إيطاليا تتحوّل «مختبراً أوروبياً» وتساؤلات حول سبب تفشي «كورونا» في أراضيها

إيطاليا تتحوّل «مختبراً أوروبياً» وتساؤلات حول سبب تفشي «كورونا» في أراضيها

22 % من السكان مسنّون وخبير صحي لا يستبعد إصابات بين الشباب
الخميس - 18 رجب 1441 هـ - 12 مارس 2020 مـ رقم العدد [ 15080]
أحد أعضاء الفريق الطبي يغادر خيمة الطوارئ التي تم إنشاؤها لتسهيل الإجراءات الخاصة بالتصدي لـ«كورونا» خارج مستشفى بريشيا بشمال إيطاليا (أ.ب)

يقول الإيطاليّون إن المصائب لا تنزل عادة بصيغة المفرد، لكن يبدو أنها في هذه الفترة لم تعد تنزل بصيغة المثنّى ولا بجمع القلّة. من الأزمة المالية والاقتصادية التي ترزح البلاد تحت عبئها الثقيل من سنوات، إلى 3 كوارث طبيعية في الأعوام الخمسة المنصرمة، ثم أزمة الهجرة التي أخرجت السياسي اليميني المتطرف ماتيو سالفيني من القمقم الفاشي وأحدثت شرخاً عميقاً في المجتمع وصدّعت المشهد السياسي بشكل غير مسبوق، إلى «كوفيد - 19» الذي يبدو أنه اختار إيطاليا بعد الصين، ليُنزل بها ما لم تعرفه، حتى الآن، البلدان الأخرى.


قفز عدد الوفيات في إيطاليا بواقع 196 حالة خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية إلى 827. بزيادة نسبتها 31 في المائة، هي الأكبر من حيث العدد منذ ظهور العدوى في 21 فبراير (شباط)، ما حوّل إيطاليا إلى مختبر أوروبي لجهود مكافحة الفيروس. وذكرت وكالة الحماية المدنية في إيطاليا أن إجمالي عدد الإصابات في البلد ارتفع إلى 12462 من 10149. أي بزيادة 22.8 في المائة. في المقابل، أكّدت الوكالة أن 1045 شخصاً من إجمالي المصابين تعافوا تماماً من المرض، ارتفاعاً من 1004 في اليوم السابق.

دفعت هذه الأرقام الصادمة إلى التساؤل عما الذي جعل إيطاليا تدفع، إلى اليوم، الجزية الأعلى بعد الصين لهذا الفيروس؟ وما الأسباب التي أدّت إلى تفشّيه بهذه السرعة والكثافة في دولة أوروبية واحدة دون غيرها من الدول المجاورة؟

معظم الإجابات التي حاولها الخبراء الإيطاليون في علوم الجراثيم والأوبئة على هذه التساؤلات ليست مقنعة، ولا تفسّر اقتصار الخسائر البشرية الفادحة في أوروبا على دولة واحدة حتى اليوم؛ حيث بلغت نسبة الوفّيات 5 في المائة على الأقل بين المصابين في إيطاليا، بينما لم تتجاوز 4 في المائة في الصين، وما زالت دون 0.7 في المائة في معظم الدول الأخرى.

ثمّة من يقول إن الوفيّات المرتفعة مردّها إلى أن معظم الإصابات تقع بين أشخاص تزيد أعمارهم عن الثمانين يعانون أصلاً من حالات مرضيّة خطرة. ويعزوها آخرون إلى أن إيطاليا هي البلد الأوروبي الذي يضمّ أعلى نسبة من المسنّين، تصل إلى 22 في المائة من مجموع السكّان، أي أن هناك 14 مليون إيطالي قد تجاوزوا الخامسة والستين، يموت بضعة آلاف منهم سنوياً بسبب الإنفلونزا العادية.

ويذهب آخرون إلى الجزم بأن انتشار الفيروس في المحيط الأوروبي، وفي الولايات المتحدة، بنفس الضراوة التي انتشر بها في إيطاليا، ليس سوى مسألة وقت قد لا يتجاوز بضعة أسابيع. وفيما يرى البعض أن المنظومة الصحّية الإيطالية التي تعاني من عجز في التجهيزات والموارد البشرية منذ سنوات، مسؤولة بنسبة عالية عن ارتفاع عدد الوفيّات، وأن عدم الانضباط التقليدي في مسلكيّة الإيطاليين ساهم في تفاقم هذا الوقع، ويعتبر البعض الآخر أن ثمّة مبالغة في مقاربة هذا الوباء وأن الهستيريا المفرطة التي رافقت الحديث عنه وتناقل أخباره ساهمت في تضخيمه.

لكن بعض الآراء العلمية تنحو في اتجاه آخر لتفسير الوضع الخطير الذي تعيشه إيطاليا بسبب انتشار هذا الوباء، ويدعو أيضاً إلى التروّي في استخلاص العِبر النهائية في هذه المرحلة المبكرة. يقول أحد خبراء منظمة الصحة العالمية، تحدّثت إليه «الشرق الأوسط» هاتفياً، وطلب عدم الكشف عن اسمه، إنه ليس مع الرأي القائل بأن ارتفاع عدد الوفيّات بهذا الشكل في إيطاليا مردّه إلى أن معظم الإصابات وقعت بين المسنّين المرضى. ويضيف: «أعتقد أن مقاربة هذا الوباء في المراحل الأولى كانت خاطئة، ولا يجب أن نبني استنتاجاتنا على المقارنة بين البلدان، لأن هذه تختلف كثيراً عن بعضها».

ويضرب مثالاً على ذلك، عدد التجارب التي تجريها الدول لتحديد الإصابات بالوباء، ويقول إن «عدد الإصابات لا يعكس بالضرورة أن العدوى في بلد معيّن منتشرة أكثر، بل هي نتيجة إجرائه عدداً أكبر من التجارب. كوريا الجنوبّية مثلاً كانت تجري 10 آلاف اختبار يوميّاً لتحديد الإصابات، وتقوم بعزل جميع المصابين بعوارض خفيفة منعاً لسريان الفيروس، ما أدّى إلى انخفاض عدد الوفّيات».

ويقول خبير منظمة الصحة إن «التجارب التي أجرتها إيطاليا عند ظهور الإصابات الأولى لم يصل عددها إلى هذا المستوى، وأنا متأكد من أن هناك عدداً كبيراً من الإصابات بين الشباب في إيطاليا، وحالات كثيرة غير معروفة. أعتقد أنه لم يعد من الممكن تطبيق التجربة الكورية في إيطاليا، لأن الأوان قد فات مع ارتفاع عدد الإصابات المؤكدة ووجود إصابات كثيرة غير معروفة، ومن الأرجح أن تدفع إيطاليا ثمناً باهظاً لذلك».

وعندما طلبنا من الخبير الدولي تعليقاً على ما صرّحت به المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أنه «إذا استمرّ الوضع على ما هو، وطالما لم نتمكّن من إيجاد المضاد الحيوي، فإن 70 في المائة من سكّان العالم قد يصابون بهذا الفيروس في الأشهر أو السنوات المقبلة»، أجاب: «لا أعتقد أن القرائن العلميّة المتوفّرة اليوم تبرّر مثل هذا القول».


إيطاليا فيروس كورونا الجديد

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة