«سد النهضة» الإثيوبي و«الخيارات الحرجة»

تعثر مسار المفاوضات دفع مصر لتصعيد النزاع دولياً

«سد النهضة» الإثيوبي و«الخيارات الحرجة»
TT

«سد النهضة» الإثيوبي و«الخيارات الحرجة»

«سد النهضة» الإثيوبي و«الخيارات الحرجة»

يبدو أن انسداد الأفق الذي يواجه المسار التفاوضي بين مصر وإثيوبيا، بشأن «سد النهضة»، قد فتح الباب أمام خيارات عدة، بعضها «حرج» لم يكن مطروحاً من قبل للعلن على مدار السنوات التسع الماضية، منذ إعلان أديس أبابا تدشين السد على الرافد الرئيسي لنهر النيل بمصر. فقد أشعل الرفض الإثيوبي للتوقيع على مسودة اتفاق أميركي نهاية فبراير (شباط) الماضي «حرب تصريحات»، تراشق فيها البلدان بيانات تلقي الاتهامات على الطرف الآخر، وتعلن تمسك كل منهما بما يصفه بـ«حقوقه». وهكذا، أخذ النزاع منحنى تصاعدياً خطيراً، أعاد للأذهان تحذيرات سابقة مما يطلق عليه «حروب المياه»، كما يقول مراقبون لـ«الشرق الأوسط»، طرحوا سيناريوهات سياسية وقانونية أيضاً للحل.

تخلفت إثيوبيا عن حضور اجتماع في العاصمة الأميركية واشنطن نهاية فبراير (شباط) الماضي، كان مخصصاً لإبرام اتفاق نهائي مع مصر والسودان، بخصوص قواعد ملء وتشغيل السد الذي تبينه أديس أبابا منذ 2011.
وحدها مصر، بين الدول الثلاث، أبدت تأييدها للاتفاق، واصفة إياه بأنه «عادل متوازن». وفي حين عدت القاهرة غياب أديس أبابا «متعمداً»، بهدف «إعاقة مسار المفاوضات»، ووصفته بأنه «مخالفة صريحة للقانون والأعراف الدولية، واتفاق إعلان المبادئ المبرم عام 2015».
الرفض الإثيوبي للاتفاق الذي جاء برعاية الولايات المتحدة والبنك الدولي تزامن مع لغة دبلوماسية أعنف لمسؤوليها، بدأت بإعلانها ملء خزان السد في يوليو (تموز) المقبل، أي بعد نحو 4 أشهر فقط، وهو الموقف الذي واجهته مصر بتكثيف تحركاتها الدبلوماسية لحشد دعم دولي لموقفها الرافض لأي إجراء «أحادي» يؤدي لأضرار على حصتها المائية في مياه نهر النيل.
وإمعاناً في التعنت الإثيوبي، قال رئيس الوزراء آبي أحمد إن «سد النهضة أصبح قضية شرف وطني؛ لن نتخلى عنه». وسبق كلامه تصريح لوزير الخارجية الإثيوبي، جاء فيه أن «الأرض أرضنا، والمياه مياهنا، والمال الذي يبنى به سد النهضة مالنا، ولا قوة يمكنها منعنا من بنائه»، في خطابات شعبوية تستهدف حشد المواطنين.

- عامل توحيد وطني
تنظر إثيوبيا إلى السد بصفته عاملاً موحداً لمواطنيها الذين يعانون من صراعات إثنية وسياسية. وقالت الرئيسة ساهله - ورك زودي إن «سد النهضة الكبير هو نموذج لوحدتنا»، وأضافت: «هو أكثر من مجرد مشروع تنموي... إنه سلاحنا للتغلب على الفقر والأمل في التنمية المستقبلية».
وتقول إثيوبيا إن بناء السد الذي يتكلف نحو 4 مليارات دولار، والذي اكتمل بأكثر من 70 في المائة، ضروري من أجل تزويدها بالكهرباء، بينما تخشى مصر أن يؤثر المشروع على إمداداتها من النيل التي توفّر أكثر من 90 في المائة من المياه التي تحتاج إليها للشرب والري.
وقد شكل الغياب الإثيوبي ضربة قوية للمفاوضات التي ترعاها وزارة الخزانة الأميركية، ومعها البنك الدولي، منذ نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، خاصة بعد التوصل لمسودة اتفاق أولية. ويرى الدكتور هاني رسلان، رئيس وحدة دول حوض النيل في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن موقف إثيوبيا يوضح أنها كانت تجلس للتباحث والتفاوض طوال السنوات الماضية بـ«سوء نيه كامل»، وتمارس عملية خداع واسعة النطاق، وأنها كانت تسعى فقط لاستهلاك الوقت وإتمام بناء السد.
وكان من المنتظر أن يحسم الاتفاق النقاط الخلافية بين مصر وإثيوبيا، خاصة في قواعد ملء الخزان في وقت الجفاف والجفاف الطويل. ووفق وزير الخارجية المصري سامح شكري، فإن «المفاوضات على مدى الأشهر الماضية جرى خلالها وضع مواد محددة قانونية وفنية، شارك فيها كل من الجانب السوداني والإثيوبي بوفود كبيرة، تضم خبراء في المجالات كافة»، وتوصلت إلى «تفاهمات وتوافقات على الغالبية العظمى منها... لكن أتت إثيوبيا في الجولة قبل الأخيرة وتشككت في بعض ما كانت قد أخطرت بموافقتها عليه، بينما كان هناك توافق على كل العناصر، ومنها الاتفاق الفني المرتبط بسنوات ملء الخزان، وبأي معدل».

- أبرز النقاط الخلافية
تعد تعبئة خزان السد، الذي تصل قدرته الاستيعابية إلى 74 مليار متر مكعب من المياه، بين أبرز النقاط الخلافية. لكن شكري أكد أن بلاده أبدت «مرونة، وقبلت جدول الملء الذي طرحته إثيوبيا، ووجدت أنها تستطيع أن تتعامل مع فكرة الملء الأول الذي يستغرق عامين، ثم بقية مراحل الملء التي تستغرق 4 سنوات، وفقاً لجدول محدد».
غير أنه استدرك قائلاً: «كان من الأهمية -فيما يتعلق بالملء- إدخال قواعد مرتبطة بما إذا أتى جفاف خلال فترة الملء، وكيف يؤثر هذا الجفاف على معدلات الملء»، مشيراً إلى أنه «تمت صياغة جميع هذه المحددات، والتوافق حولها، وتحديد جداول تحدد المياه القادمة، وكمية المياه التي يتم تصريفها، سواء في ظل الظروف الطبيعية أو في ظل ظروف الجفاف، ومراعاة ظروف الجفاف، حتى لا تتأثر كل من مصر والسودان بهذا الجفاف، ويتضاعف التأثر بعملية الملء».
«المواقف الإثيوبية الأخيرة جعلتها فاقدة تماماً للمصداقية دولياً، وأظهرت بجلاء أنها لا تريد فقط توليد الطاقة، بل تتصرف بصفتها مالكة للنهر»، كما يقول رسلان، الأمر الذي «يعرّض منطقة حوض النيل الشرقي لخطر الانزلاق إلى صراع طويل المدى، بعدما أثبتت مصر طوال السنوات الماضية، وبكل الوسائل، مدى حرصها على نهج التعاون، واقتسام المصالح، والتشارك في التنمية».
ثم إن «تحليل الخطاب السياسي الإثيوبي، بتوجهاته الشعبوية، تفصح إلى أنه من غير المرجح أن تتنازل القيادة الإثيوبية عن المضي قدماً في خططها الخاصة بإتمام المشروع، والالتزام بالإطار الزمني لملء الخزان»، كما يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة الدكتور حمدي عبد الرحمن، متابعاً أنه في حالة استمرار الجمود الراهن في المسار التفاوضي، يمكن أن تبدأ إثيوبيا عملية ملء سريعة للخزان، ما قد يتسبب في نقص كبير في نصيب مصر من مياه النيل، وربما يؤثر كذلك على إنتاج الطاقة الكهربائية.
وتشير تقديرات إلى إمكانية نقص الموارد المائية في مصر بنسبة 25 في المائة، وتراجع إنتاج الطاقة الكهربائية بنسبة 30 في المائة، في حالة تبني إثيوبيا سيناريو ملء الخزان خلال فترة 5 - 7 سنوات.

- العودة إلى الإطار القانوني
ويوضح عبد الرحمن أنه لا سبيل أمام التعنت الإثيوبي سوى تصحيح المسار، والعودة إلى الإطار القانوني والسياسي الذي يحمي حقوق مصر المائية، وفقاً للقانون الدولي، وهو ما يعني التمسك بقاعدة الإخطار المسبق. وهنا، ينبغي رفض الإصرار الإثيوبي الخاص بملكيتها للنيل الأزرق، بصفته نهراً إثيوبياً خالصاً. كما ينبغي التوصل لترتيبات قانونية ومؤسسية مرنة سريعة الاستجابة في المعاهدة التي يتم التفاوض عليها بشأن سد النهضة.
واستطاعت مصر أن تحصل على ثقة البنك الدولي والولايات المتحدة. ويقول مراقبون إن موقف القاهرة، وتوقيعها بالأحرف الأولى على مسودة الاتفاق الأميركي، في مقابل التعنت الإثيوبي، والانسحاب قبل التوقيع، «ورقة رابحة» يمكن استخدامها كتبرير لأي إجراء مستقبلي تعتزم مصر القيام به.

- خلاف مصري - سوداني
ومن ناحية أخرى، طرأ تغير كبير في المعادلة، بخروج الخلاف المصري - السوداني إلى العلن، ظهر بعدم توقيع السودان على اتفاق واشنطن، تبعه تحفظ السودان على قرار مجلس وزراء الخارجية العرب، برفض المساس بالحقوق التاريخية لمصر في مياه النيل، أو الإضرار بمصالحها، وعده جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي العربي؛ وهو الموقف الذي ووجه باستنكار مصري.
وردّت الخارجية السودانية ببيان أنها فوجئت بقرار جامعة الدول العربية، وأنها تطلب من الدولتين (مصر وإثيوبيا) العودة للمفاوضات، فيما قالت الخارجية المصرية إن نص القرار وصل للسودان أول مارس (آذار)، ولم ترسل أي تعليق، وأن السودان سعى بعدها «لتفريغ النص من مضمونه».
وبدا أن القاهرة تسعى إلى احتواء خلافها مع السودان بخصوص مفاوضات سد النهضة، من خلال زيارة خاطفة أجراها رئيس المخابرات العامة المصرية اللواء عباس كامل للخرطوم، الاثنين الماضي، كان عنوانها «الاطمئنان على رئيس وزراء السودان عبد الله حمدوك بعد تعرضه لمحاولة اغتيال». ويعتقد السفير صلاح حليمة، مساعد وزير الخارجية الأسبق، أن زيارة رئيس جهاز المخابرات قد تعيد التقارب بين البلدين، فيما يتعلق بمفاوضات سد النهضة مع إثيوبيا، مشيراً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه في الغالب جرى تشاور في الملف، بهدف إزالة أي سوء فهم واستيضاح المواقف، بجانب القضايا الأمنية.
ووفق مراقبين، فإنه ما زالت أمام مصر حلول سياسية وقانونية، قبل الحديث عن أي خيارات خشنة، رغم ضيق الوقت، إذ يقول السفير جمال بيومي، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، إن مصر لم تستخدم أوراقها كافة حتى الآن، وإن إدخال الولايات المتحدة كان خطوة إيجابية، رغم تعثر الاتفاق، فقد أظهرت مصر أمام العالم تعنت إثيوبيا، وجعلت واشنطن والبنك الدولي في صفها.

- القانون الدولي
الدكتور مفيد شهاب، أستاذ القانون الدولي الوزير المصري السابق، يشير إلى أن حصة مصر من مياه النيل يحميها كثير من الاتفاقيات والمواثيق الدولية، وأن مصر ملتزمة بكل الإجراءات الدبلوماسية للحفاظ على حقوقها، نافياً احتمالية «استخدام القوة».
ويضع الخبير القانوني بدائل أمام القاهرة، منوهاً بأن إشراك وسطاء دوليين جدد أمر مطروح، وكذلك الاستعانة بمنظمات إقليمية، يعقبها طرح المسألة على الجمعية العمومية للأمم المتحدة للحصول على إدانة ضد موقف إثيوبيا.
ويقول شهاب إن الدبلوماسية المصرية تدرس كل البدائل للوصول إلى حل، وعلى المستوى نفسه تدرس إمكانية ترشيد استغلال مياه النيل، مؤكداً أن نهر النيل يعد نهراً دولياً يمر بـ11 دولة، ما يجعل استغلال مياهه مشروط بمصالح باقي الدول. ويتابع أن المفاوضات تنجح في علاج 90 في المائة من النزاعات الدولية، يليها تدخل القوى الإقليمية، ثم التحكيم أو القضاء الدولي الذي يصدر حكماً نهائياً ملزماً للأطراف.
ومن جانب آخر «تستطيع إثيوبيا تسوية الخلاف فوراً، إذا ما قررت التخلي عن تعنتها، ووقعت على الاتفاق، بينما لا تملك مصر تقديم أي تنازلات أخرى»، بحسب الدكتور نصر الدين علام، وزير الموارد المائية والري المصري الأسبق. وأضاف علام، الذي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أن أديس أبابا حصلت بالفعل على اعتراف مصر بالسد بسعته الكبيرة، وكذلك تحمل أضرار الملء، لكنها ما زالت تطمع في الحصول على حصة مائية من «النيل الأزرق» (الرافد الرئيسي لنهر النيل في مصر)، لتوسعات زراعية مستقبلية، وبناء مزيد من السدود، وهو الأمر الذي يمثل خطاً أحمر للمفاوض المصري الذي لا يمكنه التخلي عن موارد الشعب من المياه.
وحسب علام «إذا ما استمر التعثر، تمتلك مصر أوراقاً عدة، من بينها: تحييد دور الولايات المتحدة والغرب في القضية، وترويج مصر لقضيتها، بما يمكنها من تحقيق أمنها المائي، وعدم التفريط في حقوقها»، محذراً من مغبة أي تصعيد في النزاع، خاصة أن منطقة القرن الأفريقي تعاني من هشاشة أمنية، ولا تحتمل أي أزمات إقليمية، كما أن إثيوبيا لديها أزمات داخلية.

- تحديات... وقواعد
حالياً تعاني مصر من «ندرة مائية». ووفقاً لوزير الموارد المائية محمد عبد العاطي، تواجه مصر تحديات كبيرة نتيجة محدودية الموارد المائية، وزيادة الاستخدامات، التي انخفض على أثرها نصيب الفرد نتيجة النمو السكاني المتزايد لأقل من 570م3- عام، بينما من المتوقع أن تؤدي التغيرات المناخية لانخفاض كمية الأمطار، وزيادة احتياجات المحاصيل الزراعية.
ويشير الدكتور محمد سامح عمرو، خبير القانون الدولي، إلى وجود قواعد دولية لا بد من احترامها، «وعلى أي دولة تريد عمل مشروع أياً كان على النهر، أن تخطر الدول الأخرى وتتشاور معها، وتتعاون معها للوصول إلى أفضل النتائج، مع الحفاظ على مبادئ الاستخدام المنصف العادل للنهر، وعدم الإضرار بالدول الأخرى، فلا يؤدي الموقع الجغرافي لدولة إلى الإضرار بدول أخرى».
وأضاف عمرو أن قواعد استخدام مياه الأنهار أكدتها المحاكم الدولية في أكثر من قضية، ومنها حكم محكمة العدل الدولية عام 1937، في نزاع بين إسبانيا ودولة مجاورة لها، أرست خلاله المحكمة كل مبادئ استخدام الأنهار. وأردف أن محكمة العدل الدولية تناولت عدداً كبيراً من القضايا حول استخدام الأنهار خلال السنوات العشرين الأخيرة، وهذا مؤشر على وجود مشكلات في استخدام المياه، وهي قضايا في أوروبا وأفريقيا، وبشكل كبير في أميركا اللاتينية، وهذا دليل على وجود قواعد القانون الدولي.

- الخيار العسكري
رسمياً، ترفض مصر التكلم عن أي خيار عسكري للتعامل مع النزاع، بل إنها وجهت اللوم إلى أبي أحمد عندما تحدث في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي عن «استعداد بلاده لحشد الملايين للدفاع عن السد» في مواجهة أي حرب، الأمر الذي اضطره لتقديم توضيح يؤكد أنه حديثه فهم على وجه خاطئ. لكن أيضاً، رغم ذلك، فإن استبعاد التعامل العسكري تماماً في أي مرحلة مقبلة أمر غير صحيح، بحسب مراقبين يشيرون إلى تلميحات مبطنة من الجانبين -ربما مجرد تلويح أو تهديد- تؤكد استعداد كل طرف للدفاع عما يعتقد كل طرف أنه «حقوقه» إلى أبعد الحدود، أو تعرض مصر للجفاف جراء حجز المياه خلف بحيرة سد النهضة الإثيوبي.
وتتعلق تلك التلميحات باجتماعات رفيعة عقدها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع القادة العسكريين في بلاده لمراجعة استعداد وخطط تأمين البلاد مع احتدام الأزمة، وهو الأمر الذي كرره أيضاً وزراء إثيوبيا الأسبوع الماضي. وقد استبعد السيسي، في أكثر من مناسبة، اللجوء إلى الخيار العسكري، مشيراً إلى أن مصر تعول دائماً على الحلول السلمية والدبلوماسية لمشكلة سد النهضة. لكن وزير الخارجية المصرية، في حواره مع التلفزيون قبل أسبوعين، صرح بأن «القيادة المصرية، متمثلة في أجهزتها، سوف تعمل وتجد الحلول المناسبة التي تحافظ على مصلحة مصر العليا».



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.