«سد النهضة» الإثيوبي و«الخيارات الحرجة»

تعثر مسار المفاوضات دفع مصر لتصعيد النزاع دولياً

«سد النهضة» الإثيوبي و«الخيارات الحرجة»
TT

«سد النهضة» الإثيوبي و«الخيارات الحرجة»

«سد النهضة» الإثيوبي و«الخيارات الحرجة»

يبدو أن انسداد الأفق الذي يواجه المسار التفاوضي بين مصر وإثيوبيا، بشأن «سد النهضة»، قد فتح الباب أمام خيارات عدة، بعضها «حرج» لم يكن مطروحاً من قبل للعلن على مدار السنوات التسع الماضية، منذ إعلان أديس أبابا تدشين السد على الرافد الرئيسي لنهر النيل بمصر. فقد أشعل الرفض الإثيوبي للتوقيع على مسودة اتفاق أميركي نهاية فبراير (شباط) الماضي «حرب تصريحات»، تراشق فيها البلدان بيانات تلقي الاتهامات على الطرف الآخر، وتعلن تمسك كل منهما بما يصفه بـ«حقوقه». وهكذا، أخذ النزاع منحنى تصاعدياً خطيراً، أعاد للأذهان تحذيرات سابقة مما يطلق عليه «حروب المياه»، كما يقول مراقبون لـ«الشرق الأوسط»، طرحوا سيناريوهات سياسية وقانونية أيضاً للحل.

تخلفت إثيوبيا عن حضور اجتماع في العاصمة الأميركية واشنطن نهاية فبراير (شباط) الماضي، كان مخصصاً لإبرام اتفاق نهائي مع مصر والسودان، بخصوص قواعد ملء وتشغيل السد الذي تبينه أديس أبابا منذ 2011.
وحدها مصر، بين الدول الثلاث، أبدت تأييدها للاتفاق، واصفة إياه بأنه «عادل متوازن». وفي حين عدت القاهرة غياب أديس أبابا «متعمداً»، بهدف «إعاقة مسار المفاوضات»، ووصفته بأنه «مخالفة صريحة للقانون والأعراف الدولية، واتفاق إعلان المبادئ المبرم عام 2015».
الرفض الإثيوبي للاتفاق الذي جاء برعاية الولايات المتحدة والبنك الدولي تزامن مع لغة دبلوماسية أعنف لمسؤوليها، بدأت بإعلانها ملء خزان السد في يوليو (تموز) المقبل، أي بعد نحو 4 أشهر فقط، وهو الموقف الذي واجهته مصر بتكثيف تحركاتها الدبلوماسية لحشد دعم دولي لموقفها الرافض لأي إجراء «أحادي» يؤدي لأضرار على حصتها المائية في مياه نهر النيل.
وإمعاناً في التعنت الإثيوبي، قال رئيس الوزراء آبي أحمد إن «سد النهضة أصبح قضية شرف وطني؛ لن نتخلى عنه». وسبق كلامه تصريح لوزير الخارجية الإثيوبي، جاء فيه أن «الأرض أرضنا، والمياه مياهنا، والمال الذي يبنى به سد النهضة مالنا، ولا قوة يمكنها منعنا من بنائه»، في خطابات شعبوية تستهدف حشد المواطنين.

- عامل توحيد وطني
تنظر إثيوبيا إلى السد بصفته عاملاً موحداً لمواطنيها الذين يعانون من صراعات إثنية وسياسية. وقالت الرئيسة ساهله - ورك زودي إن «سد النهضة الكبير هو نموذج لوحدتنا»، وأضافت: «هو أكثر من مجرد مشروع تنموي... إنه سلاحنا للتغلب على الفقر والأمل في التنمية المستقبلية».
وتقول إثيوبيا إن بناء السد الذي يتكلف نحو 4 مليارات دولار، والذي اكتمل بأكثر من 70 في المائة، ضروري من أجل تزويدها بالكهرباء، بينما تخشى مصر أن يؤثر المشروع على إمداداتها من النيل التي توفّر أكثر من 90 في المائة من المياه التي تحتاج إليها للشرب والري.
وقد شكل الغياب الإثيوبي ضربة قوية للمفاوضات التي ترعاها وزارة الخزانة الأميركية، ومعها البنك الدولي، منذ نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، خاصة بعد التوصل لمسودة اتفاق أولية. ويرى الدكتور هاني رسلان، رئيس وحدة دول حوض النيل في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن موقف إثيوبيا يوضح أنها كانت تجلس للتباحث والتفاوض طوال السنوات الماضية بـ«سوء نيه كامل»، وتمارس عملية خداع واسعة النطاق، وأنها كانت تسعى فقط لاستهلاك الوقت وإتمام بناء السد.
وكان من المنتظر أن يحسم الاتفاق النقاط الخلافية بين مصر وإثيوبيا، خاصة في قواعد ملء الخزان في وقت الجفاف والجفاف الطويل. ووفق وزير الخارجية المصري سامح شكري، فإن «المفاوضات على مدى الأشهر الماضية جرى خلالها وضع مواد محددة قانونية وفنية، شارك فيها كل من الجانب السوداني والإثيوبي بوفود كبيرة، تضم خبراء في المجالات كافة»، وتوصلت إلى «تفاهمات وتوافقات على الغالبية العظمى منها... لكن أتت إثيوبيا في الجولة قبل الأخيرة وتشككت في بعض ما كانت قد أخطرت بموافقتها عليه، بينما كان هناك توافق على كل العناصر، ومنها الاتفاق الفني المرتبط بسنوات ملء الخزان، وبأي معدل».

- أبرز النقاط الخلافية
تعد تعبئة خزان السد، الذي تصل قدرته الاستيعابية إلى 74 مليار متر مكعب من المياه، بين أبرز النقاط الخلافية. لكن شكري أكد أن بلاده أبدت «مرونة، وقبلت جدول الملء الذي طرحته إثيوبيا، ووجدت أنها تستطيع أن تتعامل مع فكرة الملء الأول الذي يستغرق عامين، ثم بقية مراحل الملء التي تستغرق 4 سنوات، وفقاً لجدول محدد».
غير أنه استدرك قائلاً: «كان من الأهمية -فيما يتعلق بالملء- إدخال قواعد مرتبطة بما إذا أتى جفاف خلال فترة الملء، وكيف يؤثر هذا الجفاف على معدلات الملء»، مشيراً إلى أنه «تمت صياغة جميع هذه المحددات، والتوافق حولها، وتحديد جداول تحدد المياه القادمة، وكمية المياه التي يتم تصريفها، سواء في ظل الظروف الطبيعية أو في ظل ظروف الجفاف، ومراعاة ظروف الجفاف، حتى لا تتأثر كل من مصر والسودان بهذا الجفاف، ويتضاعف التأثر بعملية الملء».
«المواقف الإثيوبية الأخيرة جعلتها فاقدة تماماً للمصداقية دولياً، وأظهرت بجلاء أنها لا تريد فقط توليد الطاقة، بل تتصرف بصفتها مالكة للنهر»، كما يقول رسلان، الأمر الذي «يعرّض منطقة حوض النيل الشرقي لخطر الانزلاق إلى صراع طويل المدى، بعدما أثبتت مصر طوال السنوات الماضية، وبكل الوسائل، مدى حرصها على نهج التعاون، واقتسام المصالح، والتشارك في التنمية».
ثم إن «تحليل الخطاب السياسي الإثيوبي، بتوجهاته الشعبوية، تفصح إلى أنه من غير المرجح أن تتنازل القيادة الإثيوبية عن المضي قدماً في خططها الخاصة بإتمام المشروع، والالتزام بالإطار الزمني لملء الخزان»، كما يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة الدكتور حمدي عبد الرحمن، متابعاً أنه في حالة استمرار الجمود الراهن في المسار التفاوضي، يمكن أن تبدأ إثيوبيا عملية ملء سريعة للخزان، ما قد يتسبب في نقص كبير في نصيب مصر من مياه النيل، وربما يؤثر كذلك على إنتاج الطاقة الكهربائية.
وتشير تقديرات إلى إمكانية نقص الموارد المائية في مصر بنسبة 25 في المائة، وتراجع إنتاج الطاقة الكهربائية بنسبة 30 في المائة، في حالة تبني إثيوبيا سيناريو ملء الخزان خلال فترة 5 - 7 سنوات.

- العودة إلى الإطار القانوني
ويوضح عبد الرحمن أنه لا سبيل أمام التعنت الإثيوبي سوى تصحيح المسار، والعودة إلى الإطار القانوني والسياسي الذي يحمي حقوق مصر المائية، وفقاً للقانون الدولي، وهو ما يعني التمسك بقاعدة الإخطار المسبق. وهنا، ينبغي رفض الإصرار الإثيوبي الخاص بملكيتها للنيل الأزرق، بصفته نهراً إثيوبياً خالصاً. كما ينبغي التوصل لترتيبات قانونية ومؤسسية مرنة سريعة الاستجابة في المعاهدة التي يتم التفاوض عليها بشأن سد النهضة.
واستطاعت مصر أن تحصل على ثقة البنك الدولي والولايات المتحدة. ويقول مراقبون إن موقف القاهرة، وتوقيعها بالأحرف الأولى على مسودة الاتفاق الأميركي، في مقابل التعنت الإثيوبي، والانسحاب قبل التوقيع، «ورقة رابحة» يمكن استخدامها كتبرير لأي إجراء مستقبلي تعتزم مصر القيام به.

- خلاف مصري - سوداني
ومن ناحية أخرى، طرأ تغير كبير في المعادلة، بخروج الخلاف المصري - السوداني إلى العلن، ظهر بعدم توقيع السودان على اتفاق واشنطن، تبعه تحفظ السودان على قرار مجلس وزراء الخارجية العرب، برفض المساس بالحقوق التاريخية لمصر في مياه النيل، أو الإضرار بمصالحها، وعده جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي العربي؛ وهو الموقف الذي ووجه باستنكار مصري.
وردّت الخارجية السودانية ببيان أنها فوجئت بقرار جامعة الدول العربية، وأنها تطلب من الدولتين (مصر وإثيوبيا) العودة للمفاوضات، فيما قالت الخارجية المصرية إن نص القرار وصل للسودان أول مارس (آذار)، ولم ترسل أي تعليق، وأن السودان سعى بعدها «لتفريغ النص من مضمونه».
وبدا أن القاهرة تسعى إلى احتواء خلافها مع السودان بخصوص مفاوضات سد النهضة، من خلال زيارة خاطفة أجراها رئيس المخابرات العامة المصرية اللواء عباس كامل للخرطوم، الاثنين الماضي، كان عنوانها «الاطمئنان على رئيس وزراء السودان عبد الله حمدوك بعد تعرضه لمحاولة اغتيال». ويعتقد السفير صلاح حليمة، مساعد وزير الخارجية الأسبق، أن زيارة رئيس جهاز المخابرات قد تعيد التقارب بين البلدين، فيما يتعلق بمفاوضات سد النهضة مع إثيوبيا، مشيراً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه في الغالب جرى تشاور في الملف، بهدف إزالة أي سوء فهم واستيضاح المواقف، بجانب القضايا الأمنية.
ووفق مراقبين، فإنه ما زالت أمام مصر حلول سياسية وقانونية، قبل الحديث عن أي خيارات خشنة، رغم ضيق الوقت، إذ يقول السفير جمال بيومي، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، إن مصر لم تستخدم أوراقها كافة حتى الآن، وإن إدخال الولايات المتحدة كان خطوة إيجابية، رغم تعثر الاتفاق، فقد أظهرت مصر أمام العالم تعنت إثيوبيا، وجعلت واشنطن والبنك الدولي في صفها.

- القانون الدولي
الدكتور مفيد شهاب، أستاذ القانون الدولي الوزير المصري السابق، يشير إلى أن حصة مصر من مياه النيل يحميها كثير من الاتفاقيات والمواثيق الدولية، وأن مصر ملتزمة بكل الإجراءات الدبلوماسية للحفاظ على حقوقها، نافياً احتمالية «استخدام القوة».
ويضع الخبير القانوني بدائل أمام القاهرة، منوهاً بأن إشراك وسطاء دوليين جدد أمر مطروح، وكذلك الاستعانة بمنظمات إقليمية، يعقبها طرح المسألة على الجمعية العمومية للأمم المتحدة للحصول على إدانة ضد موقف إثيوبيا.
ويقول شهاب إن الدبلوماسية المصرية تدرس كل البدائل للوصول إلى حل، وعلى المستوى نفسه تدرس إمكانية ترشيد استغلال مياه النيل، مؤكداً أن نهر النيل يعد نهراً دولياً يمر بـ11 دولة، ما يجعل استغلال مياهه مشروط بمصالح باقي الدول. ويتابع أن المفاوضات تنجح في علاج 90 في المائة من النزاعات الدولية، يليها تدخل القوى الإقليمية، ثم التحكيم أو القضاء الدولي الذي يصدر حكماً نهائياً ملزماً للأطراف.
ومن جانب آخر «تستطيع إثيوبيا تسوية الخلاف فوراً، إذا ما قررت التخلي عن تعنتها، ووقعت على الاتفاق، بينما لا تملك مصر تقديم أي تنازلات أخرى»، بحسب الدكتور نصر الدين علام، وزير الموارد المائية والري المصري الأسبق. وأضاف علام، الذي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أن أديس أبابا حصلت بالفعل على اعتراف مصر بالسد بسعته الكبيرة، وكذلك تحمل أضرار الملء، لكنها ما زالت تطمع في الحصول على حصة مائية من «النيل الأزرق» (الرافد الرئيسي لنهر النيل في مصر)، لتوسعات زراعية مستقبلية، وبناء مزيد من السدود، وهو الأمر الذي يمثل خطاً أحمر للمفاوض المصري الذي لا يمكنه التخلي عن موارد الشعب من المياه.
وحسب علام «إذا ما استمر التعثر، تمتلك مصر أوراقاً عدة، من بينها: تحييد دور الولايات المتحدة والغرب في القضية، وترويج مصر لقضيتها، بما يمكنها من تحقيق أمنها المائي، وعدم التفريط في حقوقها»، محذراً من مغبة أي تصعيد في النزاع، خاصة أن منطقة القرن الأفريقي تعاني من هشاشة أمنية، ولا تحتمل أي أزمات إقليمية، كما أن إثيوبيا لديها أزمات داخلية.

- تحديات... وقواعد
حالياً تعاني مصر من «ندرة مائية». ووفقاً لوزير الموارد المائية محمد عبد العاطي، تواجه مصر تحديات كبيرة نتيجة محدودية الموارد المائية، وزيادة الاستخدامات، التي انخفض على أثرها نصيب الفرد نتيجة النمو السكاني المتزايد لأقل من 570م3- عام، بينما من المتوقع أن تؤدي التغيرات المناخية لانخفاض كمية الأمطار، وزيادة احتياجات المحاصيل الزراعية.
ويشير الدكتور محمد سامح عمرو، خبير القانون الدولي، إلى وجود قواعد دولية لا بد من احترامها، «وعلى أي دولة تريد عمل مشروع أياً كان على النهر، أن تخطر الدول الأخرى وتتشاور معها، وتتعاون معها للوصول إلى أفضل النتائج، مع الحفاظ على مبادئ الاستخدام المنصف العادل للنهر، وعدم الإضرار بالدول الأخرى، فلا يؤدي الموقع الجغرافي لدولة إلى الإضرار بدول أخرى».
وأضاف عمرو أن قواعد استخدام مياه الأنهار أكدتها المحاكم الدولية في أكثر من قضية، ومنها حكم محكمة العدل الدولية عام 1937، في نزاع بين إسبانيا ودولة مجاورة لها، أرست خلاله المحكمة كل مبادئ استخدام الأنهار. وأردف أن محكمة العدل الدولية تناولت عدداً كبيراً من القضايا حول استخدام الأنهار خلال السنوات العشرين الأخيرة، وهذا مؤشر على وجود مشكلات في استخدام المياه، وهي قضايا في أوروبا وأفريقيا، وبشكل كبير في أميركا اللاتينية، وهذا دليل على وجود قواعد القانون الدولي.

- الخيار العسكري
رسمياً، ترفض مصر التكلم عن أي خيار عسكري للتعامل مع النزاع، بل إنها وجهت اللوم إلى أبي أحمد عندما تحدث في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي عن «استعداد بلاده لحشد الملايين للدفاع عن السد» في مواجهة أي حرب، الأمر الذي اضطره لتقديم توضيح يؤكد أنه حديثه فهم على وجه خاطئ. لكن أيضاً، رغم ذلك، فإن استبعاد التعامل العسكري تماماً في أي مرحلة مقبلة أمر غير صحيح، بحسب مراقبين يشيرون إلى تلميحات مبطنة من الجانبين -ربما مجرد تلويح أو تهديد- تؤكد استعداد كل طرف للدفاع عما يعتقد كل طرف أنه «حقوقه» إلى أبعد الحدود، أو تعرض مصر للجفاف جراء حجز المياه خلف بحيرة سد النهضة الإثيوبي.
وتتعلق تلك التلميحات باجتماعات رفيعة عقدها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع القادة العسكريين في بلاده لمراجعة استعداد وخطط تأمين البلاد مع احتدام الأزمة، وهو الأمر الذي كرره أيضاً وزراء إثيوبيا الأسبوع الماضي. وقد استبعد السيسي، في أكثر من مناسبة، اللجوء إلى الخيار العسكري، مشيراً إلى أن مصر تعول دائماً على الحلول السلمية والدبلوماسية لمشكلة سد النهضة. لكن وزير الخارجية المصرية، في حواره مع التلفزيون قبل أسبوعين، صرح بأن «القيادة المصرية، متمثلة في أجهزتها، سوف تعمل وتجد الحلول المناسبة التي تحافظ على مصلحة مصر العليا».



الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)
TT

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)

تلقى منصور عباس مساء الخميس اتصالاً من أحد المقربين من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، محاولاً جس نبضه إن كان مستعداً لترك معسكر غادي آيزنكوت والانضمام إليه في الجهود لتشكيل حكومة وحدة وطنية، وما الثمن الذي يطلبه لقاء ذلك. وحدّد رسول نتنياهو السؤال أكثر: «هل سترغب في الانضمام للحكومة وتحظى بمنصب وزير أو ستكتفي بالدعم من الخارج مقابل ميزانيات ومطالب مدنية محددة؟». مَن يقرأ هذه الكلمات يستصعب تصديقها؛ لأن هذا الاتصال جاء في وقت كانت فيه إسرائيل تغلي كالمرجل بسبب الحملة التي شنها نتنياهو على الأحزاب العربية لتجريدها من شرعيتها، ولتخويف آيزنكوت من التفكير في تشكيل حكومة بمساندتها. لقد كانت وسائل الإعلام غارقة في متابعة «قطر غيت» ثانية؛ إذ أعلن «الشاباك» أنه «يحقق في معلومات عن تدخّل قطر ودول أخرى في الانتخابات الإسرائيلية عبر تمويل بعشرات ملايين الشواقل»، لكن تبين أن القصة غير جادة ولم تؤثر على نتائج الانتخابات. وكانت مشغولة أيضاً في اتهامات حول تزوير الانتخابات لدى العرب، وهذا أيضاً لم يثبت. ولجنة الانتخابات أكدت أنه لا يوجد شك في نزاهة الانتخابات لدى العرب. لكن نتنياهو نجح في إثارة عاصفة مخيفة.

كان واضحاً أن بنيامين نتنياهو ليس مهتماً حقاً بالدعم الخارجي للأحزاب العربية ولا أي أحزاب؛ فجميع الأحزاب الإسرائيلية تحصل على دعم خارجي، وهو نفسه يتباهى بالدعم الخارجي الذي يحصل عليه معنوياً ومالياً من عدة جهات في اليمين الأميركي، ويعرف أن الدعم الذي حصل عليه من الرئيس دونالد ترمب لا يقدّر بثمن. لكن القضية هي أن نتنياهو يقرأ جيداً نتائج الانتخابات ويدرك أنه خسرها.

صحيح أنه حقق نتائج أفضل مما كان متوقعاً؛ فالاستطلاعات كانت تشير إلى أنه سيخسر ربع قوته، لكنه وفق النتائج النهائية وشبه الرسمية، التي أعلنتها لجنة الانتخابات، خسر خُمس قوته، ولن يكون بمقدوره العودة إلى الحكم بحكومة يمين كامل.

وهذه النتائج تشير بوضوح إلى أن الجمهور الإسرائيلي يريد بغالبيته تغيير هذه الحكومة؛ إذ منح أكثرية 67 مقعداً من مجموع 120 مقعداً للمعسكر المناوئ بقيادة غادي آيزنكوت.

جبارين (الأناضول)

النتائج التفصيلية

بعد فرز 100 بالمائة من مجمل أصوات انتخابات الكنيست، بما يشمل المغلفات المزدوجة، أعلنت لجنة الانتخابات المركزية النتائج شبه الرسمية (النتائج الرسمية تسلّم لرئيس الدولة يوم الأربعاء المقبل)، ويتّضح منها أن معسكر نتنياهو استقر عند 53 مقعداً، في حين استقر معسكر أحزاب المعارضة الصهيونية عند 48 مقعداً، بالإضافة إلى 19 مقعداً للقائمتين العربيتين («المشتركة» بـ11 مقعداً، و«الموحّدة» بـ8 مقاعد).

من جهة ثانية، تبين أن أصوات الجنود والمرضى في المستشفيات أحدثت تغييرات طفيفة داخل المعسكرات؛ فبسببها خسرت «القائمة العربية المشتركة» مقعداً واحداً ربحته «القائمة العربية الموحّدة»، وخسر حزب «شاس» الحريدي الشرقي مقعداً ربحه «الليكود». وبناء عليه، ستتوزّع المقاعد كما يلي: «الليكود» بقيادة نتنياهو 27 مقعداً (1.16 مليون صوت)، و«يشار» بقيادة آيزنكوت 21 مقعداً (910 آلاف صوت)، و«بياحد» بقيادة نفتالي بينيت ويائير لبيد 12 مقعداً (529 ألفاً)، و«القائمة المشتركة» بقيادة يوسف جبارين وأحمد الطيبي وسامي أبو شحادة 11 مقعداً (499 ألفاً)، و«الديمقراطيون» بقيادة يائير غولان 8 مقاعد (458 ألفاً)، و«القائمة الموحّدة» بقيادة منصور عباس 8 مقاعد (336 ألفاً)، و«يسرائيل بيتينو» بقيادة أفيغدور ليبرمان 7 مقاعد (322 ألفاً)، و«يهدوت هتوراه» للحريديم الأشكناز 7 مقاعد (311 ألفاً)، و«عوتسما يهوديت» بقيادة إيتمار بن غفير 7 مقاعد (325 ألفاً)، و«شاس» بقيادة أرييه درعي 6 مقاعد (298 ألفاً)، و«الصهيونية الدينية» بقيادة بتسلئيل سموتريتش 6 مقاعد (288 ألف صوت).

بحسب لجنة الانتخابات، بلغت نسبة التصويت 77.7 بالمائة؛ إذ كان عدد المقترعين 5.697.290 مقترعاً (من مجموع 7.3 مليون صاحب حق اقتراع)، وعدد صناديق الاقتراع 12.884 صندوقاً. وقد أُلغي 25 ألفاً و756 صوتاً، وبقي 5.671.534 صوتاً صحيحاً.

وفي قراءة أولية لهذه النتائج، يتضح أن حزب نتنياهو زاد عدد أصواته من 1.11 مليون صوت عام 2022 إلى 1.16 ألف؛ أي بزيادة 48 ألف صوت جديد. لكن عدد المقاعد التي حصل عليها في الانتخابات السابقة بلغ 32 مقعداً (لا تشمل 4 مقاعد جلبها إليه جدعون ساعر عندما انشق عن بيني غانتس)، وهبط في هذه الانتخابات إلى 27 مقعداً. والسبب في هذا الهبوط يعود إلى الارتفاع الكبير في نسبة التصويت. وحصل هذا الارتفاع بسبب التجنيد الكبير للقوى التي قرّرت إسقاط نتنياهو، وفي مقدمتهم العرب، الذين ارتفعت نسبة التصويت لديهم من 53 بالمائة في 2022 إلى 80 بالمائة هذه المرة.

الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق.. ونتنياهو ليس المفضّل لكنه يتمتع بجوانب يتمسكون بها

حصة نتنياهو

عملياً، كانت خسارة نتنياهو كبيرة على صعيد الحصص في معسكره (من 68 إلى 53 مقعداً). وأيضاً تراجع حزب «شاس» من 11 مقعداً إلى 6 مقاعد، ما يعد انهياراً؛ فهذا الحزب، الذي استقطب سابقاً معظم أصوات اليهود الشرقيين، ووصل إلى 17 مقعداً، يعاني اليوم من أزمة ثقة مع القيادة. وهو حزب فقر وفقراء، يعمل في مدارسه عشرات الألوف، لكن لا توجد مراقبة على حساباته. وجمهوره يتهم القيادات بالفساد (يحصل هذا الحزب مع حزب الحريديم الأشكناز على 11 مليار شيقل)؛ لأن المواطنين، بمن فيهم أعضاء الحزب، لا يشعرون بهذه الأموال.

الجناحان المتطرفان للمستوطنين خسرا أيضاً بعض قوتَيهما؛ إذ حصلا معاً على 14 مقعداً في الانتخابات السابقة، وهبطا حالياً إلى 13 (سموتريتش هبط من 8 إلى 6 مقاعد، وبن غفير ارتفع من 6 إلى 7 مقاعد، مع العلم أن الاستطلاعات كانت تمنح بن غفير 9 و10 مقاعد قبل شهرين).

وتتهم أحزاب اليمين نتنياهو بإدارة حملة منظّمة في الأسبوع الأخير من المعركة الانتخابية هدفها أن يصبح أكبر حزب، ولهذا الغرض «شفط» منها عشرات ألوف الأصوات وتسبب في تقليص قوتها.

معسكر آيزنكوت

في المقابل، تمكن آيزنكوت من إقناع الجمهور، ولو جزئياً، بأنه أفضل مَن يهزم نتنياهو. ومع أن حزبه يبلغ من العمر 13 شهراً فقط، وهو شخصياً يفتقر للكاريزما المطلوبة للشارع الإسرائيلي، تمكن من اقتحام معاقل «الليكود» وبعض قلاع الأحزاب الدينية، وحصل على 21 مقعداً، ورسّخ مكانته كأكبر أحزاب المعارضة، رغم أن حلفاءه في المعسكر (نفتالي بينيت ويائير لبيد وأفيغدور ليبرمان) رفضوا قبوله رئيساً للمعسكر، ومنعوه من الظهور كمرشح عنه لرئاسة الحكومة. وحتى بعد ظهور النتائج شبه الرسمية لا يعلن هؤلاء أنهم سيوصون رئيس الدولة بتكليفه بتشكيل الحكومة. وسيضطر إلى إدارة مفاوضات معهم في الموضوع.

وأما حزب «بياحد»، الذي كان يتمثل بـ24 مقعداً، فقد هبط إلى 12 مقعداً فقط، مع أن الاستطلاعات منحته 14 مقعداً في الأسبوع الأخير. في حين حصل ليبرمان على 7 مقاعد (كان لديه 6 مقاعد)، بعدما حصل في الشهور الأخيرة على 12 مقعداً في الاستطلاعات.

آيزنكوت (أ.ف.ب)

مفاجأة الانتخابات

في المقابل، كان العرب مفاجأة الانتخابات، أكان ذلك بنسبة التصويت (التي بلغت 80 بالمائة)، أم عدد المقاعد (إذ قفزوا من 10 مقاعد إلى 19 مقعداً). وهكذا ساهموا بقوة في إسقاط حكومة نتنياهو، والرد على محاولات القمع والكبت والتهميش والعنصرية، وأظهروا حضوراً لافتاً في الساحة السياسية.

وأيضاً، بخوضهم المعركة الانتخابية بقائمتين؛ «المشتركة» (التي تضم ثلاثة أحزاب)، و«الموحّدة» (التي تضم «الحركة الإسلامية» التي تحالفت مع ضابط شرطة كبير سابق)، تمكنوا من تجنّب إضاعة أي صوت. وحقاً، أوصلوا رسالة مجلجلة للمجتمع اليهودي بأنهم يواجهون بلا خوف الخطاب العنصري ضدهم، مؤكدين أنهم لا يضعون شروطاً قاسية على آيزنكوت.

من جهة ثانية، لم يُعرف بعد كيف رد منصور عباس على مقترح نتنياهو، لكنه اجتمع مع يائير غولان وتحدث إلى لبيد ومقربين من آيزنكوت. وأكد التزامه بالخطوات المقررة لإقالة رئيس الكنيست. فإذا تمكن من عقد لقاء مع نتنياهو أو مقرب منه، وكُشف الأمر للإعلام، سيساعد آيزنكوت على تشكيل حكومة تستند إلى العرب (قسم من داخل الحكومة وقسم من خارجها).

وما يُذكر هنا أن حزب «الديمقراطيين» - مع أنه حصل على 8 مقاعد فقط - خرج بقوة إلى العمل، واجتمع مع لبيد وعباس في محاولة للتقدّم نحو تشكيل حكومة أقلية، تضم «القائمة العربية الموحّدة». ويقول: «نحن مع (القائمة الموحّدة) 55 نائباً، مقابل معسكر نتنياهو المؤلف من 53 نائباً. ولدينا احتياطي ممثل في (القائمة المشتركة)، بـ11 نائباً؛ أي إنها تقف جسماً مانعاً أمام أي محاولة لنتنياهو لإسقاط الحكومة».

وهكذا، باختصار، أظهرت نتائج الانتخابات ما يلي:

أولاً: فشل الاستطلاعات.

ثانياً: فشل نتنياهو؛ إذ خسر خُمس قوة معسكره اليميني المتطرف، وليس بمقدوره العودة لتشكيل حكومة يمين خالص.

ثالثاً: ما زالت إسرائيل تعاني من أزمة قيادة؛ إذ لا وجود لزعيم «كاريزمي» يستطيع جرف الجمهور إلى جانبه، مثل بن غوريون أو مناحيم بيغن أو أرئيل شارون، أو حتى إيهود باراك.

رابعاً: ينتظر الجمهور اليميني اليوم أن ينجح نتنياهو في حملته ضد العرب ليمنع آيزنكوت من تشكيل حكومة معهم. وفي المقابل، ينتظر جمهور اليمين الوسط والليبراليون أن يشد آيزنكوت أزره ويشكّل حكومة مستقرة؛ إذ يوجد لديه الآن 67 نائباً مستعدون لتتويجه رئيس حكومة.


رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
TT

رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)

لقد فرضت نتائج الانتخابات الإسرائيلية على المجتمع اليهودي وأحزابه وقادته أن ينظروا إلى أنفسهم بالمرآة، فيما يتعلق بموقفهم من العرب. ففي السنوات الأولى لقيام الدولة العبرية، جرت عدة مداولات، كشف عنها النقاب بعد عدة عقود، موضوعها هل بقاء عرب في إسرائيل كان صحيحاً أم خطأ فاحشاً؟ كان هناك من قرر أنه خطأ جسيم. كما وضعت عدة خطط لترحيلهم، من بينها ارتكاب مجزرة كفر قاسم عام 1956.

وعام 1973، كشف الجنرال أهارون يريف، الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية، عن مخطط لدى الجيش الإسرائيلي لترحيل 600 – 700 فلسطيني من الضفة الغربية ومن الجليل في أول حرب تواجه إسرائيل.

لكن عام 1993، عندما احتاج إسحاق رابين إلى العرب لحماية حكومته من السقوط، تحالف مع الحزبين العربيين («الجبهة» بقيادة توفيق زياد و«الحزب الديمقراطي العربي» بقيادة عبد الوهاب دراوشة) اللذين تحوّلا إلى جسم مانع في وجه اليمين، ودعماه من خارج الحكومة.

في حينه أيضاً، تعرض رابين إلى هجمة شبيهة بالهجمة التي يواجهها آيزنكوت اليوم لاستناده إلى العرب. وفي تلك الفترة أيضاً، قاد الهجمة العنصرية نتنياهو نفسه. لكن رابين واجه تلك الهجمة بقوة، وقال: «عار ألا يتعامل اليهود مع العرب بمساواة... نحن اليهود عشنا تحت الظلم والتمييز والعنصرية مئات السنين في أوروبا. ولا يجوز لنا أن ننبذ العرب خارج الصفوف، ونتعامل معهم بعنصرية».

حتى نتنياهو، عندما احتاج إلى العرب لتثبيت حكومته عام 2015، تكلم عن العرب بطريقة مختلفة. واعتذر لهم على أنه تكلم يوم الانتخابات ضد تدفقهم إلى الصناديق. وبثّ شريط فيديو يقول فيه ما يلي: «مواطنينا العرب الأعزاء (بعدما قالها بالعبرية، أعادها بالعربية المكسّرة: مواتنونا العرب الأعزاء)، قبل أن يتم انتخابي قلت إن مواطنينا العرب تدفّقوا بجماهيرهم إلى صناديق الاقتراع. رغم أنني كنت أقصد حزباً سياسياً محدداً، فإن بعض المواطنين العرب شعروا أنني مسست بهم، وأفهم ذلك. اعتذرت عن الشكل الذي فهمت فيه أقوالي. أكثر من 20 في المائة من مواطنينا هم عرب. وأنتم وصلتم إلى إنجازات مذهلة. قضاة في المحكمة العليا وأعضاء كنيست. أدباء ذوو سمعة. أطباء وصيادلة ورجال أعمال وأصحاب شركات في الهايتك وعلماء. أنا أعتز بالدور الذي تقومون به لنجاح إسرائيل. وأريد أن يكبر دوركم أكثر. إن احترام الأقليات ليس الأمر الصحيح فقط، الذي يجب أن نقوم به، بل هو أمر حيوي لنا ولتقدمنا». وبعد هذا الموقف، صادقت حكومته على خطة لتطوير البلدات العربية بقيمة 5 مليارات شيكل (1.5 مليار دولار).

وعام 2021، عاد نتنياهو إلى تصريحات مشابهة، عندما تفاوض مع منصور عباس على التحالف ودعم حكومته، لكنه تراجع لأن حزب سموتريتش فرض «الفيتو» وهدّد بإسقاط الحكومة. فتوجّه عباس إلى بنيت ولبيد وأقام معهما تحالفاً. ويومها رفض عباس أن يكون جزءاً من الحكومة، لكنه كان جزءاً من الائتلاف البرلماني (في الكنيست). ولم تطل هذه التجربة، إذ تمكن نتنياهو من إسقاط الحكومة بعد 1.5 سنة، لكنها اعتبرت تجربة بالغة الأهمية. ويحاول عباس اليوم تكرارها.

كثيرون من أنصار السلام في إسرائيل يعيدون هذه الأيام نشر الفيديوهات الإيجابية التي تظهر تصريحات رابين ونتنياهو المذكورة أعلاه، لغرض تشجيع آيزنكوت على مواصلة هذا التوجه السليم. وفي هذه الأثناء، أجري استطلاع رأي، الخميس، قال فيه 59 في المائة من ناخبي معسكر آيزنكوت إنهم يؤيدون تشكيل حكومة مع العرب.

بالتالي، القضية اليوم المطروحة بعد نشر نتائج الانتخابات هي؛ هل سيتغلب آيزنكوت على حملة نتنياهو العنصرية، ويثبت أنه قائد قوي وجريء، ويقيم التحالف الذي يضمن له احترام إرادة الناخب وإسقاط حكم نتنياهو.

صحيح أن الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق ويهيمن على كل زاوية ويغرقهم في كراهية جنونية للعرب، وصحيح أيضاً أن الجمهور لم يعد يرى في نتنياهو القائد المفضل، لكن نتنياهو يتمتع بجوانب قوة يتمسكون بها، ولا يجدونها بعد لدى آيزنكوت وغيره من الجنرالات الذين اهتزت بهم ثقة الناس.


السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟
TT

السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) وقفت إليسا سلوتكين إلى جانب المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عبدول (عبد الرحمن) السيد، في لقاء انتخابي بمدينة وارن بولاية ميشيغان. في هذا اللقاء بالمدينة - بضواحي مدينة ديترويت - كانت السيناتورة اليهودية ذات الخلفية الاستخباراتية والمواقف الوسطية، تدعم مرشحاً مسلماً تقدمياً تختلف معه في قضايا خارجية، وتتحفظ عليه شخصيات يهودية بسبب مواقفه من إسرائيل. بالنسبة إليها، كان المشهد فرصة لإثبات إمكانية العمل المشترك رغم الخلاف. وبالنسبة إلى حزبها، كان اختباراً لقدرة مكوّناته على البقاء معاً عشية انتخابات قد تعيد توزيع السلطة في واشنطن. ومع أن سلوتكين لا تخوض انتخابات تجديد مقعدها الثلاثاء المقبل، لكن موقعها السياسي يخضع لاختبار من نوع آخر.

السيناتورة إليسا سلوتكين، التي فازت عام 2024 في ولاية ميشيغان بشمال الولايات المتحدة التي اختارت يومذاك دونالد ترمب للرئاسة، تحاول اليوم المساهمة في إنقاذ الائتلاف الذي حملها إلى واشنطن. وهي بين خبرتها الأمنية، وهويّتها اليهودية، وعلاقتها بناخبين عرب ومسلمين، وطموحها الوطني المحتمل، تتشكّل شخصية استثنائية قد يصبح تأثيرها أكبر من عمر تجربتها القصيرة في مجلس الشيوخ.

جذور ومسارات

ولدت إليسا سلوتكين في مدينة نيويورك يوم 10 يوليو (تموز) 1976، ونشأت في ميشيغان حيث ارتبط تاريخ عائلتها بمزرعة في بلدة هولي وبشركة «هايغريد فودز» لتعليب اللحوم. ومن أشهر منتجات الشركة نقانق «بول بارك» التي ارتبطت بمدرّجات ملعب الـ«تايغر» التابع لنادي ديترويت تايغرز لكرة القاعدة (البيسبول) في مدينة ديترويت.

هذه تفاصيل تستحضرها سلوتكين في موقعها الرسمي عن سيرتها، لربط سيرة العائلة بتاريخ الولاية الصناعي وحياتها اليومية، بعيداً عن الصورة المجرّدة لموظفة أمن قومي سابقة آتية من واشنطن.

درست السيناتورة المستقبلية في جامعتين من أرقى جامعات أميركا، فحازت بكالوريوس في علم الاجتماع الريفي من جامعة كورنيل، ثم ماجستير العلاقات الدولية من جامعة كولومبيا عام 2003.

وبين الاختصاصين مسافة تبدو حاضرة في خطابها. اهتمام بالمجتمعات المحلية ومصادر عيشها، وانشغال بموقع الولايات المتحدة وأخطار العالم. لكنها لم تدخل السياسة الانتخابية مباشرة بعد تخرّجها من الجامعة، بل أمضت سنوات في مؤسسات اعتاد أن يعمل موظفوها بعيداً عن الجمهور.

بحسب روايتها، وقعت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) خلال أسبوعها الأول في نيويورك لبدء الدراسات العليا، فدفعتها إلى اختيار العمل الأمني. وبالفعل، التحقت بوكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) محللة لشؤون الشرق الأوسط، ثم أرسلت إلى بغداد في أولى 3 مهمات بالعراق.

لم تكن يومذاك عسكرية، بل عملت إلى جانب القوات والدبلوماسيين الأميركيين، في بيئة تداخلت فيها المعلومات الاستخباراتية بالمواجهات المسلحة وصراعات النفوذ.

ومن العراق، انتقلت إلى وظائف في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية و«البنتاغون» (وزارة الحرب)، وخدمت في إدارتي جورج بوش الابن وباراك أوباما. ووصلت إلى منصب مساعد وزير الدفاع بالإنابة لشؤون الأمن الدولي.

هذه الخبرة منحت سلوتكين مادة سياسية مميّزة، وبالفعل قدّمت نفسها كموظفة خدمت الدولة تحت رئيسين من حزبين مختلفين، قبل أن تغدو ممثّلة منتخبة لأحدهما. لكنها أيضاً ارتبطت بمؤسّسة أمنية تواجه أسئلة متراكمة عن نتائج الحروب الأميركية وحدودها.

الأم والسياسةإذا كان العراق قد صاغ خبرة إليسا سلوتكين المهنية، فإن مرض والدتها شكّل العامل الشخصي الذي دفعها لدخول السياسة، بحسب روايتها. إذ شُخصت إصابة والدتها بسرطان المبيض في مرحلة متقدمة عام 2009، عندما كانت بلا تأمين صحي، وبعدما جعل تاريخ الإصابة بسرطان الثدي تكلفة التغطية المالية للعلاج مرهقة. وهنا تروي سلوتكين أن الأسرة كانت تبحث عن علاج ينقذ حياة الأم، وتملأ في الوقت نفسه أوراق إشهار إفلاسها.

توفيت والدتها عام 2011، لكن التجربة بقيت أساساً لموقفها من حماية المصابين بأمراض مُزمنة وخفض أسعار الأدوية. وحين حاول الجمهوريون إلغاء الحماية التي أتاحها «قانون الرعاية الصحية»، قرّرت خوض الانتخابات عن الديمقراطيين. وهكذا وجدت مسؤولة الأمن السابقة مدخلها إلى الناخبين في مسألة شخصية يمكن لملايين العائلات فهمها.

عضو مجلس النواب

عام 2018، انتخبت سلوتكين نائبة في مجلس النواب عن ميشيغان بعدما انتزعت مقعداً للجمهوريين، وكرّرت الفوز في عامي 2020 و2022. ثم انتقلت إلى المنافسة على مقعد السيناتورة الديمقراطية المتقاعدة ديبي ستابيناو عام 2024.

يومذاك، لم يكن انتصارها كاسحاً، إذ حصلت على نحو 2.713 مليون صوت متقدّمة بـ19 ألف صوت فقط على الجمهوري مايك روجرز، الذي ينافس اليوم عبدول السيد. بيد أن لهذا الهامش معنى يتجاوز الحساب الانتخابي. فهو يمنحها حجة بأنها تستطيع الفوز في بيئة لا تضمن نجاح الديمقراطيين، لكنه يذكّرها بأن أي خسارة محدودة بين المستقلين أو العمال أو الأقليات قد تقلب النتيجة. في تلك المعركة، ركّزت سلوتكين حملتها على تكاليف المعيشة والأدوية والتعليم، ودافعت عن حقوق الإجهاض، وحصلت على تأييد نقابة عمال السيارات، أي أن خبرتها الخارجية لم تغنها عن بناء صدقية في الشؤون المعيشية. ومن هذه التجربة تستمد اليوم اعتراضها على اختزال السياسة بالتصنيفات الآيديولوجية. فهي ترى أن الناخب الذي يقلقه التأمين الصحي أو استقرار عمله لا يبدأ بالضرورة من السؤال عما إذا كان المرشح وسطياً أو تقدمياً، بل ممّا يستطيع تقديمه.

ائتلاف يهودي - مسلم... تحت الضغط

تجسّد ولاية ميشيغان راهناً الصعوبة التي تواجه هذا المنطق حين تتداخل السياسة الخارجية بالهوية والتجارب العائلية. فالحضور العربي والمسلم واليهودي يضع الحرب في غزة والعلاقة مع إسرائيل في قلب النقاش المحلي، إلى جانب الوظائف والأسعار والسكن. ومن ثم، لا تستطيع سلوتكين التعامل مع هذه القضايا وكأنها ملفات بعيدة تخصّ لجان الكونغرس وحدها.

لكنها بالمقابل ترفض تصوير الجماعات الانتخابية ككتل متجانسة. وفي ظهورها مع السيد، شدّدت على اختلاف أولويات الناخبين اليهود، كما تختلف أولويات المسلمين والسود. ونقل موقع «جويش إنسايدر» عنها رغبتها في تقديم نموذج لامرأة يهودية ورجل مسلم يستطيعان النقاش والعمل معاً. وجاء موقفها هذا بينما تنتقد شخصيات يهودية ديمقراطية السيد، وبعضها يلوّح بحجب التأييد عنه أو دعم منافسه الجمهوري.

لا يعني هذا أن سلوتكين تبنّت برنامجه. ووفق صحيفة «شيكاغو ماروون» أوضحت في نقاش بجامعة شيكاغو هذا الشهر، أنها لم تؤيده في الانتخابات التمهيدية، وأن خلافاتهما مستمرة وبخاصة في السياسة الخارجية. لكنها ترى أرضية مشتركة في حماية الديمقراطية والأمن الاقتصادي، بحسب قولها. ومن هنا تحاول صياغة انقسام بديل داخل الحزب، بين الاستعداد للمواجهة والانسحاب منها، بدلاً من الفصل التقليدي بين المعتدلين والتقدميين.

مع ذلك، يرى البعض أن هذا الاختيار ينطوي على أخطار. فتأييد مرشح مختلف عنها قد يساعد على توحيد الحزب، لكنه قد يضعف صورتها لدى بعض من اختاروها بسبب اعتدالها. وفي المقابل، فإن الابتعاد عنه كان سيجعل خطاب الوحدة أقل اقناعاً لدى التقدميين والناخبين الذين يريدون تغييراً في سياسة إسرائيل. والاختبار هنا ليس لقدرتها على إرضاء الجميع، بل على إقناع المختلفين بأن التعاون لا يستلزم تنازلهم عن جميع مواقفهم. ومن ثمّ، إذا أرادت قيادة وطنية، فهذه مهارة تحتاج إليها في حزب يصعب على أي جناح فيه الفوز منفرداً.

إسرائيل بلا تفويض

تظهر محاولة سلوتكين الموازنة في مواقفها بوضوح في تصويتها يوم 15 أبريل (نيسان) الماضي، لمنع نقل قنابل هجومية تزن ألف رطل وجرّافات عسكرية إلى إسرائيل، مع تأكيد استمرار دعمها أنظمة الدفاع، بينها «القبة الحديدية». وقالت إنها ستراجع الأسلحة الهجومية المموّلة أميركياً، كل حالة على حدة.

بذا وضعت السيناتورة فصلاً عملياً بين حماية إسرائيل وتأييد كل ما تطلبه حكومتها. وفي تفسيرها موقفها، أكدت تمسكها بـ«إسرائيل يهودية ديمقراطية»، لكنها رفضت مساواة تأييدها بالموافقة على أجندة رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو. وربطت موقفها بحق الأميركي في دعمها وانتقاد قيادتها. وأيضاً، استحضرت خبرتها في العراق لتشدّد على معارضتها النظام الإيراني وحلفائه، بالتزامن مع رفض حرب ترى أن «ترمب بدأها بلا تهديد وشيك مثبت أو أهداف واضحة» أو موافقة الكونغرس.

تتيح هذه الصيغة تصوّر أن تلعب سلوتكين دوراً في محاولة إعادة بناء العلاقة بين الديمقراطيين وإسرائيل. لكن لا توجد أدلة تتيح تقديمها بوصفها صاحبة خطة معلنة للعمل مع جماعات الضغط المحسوبة على اللوبي اليهودي لاستعادة الدعم غير المشروط لإسرائيل. فموقفها الموثّق أقرب إلى «إعادة تعريف التأييد» بحيث يتّسع للقيود والمحاسبة. هذا قد يجعلها محاورة مفيدة لبعض المنظمات والناخبين المؤيدين لإسرائيل، وموضع خلاف مع آخرين. في المقابل، هويّتها اليهودية لا تضمن قبول حجتها، مثلما لا يضمن تصويتها ضد أسلحة هجومية استعادة ثقة العرب والمسلمين. فعليها إقناع الطرفين بأن معاييرها ثابتة، وليست استجابة متغيرة لضغط الانتخابات.

وهنا تضيف الانتخابات الإسرائيلية بعداً جدياً لهذا الاختبار. فالمعطيات حتى الآن لا توضح الطرف الذي يملك غالبية محسومة، ويظل احتمال استمرار بنيامين نتنياهو مطروحاً ضمن مفاوضات الائتلاف. وإذا بقي، فقد يزداد الضغط على سلوتكين لإثبات أن الفصل بين إسرائيل وحكومتها يترجم إلى قرارات، لا لغة مريحة سياسياً فقط.

للعلم، بدأ انتقال سلوتكين إلى الجمهور الوطني مبكراً بعد دخولها مجلس الشيوخ، إذ اختارها الديمقراطيون في مارس (آذار) 2025 للرد على خطاب ترمب أمام الكونغرس. وأدلت بخطاب يستدعي قيماً مشتركة ويتوجّه إلى «الوسط» السياسي، بدليل أنها استعانت بإرث الرئيس الجمهوري الراحل رونالد ريغان لانتقاد مقاربة ترمب للعلاقات الدولية.

لكن نبرتها الأكثر مواجهة اليوم لا تعني تخلّيها عن الأولويات الاقتصادية. فقد طرحت خلال مشاركتها في مناقشات شيكاغو تسريع بناء المساكن والتأمين الصحي العام، منتقدة تقصير الديمقراطيين في مخاطبة مخاوف الأسر خلال انتخابات 2024. وهي بذا تحاول توسيع صورتها من «خبيرة أمن قومي» إلى «سياسية» ترى أن هشاشة الطبقة الوسطى تمسّ استقرار البلاد نفسه. وفي مسألة الإدارة، تدعو سلوتكين إلى تحقيقات محدّدة تستطيع كشف المسؤوليات مع تشريعات تمنع تكرار التجاوزات. وتتحفّظ عن التعويل على تكرار محاولات عزل الرئيس الشكلية من دون أصوات كافية لإدانته في مجلس الشيوخ. وهنا يظهر منطق عملها: «مواجهة أشد لكن بأهداف قابلة للتحقق لا مجرد رفع سقف الوعود».

من ناحية أخرى، أقرت سلوتكين بأنها تفكر في الترشح للرئاسة، من دون إعلان قرار، كما زارت ولاية نيفادا أخيراً وسط تكهنات بطموحها لعام 2028 بحسب موقع «أكسيوس».

ومع ذلك، فالفوز في ميشيغان لا يضمن اجتياز انتخابات تمهيدية وطنية، حيث تحتاج إلى شبكة تنظيمية وتمويل وتعريف أوسع بنفسها، وتواجه منافسين أقوى وأكثر شهرة.

وعشية الانتخابات النصفية، تبدو إليسا سلوتكين أمام اختبار يسبق إعلان أي طموح رئاسي: هل تستطيع مساعدة حزبها على الفوز من دون إخفاء خلافاته وأزماته، ومخاطبة ناخبين لا يثق بعضهم ببعض؟