رحيل ماكس فون سيدو... وجه السينما السويدية الأول

عكس الطيبة والشر بعفوية مرعبة

ماكس فون سيدو في «3 أيام من الكوندور»
ماكس فون سيدو في «3 أيام من الكوندور»
TT

رحيل ماكس فون سيدو... وجه السينما السويدية الأول

ماكس فون سيدو في «3 أيام من الكوندور»
ماكس فون سيدو في «3 أيام من الكوندور»

لم يحظ ماكس فون سيدو الذي توفي يوم الأحد الماضي عن 90 سنة، بالقدر الذي يستحقه بين روّاد وهواة السينما في العالم العربي، وفي بعض أنحاء العالم المحيط أيضاً. لكن من واكب أعماله في أفلام إنغمار برغمن، أو في أفلامه الأميركية وجد نفسه أمام ممثل ليس من السهل مقارنته بسواه.
كان سيستقبل عاماً جديداً من حياته في العاشر من أبريل (نيسان) لو عاش، لكنه إذ مضى فإن ما خلفه من أعمال (123 أداء في السينما و36 دوراً على شاشة التلفزيون) يبقى دلالة على موهبة جذبت إليه جمهوراً غربياً كبيراً تابعه من مرحلة إلى أخرى من دون كلل، وصولاً إلى السنوات القريبة الأخيرة، حيث شاهدناه في جولة من الأفلام الشائعة مثل «ستار وورز: القوّة تستيقظ»، و«فلاش غوردون»، و(المسلسل التلفزيوني) «لعبة العروش».
بعضنا يستغرب كيف يمكن لممثل بقيمة من أبدع تحت مظلة المخرج السويدي الكبير إنغمار برغمن أن يلجأ إلى أدوار في أفلام ليست من الركب ذاته، لكن فون سيدو كان نوعاً من التأكيد على أن الممثل هو بجودة ما يؤديه وليس مسؤولاً عن جودة العمل الذي يشترك فيه.

ملحمة
لم يولد هذا الممثل السويدي وفي فمه ملعقة الفن، لكنه انجذب إليه في سنوات المراهقة واعتلى منصة المسرح أولاً خلال وبعد دراسة التمثيل في مطلع الأربعينات.
بدأ التمثيل للسينما بفيلمين من إخراج ألف سيوبيرغ (أحد كبار مخرجي السينما السويدية في فترة ما قبل وما بعد الحرب العالمية الثانية)، هما «الأم فقط» (1949) و«مس جولي» (1951). وبعد ثلاثة أفلام أخرى وجد نفسه يقود بطولة فيلم «الختم السابع» الذي كان أول تعاون له مع إنغمار برغمن. الأول من بين أحد عشر فيلماً معاً جعلته وبرغمن كما لو كانا توأمين بملامح مختلفة. واحد وراء الكاميرا والآخر أمامها، وكل منهما يتمم الآخر.
في تجربته الأولى تلك تحت إدارة برغمن مثّل فون سيدو شخصية رجل يبحث عن إجابات وجودية وروحانية في زمن انتشر فيه وباء الطاعون. يلاعب ملك الموت (قام به بنت إكروت) الشطرنج لعله يربح جولته ضده. طريقة تجسيده الشخصية بمشاعر داكنة تلتقي مع تصوير الفيلم بالأبيض والأسود.
في العام ذاته ظهر في Wild Strawberries إلى جانب بيبي أندرسن وإنغريد ثولين، ممثلتان ظهرا معه لاحقاً أكثر من مرّة. له دور صغير هنا لأن الشخصية المحورية لسواه. لكن فون سيدو عاد لدور البطولة في لقائه الثالث مع برغمن سنة 1958 في فيلم «الساحر» (The Magician) ، حيث لعب شخصية ساحر مسرحي جوّال مع فرقته يدخل في أزمة مع السلطات (في القرن التاسع عشر) ويعرف كيف يخرج منها منتصراً.
في العام نفسه قدّم برغمن فيلماً آخر هو «حافة حياة» مع بيبي أندرسن وإيفا دولبك وإنغريد ثولين في البطولة (كون الفيلم يتحدث عنهن). سيدو هو زوج ثولين في هذا الفيلم.
أفلامه اللاحقة قرّبته أكثر فأكثر إلى هاجس الأدوار المتميّزة بحضوره. هذا بدأ فعلياً بفيلم عنوانه «ساعة الذئب» واستمر ممعناً في تجسيده الشخصيات الصعبة التي تعاني من هواجسها المتعددة في «عار» (Shame) و«شغف آنا» (The Passion of Anna) و«اللمسة» (The Touch) الذي كان، في سنة 1971. آخر عناقيد تلك المرحلة.

بين قارّتين
لكن لم يكن كل شيء في عالمه هو برغمني التوجه والبذل. صحيح أنه، ومنذ بدايته في التمثيل للسينما وحتى سنة 1965، رفض عروضاً أميركية وجهها إليه عدد من المخرجين الذين رغبوا في إسناد أدوار مخصصة له، إلا أن الرجل عاد فقرر التوقف عن الممانعة والانتقال بموهبته من تحت مظلة برغمن ذات المشاهد الممعنة بالحوار الداخلي، إلى تلك التي تتطلب نوعاً آخر من الجهد مساق ضمن خيارات سردية عديدة ومعالجات أكثر عدداً.
وجده المخرجون الذين رغبوا فيه بأفلامهم الممثل الذي يستطيع بنظرة واحدة وبكلمات قليلة منح الفيلم الذي يقوم بتمثيله قيمة إضافية، كما الوجه الذي يستطيع أن يعكس الخير والشر بمستوى جيد واحد. في عام 1965 وافق على التمثيل في فيلم أميركي لأول مرّة.
هذا الفيلم كان ملحمة دينية من إخراج جورج ستيڤنز بعنوان «أعظم قصة رُويت» (The Greatest Story Ever Told) ، حيث مثل شخصية المسيح.
الفيلم الأميركي الثاني له جاء بعد عام واحد كما لو أنه اكتشف رغبة دفينة في التنويع. «هاواي» لجورج روي هيل (الذي لديه أفلام أشهر من بينها The Sting وButch Cassidy and the Sundance Kidd) كان عملاً جيداً بحد ذاته ولو لم يلق النجاح الذي كان يستحقه ودور فون سيدو فيه من أبرز معالمه: هو مبشر يصل وزوجته إلى هاواي في قرن مبكر مضى لكي ينشر الديانة المسيحية هناك، لكن الأحداث التي تقع لهما توعز له أن المسألة لا تُبنى على النوايا وحدها.
‫بعد ذلك شوهد في «رسالة الكرملين» (1970) لجون هيوستون لاعباً دور كولونيل روسي، وبعد ثلاث سنوات وجد نفسه يعالج الأبدان التي «تلبّسها» الشيطان في فيلم ويليام فرديكن «طارد الأرواح» (The Exorcist) المنتمي بطلاقة إلى أفلام الرعب. ‬
العديد من نقاد الغرب وجدوا أن فيلم فريدكن نجح بسبب خدع بصرية للفتاة التي تتحدث بصوت ليس صوتها وتستطيع أن تلف رأسها بـ360 درجة، وترتفع من دون حبال أفقياً إلى سقف الغرفة. لكن الواقع أن شخصية فون سيدو، كراهب لديه شكوكه حول ما يؤمن به، هي التي تمنح الفيلم عمقه الوحيد.
كان الدور صعباً على معظم الممثلين ومنحه فون سيدو حضوره السابق في أفلام تطلبت منه لقاءً مع المكوّنات الروحية كما في أفلامه السابقة مع برغمن مثل «الختم السابع» و«ساعة الذئب». لكن الرعب الذي وفره فون سيدو في «ساعة الذئب» يختلف عن ذاك الذي وفره في «طارد الأرواح» اختلاف ما هو جوّاني عميق عما هو حضور ظاهر. ليس أن فون سيدو افتقد موهبته في الفيلم الأميركي، لكنه مارس ما قد يمارسه ممثل جيد آخر من أداء، في حين أنه جسد الشخصيات التي أداها تحت إدارة برغمن على نحو أكثر عمقاً وصدقاً.
الفيلم الأميركي الذي كان أفضل من سواه بالنسبة لهذا الناقد هو «ثلاثة أيام من الكوندور» لسيدني بولاك (1975) لم يكن دوره كبيراً على الإطلاق في هذا الفيلم الذي قام روبرت ردفورد ببطولته، لكن ظهوره كان طاغياً في دور قاتل يمزج الرقّة بالعنف. في المشهد الأول من ظهوره ينظر إلى امرأة من أصول جنوب - شرق آسيوية، ويقول لها بصوت هادئ ونبرة صادقة «آسف»، ثم يطلق النار عليها.
رغم ذلك، فإن من يرد البحث عن فون سيدو فعليه أن يعيد اكتشاف أفلامه السويدية وليس الأميركية. عن دوره في «نور شتوي» كرجل قليل الثقافة تائه بين خيالاته وفي «ربيع العذراء» حول الأب الذي يبحث عن وسيلة انتقام وفي «عار» عن الرجل الذي وجد نفسه فجأة بلا تلك الأخلاقيات التي اعتقد أنها موجودة في داخله ولا أحد يستطيع تغييرها.
بالنسبة لممثل لم يرد أن يفعل أي شيء آخر له علاقة بالسينما سوى التمثيل، فإن ما قدّمه طوال نحو سبعين سنة، فإن فون سيدو أنجز نجاحات لم ينجزها ممثل أوروبي آخر بصرف النظر عن العدد الكبير من المواهب الأوروبية في مجال التمثيل. وخلال أكثر من مائة فيلم تحت إبطه، برهن على أنه من السهل عنده أن يكون ممثلاً ملائكياً هنا وشريراً هناك. يعاني من آلام البحث عن معنى الحياة في فيلم ويؤدي شخصية من يملك السُلطة القاضية في فيلم آخر، وكل ذلك بمستوى مبهر واحد.
انطلق فون سيدو من أفلام برغمن وخاض أفلام هوليوود، لكنه حافظ على خطوط التواصل مع السويد مفتوحة، ولنا أن نتابع ما تركه من أرث هنا أو هناك.



فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز