم حدود الإبداع وحدود المهنة في السنوات المقبلة.