رحيل ماكس فون سيدو... وجه السينما السويدية الأول

عكس الطيبة والشر بعفوية مرعبة

ماكس فون سيدو في «3 أيام من الكوندور»
ماكس فون سيدو في «3 أيام من الكوندور»
TT

رحيل ماكس فون سيدو... وجه السينما السويدية الأول

ماكس فون سيدو في «3 أيام من الكوندور»
ماكس فون سيدو في «3 أيام من الكوندور»

لم يحظ ماكس فون سيدو الذي توفي يوم الأحد الماضي عن 90 سنة، بالقدر الذي يستحقه بين روّاد وهواة السينما في العالم العربي، وفي بعض أنحاء العالم المحيط أيضاً. لكن من واكب أعماله في أفلام إنغمار برغمن، أو في أفلامه الأميركية وجد نفسه أمام ممثل ليس من السهل مقارنته بسواه.
كان سيستقبل عاماً جديداً من حياته في العاشر من أبريل (نيسان) لو عاش، لكنه إذ مضى فإن ما خلفه من أعمال (123 أداء في السينما و36 دوراً على شاشة التلفزيون) يبقى دلالة على موهبة جذبت إليه جمهوراً غربياً كبيراً تابعه من مرحلة إلى أخرى من دون كلل، وصولاً إلى السنوات القريبة الأخيرة، حيث شاهدناه في جولة من الأفلام الشائعة مثل «ستار وورز: القوّة تستيقظ»، و«فلاش غوردون»، و(المسلسل التلفزيوني) «لعبة العروش».
بعضنا يستغرب كيف يمكن لممثل بقيمة من أبدع تحت مظلة المخرج السويدي الكبير إنغمار برغمن أن يلجأ إلى أدوار في أفلام ليست من الركب ذاته، لكن فون سيدو كان نوعاً من التأكيد على أن الممثل هو بجودة ما يؤديه وليس مسؤولاً عن جودة العمل الذي يشترك فيه.

ملحمة
لم يولد هذا الممثل السويدي وفي فمه ملعقة الفن، لكنه انجذب إليه في سنوات المراهقة واعتلى منصة المسرح أولاً خلال وبعد دراسة التمثيل في مطلع الأربعينات.
بدأ التمثيل للسينما بفيلمين من إخراج ألف سيوبيرغ (أحد كبار مخرجي السينما السويدية في فترة ما قبل وما بعد الحرب العالمية الثانية)، هما «الأم فقط» (1949) و«مس جولي» (1951). وبعد ثلاثة أفلام أخرى وجد نفسه يقود بطولة فيلم «الختم السابع» الذي كان أول تعاون له مع إنغمار برغمن. الأول من بين أحد عشر فيلماً معاً جعلته وبرغمن كما لو كانا توأمين بملامح مختلفة. واحد وراء الكاميرا والآخر أمامها، وكل منهما يتمم الآخر.
في تجربته الأولى تلك تحت إدارة برغمن مثّل فون سيدو شخصية رجل يبحث عن إجابات وجودية وروحانية في زمن انتشر فيه وباء الطاعون. يلاعب ملك الموت (قام به بنت إكروت) الشطرنج لعله يربح جولته ضده. طريقة تجسيده الشخصية بمشاعر داكنة تلتقي مع تصوير الفيلم بالأبيض والأسود.
في العام ذاته ظهر في Wild Strawberries إلى جانب بيبي أندرسن وإنغريد ثولين، ممثلتان ظهرا معه لاحقاً أكثر من مرّة. له دور صغير هنا لأن الشخصية المحورية لسواه. لكن فون سيدو عاد لدور البطولة في لقائه الثالث مع برغمن سنة 1958 في فيلم «الساحر» (The Magician) ، حيث لعب شخصية ساحر مسرحي جوّال مع فرقته يدخل في أزمة مع السلطات (في القرن التاسع عشر) ويعرف كيف يخرج منها منتصراً.
في العام نفسه قدّم برغمن فيلماً آخر هو «حافة حياة» مع بيبي أندرسن وإيفا دولبك وإنغريد ثولين في البطولة (كون الفيلم يتحدث عنهن). سيدو هو زوج ثولين في هذا الفيلم.
أفلامه اللاحقة قرّبته أكثر فأكثر إلى هاجس الأدوار المتميّزة بحضوره. هذا بدأ فعلياً بفيلم عنوانه «ساعة الذئب» واستمر ممعناً في تجسيده الشخصيات الصعبة التي تعاني من هواجسها المتعددة في «عار» (Shame) و«شغف آنا» (The Passion of Anna) و«اللمسة» (The Touch) الذي كان، في سنة 1971. آخر عناقيد تلك المرحلة.

بين قارّتين
لكن لم يكن كل شيء في عالمه هو برغمني التوجه والبذل. صحيح أنه، ومنذ بدايته في التمثيل للسينما وحتى سنة 1965، رفض عروضاً أميركية وجهها إليه عدد من المخرجين الذين رغبوا في إسناد أدوار مخصصة له، إلا أن الرجل عاد فقرر التوقف عن الممانعة والانتقال بموهبته من تحت مظلة برغمن ذات المشاهد الممعنة بالحوار الداخلي، إلى تلك التي تتطلب نوعاً آخر من الجهد مساق ضمن خيارات سردية عديدة ومعالجات أكثر عدداً.
وجده المخرجون الذين رغبوا فيه بأفلامهم الممثل الذي يستطيع بنظرة واحدة وبكلمات قليلة منح الفيلم الذي يقوم بتمثيله قيمة إضافية، كما الوجه الذي يستطيع أن يعكس الخير والشر بمستوى جيد واحد. في عام 1965 وافق على التمثيل في فيلم أميركي لأول مرّة.
هذا الفيلم كان ملحمة دينية من إخراج جورج ستيڤنز بعنوان «أعظم قصة رُويت» (The Greatest Story Ever Told) ، حيث مثل شخصية المسيح.
الفيلم الأميركي الثاني له جاء بعد عام واحد كما لو أنه اكتشف رغبة دفينة في التنويع. «هاواي» لجورج روي هيل (الذي لديه أفلام أشهر من بينها The Sting وButch Cassidy and the Sundance Kidd) كان عملاً جيداً بحد ذاته ولو لم يلق النجاح الذي كان يستحقه ودور فون سيدو فيه من أبرز معالمه: هو مبشر يصل وزوجته إلى هاواي في قرن مبكر مضى لكي ينشر الديانة المسيحية هناك، لكن الأحداث التي تقع لهما توعز له أن المسألة لا تُبنى على النوايا وحدها.
‫بعد ذلك شوهد في «رسالة الكرملين» (1970) لجون هيوستون لاعباً دور كولونيل روسي، وبعد ثلاث سنوات وجد نفسه يعالج الأبدان التي «تلبّسها» الشيطان في فيلم ويليام فرديكن «طارد الأرواح» (The Exorcist) المنتمي بطلاقة إلى أفلام الرعب. ‬
العديد من نقاد الغرب وجدوا أن فيلم فريدكن نجح بسبب خدع بصرية للفتاة التي تتحدث بصوت ليس صوتها وتستطيع أن تلف رأسها بـ360 درجة، وترتفع من دون حبال أفقياً إلى سقف الغرفة. لكن الواقع أن شخصية فون سيدو، كراهب لديه شكوكه حول ما يؤمن به، هي التي تمنح الفيلم عمقه الوحيد.
كان الدور صعباً على معظم الممثلين ومنحه فون سيدو حضوره السابق في أفلام تطلبت منه لقاءً مع المكوّنات الروحية كما في أفلامه السابقة مع برغمن مثل «الختم السابع» و«ساعة الذئب». لكن الرعب الذي وفره فون سيدو في «ساعة الذئب» يختلف عن ذاك الذي وفره في «طارد الأرواح» اختلاف ما هو جوّاني عميق عما هو حضور ظاهر. ليس أن فون سيدو افتقد موهبته في الفيلم الأميركي، لكنه مارس ما قد يمارسه ممثل جيد آخر من أداء، في حين أنه جسد الشخصيات التي أداها تحت إدارة برغمن على نحو أكثر عمقاً وصدقاً.
الفيلم الأميركي الذي كان أفضل من سواه بالنسبة لهذا الناقد هو «ثلاثة أيام من الكوندور» لسيدني بولاك (1975) لم يكن دوره كبيراً على الإطلاق في هذا الفيلم الذي قام روبرت ردفورد ببطولته، لكن ظهوره كان طاغياً في دور قاتل يمزج الرقّة بالعنف. في المشهد الأول من ظهوره ينظر إلى امرأة من أصول جنوب - شرق آسيوية، ويقول لها بصوت هادئ ونبرة صادقة «آسف»، ثم يطلق النار عليها.
رغم ذلك، فإن من يرد البحث عن فون سيدو فعليه أن يعيد اكتشاف أفلامه السويدية وليس الأميركية. عن دوره في «نور شتوي» كرجل قليل الثقافة تائه بين خيالاته وفي «ربيع العذراء» حول الأب الذي يبحث عن وسيلة انتقام وفي «عار» عن الرجل الذي وجد نفسه فجأة بلا تلك الأخلاقيات التي اعتقد أنها موجودة في داخله ولا أحد يستطيع تغييرها.
بالنسبة لممثل لم يرد أن يفعل أي شيء آخر له علاقة بالسينما سوى التمثيل، فإن ما قدّمه طوال نحو سبعين سنة، فإن فون سيدو أنجز نجاحات لم ينجزها ممثل أوروبي آخر بصرف النظر عن العدد الكبير من المواهب الأوروبية في مجال التمثيل. وخلال أكثر من مائة فيلم تحت إبطه، برهن على أنه من السهل عنده أن يكون ممثلاً ملائكياً هنا وشريراً هناك. يعاني من آلام البحث عن معنى الحياة في فيلم ويؤدي شخصية من يملك السُلطة القاضية في فيلم آخر، وكل ذلك بمستوى مبهر واحد.
انطلق فون سيدو من أفلام برغمن وخاض أفلام هوليوود، لكنه حافظ على خطوط التواصل مع السويد مفتوحة، ولنا أن نتابع ما تركه من أرث هنا أو هناك.



رضا الباهي... مخرج البحث عن الهوية والذات

«جزيرة الغفران» (ماد سوليوشن)
«جزيرة الغفران» (ماد سوليوشن)
TT

رضا الباهي... مخرج البحث عن الهوية والذات

«جزيرة الغفران» (ماد سوليوشن)
«جزيرة الغفران» (ماد سوليوشن)

في عام 1976 أُقيمت دورة من مهرجان خُصص لما عُرف آنذاك بالسينما البديلة في بلدة بيت مري اللبنانية. حضر المهرجان عدد كبير من المخرجين العرب الذين كانوا قد بدأوا العمل على نوع مستقل من الأفلام يضمن لهم حرية أكبر في التعبير والإبداع. وجاءوا من سوريا، ولبنان، ومصر، وتونس، والمغرب، ومناطق عربية أخرى.

وكان من بين الحاضرين المخرج التونسي رضا الباهي الذي قدّم فيلمه الروائي الطويل الأول «شمس الضباع». وقد استُقبل الفيلم جيداً لأنه تناول قضية اجتماعية محورها اختلاف الثقافات والاهتمامات بين مستثمرين أجانب يعتزمون إقامة مشروعات سياحية ومواطنين تونسيين يعملون في الصيد ويتمسكون بتراثهم وتقاليدهم، وهي تقاليد ستصطدم، بلا ريب، بالغزو المفاجئ لثقافة مغايرة.

المواطنون والقادمون بعد 50 عاماً على تقديم هذا الفيلم في مهرجان بيت مري، عاد الباهي ليعرضه في احتفال خاص أُقيم في «قصر الثقافة» بالعاصمة التونسية قبل أيام. وقال لي إثر العرض: «كان الإقبال جيداً، وكانت المناسبة فرصة لاستعادة قضايا ما زالت حاضرة إلى اليوم، تتعلق بالهوية الوطنية وبالهوية المغايرة».

رضا الباهي (عليا فيلم)

يتحدث «شمس الضباع» عن ازدواجية المعايير، ويكشف عن بعض جوانب العلاقة غير المتكافئة بين الوافد وابن البلد، وكيف أن سياسة الانفتاح التي بدأ العمل بها في مطلع السبعينات قد تؤدي إلى صدام بين تقاليد راسخة وقيم جديدة وافدة.

هذا الطرح للاختلاف الثقافي والمجتمعي بين أبناء تونس والقادمين إليها للسياحة أو الاستثمار ظل هاجساً حاضراً في أعمال المخرج التونسي اللاحقة. وقد تجلى كذلك في فيلمه القصير «عتبات ممنوعة»، الذي يروي حكاية تونسي اعتدى جنسياً على سائحة أجنبية بعدما شاهدها تتجول وحيدة بملابس غير محتشمة. ومن خلال هذا العمل يدين الباهي محاولة الاستثمار في السياحة والصناعة في بلد يحتاج، قبل ذلك، إلى تطوير أوضاعه المعيشية ومفاهيمه الاجتماعية.

وعبر هذين الفيلمين بدأ الباهي يجذب الأنظار إليه عربياً وأوروبياً. ويقول: «عُرض (شمس الضباع) 3 أشهر متواصلة في باريس. هذا أمر لم يعد يحدث للأفلام غير الفرنسية، ولا للأفلام العربية على وجه الخصوص».

بعد 7 سنوات قدّم الباهي فيلمه الثالث «الملائكة» (1983)، الذي لم يكن تونسياً بالكامل؛ إذ جاء تمويله من الكويت ومصر، وشارك فيه ممثلون مصريون، من بينهم مديحة كامل، وكمال الشناوي، وليلى فوزي. وصحيح أن الأحداث دارت في تونس، لكن الشخصيات وحواراتها كانت مصرية في معظمها. ورأى نقاد تونسيون أن الدافع التجاري طغى على العمل، وأن النتيجة جاءت مخيبة للآمال.

هشام رستم ومهدي باهي في «صندوق عجب» (عليا فيلم)

المواطنون في عام 1989 قدّم الباهي فيلم «وشم على الذاكرة»، الذي عاد فيه إلى معالجة أحداث تونسية خالصة. وطرح الفيلم مسألة تعدد الهويات الثقافية داخل بلد منفتح على اتجاهات عدة.

تدور الأحداث في تونس المستقلة حديثاً عام 1955. ويفاجئ الاستقلال مجموعة من الشخصيات الأجنبية المقيمة في تونس؛ فيقرر بعضها الرحيل في حين يختار بعضها الآخر البقاء. وترتبط المغنية بيتي (جولي كريستي) بعلاقة مع بول (بن غازارا)، لكنه ليس الوحيد الواقع في حبها؛ إذ يشارك ابنه غير الشرعي ونيس (باتريك برويل) هذا الشعور، ما يخلق صدى واضحاً للعقدة الأوديبية الشهيرة.

والفيلم أكثر من مجرد قصة حب؛ لأن ما يدور في أرجائه من عواطف ورغبات يرتبط بمسائل الانتماء، وبالرغبة في التحرر من الماضي حتى قبل أن تتشكل ملامح المستقبل.

أما فيلمه التالي فكان «السنونو لا تموت في القدس» (1994)، الذي جلب للمخرج متاعب إعلامية جديدة لأنه اختار تصويره في فلسطين المحتلة. وبذلك أصبح أول مخرج عربي من خارج فلسطين يقدِم على هذه الخطوة. ولاحقاً أنجز زياد الدويري فيلم «الهجوم» (2012) الذي صُوّر هناك أيضاً.

ومنذ ذلك الحين قدّم الباهي 4 أفلام اختلفت موضوعاتها وحكاياتها، لكنها انتمت جميعاً إلى المنحى نفسه المرتبط بالهوية والانتماء.

كان أولها «صندوق عجب» (2002)، وهو أقرب أفلام الباهي إلى سيرته الذاتية. فمثل بطله، الذي أداه هشام رستم، تزوج الباهي من امرأة فرنسية هي ماريان باسلر، وسعى الاثنان إلى بناء شراكة عاطفية وأسرية دائمة قبل أن تتصاعد الخلافات الناجمة عن اختلاف الرؤى والاهتمامات.

أما مشروعه الأكثر طموحاً فجاء عام 2004 عندما قصد لوس أنجليس والتقى مارلون براندو، عارضاً عليه بطولة فيلم «براندو... براندو»، الذي يدور حول شاب تونسي يشبه براندو ويسعى إلى الاستعانة به لتحقيق حلم التمثيل في هوليوود. لكن وفاة براندو قبل اكتمال المشروع حالت دون إنجازه، فعاد الباهي في عام 2011 إلى تلك التجربة من خلال فيلم «دايماً براندو». وفي كلا العملين يتواصل البحث في مسألة الهوية وتبعات اللقاء غير المتكافئ بين الشرق والغرب.

وفي عام 2016 نقل المخرج اهتمامه إلى سوريا التي كانت لا تزال تعيش أتون حرب أهلية ضارية، فأنجز فيلم «زهرة حلب». ثم قدّم في عام 2022 أحدث أفلامه حتى الآن، وأحد أفضلها، وهو «جزيرة الغفران»، الذي عاد فيه إلى قضايا الهويات والقوميات، داعياً إلى التسامح والتفاهم بين الشعوب والثقافات.


شاشة الناقد: سيرة حياة كوميدي ومشوار مرعب في دهاليز وغرف

رينايت رانزف في «باكرومز» (A24)
رينايت رانزف في «باكرومز» (A24)
TT

شاشة الناقد: سيرة حياة كوميدي ومشوار مرعب في دهاليز وغرف

رينايت رانزف في «باكرومز» (A24)
رينايت رانزف في «باكرومز» (A24)

BACKROOMS

★★☆

• إخراج: كين بارسونز

الولايات المتحدة (2026) | رعب

عروض تجارية

لفيلمه الأول اختار المخرج كاين بارسونز (20 عاماً) تطوير سلسلة من الأفلام القصيرة التي أنجزها قبل سنوات قليلة تحت العنوان نفسه. وتقوم الفكرة على وجود شبكة من الغرف تقع فوق متجر كبير للأثاث وتحته، من دون أن يعرف الموظف كلارك (شيويتل إيجيوفور) شيئاً عنها. ووفقاً لوصف الفيلم، فإن هذه الغرف تمتد على مساحة لا نهائية تقريباً، وتتشعب على نحو يشبه أنفاق المترو.

كلارك، الذي يشعر بالاكتئاب بعدما تركته زوجته ولم تفهم الطبيبة النفسية ماري (رينايت رايسف) حقيقة أزمته، يكتشف جداراً يمكن اختراقه بمجرد ولوجه ليظهر على الجانب الآخر منه. حال يفعل ذلك يجد نفسه في غرفة أخرى ومنها - عبر باب أو نفق أو جدار آخر - ينتقل من غرفة إلى غرفة إلى ما لا نهاية. تتنوّع هذه الغرف مساحات ومكوّنات. بعضها ضيق. بعضها منزلق. بعضها الثالث فسيح وعارٍ من كل شيء. لا نوافذ تطل على الخارج لأن الخارج لم يعد موجوداً.

في نصف الساعة الأولى هناك تأسيس لما سيلي، وتقديم لشخصية كلارك المضطربة، وتصوير يوظِّف إضاءات جيدة وألواناً. كما يتميز العمل بتصاميم فنية لافتة للنظر. لكن ما إن يبدأ المشاهد بالتدقيق في التفاصيل حتى تنهال عليه أسئلة لا يمنحها الفيلم اهتماماً يُذكر. فمثلاً، يبقى من الغامض كيف يعثر كلارك في كل مرة على طريق العودة إلى الجدار الذي يفصل هذه الغرف عن متجر الأثاث.

وعندما تشك الطبيبة في روايته، يرافقه موظفان، شاب وفتاة في رحلة استكشافية مزودة بكاميرا للتوثيق. هنا يتحول السرد إلى وجهة نظر المصور الشاب الذي يسعى إلى تسجيل ما يراه بنفسه، قبل أن يختفي مع الفتاة، ثم يختفي كلارك لاحقاً. وبعد ذلك تتعرض الطبيبة بدورها لتجربة مرعبة عندما تقرر البحث عنه.

غير أن الرعب في هذا الجزء يختلف عما سبقه. فهو يعتمد على المطاردات الطويلة أكثر مما يعتمد على الغموض والاستكشاف اللذين ميزا النصف الأول. والفكرة في جوهرها سوريالية، والفيلم نفسه متاهة تبدأ ولا تنتهي، خصوصاً أن مشهده الأخير لا يوفر خاتمة واضحة.

وسط كل ذلك لا يقدم الفيلم معنىً أو بعداً درامياً يفسر ما يحدث أو يمنحه مغزىً أعمق. ومع ذلك يبقى التنفيذ البصري مثيراً للاهتمام خلال معظم مدة العرض، ويوفر قدراً جيداً من التشويق، خصوصاً في الخمسين دقيقة الأولى. أما بعد ذلك، فلا يقدم السرد مفاجآت حقيقية بقدر ما يكرر الحالة نفسها بصيغ مختلفة.

BEING EDDIE

★★★

إخراج: ‫أنغوس وول

• الولايات المتحدة (2026) | تسجيلي

إيدي مورفي يتحدّث عن نفسهمن بين ما يكشفه فيلم «كونه إيدي» الكيفية التي صعد بها إيدي مورفي إلى موقع الصدارة في الكوميديا الأميركية منذ أول دور رئيسي له في السينما عندما شارك نيك نولتي بطولة فيلم 48 ساعة. (إخراج وولتر هيل، 1982). وكان مورفي قد خرج لتوه من عباءة البرنامج التلفزيوني الكوميدي الأسبوعي «ساترداي نايت لايف»، بعد استحواذه على إعجاب غفير من قِبل مشاهدي هذا البرنامج الساخر.

إيدي مورفي في «كونه إيدي» (نتفلdكس)

لم يكن مورفي الخيار الأول لشركة إنتاج 48 ساعة (باراماونت)، لكن حضوره خلال التصوير أقنع الجميع بأنه كان الاختيار الصحيح.

يرد ذلك من خلال مقابلة مطولة مع مورفي داخل قصره الفسيح في إحدى هضاب لوس أنجليس. يتحدث خلالها عن نشأته ووالديه وبدايات اهتمامه بالتمثيل، وكيف قرر وهو لا يزال ولداً صغيراً أن يصبح ممثلاً. ثم ينتقل إلى الحديث عن مسيرته المهنية وعلاقاته بزملائه، ومن بينهم الكوميدي الراحل ريتشارد بريور.

ويتخلل المقابلة الرئيسية عدد من المقابلات مع ممثلين ومنتجين وأصدقاء، من بينهم أرسينيو هول، وديف تشابيل، وكريس روك، وجيمي فوكس.

بداية الفيلم واعدة؛ فموضوعه أحد أبرز نجوم الكوميديا الأميركية منذ الثمانينات وحتى اليوم، وهو ممثل ذاع صيته عالمياً بفضل خفة أدائه وسرعة بديهته وحضوره المميز. وإلى جانب ذلك، يستفيد الفيلم من خبرة مخرجه أنغوس وول، الذي فاز بجائزتي أوسكار متتاليتين في المونتاج: الأولى عن «The Social Network» عام 2011، والثانية عن «The Girl with the Dragon Tattoo» عام 2012.

يمنح المخرج الفيلم سرعة إيقاع وسهولة الانتقال ما بين المقابلات وما بين الوثائقيات المستخدمة. من يريد معرفة من هو إيدي مورفي فإن هذا الفيلم يساعده.

لا يوفر الفيلم نظرة حيادية ونقدية عن مسيرة الممثل. لا شيء يُذكر عن مستويات أفلامه (بعضها، مثل «48Hrs» و«Beverly Hills Cop» من أفضل كوميديات الفترة)، ولا صفحات مفتوحة عن علاقته مع مخرجيها. هذا لأن الفيلم مُدار باتفاق ما بين الممثل ومنتجي هذا الفيلم ينص على أن يتولى مورفي سرد ما يهمّه هو فقط من مسائل تُدرج تحت بند الدعاية الذاتية. هو متحدّث لبق والفيلم مسلٍّ، ومثير للمتابعة لمعظم الوقت. يحدد هذا التحكم ما يُروى وما يبقى طي الكتمان.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


لماذا لا تزال ثلاثية «حرب النجوم» الأولى هي الأفضل؟

«الإمبراطورية تضرب مجدداً» (توينتيث سنتشري فوكس)
«الإمبراطورية تضرب مجدداً» (توينتيث سنتشري فوكس)
TT

لماذا لا تزال ثلاثية «حرب النجوم» الأولى هي الأفضل؟

«الإمبراطورية تضرب مجدداً» (توينتيث سنتشري فوكس)
«الإمبراطورية تضرب مجدداً» (توينتيث سنتشري فوكس)

انطلقت عروض فيلم «ستار وورز: الماندالوريان وغروغو» (Star Wars: The Mandalorian and Grogu) في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي بنجاح جيد، لكنه ليس مميّزاً. أما الاستقبال النقدي فتوزّع على 3 فئات شبه متعادلة: معجبة، ومعجبة بحدود، وغير معجبة على الإطلاق (نقدنا في زاوية «شاشة الناقد» أدناه).

رغبة معاكسة

بصرف النظر عن مستوى الفيلم، يستدعي العمل، الذي أنجزه جون فافرو (من أفلامه Avengers: Endgame وIron Man)، نظرة قريبة إلى هذا المسلسل الذي انطلق للمرة الأولى على هيئة حلم صغير عند مخرجه جورج لوكاس. رفضت هوليوود تمويله إلى أن وافقت شركة «توينتيث سنتشري فوكس» على صرف 11 مليون دولار عليه. وكان الناتج مذهلاً، إذ سجَّل خلال أسابيع قليلة من صيف 1977 نحو 775 مليون دولار، أي ما يتجاوز 8 مليارات دولار بسعر الصرف اليوم، وحين كانت التذكرة لا تزيد على 5 دولارات في صالات العرض الأول.

كاري فيشر في أحد أشهر أدوارها السينمائية (توينتيث سنتشري فوكس)

ذلك الفيلم الأول من المسلسل لم يكن بداية عهد من الأفلام المتتالية التي استفادت من إقبال الجمهور عليها فحسب، وإنما أيضاً معالجة فكرية ترتدي ملابس الترفيه وتقدّم بين أحداثها المشوّقة نتفاً من المجازات الميتافيزيقية والميثولوجية. يتبدّى ذلك في الأفلام الثلاثة الأولى من بين الأفلام العشرة التي أُنجزت منذ ذلك التاريخ (وهي الأساسية، كون الإنتاج تمدَّد ليشمل شرائط فيديو وأفلاماً تلفزيونية ورسوماً). بعد ذلك، تداولت الأفلام اللاحقة المغامرة وبعض الإيحاءات الدرامية، مثل اللعب على علاقة الأب بالابن التي عكست علاقة المخرج بالسينما، كون لوكاس ابتعد عن وصية ورغبة والده (جورج واتسون لوكاس) ليشقَّ طريقه بنفسه.

لا بدَّ أنّ الضغط الذي واجهه برفضه الاقتداء برغبة والده قد ولّد فيه الحاجة إلى التعبير عنها. لم يعبّر عنها في أفلامه التي سبقت «ستار وورز» الأول، لا القصيرة منها (9 أفلام ما بين 1965 و1968)، ولا فيلميه الطويلين THX 1138 سنة 1971 و«أميركان غرافيتي» (1973).

جورج لوكاس... مهندس المجرة السينمائية التي انطلقت عام 1977 (ديزني ستوديوز)

تعدُّد أفكار

أخرج لوكاس أول هذه الأفلام («ستار وورز» الذي تغيَّر لاحقاً عنوانه إلى Star Wars: A New Hope تبعاً لتسلسل روائي لاحق). ثم اكتفى بإنتاج الفيلمين التاليين «الإمبراطورية تضرب مجدداً» (The Empire Strikes Back) لإرفين كيرشنر (1980) و«عودة الجيداي» (Return of the Jedi) لريتشارد ماركواند (1983).

غابت السلسلة سنة 1983 وعادت سنة 1999 بـ3 أفلام تسبق حكاياتها الثلاثية الأولى، ممّا جعلها تحمل الأرقام 4 و5 و6 عوضاً عن 1 و2 و3. ومنذ عام 2015، أُطلق عهد جديد من هذه الأفلام أقل قيمة فنية وفكرية من تلك الأولى.

في الأفلام الثلاثة الأولى المذكورة، منحى واضح لتجسيد بعض الشخصيات على نحو متّصل بالتاريخ هنا وبالواقع هناك. جيداي يمثل فيلسوفاً يونانياً تشبه تعاليمه تلك التي لدى أرسطو. والصراع بين الابن المتمرّد ضدّ الإمبراطور دارث فيدر يماثل تمرّد لوكاس الابن ضدّ أبيه، لكنه في الوقت عينه على علاقة بنظرية فرويد التي تقول إنّ الابن يميل إلى الأم أكثر من الأب، والابنة تميل إلى الأب أكثر من الأم. كذلك الحروب ذاتها تحمل سمات صراع الشعوب ضدّ مستبديها، ولو أنّ لوكاس هنا لا يحدّد ما بعد تلك الإشارة.

في «الإمبراطورية تضرب مجدداً» محاكاة للأجواء السياسية المعادية للعرب في ذلك الحين، ترتدي شكلاً عنصرياً واضحاً.

أبعد من ذلك، هناك حضور ديني قوي في الأفلام الأولى من السلسلة. هناك إيعاز بتجسيد الفيلم للمعنى الديني في الصراع بين الخير (مؤمنون) والشر (ملحدون). بل إنّ الأميرة ليا قُصد بها أن تكون رمزاً للسيدة مريم. وهذه بعض الأبعاد التي تتراءى في حال مشاهدة هذه الأفلام اليوم كما في الأمس.

انطلقت عروض فيلم «ستار وورز: الماندالوريان وغروغو» في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي بنجاح جيد، لكنه ليس مميّزاً

استيحاءات

الفيلم الأول من السلسلة وما تلاه من أجزاء ليست الأولى في السينما لناحية تقديم مغامرات فضائية. الصورة الكليّة لذلك العالم البعيد مثل مسافة، والقريب مثل أجواء سياسية أو اجتماعية حاضرة، نجدها في سلسلة أفلام «فلاش غوردون» في الثلاثينات والأربعينات، حيث الصراع بين عالم متمدّن وآخر معاد.

في الواقع، خطَّط لوكاس في الأساس لإعادة إخراج فيلم «فلاش غوردون» الذي حقّقه فريدريك ستيفاني سنة 1936 قبل أن يُنجز «ستار وورز».

إلى جانب «فلاش غوردون»، هناك استيحاء من حكاية «الباحثون» (The Searchers) لجون فورد (1956)، ومن فيلم أكيرا كوروساوا «القلعة المخفية» (The Hidden Fortress) سنة 1958. هذا الفيلم الياباني هو الأقرب بوصفه حكاية، إذ يدور حول رجلين يسعيان إلى مساعدة أميرة على استعادة عرشها... كما الحال في «ستار وورز».

الأفلام السبعة اللاحقة (آخرها «ستار وورز: الماندالوريان وغروغو»، 2026) اعتنت بتطوير العمود الفقري للحكاية على نحو أفقي ينهل من الفرص المتاحة للالتزام بالمغامرات والصراعات أكثر من منحها معانيَ ورموزاً. والهم كذلك كان تطوير المؤثرات البصرية وكل ما له علاقة بالخدع البصرية وفنون التحريك، لإبقاء حوافز المُشاهدة والحفاظ على هواة السلسلة أعلى في كل جزء جديد من سابقه.