تعايش اللاعبين في «المسرح السوري» بانتظار صدام عسكري

نصف مليون قتيل ومغيّب و400 مليار دولار و11 مليون نازح ولاجئ حصيلة 9 سنوات من الحرب

سوريون يحتجون أمس قرب أريحا ضد تسيير دوريات روسية - تركية على طريق حلب - اللاذقية (أ.ف.ب)
سوريون يحتجون أمس قرب أريحا ضد تسيير دوريات روسية - تركية على طريق حلب - اللاذقية (أ.ف.ب)
TT

تعايش اللاعبين في «المسرح السوري» بانتظار صدام عسكري

سوريون يحتجون أمس قرب أريحا ضد تسيير دوريات روسية - تركية على طريق حلب - اللاذقية (أ.ف.ب)
سوريون يحتجون أمس قرب أريحا ضد تسيير دوريات روسية - تركية على طريق حلب - اللاذقية (أ.ف.ب)

سوريا التي كانت لدى بدء الحركة الاحتجاجية للمطالبة بالديمقراطية، لم تعد مترابطة أو لم تعد هي ذاتها. لا هي طموح المتظاهرين قبل 9 سنوات، ولا هي كما أرادت دمشق في إجراءاتها. يتعايش المتحاربون في «المسرح السوري»، فيما لا يزال السوريون متخاصمين ومنقسمين. باتت مساحة، اختفت منها آمال التغيير وتجددت رغبة القمع. «كورونا»، لم يميز بين مناطق الحكومة المدعومة من روسيا وإيران، وهي نحو 64 في المئة من البلاد، و26 في المئة منها، وهي مناطق الأكراد المدعومين من التحالف الدولي بقيادة أميركا، ومناطق المعارضة المدعومة تركياً البالغة نحو 10 في المئة. لكن لا يزال «عاجزاً» عن توحيد السوريين... إلا في المعاناة التي تضاف إلى التهجير والنزوح واللجوء والأزمة الاقتصادية.

- الخسائر

قتل في الحرب الدامية والمدمرة 384 ألف شخص على الأقل، بينهم أكثر من 116 ألف مدني، حسب «المرصد السوري لحقوق الإنسان»، الذي أشار إلى أنها «لا تشمل من توفوا جراء التعذيب في المعتقلات الحكومية أو المفقودين والمخطوفين لدى مختلف الجهات، ويقدر عددهم بـ97 ألفاً».
تسببت الحرب في «أكبر مأساة إنسانية» منذ الحرب العالمية الثانية، وفق الأمم المتحدة، مع نزوح وتشريد أكثر من نصف السكان داخل البلاد وخارجها (من أصل 23 مليوناً). وآخر موجة من العذاب كانت لدى شن قوات الحكومة بغطاء روسي ودعم بري إيراني هجومها على إدلب، حيث فر أكثر من مليون مدني إلى شمال البلاد، كان نصفهم من الأطفال الذين يموت منهم اثنان يومياً.
كما استنزفت الاقتصاد وموارده والبنى التحتية، وأحدثت دماراً هائلاً، قدر بـ400 مليار دولار. وتسببت في انهيار قياسي في قيمة الليرة السورية، إذ وصل سعر الدولار إلى ألف ليرة بعدما كان 46 ليرة في 2011.
ويلقي مسؤولون سوريون اللوم في ذلك على الحصار الاقتصادي والعقوبات التي تفرضها دول غربية. لكن أميركا ودولاً غربية تعزو ذلك إلى «سلوك النظام والجرائم التي ارتكبت». ويبدو أن دمشق على موعد من مزيد من العقوبات الأميركية لدى البدء بتطبيق «قانون قيصر» في منتصف يونيو (حزيران). و«قيصر» هو عسكري سابق كان يعمل مصوّراً في الجيش، انشقّ في عام 2014 وبحوزته 55 ألف صورة «توثّق ممارسات في سجون النظام في قمع الانتفاضة». وفي مشهد غير مألوف في الكونغرس الأميركي، أدلى «قيصر» بشهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ قبل يومين. وإثر شهادته في عام 2014، أعدّ أعضاء الكونغرس مشروع قانون حمل اسمه، فرض قيوداً مالية على سوريا، بما في ذلك وقف مساعدات إعادة الإعمار. القانون وقّعه الرئيس دونالد ترمب في ديسمبر (كانون الأول) بعد سجال في الكونغرس استمر لسنوات، وسيدخل حيز التنفيذ منتصف يونيو.

- تدخل تركيا

لا شك أن تركيا أحد «اللاعبين» في سوريا، إذ إنه منذ البداية دعمت المعارضة التي اتخذ لاحقاً أحد أبرز تحالفاتها مقراً له في إسطنبول، كما لجأ إليها بعض قادة الفصائل المسلحة. واستضافت برنامجاً لتدريبها بقيادة «وكالة الاستخبارات المركزية»، قبل وقف واشنطن له.
ومنذ عام 2016، زاد القلق التركي من قيام كيان كردي شمال سوريا بفضل دعم أميركا لفصائل كردية قاتلت «داعش». بدأت تركيا أول تدخل عسكري لها في سوريا أطلقت عليه «درع الفرات» واستهدف ريف حلب الشمالي الشرقي. وسيطرت خلاله على منطقة حدودية تضم مدينتي جرابلس والباب. وفي يناير (كانون الثاني) 2018، شنّت عملية «غصن الزيتون» على منطقة عفرين، ذات الغالبية الكردية. وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، اغتنمت فرصة قرار أعلنت عنه واشنطن بنيتها سحب قواتها من شرق الفرات، لتشن عملية جوية وبرية جديدة باسم «نبع السلام» ضد المقاتلين الأكراد. وسيطر الجيش التركي وفصائل سورية موالية على شريط حدودي بطول 120 كيلومتراً بعمق 30 كلم بين مدينتي تل أبيض ورأس العين. وفي 11 مارس (آذار)، نفذت أول عملية عسكرية لها ضد قوات النظام السوري، وأطلقت عليها تسمية «درع الربيع» في محافظة إدلب.

- أميركا وإسرائيل

في 2014، شكّلت واشنطن تحالفاً دولياً يضم أكثر من 70 دولة بعد سيطرة «داعش» على مناطق شاسعة في العراق وسوريا في يونيو من العام نفسه. وفي سبتمبر (أيلول)، بدأ التحالف بقصف مواقع للتنظيم. ونشرت أميركا ألفي جندي في سوريا، إضافة إلى جنود أوروبيين. وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب سحب قواته، لكنه سرعان ما قرر الإبقاء على 500 جندي من أجل حماية آبار النفط. كما تحتفظ أميركا بقاعدة التنف على الحدود العراقية.
وفي أبريل (نيسان)، شنت أميركا أول هجوم بصواريخ «كروز» على قاعدة تابعة للحكومة قرب حمص، بعد هجوم بالغاز السام على خان شيخون التي كانت تسيطر عليها المعارضة. وتكررت الغارات في أبريل 2018 بعد هجوم على دوما.
وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، أعلنت «قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة من واشنطن طرد «داعش» من «عاصمته» في الرقة. وفي مارس العام الماضي، أعلن القضاء على التنظيم جغرافياً. وفي أكتوبر الماضي، قتلت وحدة أميركية خاصة زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي شمال سوريا.
وفي مارس 2017، اعترفت إسرائيل بشن غارات جوية ضد «حزب الله» في سوريا، الأمر الذي تكرر مرات عدة بقبول ضمني من روسيا التي نشرت منظومات «إس 400» و«إس 300» و«إس 300» المتطورة في سوريا. وقبل يومين، قتل 26 عنصراً من «الحشد الشعبي» العراقي في ضربة جوية قرب مدينة البوكمال في ريف دير الزور الشرقي على حدود العراق. وجرى استهدافها مراراً في ضربات جوية، قد تكون الأشد في يونيو 2018 حين قتل 55 عنصراً موالياً من السوريين والعراقيين في ضربات قال مسؤول أميركي إن إسرائيل تقف خلفها. وكررت إسرائيل غاراتها على دمشق وريفها وعلى «مواقع إيرانية» في وسط البلاد وغربها.

- روسيا وإيران

في سبتمبر(أيلول) 2015، باشرت روسيا حملة جوية دعماً لقوات الحكومة التي كانت تواجه وضعاً صعباً جداً، ذلك أن المساحة التي تسيطر عليها لم تتجاوز 12 في المئة من البلاد. وبالفعل قلب الميزان العسكري ومناطق السيطرة سواء بالحرب والقصف أو بالتسويات المحلية والإقليمية. ولروسيا قاعدتان عسكريتان؛ الأولى في مطار حميميم، والثانية في ميناء طرطوس. وبدأت أخيراً تأسيس قاعدة جديدة في القامشلي شرق الفرات. وتقول موسكو إنّها تنشر 3 آلاف عسكري وطائرات وطوافات وسفن حربية وغواصات. وشارك أكثر من 63 ألف عسكري روسي في العملية، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. كما جرب الجيش الروسي طرازات جديدة من معداته.
تقدم إيران، الحليف الإقليمي الأكبر للنظام، الدعم له منذ اندلاع الحرب. وتنفي طهران وجود قوات نظامية لها، لكنّها تقرّ بإرسال عناصر من «الحرس» بصفة «مستشارين عسكريين»، وآلاف «المتطوعين» من إيران وأفغانستان وباكستان والعراق. وأعلن «حزب الله» اللبناني رسمياً في 2013 مشاركته العسكرية إلى جانب قوات النظام. وفي يوليو (تموز) 2019، أعلن أمينه العام حسن نصرالله خفض عدد مقاتليه الذي كان يتراوح بين 5 و8 آلاف.

- تعايش استثنائي

تتعايش الأطراف المتحاربة بشكل استثنائي في سوريا جواً وبراً وبحراً. في شرق الفرات، بعد قرار ترمب خفض قواته، دخل الجيش التركي إلى منطقة النفوذ الأميركي ثم أعقبه الروس وقوات الحكومة. روسيا، التي انغمست شرق الفرات براً بعدما حرمها الوجود الجوي الأميركي من تغطية المنطقة، باتت على تماس مع القوات الأميركية، لتتداخل مناطق انتشارهما، ما يؤدي إلى احتكاكات قد تتطور إلى توترات أكبر.
غالباً ما يسجل أهالي المنطقة مشاهد للقوات الروسية والأميركية في حالة مواجهة، كأنها سيارات تتزاحم في شوارع مدينة. وسجل أكثر من مرة قيام أحد الطرفين بإغلاق الطريق على الآخر، بطريقة مثيرة خصوصاً أن سوريا هي البلد الوحيد حيث توجد قوات روسية وأميركية في بقعة جغرافية ضيقة.
وإذ تسير عربات أميركية ودوريات روسية قرب خطوط التماس، كما يسير الجيش التركي دورياته شمال الطريق السريعة، غالباً ما يتجاور العلم الأميركي مع السوري والروسي... والتركي.
في شمال غربي سوريا، تنطلق اليوم دوريات روسية - تركية لإعادة فتح طريق رئيسية بين حلب واللاذقية، ما أدى إلى «محاصصة» بين البلدين في شمال غربي سوريا، بحيث تحصل أنقرة على نفوذ خاص شمال الطريق، كما الحال في مناطق «درع الفرات» و«غصن الزيتون» و«نبع السلام»، وتعزز موسكو وجودها جنوب الطريق بالتعاون مع قوات الحكومة وتنظيمات إيرانية.
وإذا كانت السنة العاشرة من الاحتجاجات، ستشهد مزيداً من الأزمات الاقتصادية والمعيشية مع تساؤلات حول العملية السياسية، فإن من الأمور التي تستحق الملاحظة مصير «التعايش» بين المتحاربين والاحتكاكات على خطوط التماس في «المسرح السوري».



مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.


قلق يمني من صدمات اقتصادية بسبب الحرب الإقليمية

مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
TT

قلق يمني من صدمات اقتصادية بسبب الحرب الإقليمية

مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)

على الرغم من استقرار أسعار كثير من السلع الأساسية، فإن اليمنيين يترقبون بقلق بالغ تأثيرات خطرة جراء التطوراتِ العسكرية في المنطقة، واستهدافِ مصادر الطاقة وخطوط نقلها، وانعكاس ذلك على اقتصاد بلدهم الذي يعاني الهشاشة، ويعدّ الأكبر اعتماداً على الواردات والأقل قدرة على امتصاص الصدمات.

ومثلما يهدد استهداف منشآت الطاقة وخطوط نقلها ضمن العمليات العسكرية المتبادلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من الجهة الأخرى، الاقتصاد العالمي بمزيد من الأزمات، فإن اليمن يقع في مركز دائرة الخطر؛ حيث تسود مخاوف واسعة من تضخم فاتورة الاستيراد، وتوسع حجم الفجوة المالية التي تؤرق السلطات والسكان.

ويستورد اليمن نحو 90 في المائة من غذائه؛ مما يرجح احتمال تأثر القدرة الشرائية للسكان بسرعة بأي اضطراب في أسواق الطاقة أو طرق التجارة الدولية.

واشتكى أمين مهيم، وهو مهندس نظم معلومات، من ارتفاع أسعار كثير من السلع، التي تُستهلك بوصفها هدايا في المناسبات، خلال الأيام الماضية، رغم انقضاء إجازة العيد، وهو الذي توجه إلى الأسواق، أخيراً، مفترضاَ انخفاض أسعارها.

الجزء الأكبر من غذاء اليمنيين يأتي عبر الاستيراد مما يجعل البلد عرضة لتأثر النقل بالحرب (أ.ف.ب)

وبين مهيم لـ«الشرق الأوسط» أنه اضطر إلى السفر إلى قريته بمحافظة لحج بعد عيد الفطر؛ بسبب ارتباطاته المهنية خلال الإجازة، وحين عرج على الأسواق لشراء هدايا وأغذية غير أساسية، مثل الزبيب والمكسرات، ليحملها إلى أقاربه، فوجئ بفوارق سعرية كبيرة عمّا كانت عليه قبيل العيد، وسط تبريرات الباعة بأن الحرب فرضت تكاليف نقل كبيرة على الاستيراد.

وبينما يبدي عشرات التجار والمستوردين وسائقي النقل مخاوفهم من عدم القدرة على السيطرة على الأسعار خلال الأسابيع المقبلة، أكد مصدر مسؤول في وزارة النقل أن جميع المعنيين بنقل وتوريد السلع أُبلغوا بعدم زيادة الرسوم الخاصة بما تُسمى «مخاطر الحرب»؛ «لأن اليمن لم يتأثر، حتى الآن، بشكل مباشر بالعمليات العسكرية الدائرة في المنطقة».

بوادر غلاء

المصدر الحكومي، الذي فضل التحفظ على هويته؛ لعدم امتلاكه صلاحية الحديث لوسائل الإعلام، أوضح أن السلع الأساسية المتوجهة إلى اليمن «لم تتأثر إلا بشكل محدود بسبب عدم مرورها بطرق التجارة التي تقع ضمن دائرة الحرب، على عكس سلع أخرى توقفت في موانئ خليجية، مثل الملابس والأجهزة الإلكترونية».

متطلبات المعيشة في اليمن تتأثر بقوة جراء أي أزمة في الوقود (رويترز)

إلا إنه رفض التعليق بشأن إمكانية أن يَظهر تأثير كبير أو خطير في الفترة المقبلة، مطالباً بعدم إثارة فزع السكان.

ولم تشهد أسعار الوقود أي زيادة في اليمن، إلا إن الشركات التجارية وشركات النقل تتذرع بارتفاع تكلفة النقل الخارجي والتأمين البحري بفعل تهديدات الملاحة العالمية وارتفاع أسعار الوقود؛ بسبب استهداف منشآت الطاقة في دول الخليج وإغلاق إيران مضيق هرمز.

ويقول عاملون في قطاع النقل البحري إن شركات الشحن تفرض عادة رسوماً إضافية تُعرف بـ«رسوم مخاطر الحرب» عندما ترتفع التوترات في الممرات البحرية القريبة من مناطق الصراع.

ويرتبط الموقع الجغرافي لليمن مباشرة بالتوترات التي تطول الملاحة البحرية في المنطقة، بالنظر إلى الإطلالة على مضيق باب المندب؛ أحد أهم الممرات البحرية في العالم، الذي تمرّ نسبة مهمة من تجارة الطاقة العالمية عبره، حيث يؤثر سريعاً أيُّ تصاعد في المخاطر الأمنية بالبحر الأحمر على تكاليف الشحن والتأمين على السفن المتجهة إلى الموانئ اليمنية.

التطورات العسكرية الإقليمية تهدد الإصلاحات الحكومية اليمنية لدعم استقرار العملة المحلية (أ.ف.ب)

ويدعو يوسف سعيد أحمد، أستاذ الاقتصاد في جامعة عدن، إلى مواصلة دعم وتعضيد السياسات الاحترازية التي يتبعها «البنك المركزي»، والتي من شأنها الوقاية من الآثار المباشرة للحرب الدائرة في المنطقة على الاقتصاد اليمني.

وحذر في حديثه لـ«الشرق الأوسط» من انعكاس التطورات الاقتصادية للحرب الحالية على حجم الموارد الخارجية، وتأثر أسعار الصرف سلباً، «خصوصاً أن الحرب ما زالت مستمرة، واليمن مرتبط بالاقتصاد الخليجي، خصوصاً السعودي، سواء أكان من جهة الدعم أم تحويلات المغتربين، وهما متغيران من المحتمل أن يتركا آثارهما على البلاد».

اختلال الميزان التجاري

يبدي كثير من المسؤولين الحكوميين والسكان والتجار اليمنيين قلقاً من احتمالية ظهور سوق سوداء للوقود في حال تأخر وصول شحنات النفط إلى الموانئ اليمنية، أو تأثرت البلاد بارتفاع أسعاره عالمياً، هذا إلى جانب احتمال ارتفاع أسعاره محلياً في أي وقت.

الأسواق اليمنية شهدت ارتفاع أسعار بعض السلع بحجة ازدياد تكلفة النقل البحري (أ.ف.ب)

ويتوقع فارس النجار، المستشار الاقتصادي في مكتب الرئاسة اليمنية، أن تؤدي أي صدمة خارجية، مثل ارتفاع أسعار الطاقة أو اضطراب سلاسل الإمداد، إلى تأثيرات مضاعفة، «فزيادة بنسبة ما بين 10 و12 في المائة ستضيف في فاتورة الاستيراد ما بين 1.5 و1.8 مليار دولار سنوياً».

ويشير إلى أن قيمة الواردات اليمنية خلال العام ما قبل الماضي «بلغت نحو 15.5 مليار دولار، مقابل صادرات لم تتجاوز ملياراً؛ مما يعكس اختلالاً واضحاً في الميزان التجاري واعتماداً كبيراً على التحويلات والمنح لتغطية فجوة تمويلية ضخمة».

إلا إنه يتفاءل بالتجربة الأخيرة لإدارة السياسات الاقتصادية التي يمكن أن تحد من حدة الصدمات، «بعد أن أدت إجراءات (البنك المركزي)، وتنظيم الاستيراد، إلى استقرار سعر الصرف وتحسين الإيرادات غير النفطية للحكومة بنحو 50 في المائة، وإن كان تحسناً هشاً بسبب غياب الموارد السيادية».

اقتصاد اليمن يفتقر إلى أهم موارده وهو إيرادات النفط الذي استهدف الحوثيون منشآت تصديره (رويترز)

ومنذ سنوات أدى توقف صادرات النفط، بفعل اعتداءات الجماعة الحوثية، إلى حرمان الحكومة من أهم مصدر للإيرادات، وتتضاعف تكلفة هذا التوقف حالياً بسبب ارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

ويقدر خبراء مطلعون على السجلات الرسمية أن نحو 70 في المائة من إيرادات الحكومة كانت تأتي من النفط، في وقت يعاني فيه نحو 22 مليون يمني من انعدام الأمن الغذائي، وفق تقديرات أممية؛ مما يجعل أي ارتفاع جديد في أسعار الوقود أو الغذاء عبئاً إضافياً على ملايين الأسر.


تصعيد حوثي في البيضاء واعتقالات عقب كمين قبلي

الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
TT

تصعيد حوثي في البيضاء واعتقالات عقب كمين قبلي

الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)

شنّت الجماعة الحوثية حملة اعتقالات واسعة شملت عشرات المدنيين في محافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء) عقب مقتل عشرة من عناصرها في كمين استهدف إحدى دورياتها، في تطور يعكس تصاعد المواجهة مع أبناء القبائل في مناطق سيطرتها.

جاء ذلك بالتوازي مع إعلان القوات اليمنية الحكومية إحباط تهريب شحنة أسلحة وطائرات مسيّرة في محافظة حضرموت كانت متجهة إلى مناطق سيطرة الجماعة الحوثية.

وأفادت مصادر محلية في البيضاء لـ«الشرق الأوسط» بأن أبناء القبائل في منطقتي المناسح وحمة صرار، التابعتين لمديرية «ولد ربيع»، نفذوا هجوماً استهدف دورية أمنية حوثية على الطريق الرئيسي، كانت تقل عشرة من عناصر الجماعة، بينهم مشرفون ميدانيون، ما أدى إلى مقتلهم جميعاً.

وحسب المصادر، جرى تنفيذ العملية باستخدام عبوات ناسفة، بعد رصد دقيق لتحركات الدورية، في سياق حالة احتقان متصاعدة تشهدها المديرية، نتيجة ما يصفه السكان بانتهاكات متكررة تشمل الاعتداء على الممتلكات والمزارع، والتضييق على الأنشطة الدينية، في إطار محاولات فرض توجهات فكرية ومذهبية.

كمية من الأسلحة صادرتها قوات درع الوطن في وادي حضرموت (إعلام عسكري)

وفي أعقاب الهجوم، دفعت الجماعة الحوثية بتعزيزات عسكرية كبيرة إلى مديرية ولد ربيع، ضمت عشرات العربات والمسلحين، ونفذت حملة مداهمات واسعة في قرى المناسح وحمة صرار وسيلة الجراح، أسفرت عن اعتقال عشرات المدنيين، بذريعة البحث عن المتورطين في الكمين.

وقال مدير مديرية رداع المعين من الحكومة الشرعية، منيف الذهب، إن المعتقلين جرى اقتيادهم إلى مركز قضاء رداع، حيث انضموا إلى محتجزين آخرين من أبناء المنطقة، كانوا قد اعتُقلوا في حملات سابقة على خلفية حوادث مشابهة، ما يعزز مخاوف السكان من تصاعد سياسة العقاب الجماعي.

إحباط تهريب أسلحة

بالتزامن مع هذه التطورات، أعلنت قوات الطوارئ اليمنية إحباط محاولة تهريب شحنة أسلحة وطائرات مسيّرة كانت في طريقها إلى الجماعة الحوثية، في عملية نوعية نُفذت بمحافظة حضرموت.

وذكر المركز الإعلامي للفرقة الأولى أن الشحنة ضُبطت داخل شاحنة نقل كبيرة كانت محمّلة بسلال من الخضراوات، حيث أخفيت الأسلحة والذخائر والطائرات المسيّرة بإحكام أسفل الحمولة، في محاولة للتمويه وتفادي نقاط التفتيش.

وأوضح أن العملية أسفرت عن ضبط السائق والتحفظ على المضبوطات، تمهيداً لإحالتهما إلى الجهات المختصة لاستكمال الإجراءات القانونية، مشيراً إلى أن هذه العملية تعكس مستوى متقدماً من الجاهزية الأمنية والقدرة على تفكيك شبكات التهريب.

وتأتي هذه الضبطية ضمن سلسلة إجراءات تهدف إلى قطع خطوط الإمداد العسكري للجماعة الحوثية، التي تعتمد، وفق تقديرات حكومية، على شبكات تهريب معقدة لإيصال الأسلحة النوعية، بما في ذلك الطائرات المسيّرة، إلى مناطق سيطرتها.

هيكلة الأمن في عدن

في سياق موازٍ، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لإعادة تنظيم المنظومة الأمنية في المناطق المحررة، حيث عقدت اللجنة المكلفة بهيكلة ودمج التشكيلات الأمنية اجتماعاً مشتركاً مع قيادة أمن عدن، بحضور قيادات بارزة من وزارة الداخلية والمؤسسات العسكرية.

وناقش الاجتماع احتياجات شرطة عدن من الموارد البشرية والآليات، إلى جانب آليات دمج التشكيلات الأمنية التي لا تزال خارج إطار الوزارة، بما يسهم في توحيد القرار الأمني وتحديد الاختصاصات بشكل واضح.

لجنة دمج وهيكلة الوحدات الأمنية تلتقي قيادة أمن عدن (الإعلام الأمني)

وأكد المشاركون أن هذه الخطوة تمثل مساراً استراتيجياً لبناء جهاز أمني متكامل، قادر على مواجهة التحديات الأمنية وتعزيز الاستقرار، خصوصاً في ظل التهديدات المستمرة التي تواجهها البلاد.

كما شددوا على أهمية رفع مستوى التنسيق بين مختلف الوحدات، والعمل بروح الفريق الواحد، بما يعزز كفاءة الأداء الأمني، ويعيد ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.

ويرى مراقبون أن نجاح جهود الدمج والهيكلة يمثل عنصراً حاسماً في تثبيت الاستقرار في المدن المحررة، ومنع أي اختلالات أمنية قد تستغلها الجماعات المسلحة أو الشبكات الإجرامية.