«الفيدرالي» يضخ 1.5 تريليون دولار في الأسواق لمواجهة الوباء

التدخل الأول من نوعه منذ الأزمة المالية وسط تحركات عالمية

وزير الخزانة الأميركي متحدثاً للصحافيين عن تأثيرات كورونا على الاقتصاد بحديقة البيت الأبيض أمس (رويترز)
وزير الخزانة الأميركي متحدثاً للصحافيين عن تأثيرات كورونا على الاقتصاد بحديقة البيت الأبيض أمس (رويترز)
TT

«الفيدرالي» يضخ 1.5 تريليون دولار في الأسواق لمواجهة الوباء

وزير الخزانة الأميركي متحدثاً للصحافيين عن تأثيرات كورونا على الاقتصاد بحديقة البيت الأبيض أمس (رويترز)
وزير الخزانة الأميركي متحدثاً للصحافيين عن تأثيرات كورونا على الاقتصاد بحديقة البيت الأبيض أمس (رويترز)

أعلن «بنك الاحتياطي الفيدرالي» (المركزي الأميركي)، في نيويورك، أنه سيضخ 1.5 تريليون دولار في الأسواق، لتعزيز نسب السيولة في سوق المال، وسط الذعر الذي أصاب المستثمرين بسبب وباء «كورونا».
وأوضح البنك، في بيان، مساء أول من أمس (الخميس)، أنه سيقوم بشراء سندات الخزانة والأوراق المالية الأخرى من البنوك والمستثمرين، وإعادة بيع هذه الأوراق مرة أخرى بفائدة أقل، في اليوم التالي أو خلال أيام.
وأشار إلى أن قراره بضخ السيولة جاء «بناء على تعليمات» من رئيس «مجلس الاحتياطي الفيدرالي»، جيروم باول. ويسعي «البنك المركزي الأميركي» إلى معالجة الاختلالات غير العادية التي حدثت في أسواق المال خلال الأيام القليلة الماضية بسبب فيروس «كورونا».
وسيضخ الاحتياطي الفيدرالي السيولة في السوق عبر ما يُسمى «اتفاقيات إعادة الشراء»، أي التبادل المؤقت للنقد مقابل أوراق مالية، وهو مصدر حاسم للتمويل لليلة واحدة لشركات السمسرة، وصناديق التحوط، والمؤسسات المالية الأخرى. وتسمى هذه العملية بـ«سوق الريبو»، وتستهدف أولاً، ضخ السيولة في السوق، ثانياً، تخفيف مقدار الفائدة التي يدفعها المستثمرون الذي يشترون الديون الحكومة الفيدرالية، فضلاً عن تخفيف أسعار الفائدة التي يدفعها المستهلكون على القروض العقارية والقروض الأخرى. وتُعد هذه هي المرة الأولى التي يتدخل فيها الاحتياطي الفيدرالي في سوق المال، بشكل مباشر، منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008. وسيمثل ضخ هذا المبلغ الضخم من السيولة تحولاً كبيراً ومفاجئاً في مسار «البنك المركزي»، الذي كان يستهدف خفض الديون الفيدرالية الناجمة عن أزمة 2008.
فخلال العامين الماضيين، بدأ الاحتياطي الفيدرالي، في بيع ما يقرب من 4 تريليونات دولار من الأصول التي تم شراؤها لتحفيز الاقتصاد وإعادة الائتمان إلى الأسواق المالية خلال فترة الركود عام 2008. وستمثل عودته مرة أخرى لضخ السيولة مؤشراً على دخول الاقتصاد الأميركي في أزمة مالية لا يعلم أحد نطاقها حتى الآن.
وكانت مؤشرات الأسهم الأميركية الرئيسية تراجعت بنسبة 8 في المائة تقريباً، فور إعلان الرئيس ترمب عن حظر السفر من دول الاتحاد الأوروبي.
وخلال الفترة الماضية، تعددت المحاولات الحكومية العالمية لطرح حلول في مواجهة وباء فيروس «كورونا». وأول من أمس (الخميس) انضم «البنك المركزي الأوروبي» إلى مساعي تقوية الاقتصاد العالمي بإعلانه عن خطوات إضافية لتشجيع البنوك على تقديم القروض إلى الشركات المتعثرة... إلا أن البنك أحدث مفاجئة بتركه معدلات الفائدة الرئيسية دون تغيير، على عكس ما فعل البنكان المركزيان الأميركي والبريطاني وغيرهما من البنوك المركزية. وعلى أي حال، فإن خفض أسعار الفائدة الطارئ خلال الأسبوعين الماضيين لم يساعد في وقف حالة الفزع في الأسواق المالية. ولم تساعد كذلك وعود الحكومات بزياد الإنفاق.
وقال خبراء اقتصاديون في شركة «آي إن جي» في مذكرة: «بصراحة، لا يوجد تيسير مالي أو نقدي يمكن أن يكون له تأثير مساوٍ لتأثير العثور على لقاح ضد (كوفيد - 19)».
كما أقر «الكونغرس» الأميركي، الأسبوع الماضي، قانون إنفاق بقيمة 8.3 مليار دولار لمكافحة فيروس «كورونا»، إلا أن طلبات الرئيس دونالد ترمب في عامه الانتخابي للقيام بخطوات معينة، مثل خفض الضرائب على الدخل، لم تلقَ قبولاً لدى «الكونغرس»، بحسب تقرير لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».
وخفض الفيدرالي سعر الفائدة الرئيسية بمقدار نصف نقطة إلى نطاق 1.0 - 1، 25 في المائة. أما «بنك كندا المركزي»، فقد خفض سعر فائدة الإقراض الرئيسية بـ50 نقطة أساسية.
كما وفر «صندوق النقد الدولي» 50 مليار دولار مساعدات للدول الأفقر، محذراً من أن النمو العالمي يمكن أن ينخفض الآن إلى أقل من نسبته العام الماضي، التي وصلت إلى 2.9 في المائة. وقالت رئيسة «صندوق النقد الدولي» كريستالينا غورغييفا، الأسبوع الماضي، إن الوباء «لم يعد قضية إقليمية، بل مشكلة عالمية تتطلب استجابة عالمية».
ولكن على عكس عام 2008، تنتظر الشركات عبثاً استجابة منسقة من قبل الحكومات، وقد أثار ترمب غضباً في أوروبا من خلال حظر استقبال المسافرين من منطقة «شنغن» في القارة.
وبينما ترك «البنك المركزي الأوروبي» أسعار الفائدة دون تغيير، إلا أنه وافق على جولة جديدة من القروض الميسرة لبنوك منطقة اليورو، وسيطرح 120 مليار يورو إضافية (135 مليار دولار) من مشتريات الأصول في إطار «التيسير الكمي» هذا العام. وجاء ذلك بعد تبني الاتحاد الأوروبي لصندوق استثماري بقيمة تصل إلى 25 مليار يورو لدعم الرعاية الصحية والوظائف والشركات الصغيرة.
وتُعتبر إيطاليا الدولة الأكثر تضرراً في الاتحاد الأوروبي، بفيروس «كورونا»، وقد فرضت السلطات إغلاقاً على البلاد. وتعهّدت روما بإنفاق ما يصل إلى 25 مليار يورو بمفردها لمحاربة الوباء، وهو ما يعرضها لخطر تجاوز الحدود التي يعتمدها الاتحاد الأوروبي بشأن الديون والعجز في الميزانية بدرجة أكبر مما هي عليه.
وتريد فرنسا ودول أخرى أن تخفف بروكسل من قيودها. وتقول ألمانيا المتشددة مالياً إنها مستعدة لمزيد من الإنفاق. والأربعاء حددت بريطانيا، التي أصبحت الآن خارج الاتحاد الأوروبي، التحفيز المالي بقيمة 30 مليار جنيه إسترليني (39 مليار دولار) في حين خفض «بنك إنجلترا» (البنك المركزي البريطاني) أسعار الفائدة إلى مستوى قياسي منخفض هو 0.25 في المائة.
وخفضت الصين، مصدر تفشي المرض الذي أسفر عن وفاة أكثر من 3000 شخص فيها، أسعار الفائدة وتعهّدت بمجموعة من الإجراءات بما في ذلك تخفيضات ضريبية والمزيد من التحويلات المالية من بكين إلى المناطق المتضررة من الفيروس.
وكشفت أستراليا، أول من أمس (الخميس)، عن خطة إنفاق ضخمة بقيمة 11 مليار دولار أميركي، أي ما يعادل أقل من واحد في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، للمساعدة على تجنب أول ركود لها في 29 عاماً.
وتمنح حكومة هونغ كونغ مبلغ 10.000 دولار هونع كونغ (1280 دولاراً أميركياً) لكل مقيم دائم، في جهودها للتغلب على الركود الناجم عن أشهر من الاحتجاجات الشعبية، التي تفاقمت الآن بسبب تفشي فيروس «كورونا».
والثلاثاء، أعلنت اليابان عن حزمة طوارئ ثانية لتخفيف تأثير الفيروس، بما في ذلك 15 مليار دولار في برامج القروض لدعم الشركات الصغيرة. وأكد «بنك اليابان»، الذي سيجتمع الأسبوع المقبل، للمستثمرين أنه «سوف يسعى جاهداً لتوفير سيولة وفيرة وضمان الاستقرار في الأسواق المالية».
وتتطلع إندونيسيا وسنغافورة وكوريا الجنوبية وتايلاند أيضاً إلى تخصيص مليارات الدولارات كمحفزات إضافية في اقتصاداتها المدفوعة بالصادرات. ووفقاً لوكالة «ستاندرد آند بورز»، للتصنيف الائتماني، يمكن أن يمحو الوباء أكثر من 200 مليار دولار من اقتصادات آسيا والمحيط الهادي هذا العام.


مقالات ذات صلة

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

الاقتصاد جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم...

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)

تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

سجّل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة انخفاضاً غير متوقع خلال شهر مارس، منهياً بذلك شهرين متتاليين من المكاسب القوية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الاقتصاد أشخاص يصطفّون خارج مركز توظيف في لويفيل بولاية كنتاكي الأميركية (أرشيفية - رويترز)

تراجع الطلبات الأسبوعية لإعانة البطالة في أميركا رغم الحذر من التوظيف

تراجع عدد الأميركيين المتقدمين بطلبات للحصول على إعانات البطالة الأسبوع الماضي، في إشارة إلى استمرار استقرار سوق العمل، رغم حذر الشركات بشأن التوظيف.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد كيفن وورش يتحدث خلال مؤتمر حول السياسة النقدية في معهد هوفر بجامعة ستانفورد بكاليفورنيا (رويترز)

تعثر «الانتقال السلس»... شكوك حول تثبيت مرشح ترمب لقيادة «الفيدرالي» قبل مايو

تبدو احتمالات الانتقال السلس وفي الوقت المحدد للقيادة في مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى كيفن وورش، مرشح الرئيس الأميركي دونالد ترمب لرئاسة البنك المركزي مهددة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد لافتات بنوك «جي بي مورغان تشيس» و«سيتي بنك» و«ويلز فارغو» (رويترز)

بنوك «وول ستريت» تجني 45 مليار دولار من الأزمات الجيوسياسية

بينما يواجه العالم تداعيات الصراع في الشرق الأوسط، أثبت «شارع المال» الأميركي قدرة استثنائية على تحويل التقلبات إلى مكاسب مليارية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر، إثر الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) 2026، موضحاً أن هذا النزاع لم يمثل مجرد أزمة حدودية، بل تحول إلى زلزال ضرب قلب الممرات الاقتصادية الاستراتيجية، مخلفاً صدمة طاقة عالمية وشللاً في سلاسل الإمداد. وفي خضم هذه التحديات، برز اقتصاد السعودية بوصفه نموذجاً للصمود؛ حيث أظهر «متانة استثنائية» مكنته من امتصاص تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتراجع الإنتاج الإقليمي، بفضل ركائز «رؤية 2030» التي عززت السياسات المالية القوية والقدرة اللوجيستية على التكيف مع أعنف المتغيرات الجيوسياسية.

وصف مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، خلال عرضه لتحديث «تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي» في واشنطن، على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، الحرب الحالية بأنها تعيد رسم خريطة النمو الإقليمي بنسب لم تشهدها الأسواق منذ عقود، حيث أدى توقف الملاحة في مضيق هرمز إلى تعطل تدفق 21 مليون برميل نفط يومياً، ما دفع بأسعار خام برنت لتجاوز حاجز 100 دولار. ولم تقف الصدمة عند النفط، بل طالت إمدادات الغاز الطبيعي، حيث قفزت أسعاره في أوروبا بنسبة 40 في المائة، متخطية المستويات القياسية التي سجلتها إبان أزمة أوكرانيا عام 2022، مما وضع أمن الطاقة العالمي في مهب الريح.

وقال إن اضطرابات الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية ستؤثر بشدة على اقتصادات الدول الخليجية المصدرة للنفط والغاز، بينما تواجه الدول المستوردة للنفط في الشرق الأوسط، مثل مصر والأردن، صدمات من ارتفاع أسعار السلع الأساسية واحتمال انخفاض دخل تحويلات العاملين في دول الخليج.

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (رويترز)

وبشكل عام، من المتوقع أن تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تباطؤاً ملحوظاً في النمو هذا العام، حيث يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 1.1 في المائة، أي أقل بنسبة 2.8 نقطة مئوية من التوقعات قبل الحرب، قبل أن تشهد انتعاشاً في عام 2027، وفقاً لأحدث تقرير للتوقعات الإقليمية الصادر عن صندوق النقد الدولي.

قال أزعور: «إنها ليست مجرد قصة نفط وغاز، بل هي أيضاً تأثير هذه الحرب على جميع المنتجات الأخرى التي تُنتج في المنطقة، والتي تتمتع فيها المنطقة بموقع استراتيجي»، بما في ذلك صادرات الأسمدة والعديد من المنتجات الكيميائية وغيرها من المنتجات المتخصصة التي تجعلها ممراً اقتصادياً استراتيجياً عالمياً. وحذر من أن ارتفاع تكاليف الغذاء بات يهدد الفئات الضعيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا بشكل مباشر، خصوصاً مع تأثر الصادرات الخليجية الحيوية؛ حيث تورد دول المنطقة 40 في المائة من صادرات الكبريت و20 في المائة من أسمدة النيتروجين عالمياً. وأشار إلى أن أي اضطراب طويل الأمد في هذه الإمدادات يعني تهديداً مباشراً للمواسم الزراعية العالمية والقدرة الشرائية لملايين البشر.

وأضاف: «علاوة على ذلك، أثر الصراع على القطاع غير النفطي، حيث تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بموقع استراتيجي عالمي، لا سيما في مجال الطيران والخدمات اللوجيستية».

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن بعض الدول المستوردة للنفط في المنطقة تعتمد اعتماداً كبيراً على اقتصادات الخليج في استيراد الطاقة والتدفقات المالية، مما يجعلها عرضة للخطر في حال اشتدت الحرب أو طالت مدتها.

تجربة السعودية

أكد أزعور أن أحد أبرز الدروس القاسية والملهمة التي استخلصها الاقتصاد العالمي من الحرب وإغلاق مضيق هرمز، يكمن في ضرورة «تنويع طرق التجارة» بوصفها ضمانة وجودية لاستمرار تدفق السلع والطاقة.

وفي هذا السياق، اعتبر أزعور أن النهج الذي سلكته السعودية ضمن رؤيتها الاستراتيجية لم يكن مجرد تطوير للبنية التحتية، بل كان إعادة رسم شاملة لخريطة العبور اللوجيستي؛ حيث نجحت المملكة من خلال تطوير الموانئ البديلة على البحر الأحمر، وتوسيع شبكات الربط البري والسككي، في تقليل حالة «الهشاشة» التقليدية الناتجة عن الارتباط بممر مائي واحد وضيق.

ويرى أزعور أن هذه «الرشاقة السيادية» في خلق مسارات تجارية موازية هي التي مكنت التجارة السعودية من الاستمرار بفاعلية رغم الشلل الذي أصاب ممرات إقليمية أخرى، مما حول المملكة إلى نموذج عالمي في كيفية حماية الأمن الاقتصادي عبر فك الارتباط بالممرات البحرية القابلة للتعطل الجيوسياسي، وضمان وصول الإمدادات الحيوية إلى الأسواق المحلية والدولية دون انقطاع، وهو ما يجسد نجاح المرحلة الثانية من الرؤية في تحصين الاقتصاد الوطني ضد أعنف الصدمات الجيوسياسية.

مصر

وقال أزعور إن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها مصر وتعزيزها لهوامش الأمان يمكّنان البلاد من التعامل بشكل أفضل مع الصدمات الخارجية.

وأضاف: «لقد سمحوا لسعر الصرف بأن يكون أكثر مرونة، لامتصاص أي صدمة خارجية، كما أنهم قاموا بزيادة وبناء مستوى مرتفع من الاحتياطيات بما يتيح لهم توفير مزيد من الطمأنينة للسوق».

تفاوت إقليمي

رصد التقرير تفاوتاً حاداً في القدرة على امتصاص الصدمة؛ فبينما واجهت قطر خفضاً تاريخياً في توقعات النمو بواقع 15 نقطة مئوية نتيجة تضرر بنيتها التحتية للغاز، أظهرت سلطنة عُمان صموداً بفضل موقعها الجغرافي. وعلى صعيد آخر، تزايدت الضغوط التمويلية على مصر وباكستان والأردن نتيجة ارتفاع الفوارق السيادية، مما دفع أزعور للتأكيد على جاهزية الصندوق لتقديم الدعم الفني والمالي لمواكبة متطلبات المرحلة المقبلة.

وقال أزعور: «إذا شهدنا انتعاشاً في إنتاج النفط، وفتحاً كاملاً لمضيق هرمز، فسيعني ذلك أن الدول ستزيد إنتاجها بسرعة كبيرة. كما أن مستوى أسعار النفط، المتوقع أن يبقى مرتفعاً مقارنةً بمستويات ما قبل عام 2026، سيمكن الدول المنتجة للنفط من استعادة بعض المكاسب التي تتكبدها حالياً بسبب الأزمة».


ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
TT

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم، في وقت أكد فيه أن «البنك المركزي الأميركي» في موقع يسمح له بالاستجابة للتطورات الاقتصادية المحتملة.

وأوضح ويليامز، في كلمة ألقاها أمام ندوة أعضاء «بنك الإقراض العقاري الفيدرالي» في نيويورك لعام 2026، أن «التطورات في الشرق الأوسط تؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار الطاقة؛ مما ينعكس بالفعل في زيادة التضخم العام»، وفق «رويترز».

وأضاف أنه في حال انتهاء الاضطرابات سريعاً، فإن من المرجح أن تتراجع أسعار الطاقة، «إلا إن استمرار الصراع مدة أطول قد يؤدي إلى صدمة عرض كبيرة، تدفع التضخم إلى الارتفاع عبر زيادة تكاليف السلع الوسيطة والأسعار النهائية، وفي الوقت نفسه تُضعف النشاط الاقتصادي».

وحذّر ويليامز بأن هذه العملية «بدأت بالفعل»، مشيراً إلى مؤشرات متصاعدة على اضطرابات في سلاسل الإمداد، وإلى أن ارتفاع تكاليف الوقود بدأ ينعكس على أسعار تذاكر الطيران والمواد الغذائية والأسمدة وغيرها من السلع الاستهلاكية.

ورغم هذه الضغوط، فإن ويليامز جدّد تأكيده على «الالتزام الراسخ» بإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ اثنين في المائة. وقال إنه في ظل «ظروف استثنائية»، فإن السياسة النقدية الحالية في وضع جيد يسمح بالموازنة بين مخاطر تحقيق أقصى قدر من التوظيف والحفاظ على استقرار الأسعار، من دون تقديم توجيهات واضحة بشأن الخطوة المقبلة لأسعار الفائدة.

وتتسق تصريحاته مع نهج «الترقب والانتظار» الذي يتبناه مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» في تقييم تأثير الحرب وارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد. وكان «البنك المركزي» قد أبقى سعر الفائدة دون تغيير في اجتماعه بمنتصف مارس (آذار) الماضي عند نطاق يتراوح بين 3.5 و3.75 في المائة، مع توقعات بخفض إضافي خلال العام الحالي. ومن المقرر أن يعقد اجتماعه المقبل يومي 28 و29 أبريل (نيسان) الحالي، دون توقعات بتغيير فوري في السياسة النقدية.

وفي الأيام الأخيرة، تجنب مسؤولو «الفيدرالي» تقديم إشارات واضحة بشأن مسار الفائدة على المدى القريب، رغم أن بيث هاماك، رئيسة «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند، أشارت في مقابلة مع «سي إن بي سي» إلى احتمال تحرك السياسة في أي اتجاه؛ سواء بالخفض والرفع، تبعاً لتطورات الاقتصاد.

وأشار ويليامز إلى أن الصدمة النفطية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة؛ وإيران من جهة، أسهمت في رفع التضخم العام، الذي كان أصلاً عند مستويات مرتفعة نتيجة الزيادات الكبيرة في الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات.

ويترقب مسؤولو «الفيدرالي» ما إذا كانت هذه الضغوط السعرية ستستمر، وما إذا كانت ستنعكس على التضخم الأساسي، في ظل مخاوف من سيناريو معقد يجمع بين ارتفاع التضخم وضعف النشاط الاقتصادي؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام معادلة صعبة: إما تشديد السياسة النقدية، وإما تخفيفها.

وتوقع ويليامز أن يرتفع معدل التضخم إلى ما بين 2.75 و3 في المائة خلال العام الحالي، قبل أن يتراجع تدريجياً ليصل إلى هدف اثنين في المائة بحلول عام 2027. كما رجّح أن يتراوح معدل البطالة بين 4.25 و4.5 في المائة هذا العام، مع نمو اقتصادي بين اثنين و2.5 في المائة.


تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
TT

تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)

سجّل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة انخفاضاً غير متوقع خلال شهر مارس (آذار)، منهياً بذلك شهرين متتاليين من المكاسب القوية، ومتأثراً بشكل رئيسي بتراجع إنتاج السيارات وعدد من السلع الأخرى.

وأعلن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الخميس، أن الإنتاج الصناعي تراجع بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد تعديل بيانات فبراير (شباط) لتُظهر ارتفاعاً أقوى بلغ 0.4 في المائة. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاعاً بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد زيادة سابقة قدرها 0.2 في المائة في فبراير.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.5 في المائة في مارس، فيما سجل نمواً بمعدل سنوي بلغ 3 في المائة خلال الربع الأول، متعافياً من انخفاض نسبته 3.2 في المائة في الربع الرابع. ويأتي هذا الأداء في وقت يُظهر فيه قطاع التصنيع، الذي يمثل نحو 10.1 في المائة من الاقتصاد الأميركي، مؤشرات تعافٍ تدريجي بعد الضغوط التي تعرض لها نتيجة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على الواردات.

غير أن تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران ساهم في دفع أسعار النفط إلى الارتفاع بأكثر من 35 في المائة، ما قد يضيف مزيداً من الضغوط على وتيرة التعافي الاقتصادي. وفي هذا السياق، أشار تقرير «الكتاب البيج» الصادر عن «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الأربعاء، إلى أن الصراع يُعد «مصدراً رئيسياً لعدم اليقين، بما يعقّد قرارات التوظيف والتسعير والاستثمار الرأسمالي»، حيث تبنّت العديد من الشركات نهج «الترقب والانتظار».

وسجّل إنتاج السيارات انخفاضاً حاداً بنسبة 3.7 في المائة، بعد ارتفاعه بنسبة 2.6 في المائة في فبراير، فيما تراجع إنتاج المعادن الأساسية والآلات، إضافة إلى الأثاث والمنتجات ذات الصلة. كما انخفض إنتاج السلع المعمرة بنسبة 0.2 في المائة، في حين تراجع إنتاج السلع غير المعمرة بنسبة 0.1 في المائة، رغم ارتفاع إنتاج البترول والفحم ومنتجات البلاستيك والمطاط.

وفي قطاع التعدين، انخفض الإنتاج بنسبة 1.2 في المائة بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 2.1 في المائة في فبراير، بينما تراجع إنتاج الطاقة بنسبة 1.6 في المائة مع انخفاض أنشطة حفر آبار النفط والغاز بنسبة 2.4 في المائة.

وأشار «الكتاب البيج» كذلك إلى أنه رغم تسجيل نشاط طفيف في قطاع الطاقة مطلع أبريل (نيسان)، فإن العديد من المنتجين ما زالوا متحفظين حيال توسيع عمليات الحفر، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن استدامة ارتفاع الأسعار.

أما إنتاج المرافق العامة فقد تراجع بنسبة 2.3 في المائة نتيجة انخفاض الطلب على التدفئة، بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 1.8 في المائة في فبراير. وبذلك، انخفض الإنتاج الصناعي الإجمالي بنسبة 0.5 في المائة بعد أن تم تعديل بيانات فبراير لتُظهر ارتفاعاً إلى 0.7 في المائة، مقارنة بتقدير سابق بلغ 0.2 في المائة.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.7 في المائة في مارس، وسجل نمواً قدره 2.4 في المائة خلال الربع الأول. في المقابل، تراجع معدل استغلال الطاقة الإنتاجية في القطاع الصناعي، وهو مؤشر يعكس مدى استخدام الشركات لمواردها، إلى 75.7 في المائة مقارنة بـ76.1 في المائة في فبراير، ليظل أقل بنحو 3.7 نقاط مئوية من متوسطه طويل الأجل للفترة 1972–2025.

كما انخفض معدل التشغيل في قطاع التصنيع بمقدار 0.2 نقطة مئوية ليصل إلى 75.3 في المائة، وهو أقل بنحو 2.9 نقطة مئوية من متوسطه التاريخي على المدى الطويل.