المسماري: متمسكون بإخراج «المرتزقة» من طرابلس

قال إن الجيش يسيطر على 90 % من العاصمة وملتزم بحماية المدنيين

عناصر ميليشيا تابعة لحكومة السراج على أطراف طرابلس أمس (أ.ف.ب)
عناصر ميليشيا تابعة لحكومة السراج على أطراف طرابلس أمس (أ.ف.ب)
TT

المسماري: متمسكون بإخراج «المرتزقة» من طرابلس

عناصر ميليشيا تابعة لحكومة السراج على أطراف طرابلس أمس (أ.ف.ب)
عناصر ميليشيا تابعة لحكومة السراج على أطراف طرابلس أمس (أ.ف.ب)

شدّد المتحدث باسم «الجيش الوطني الليبي» اللواء أحمد المسماري على تمسك قواته بـ«إخراج المرتزقة» من طرابلس، مشيراً إلى أن عدم حسم معركة طرابلس، رغم قرب مرور عام على انطلاقها «يعود بالدرجة الأولى إلى التزام القيادة العامة للجيش الوطني بالحفاظ على المدنيين والممتلكات داخل العاصمة»، التي تضم تقريباً أكثر من مليوني مواطن «تتخذهم الميليشيات والجماعات الإرهابية دروعاً بشرية».
وشدد المسماري، في مؤتمر صحافي عقده في أحد فنادق القاهرة، أمس، على أن «إعلانات القيادة العامة للجيش أنها تسيطر على أكثر من 90 في المائة من أرضي طرابلس ليست محل تشكيك، وإن كانت تتضمن إلى جوار السيطرة العسكرية المباشرة للجنود على الأرض، سيطرة على كامل المجال الجوي».
وأشار إلى أن «القيادة العامة للجيش لم تحدد توقيتاً معيناً لدخول العاصمة، كون أن لكل معركة حساباتها، ولا أحد يعرف متى ستنتهي المعركة الراهنة أو أين... فقد تنتهي بالجنوب أو الشرق؛ كون المعركة التي يخوضها الجيش حالياً هي ضد الإرهاب، وبالتالي أينما وجد الإرهاب سيكون هناك ما يقرب من 85 ألف مقاتل من الجيش الوطني في انتظاره».
وشدد في الوقت نفسه على أن «الجيش لم يتردد عن قبول الانخراط في المساعي نحو الحل السياسي، لكن كانت النتيجة دائماً إفشالها من قبل الطرف الآخر». وكشف للمرة الأولى أن عدد ضحايا الجيش وصل إلى أكثر من 7 آلاف قتيل، فضلاً عن آلاف الجرحى، وإن لم يحدد المدة الزمنية التي سقط خلالها هؤلاء. وأكد أن «الجيش متمسك بخروج المرتزقة والقوات التركية»، وأنه «استطاع بالفعل استهداف القوات التركية في معيتيقية ونجم عن ذلك سقوط قتلى بصفوف الأتراك».
ورفض المسماري التعويل على ما يُطرح من وجود مسارات جديدة للحل السياسي عبر استبدال رئيس حكومة «الوفاق» فايز السراج بوزير داخليته فتحي باشاغا، ليكون ذلك مدخلاً للحل، في ظل حديث عن محاربة باشاغا للميليشيات في العاصمة. وقال: «الحقيقة أن وزير الداخلية يحاول السيطرة على العاصمة عبر ميليشيات مصراتة الموالية له، وعبر ما تم جلبه من مرتزقة، والكل يعرف ذلك المخطط ويعارضه داخل العاصمة».
وأعرب المسماري عن أمله في ألا يواصل المبعوث الأممي الجديد «المسارات الخاطئة نفسها التي اعتمد عليها من سبقوه في التعامل مع الأزمة باعتبارها أزمة سياسية، وتجاهل حقيقة كونها أزمة أمنية بالمقام الأول». وأشار إلى أن «عدد المرتزقة السوريين الذين جلبهم الرئيس التركي رجب إردوغان إلى ليبيا بلغ 7500 شخص، فضلاً عن ألف ضابط وفرد تركي، وعملية جلب هؤلاء المرتزقة لا تزال مستمرة، ويتراوح معدل ما يصل للغرب الليبي من 300 إلى 400 مرتزق أسبوعياً». وقدر عدد «الإرهابيين الذين جلبتهم تركيا من (جبهة النصرة) و(داعش)» بنحو 2000 إرهابي.
واعتبر المتحدث أن العملية العسكرية التي ستطلقها الدول الأوروبية في البحر المتوسط لمراقبة منع وصول المرتزقة ومراقبة تطبيق حظر السلاح الذي تفرضه الأمم المتحدة على ليبيا، هدفها الأول حماية الشواطئ الأوروبية لا أراضي ليبيا، موضحاً: «باتوا يعرفون أن إردوغان يبتزهم الآن بإرسال اللاجئين من سوريا، وبالمستقبل قد يبتزهم بإرسال الإرهابيين من ليبيا».
وقال المسماري: «رغم تحويل إردوغان الدولة الليبية لسوق دولية للبشر، فالليبيون جميعاً يدركون أن معركتهم مع إردوغان وأفكاره التي جعلت من تركيا مأوى يحتضن كبار قادة الإرهاب بالعالم، لا مع الشعب التركي». ووصف إردوغان بأنه «بات الأمير الفعلي لجماعة الإخوان والجماعات الإرهابية كافة»، متهماً إياه وقيادات حكومة «الوفاق» بـ«سرقة واستنزاف الثروات الليبية»، موضحاً أن «هناك أكثر من 50 مليار دينار ليبي هربت إلى تركيا... كما كان يشتري النفط السوري من (داعش) بسعر زهيد، وها هو يشتري النفط الليبي الخام وبأسعار زهيدة من جماعة (الإخوان)، التي تسيطر على المراكز والمؤسسات الاقتصادية الليبية ليبيعه للشركات الأجنبية في بلاده مع مضاعفة الأسعار، فضلاً عن سرقة مصنع كامل للأدوية ونقله لبلاده».
وقال إن القواعد العسكرية التي أنشأها الأتراك مواقعها في مصراتة وطرابلس وزوارة، إضافة إلى محطات رادار وصواريخ في مطار مصراتة وقرب معيتيقة. وجدد تأكيده أن الجيش الوطني «لا يحارب سعياً وراء سلطة أو ثروة نفطية، وإنما سعياً لضمان أمن واستقرار الدولة الليبية، وسيشرع عقب دحر الإرهاب في التوجه للمسار السياسي وإجراء انتخابات ديمقراطية».
وبخصوص التزام الجيش بالهدنة، رغم الشكوى من قيام قوات «الوفاق» والميليشيات المسلحة الموالية بخرقها يومياً، أجاب المسماري: «هذا قرار القائد العام، وإلى الآن نحن ملتزمون بالهدنة رغم رصدنا أكثر من 40 و50 خرقاً يومياً، منها خروقات بصواريخ (غراد)، وبالطائرات التركية المسيرة».
ولمح إلى الجيش قد قبل بالهدنة من البداية رغم تقدمه بدرجة كبيرة داخل العاصمة، كاستجابة لطلب الأصدقاء الروس ولإثبات حسن النيات للعالم.
ورغم نفيه أنباء ترددت عن زيارة المشير خليفة حفتر لسوريا مؤخراً، رفقة وفد عسكري، ولقائه مع قيادات بجهاز المخابرات السوري، لم يغلق المتحدث العسكري الباب كلياً، ملمحاً لإمكانية أن يكون «هناك تعاون استخباراتي مستقبلي مع الدولة السورية، وتحديداً بشأن الملفات الأمنية لمن ذهب لسوريا من الليبيين بداية الأزمة السورية أو من وفد من المرتزقة السوريين إلى ليبيا بالشهور الأخيرة».
وكان الجيش الوطني الليبي، بقيادة حفتر، أعلن، أمس، إسقاط طائرة «درون» تركية هي الأحدث من نوعها في سلسلة الطائرات المماثلة التي أسقطها منذ بدء هجومه في الرابع من أبريل (نيسان) الماضي لتحرير طرابلس. وطبقاً لبيان بثته شعبة الإعلام الحربي التابعة للجيش، فإن «منصات الدفاع الجوي التابعة له في قاعدة الجفرة العسكرية أسقطت طائرة تركية مسيرة تعمل على عمليات الرصد والتصوير، بعدما تم رصدها تحوم فوق سماء القاعدة».
وقال مسؤول بارز في «الجيش الوطني» لـ«الشرق الأوسط» إن «الطائرات المسيرة التركية أصبحت كاللعبة بيد دفاعاتنا الجوية». لكنه لفت في المقابل إلى «قيام تركيا على ما يبدو بتزويد الميليشيات الموالية لحكومة السراج بذخائر مدفعية بأعداد كبيرة»، موضحاً أن «هذه الميليشيات لم تكن تمتلك مؤخراً الذخائر المدفعية، وأغلب رمايتها لا تنفجر، لأنها مخزَّنة بشكل سيئ، وأحياناً من دون صمام تفجير».
وأشار إلى أن «الأتراك زودوا الميليشيات بالمدفعية للتأثير في المناطق التي حررها الجيش، بهدف تسهيل وصول القذائف إليها، ما يسبب هلع المواطنين، خصوصاً بعد أن عجزت الميليشيات عن تحقيق أي تقدم ميداني». وأضاف: «بعد استهداف أطقم المدفعية التركية هرب الأتراك الذين يعملون على المدافع، وأصبحت الميليشيات هي من يستعمل هذه المدافع بشكل عشوائي لإيقاع الخسائر بالمدنيين».
في المقابل، تحدث آمر غرفة السيطرة في قوات «عملية بركان الغضب»، سالم أبوراي، الموالية لحكومة السراج، عن «التصدي لمحاولة تقدم في محوري صلاح الدين وعين زارة، قامت بها قوات الجيش الوطني التي تكبدت خسائر».



إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.


زعيم «الحوثية» يدعم إيران دون التصريح بخوض الحرب

زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
TT

زعيم «الحوثية» يدعم إيران دون التصريح بخوض الحرب

زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)

على وقع العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية الجديدة ضد النظام الإيراني، أعلن زعيم الجماعة الحوثية في اليمن، عبد الملك الحوثي، استعداد جماعته للتحرك في مسارات متعددة سياسياً وشعبياً وإعلامياً تضامناً مع طهران، دون التصريح المباشر بإعلان الحرب إلى جانبها.

وجاءت تصريحات الحوثي خلال خطاب متلفز، مساء السبت، دعا فيه أنصار جماعته إلى الخروج في مظاهرات حاشدة في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء وبقية المناطق الخاضعة لسيطرتها، مؤكداً أن الجماعة في «أهبة الاستعداد لأي تطورات»، وأن التحركات المقبلة ستشمل أنشطة جماهيرية وإعلامية وسياسية تهدف إلى إظهار التضامن مع طهران في مواجهة ما وصفه بالتصعيد الأميركي الإسرائيلي.

ويرى مراقبون أن الدعوة إلى التظاهر تمثل محاولة لإعادة تعبئة الشارع في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، وربط الصراع الداخلي اليمني بالتطورات الإقليمية، حيث ينظر إلى الجماعة بأنها أهم الأذرع العسكرية لإيران في المنطقة.

حشد من أنصار الجماعة الحوثية خلال تظاهرة في صنعاء أمام مبنى السفارة الأميركية (أ.ف.ب)

وزعم الحوثي في خطبته أن الضربات الإيرانية التي استهدفت قواعد عسكرية أميركية في المنطقة تمثل «حقاً مشروعاً»، معتبراً أنها تستهدف الوجود العسكري الأميركي وليس الدول التي تستضيف تلك القواعد.

ويأتي هذا الموقف متسقاً مع الخطاب السياسي والعسكري الذي تبنته الجماعة خلال الفترة الماضية، والقائم على تصوير الصراع بوصفه مواجهة إقليمية واسعة ضد النفوذ الأميركي والإسرائيلي ومناصرة الفلسطينيين في غزة.

ارتهان للمحور الإيراني

خلال الأعوام الأخيرة، تجاوز خطاب الجماعة الحوثية المجال الداخلي للصراع في اليمن، خصوصاً بعد تنفيذ هجمات بحرية وصاروخية مرتبطة بالحرب في غزة، الأمر الذي أدى إلى تصعيد المواجهة مع القوات الأميركية والإسرائيلية التي نفذت بدورها ضربات جوية ضد الجماعة والتي أدت إلى مقتل قيادات عسكرية ومدنية، بينهم رئيس أركان الجماعة وأكثر من نصف وزراء حكومتها الانقلابية.

ويشير محللون إلى أن ربط الحوثيين موقفهم بالتطورات الإيرانية يندرج ضمن ما يُعرف باستراتيجية «وحدة الساحات»، حيث تسعى الجماعة إلى تقديم نفسها كجزء من المحور الذي تقوده إيران، وليس مجرد طرف محلي في النزاع اليمني.

كما أن الدعوة إلى الحشد الشعبي تحمل بعداً داخلياً يهدف إلى تعزيز التماسك التنظيمي في ظل الضغوط الاقتصادية والإنسانية المتفاقمة داخل مناطق سيطرة الجماعة التي تتخوف من إسقاط انقلابها إذا ما فقدت الداعم الرئيسي في طهران.

الجماعة الحوثية المدعومة من إيران تسببت في مقتل أكثر من 300 ألف يمني خلال سنوات الانقلاب (إ.ب.أ)

وتأتي تصريحات زعيم الحوثيين وسط مخاوف دولية من أن يؤدي أي تصعيد إضافي إلى توسيع نطاق المواجهة العسكرية، خصوصاً في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات الحيوية للتجارة العالمية.

وكانت الهجمات الحوثية السابقة ضد سفن مرتبطة بإسرائيل أو متجهة إلى موانيها قد دفعت الولايات المتحدة إلى تشكيل تحالف بحري لحماية الملاحة الدولية، أعقبته ضربات عسكرية استهدفت منصات إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة، قبل أن تتعهد الجماعة بعدم مهاجمة السفن الأميركية بناء على وساطة عمانية في منتصف 2025.

ويرى خبراء أن إعلان الجماعة الحوثية الاستعداد للتحرك تضامناً مع إيران قد يفتح الباب أمام عودة الهجمات بوتيرة أعلى، سواء عبر الهجمات البحرية أو إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

الموقف الحكومي

في بيان رسمي، حملت الحكومة اليمنية، النظام الإيراني المسؤولية الكاملة عن أي تصعيد يهدد أمن المنطقة، وعن استمرار سياساته القائمة على توسيع نطاق المواجهة عبر أدواته ووكلائه، وما يترتب على ذلك من تقويض لأمن الممرات المائية الدولية، وتهديد مصادر الطاقة، وتعريض شعوب المنطقة لمخاطر حرب مفتوحة لا تخدم سوى مشاريع الفوضى، والتخريب، والإرهاب.

وحذرت الحكومة الجماعة الحوثية من الانخراط بأي مغامرات عسكرية، دعماً للأجندة الإيرانية، أو محاولة استخدام الأراضي اليمنية منصة لاستهداف دول الجوار أو المصالح الدولية، مؤكدة أن أي تصرف من هذا القبيل يمثل عملاً عدائياً ضد اليمن، وتهديداً لمصالح شعبه، وأمنه القومي.

قيود الحوثيين وتعسفاتهم حرمت ملايين اليمنيين من المساعدات الإغاثية (أ.ف.ب)

وجددت الحكومة اليمنية دعوتها المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف حازم إزاء الانتهاكات الإيرانية المتكررة لسيادة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، والعمل على ردع أي سلوك يزعزع أمن واستقرار المنطقة، ويفتح الباب أمام تصعيد واسع ستكون تكلفته باهظة على الجميع.

وشددت على أن أمن المنطقة مسؤولية جماعية، وأن الاستقرار لن يتحقق إلا باحترام سيادة الدول، والكف عن دعم المليشيات المسلحة، والامتثال الصارم لقواعد القانون الدولي.