ماكرون يوبّخ منتهكي الحجر ويمنع التنقل غير الضروري في فرنسا

قلق واسع بعد اتساع الإصابات إلى فئات الشباب

فرنسيون يصطفون للتسوق شمال فرنسا أمس (أ.ف.ب)
فرنسيون يصطفون للتسوق شمال فرنسا أمس (أ.ف.ب)
TT

ماكرون يوبّخ منتهكي الحجر ويمنع التنقل غير الضروري في فرنسا

فرنسيون يصطفون للتسوق شمال فرنسا أمس (أ.ف.ب)
فرنسيون يصطفون للتسوق شمال فرنسا أمس (أ.ف.ب)

أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أمس، في كلمة عبر التلفزيون، منع التنقل غير الضروري اعتباراً من ظهر اليوم للحد من تفشي وباء كورونا المستجد في البلاد. وقال ماكرون إنه «اعتباراً من ظهر غد، ولمدة 15 يوماً على الأقل، سيتم الحد من تنقلاتنا في شكل كبير جداً»، مشدداً على «معاقبة» أي انتهاك لهذا القرار، ومعلناً أيضاً إرجاء الدورة الثانية من الانتخابات البلدية التي كانت مقررة في 22 مارس (آذار).
وتابع ماكرون قائلاً: «أود أن أبلغكم هذا المساء، وأنا في غاية التأثر، بأنه عليكم الاستماع إلى العاملين في مجال الرعاية الصحية الذين يقولون إذا كنتم تريدون مساعدتنا، يجب أن تبقوا في المنزل وتتجنبوا المخالطة». ووبّخ الرئيس ماكرون المواطنين الذين احتشدوا في الأسواق والمتنزهات، الأحد، بعد إغلاق المطاعم، قائلاً: «أنتم لا تحمون أنفسكم ولا الآخرين، لقد أظهرت التطورات الأخيرة أنه لا يوجد أحد في مأمن».
وقد ولجت فرنسا دائرة الخطر الشديد. فرغم التدابير القاسية التي فرضتها الحكومة للجم انتشار وباء كورونا المستجد، مع إغلاق المدارس والجامعات والمتاحف ثم المطاعم والمقاهي والنوادي وتشجيع الشركات على اعتماد العمل عن بعد وقصر الحركة على التسوق، معطوفة على خفض الرحلات الجوية وإغلاق صناعات أساسية مثل شركة بيجو لصناعة السيارات، تواصلت موجة تفشي الوباء على نطاق واسع، حيث أصبح المعدل اليومي للمصابين الجدد يلامس سقف الألف يومياً.
والأخطر من ذلك أن الإصابات لم تعد مقصورة على المسنّين، بل أخذت تطال كل الفئات العمرية، بمن فيهم الشباب. وحسب التوقعات التي كشف عنها مدير عام وزارة الصحة، وأثارت قلقاً كبيراً لدى المواطنين، فإن نصف الفرنسيين البالغ عددهم 66 مليوناً يمكن أن يصاب بالعدوى. وفي السياق، كشفت صحيفة «لو موند» عن دراسة علمية قُدمت إلى رئاسة الجمهورية، مبنية على السيناريو الأعلى لأعداد الضحايا، فإن تفشي «كوفيد - 19» يمكن أن يودي بحياة ما بين 300 إلى 500 ألف شخص في فرنسا وحدها، إذا لم تعمد الحكومة سريعاً لاتخاذ تدابير صارمة.
حقيقة الأمر أن الحكومة أعطت إشارات متناقضة. فبينما كان رئيسها إدوار فيليب يعلن، مساء السبت، إقفال المطاعم والمقاهي والنوادي، ويحث الفرنسيين على البقاء في بيوتهم والتزام أقصى درجات الحذر، دعا في الوقت عينه الناخبين إلى التوجه في اليوم التالي إلى صناديق الاقتراع في إطار الجولة الأولى من الانتخابات المحلية. وكانت النتيجة أن نسبة الذين لم يتمّوا واجبهم الانتخابي بلغت 55 في المائة، وهي الأعلى منذ تأسيس الجمهورية الخامسة أواسط الخمسينات من القرن الماضي. وبالمقابل، فإن الفرنسيين لم يلتزموا بالدعوة لتجنب التجمعات والتنقل، فامتلأت الحدائق والمتنزهات والغابات وضفاف الأنهر حتى الشوارع بالمتنزهين، ما حمل فيليب، في اليوم التالي، إلى التعبير عن الأسف، لأن الفرنسيين لا يأخذون بجدية خطورة ما يتعرضون له.
وكانت الخلاصة أن سلسلة من الاجتماعات استضافها مقر رئاسة الحكومة وقصر الإليزيه غرضها النظر في اتخاذ تدابير إضافية لوقف تمدد العدوى على نطاق واسع. وبحسب ما تسرّب من مصادر قصر الإليزيه والجهات الحكومية، فإن فرنسا تستعد للالتحاق بما قررته قبلها إيطاليا وإسبانيا من فرض حظر على خروج المواطنين من بيوتهم إلا لأسباب محددة. وكان من المنتظر أن يعلن الرئيس ماكرون التدابير الجديدة بكلمة متلفزة هي الثانية له بعد كلمته مساء الخميس الماضي، عندما أعلن عن إقفال المدارس والجامعات والمتاحف وعن جملة من التدابير الاقتصادية والمالية لمساعدة الشركات والموظفين على اجتياز المطبات الخطيرة التي تواجهها.
في كل مرة كانت الحكومة تعلن عن تدابير للحد من تحركات المواطنين، كانت «تحتمي» وراء توصيات لجنة من الخبراء شكلها ماكرون من 10 اختصاصيين. والحال، أن هذه اللجنة، بحسب رئيس الحكومة إدوار فيليب، هي التي نصحت بإجراء الجولة الأولى من الانتخابات البلدية. لكن هذه التوصية أوقعت الحكومة في فخّ محكم بالنسبة للجولة الثانية من الانتخابات التي يتفق الجميع على القول إنه لا يمكن السير بها في ظل التدابير والقيود بالغة التشدد التي تتهيأ السلطات للإعلان عنها. وبحسب القانون الانتخابي، يفترض أن تجرى الجولة الثانية في الأحد الذي يعقب الدورة الأولى. الأمر الذي سيكون تحقيقه مستحيلاً في ظل الظروف الحالية. ومنذ مساء الأحد والكشف عن أول النتائج، برز شبه إجماع على الدعوة لتأجيل الجولة الثانية. وأمس، أعلنت رئاسة حزب «فرنسا إلى الأمام» «وهو الحزب الرئاسي» عن تجميد حملة الحزب الانتخابية. ومشكلة الحكومة أن القانون الانتخابي لا يرصد حالة كتلك التي تعيشها فرنسا في الوقت الحاضر. وإذا كان التأجيل أو الإلغاء مؤكداً، فإن الآلية كانت تنتظر ما سيصدر عن ماكرون في كلمته المتلفزة، علماً بأن الحقوقيين منقسمون على أنفسهم بين من يرى أن مرسوماً رئاسياً يكفي لإغلاق الملف، وبين من يحذر مما قد يصدر عن المجلس الدستوري المكلف السهر على التوافق بين ما تقرره السلطة التنفيذية وبين نصوص الدستور.
وطيلة يوم أمس، كان قصر الإليزيه كخلية نحل، إذ تواصلت الاجتماعات، وترأس ماكرون اجتماعاً لمجلس الدفاع الأعلى لدراسة وإقرار التدابير التي كان سيعلنها مساء. وعلى الصعيد الخارجي، تواصل ماكرون مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، ومع رئيسي المفوضية الأوروبية والمجلس الأوروبي أورسولا، فان دير لاين، وشارل ميشال، للتحضير لاجتماع القمة الذي دعا إليه الأخير اليوم عصراً، وهو الثاني من نوعه في الأيام الأخيرة. وفي السياق عينه، ولغرض البحث عن ردّ دولي وليس فقط أوروبياً على النتائج الاقتصادية المترتبة على كورونا، حصل اجتماع عبر دوائر تلفزيونية مغلقة بين قادة مجموعة السبع للدول الأكثر تصنيعاً، بناء على مبادرة فرنسية. وقالت مصادر فرنسية إن باريس تسعى لتنسيق الجهود في محاربة الوباء على الصعد الصحية والمالية والاقتصادية والعلمية، أي لجهة دعم الأبحاث التي تسعى للعثور على طعم أو أدوية ضد فيروس كورونا.
وتقدر دراسات فرنسية أن الاقتصاد الفرنسي عمل حتى اليوم بنسبة 70 في المائة من طاقته، لكن استفحال الفيروس والتدابير المتخذة ستجعل النسبة تهبط إلى 20 في المائة، ما يعني انكماش الاقتصاد بما لا يقل عن 2 إلى 3 في المائة.


مقالات ذات صلة

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

صحتك صورة توضيحية لفيروس «كوفيد - 19» (أرشيفية - رويترز)

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

عقار فلوفوكسامين المضاد للاكتئاب، وهو عقار شائع الاستخدام وغير مكلف، حسن على نحو ملحوظ نوعية الحياة لدى البالغين المصابين «بكوفيد طويل الأمد».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)
صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.


«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في «الناتو» التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز، وذلك بعد محادثاته مع الأمين العام للحلف، مارك روته.

وأوضحت المتحدثة أليسون هارت أن روته أطلع الشركاء على ما دار في لقاءاته بواشنطن، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضافت: «من الواضح أن واشنطن تنتظر تعهدات وإجراءات ملموسة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز».

ومن جانبها، نقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مسؤول كبير في «الناتو»، الخميس، أن الولايات المتحدة طلبت من الحلفاء الأوروبيين تقديم خطط عملية خلال أيام، فيما ذكرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية تفاصيل مماثلة.

وطالب ترمب أعضاء «الناتو» مراراً بدعم الجهود الأميركية لتأمين هذا الممر الملاحي الحيوي، لكنه يواجه حتى الآن مقاومة من جانبهم.

وقبل أقل من 24 ساعة من الإعلان عن هدنة هشة في الحرب مع إيران، التقى روته بترمب في واشنطن الأربعاء.

وبعد اللقاء، واصل ترمب التعبير عن إحباطه عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث كتب يقول: «لم يكن (الناتو) موجوداً عندما كنا بحاجة إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».

وفي منشور منفصل الخميس، اتهم ترمب الحلفاء بالفشل في التحرك دون ضغوط، وذلك دون أن يقدم تفاصيل إضافية.