قمة تركية ـ أوروبية في إسطنبول لبحث أزمة الهجرة

أنقرة تسعى لتعديل اتفاقية 2016 مع أوروبا وتتعهد {محاسبة} اليونان

شرطي تركي يقود مهاجراً معتقلاً على الحدود التركية ــ اليونانية أمس (أ.ب)
شرطي تركي يقود مهاجراً معتقلاً على الحدود التركية ــ اليونانية أمس (أ.ب)
TT

قمة تركية ـ أوروبية في إسطنبول لبحث أزمة الهجرة

شرطي تركي يقود مهاجراً معتقلاً على الحدود التركية ــ اليونانية أمس (أ.ب)
شرطي تركي يقود مهاجراً معتقلاً على الحدود التركية ــ اليونانية أمس (أ.ب)

أعلن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان عن عقد قمة تركية - أوروبية في إسطنبول، لبحث مسألة المهاجرين وطالبي اللجوء، مشدداً على أن تركيا لن تغلق أبوابها أمام الراغبين في التوجه إلى حدود أوروبا، وأن على اليونان فتح أبوابها... في الوقت الذي طالب فيه وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو بتحديث اتفاق الهجرة مع أوروبا الموقع عام 2016.
وقال إردوغان، إنه سيستضيف قمة في إسطنبول الثلاثاء المقبل تضم قادة فرنسا وألمانيا، وربما بريطانيا لمناقشة قضية المهاجرين بعدما بدأت تركيا السماح لهم بالعبور إلى أوروبا، مشيراً إلى أن تركيا لا تفكر حالياً في إغلاق معابرها الحدودية مع أوروبا، وأن على اليونان فتح معابرها. وتابع، أن مسألة اللاجئين وسوريا وإدلب تعد اختبار إرادة وقيادة للاتحاد الأوروبي أكثر من تركيا، وعلى الاتحاد القيام بمسؤولياته، مضيفاً «القادة الأوروبيون يقرّون بأن تركيا قامت بواجباتها حيال اللاجئين بعد اتفاق 18 مارس (آذار) 2016 بشأن الهجرة وإعادة قبول اللاجئين وأنهم تحركوا ببطء حيال هذا الأمر». وأشار إلى وجود عمل تركي - أوروبي مشترك لتجاوز حالة البطء في تطبيق التزامات اتفاقية المهاجرين بين الجانبين، تحت إشراف وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، والممثل الأعلى للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد، جوزيب بوريل، قائلاً «نحن في انتظار قطف أولى ثمار العمل المشترك مع حلول القمة الأوروبية بتاريخ 26 مارس الحالي». ووصف تعامل اليونان مع طالبي اللجوء المحتشدين على حدودها بأنه «جريمة» و«سنحاسبها على ذلك»، ودعا رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، لتعلّم القانون الدولي وقراءة البيان العالمي لحقوق الإنسان، قائلاً «هؤلاء (الأمن اليوناني) قتلوا 4 أو 5 لاجئين، كما أنهم قاموا بتعريتهم. سنحاسبهم على ذلك، وسنعرض كل ذلك أمامهم في الجمعية العامة للأمم المتحدة».
وأشار إردوغان إلى أنهم بحثوا سبل تعزيز علاقات تركيا مع الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (ناتو)، قائلاً «في 28 فبراير (شباط) الماضي دعونا إلى اجتماع طارئ للناتو بشكل رسمي، ونتمنى أن يخلص اجتماع الناتو (اليوم الأربعاء) إلى نتيجة إيجابية». والتقى إردوغان في بروكسل أول من أمس أمين عام الناتو ينس ستولتنبرغ لبحث التطورات المتعلقة بأزمة اللاجئين والمهاجرين والتطورات في سوريا. واتفقت تركيا والاتحاد الأوروبي خلال لقاء إردوغان مع مسؤولي الاتحاد على مراجعة اتفاقية الهجرة الموقعة في 18 مارس 2016.
وعقد رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشيل ورئيسة المفوضية الأوروبية أورزولا فون دير لاين، مؤتمراً صحافياً مشتركاً في بروكسل عقب اجتماعهما مع الرئيس إردوغان. وقال ميشيل، إنهم بحثوا معه اتفاقية 18 مارس، ومواضيع أخرى، وأكدوا أنهم يعتبرون هذا اللقاء خطوة أولى من أجل حوار سياسي قوي مع تركيا على المدى القريب والمتوسط والبعيد.
ولفت ميشيل إلى أن الممثل الأعلى للاتحاد للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، جوزيب بوريل سيبدأ مع وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، العمل حول اتفاقية الهجرة الموقعة في 2016.
بدورها، أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية، ضرورة إعادة فتح قنوات الحوار مع تركيا، مضيفة أن اللقاءات هي من الشروط الأساسية لحل الأزمة على الحدود اليونانية. وأشارت أن طالبي اللجوء واليونان وتركيا جميعهم في حاجة إلى المساعدة.
وذكرت، أن المباحثات مع إردوغان تمحورت حول التوصل إلى خريطة طريق تحمي مصالح الاتحاد الأوروبي وتركيا، مشيرة إلى أن اتفاق الهجرة في 2016 لا يزال ساري المفعول، وأنهم بحثوا كيفية استكمال النواقص المتعلقة بالاتفاق. في السياق ذاته، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، إن تركيا انتقلت إلى مرحلة جديدة من الحوار مع الاتحاد الأوروبي، لافتاً إلى أن اتفاقية الهجرة الموقعة مع الاتحاد في 2016 في حاجة إلى التحديث في ضوء الأزمة في شمال سوريا مع استمرار تصاعد حدة الموقف على الحدود التركية - اليونانية بعد أن أعلنت أنقرة أنها ستكف عن منع المهاجرين من العبور. وأضاف جاويش أوغلو، في مقابلة مع وكالة «الأناضول» التركية أمس، أنه ينبغي تطبيق تحرير تأشيرة السفر للاتحاد الأوروبي بالنسبة للمواطنين الأتراك وتحديث الاتحاد الجمركي بين تركيا والاتحاد للمساعدة في حل مسألة الهجرة. واعتبر جاويش أوغلو، أن حدود الاتحاد الأوروبي تبدأ من حدود تركيا الجنوبية والشرقية وليست من الحدود التركية - اليونانية، قائلاً إن عهد المماطلة انتهى، وسيتم رسم خريطة طريق مع الاتحاد الأوروبي بشأن اللاجئين، ويجب أن يتعامل الاتحاد الأوروبي بصدق مع تركيا لحل هذه المسألة.
وأشار إلى أن الاتحاد لم يقدم الدعم من أجل عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، وأن احتياجات طالبي اللجوء اليوم تختلف عما كانت عليه عام 2016 (تاريخ توقيع اتفاق الهجرة بين تركيا والاتحاد الأوروبي)، مضيفاً «وسنتحدث مع الأوروبيين حول ما يمكن فعله في ظل الظروف الحالية».
وانتقد الأوروبيين قائلاً «من جانب تقولون لا نريد موجة هجرة من إدلب، ومن جانب آخر لا تقدمون أي دعم من أجل أن يعيش الناس هناك». كما انتقد تعامل اليونان مع طالبي اللجوء على الحدود مع تركيا، قائلاً «نخجل من إنسانيتنا عندما نرى معاملة اليونان للاجئين على الحدود... نشاهد ما يفعله دعاة الحضارة بالمهاجرين لقد رشوهم بالماء المغلي».
وأشار إلى أنه كما فتحت تركيا أبوابها لطالبي اللجوء، على الدول الأخرى اتخاذ إجراءات في إطار القانون الدولي بهذا الصدد.
وحول عملية انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، اعتبر جاويش أوغلو أن العوائق التي تواجهها تركيا ليست تقنية، مشيراً إلى أن اتفاقية الهجرة الموقعة بين تركيا والاتحاد في 18 مارس 2016، تشمل الكثير من القضايا، منها إعفاء الأتراك من تأشيرة الدخول لدول الاتحاد، وضمان عودة طالبي اللجوء طواعية، ومكافحة الإرهاب وتسريع عملية انضمام تركيا للاتحاد، وليست مقتصرة على فكرة «فليقدم الاتحاد الأوروبي النقود لتركيا، مقابل احتجاز الأخيرة للمهاجرين». وشدد على أن الاتحاد الأوروبي لم يفِ بوعوده حتى اليوم بهذا الخصوص.



مقتل 129 صحافياً في 2025 معظمهم بنيران إسرائيلية

سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)
سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)
TT

مقتل 129 صحافياً في 2025 معظمهم بنيران إسرائيلية

سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)
سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)

قالت لجنة حماية الصحافيين، الأربعاء، إن 129 من الصحافيين والعاملين في مجال الإعلام قُتلوا خلال أداء عملهم، العام الماضي، وإن ثلثي القتلى سقطوا بنيران إسرائيلية.

وأضافت اللجنة، في تقريرها السنوي، أن 2025 كان العام الثاني على التوالي الذي يشهد عدداً قياسياً مرتفعاً من القتلى الصحافيين، والثاني على التوالي أيضاً الذي تتحمل فيه إسرائيل مسؤولية مقتل ثلثيهم. واللجنة منظمة مستقلة، مقرها نيويورك، توثق الهجمات على الصحافيين، حسبما أفادت به وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت اللجنة إن نيران إسرائيل أودت بحياة 86 صحافياً في 2025، معظمهم من الفلسطينيين في قطاع غزة. وأضافت أن 31 آخرين من العاملين قُتلوا في هجوم على مركز إعلامي لجماعة الحوثيين في اليمن، فيما مثل ثاني أكثر الهجمات إزهاقاً للأرواح التي سجّلتها اللجنة على الإطلاق.

وكانت إسرائيل أيضاً مسؤولة عن 81 في المائة من 47 حالة قتل صنّفتها لجنة حماية الصحافيين على أنها استهداف متعمّد أو «قتل». وأضافت اللجنة أن الرقم الفعلي ربما يكون أعلى من ذلك، بسبب قيود الوصول التي جعلت التحقق صعباً في غزة.

ولم يرد الجيش الإسرائيلي على طلب للتعليق. وسبق له القول إن قواته في غزة تستهدف المسلحين فقط، لكن العمل في مناطق القتال ينطوي على مخاطر كامنة. واعترفت إسرائيل باستهداف المركز الإعلامي باليمن، في سبتمبر (أيلول)، واصفة إياه في ذلك الوقت بأنه ذراع دعائية للحوثيين.


أستراليا تطلب من أسر دبلوماسييها مغادرة إسرائيل ولبنان

مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
TT

أستراليا تطلب من أسر دبلوماسييها مغادرة إسرائيل ولبنان

مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)

قالت وزارة الخارجية الأسترالية، اليوم الأربعاء، إنها طلبت من أسر الدبلوماسيين الأستراليين في إسرائيل ولبنان مغادرة البلدين، مشيرة إلى تدهور الوضع الأمني في المنطقة.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، قالت «الخارجية الأسترالية» إن «الحكومة توصي مواطنيها في لبنان وإسرائيل بدراسة المغادرة في ظل الخيارات التجارية المتاحة»، مشيرة إلى أن الحكومة عرضت أيضاً «مغادرة طوعية لأفراد عائلات مسؤوليها العاملين في الأردن وقطر والإمارات».

وتلقّى لبنان تحذيرات من أن تشنّ إسرائيل الحليفة للولايات المتحدة، ضربات تستهدف بنيته التحتية في حال التصعيد بين طهران وواشنطن وتدخل «حزب الله» لمساندة داعمته إيران، بحسب ما قال وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، الثلاثاء.

وصعّدت الدولة العبرية أخيراً من وتيرة ضرباتها التي تستهدف «حزب الله» في لبنان، رغم وقف إطلاق النار الذي يسري بينهما منذ أكثر من عام، وأعقب حرباً مدمّرة تكبّد فيها الحزب خسائر باهظة على صعيد الترسانة والهيكلية القيادية.

وفي وقت تعزز الولايات المتحدة انتشارها العسكري في الشرق الأوسط، حذّرت إيران من أنها ستردّ «بقوة» على أي هجوم عليها، وأن اعتداء من هذا النوع قد يؤدي إلى «حرب إقليمية».

وقال رجّي، الثلاثاء، لوسائل إعلام في جنيف: «هناك مؤشرات على أن الإسرائيليين قد يضربون بقوة في حال التصعيد، بما في ذلك ضربات محتملة على بنى تحتية استراتيجية مثل المطار».

وجدد رجي موقف السلطات اللبنانية الذي أعرب عنه رئيس الوزراء نواف سلام بأن «هذه الحرب لا تعنينا»، في إشارة لمواجهة أميركية إيرانية محتملة.


الفلتان «النووي» في ظلّ التحولات الجيوسياسيّة

صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
TT

الفلتان «النووي» في ظلّ التحولات الجيوسياسيّة

صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)

ألقى الرئيس الأميركي الراحل، دوايت أيزنهاور، في عام 1953 خطاباً مهماً في الأمم المتحدة بعنوان: «الذرّة من أجل السلام». اقترح أيزنهاور التخلّي عن السلاح النووي، وتحويل الطاقة النووية لخدمة السلام والبشرية. لم تترجَم هذه المبادرة على أرض الواقع. ففي عام 1962، وخلال الأزمة الكوبيّة بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي، عايش العالم ولمدة 13 يوماً، شبح إمكانيّة القضاء على البشريّة بأكملها.

غيّرت الأزمة الكوبيّة ديناميكيّة امتلاك وضبط السلاح النوويّ. وعليه، كان لا بد من خلق إطار مُتفق عليه بين الجانبين لتجنّب الحسابات الخاطئة، وذلك عبر التواصل المستمرّ، كما خلق آليّات مراقبة وتحقّق. لم تلغِ الأزمة الكوبيّة سباق التسلّح النوويّ. لكنها في الحدّ الأدنى نظّمت هذا السباق.

تفجير نووي تجريبي أميركي في صحراء نيفادا (أ.ب)

أظهرت الأزمة الكوبية بشكل فاضح هشاشة الردع النوويّ. وكي لا تُترك الأمور على غاربها، أفرزت الأزمة الكوبيّة الأمور التالية: الخط الساخن بين العملاقين، ومعاهدة الحظر الجزئي للتجارب النوويّة (1963)، ومعاهدة عدم انتشار السلاح النوويّ (1968)، ومعاهدتي سالت (SALT) وستارت (START) لاحقاً. وعليه، قد يمكن استنتاج بعض سلوكيات (نمطيّات) القوى العظمى فيما خصّ السلاح النوويّ أو غيره من المخاطر على العالم، وعلى أمنها القوميّ في الوقت نفسه، وهي: لا تتّفق القوى العظمى بعضها مع بعض على تنظيم قطاع ما مؤثّر في عناصر القوة الخاصة بها (Elements of Power)، إلا بعد أن يبدأ هذا القطاع بتشكيل خطر مباشر على أمنهم القومي. حصل هذا الأمر مع النووي، وقد يحصل مستقبلاً مع غزوة الذكاء الاصطناعي الخطيرة لكل مَرافق الحياة ضمن الصراع الجيوسياسيّ؛ وإذا تفرّدت القوى العظمى بامتلاك سلاح مؤثّر يُغيّر موازين القوى لصالحها، فهي تمنع الآخرين من الحصول عليه. وإذا حصل عليه الآخرون فهي تحاول منع انتشاره إلى دائرة أوسع، إنْ عبر الردع أو الضبط بواسطة المعاهدات (Treaties). من هنا الحجم الصغير للنادي النوويّ في العالم حالياً، والمُرشح إلى مزيد من التوسّع في ظلّ تداعي النظام العالمي القديم وضوابطه... ألَا تندرج الأزمة الحالية مع إيران ضمن هذا الإطار؟

في التجربة النووية الصينيّة الأخيرة 2020، تتّهم الولايات المتحدة الأميركية الصين بأنها أجْرت في عام 2020 تجربة نووية شمال غربي الصين. لكن لماذا الاتهام اليوم وبعد 6 سنوات؟ هذا مع العلم أن آخر تجربة نوويّة قامت بها الصين، تعود إلى عام 1964.

غواصة نووية أميركية من طراز «أوهايو» لدى توقفها في أحد مرافئ أستراليا 30 يوليو 2025 (إ.ب.أ)

كما تتّهم أميركا الصين بأنها تُحدّث ترسانتها، وتسعى للحصول على أسلحة نووية من الجيل الحديث، ومنها السلاح التكتيكي. فكيف يُحلَّل هذا الوضع في ظلّ التحولات الجيوسياسية في عالم اليوم؟

تمنع معاهدة «الحظر الشامل للتجارب النوويّة» (1996) القيام بأي تفجير نووي، لغرض عسكري أو سلميّ. وقد وقّعت كل من أميركا والصين على هذه المعاهدة، لكنهما لم يُصدّقا عليها كما تتطلّب الأصول القانونيّة كي تصبح نافذة. وبهدف المراقبة والضبط للتجارب النوويّة، أفرزت المعاهدة نظام مراقبة (NDDS) يَستخدم تقنيات متعددة: زلزالية، وصوتية مائية وغيرها، والهدف هو المراقبة والإبلاغ عن أي خرق للمعاهدة، وذلك عبر منظومة مجسّات موزّعة عبر العالم، وفي 337 موقعاً. تجمع هذه المجسات الداتا اللازمة في حال توفّرها، وترسلها إلى المركز الأساسي في فيينا للتحليل وتوزيع الخلاصة على الدول الموقِّعة على المعاهدة.

يختلف الخبراء حول إجراء الصين هذه التجربة. والأغلب أنه لا يمكن نفي، أو تأكيد المعلومة. لكن لماذا؟ لم تُرصد التجربة إلا من مركز واحد موجود في كازاحستان (PS23) وعلى الحدود مع الصين. رصد هذا المركز هزة أرضية بقوة 2.75 على مقياس ريختر وعلى مسافة 720 كيلومتراً داخل الأراضي الصينيّة، وهي هزّة خفيفة، اللهم إلا إذا كانت الصين تملك التكنولوجيا الحديثة لإجراء التجربة النووية وتخطّي نظام الرصد.

تحتل الولايات المتحدة المرتبة الأولى في عدد التجارب النوويّة بـ1121 تجربة، تليها روسيا بـ981 تجربة. أما الصين فتحتلّ المركز الخامس بـ48 تجربة فقط.

تملك الصين حالياً، وحسب بعض المصادر، نحو 600 رأس نوويّ. وهي تأتي في الترتيب بعد كلٍّ من روسيا والولايات المتحدة الأميركيّة، لكنها تعد الأسرع في تصنيع الرؤوس النوويّة وذلك بمعدّل 100 رأس سنويّاً. والهدف هو الوصول إلى امتلاك 1000 رأس نووي بحلول عام 2030.

في التحوّل الصيني الجيوسياسيّ

يعود الفكر النووي الصيني، مثل مشروع امتلاك السلاح النووي، إلى الزعيم الراحل ماو تسي تونغ، الذي عدّ ذلك ضرورة للأمن القومي الصيني، والهدف كان الردع. وعليه، أطلق مشروع ما يُسمّى «قنبلتان وقمر اصطناعي واحد». قنبلة ذريّة، وأخرى هيدروجينيّة. كما القدرات الصاروخيّة-الفضائيّة. فكان أوّل اختبار نووي عام 1964. وفي هذا الإطار، ارتكزت العقيدة النوويّة الصينيّة على الأعمدة التالية: السلاح النووي لا يستخدم إلا للدفاع عن النفس وبعد الهجوم النووي عليها؛ ولن تسعى الصين إلى إلا التكافؤ (Parity) مع كل من روسيا وأميركا في عدد الرؤوس النوويّة، بل أن تتجاوز الضربة الأولى، مع القدرة على الردّ بعدها. وكي تُحقّق الصين مستوى ردعيّاً نوويّاً موثوقاً، عملت على تأمين «ثالوث الإطلاق»، (Triad) عبر البرّ والبحر كما الجوّ.

صواريخ «دي إف 5 سي» النووية الصينية خلال عرض عسكري في بكين 3 سبتمبر 2025 (رويترز)

في التسريع إلى الوضع الجيوسياسي الحالي

تغيّرت صين الرئيس تشي جيبينغ عن صين المؤسس ماو تسي تونغ. هي الآن تريد الخروج من قرن الذلّ، للتربّع على المرتبة الأولى عالمياّ وفي كل الأبعاد. تريد الصين الحالية استعادة جزيرة تايوان تحت مبدأ «دولة واحدة بنظامين». يؤمن الرئيس تشي بأن أحد أهمّ مقاييس القوة للدولة العظمى، وفي الظرف الحالي، هو عدد الصواريخ النوويّة التي تملكها هذه الدولة. وعليه، وبعد سقوط كل الضوابط والمعاهدات المتعلّقة بتنظيم وإدارة السلاح النووي، كان آخرها معاهدة (نيو-ستارت) التي انتهى مفعولها في 5 فبراير (شباط) 2026، تحرّرت الصين من أي ضوابط قانونيّة، فهي لا تملك آلاف الرؤوس كي تنضوي في النادي الأميركي-الروسي، حتى ولو طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب منها ذلك، لكنها تملك أكثر ممن هم في الترتيب الاخير للائحة الأعضاء في النادي النووي العالمي.

بكلام آخر يريد الرئيس تشي مزاوجة القوة الاقتصاديّة (ثاني اقتصاد بعد أميركا) والبشرية والإنتاجيّة، كما التحكّم بسلاسل التوريد في كثير من القطاعات، مع مستوى نووي متقدّم. كما يريد رسم منطقة نفوذ في محيطه المباشر. من هنا الحديث عن السلاح النووي التكتيكي. فلماذا يحق للرئيس ترمب العودة إلى عقيدة مونرو (1823)، ولا يحق لتشي إطلاق عقيدة صينية جديدة؟ لكن الأكيد، أن الرئيس تشي، وبعد مراقبة الحرب الروسية-الأوكرانية وأخذ الدروس منها، استنتج أن كميّة (كما تنوّع) الرؤؤس النووية مهمة لتحقيق الأهداف الجيوسياسيّة. كما أن استعمال الردع النووي (الاستراتيجي، التكتيكي)، والتهديد بالاستعمال كما يفعل الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، هو عامل مهم لحماية الحرب التقليديّة (Conventional War). فهل تنطبق هذه المقولة على عملية استرداد تايوان؟

صواريخ باليستية قادرة على حمل رؤوس نووية خلال عرض عسكري في موسكو (أرشيفية - رويترز)

في السلوك المُضاد للصين وروسيا

ترتكز المعضلة الأمنيّة (Security Dilemma) على ديناميكيّة خاصة بها لا يمكن ضبطها عادةً. فإذا حصلت الصين على قوة إضافية، فهذا يعني أنها تهدّد أمن الدول المجاورة. لذلك تسعى الدول المجاورة إلى أمرين مهمّين هما: التحالف للتعويض (Ganging up) أو السعي إلى الحصول على سلاح يُعوّض النقص ويُعيد التوازن. فهل ستسعى اليابان إلى السلاح النوويّ وهي قادرة، خصوصاً بعد التقارب بين الصين وروسيا، ورعايتهما لكوريا الشمالية؟ وهل ستسعى كوريا الجنوبيّة إلى امتلاك السلاح النووي وهي قادرة، وهي المُطوّقة بثلاث دول نوويّة معادية (الصين، وكوريا الشمالية، وروسيا)؟

في المقلب الآخر الأوروبيّ، هل ستسعى ألمانيا إلى امتلاك السلاح النوويّ، وهي قادرة تكنولوجياً، وذلك في ظل التحوّل الأميركيّ؟ هل ستسعى بولندا للسلاح النوويّ؟ هل يكفي السلاح النووي الفرنسي - الإنجليزي لخلق مظلّة نوويّة لحلف «الناتو» في حال غياب المظلّة النوويّة الأميركيّة؟

في الختام، يعيش العالم مرحلة انتقالية بين نظام عالمي هش لم يعد يتناسب مع التحوّلات الكبرى، ونظام مُرتقب لم يتشكّل بعد. وفي ظل غياب كامل للشرطي العالمي بعد تراجع «العم سام» عن هذه الوظيفة. يبدو أن السلاح المُضاعف للقوّة (Force Multiplier) إن كان بالنسبة إلى القوى الإقليمية الكبرى، كما للقوى الصغرى، يتمثّل جليّاً في السعي إلى امتلاك السلاح النوويّ.

Your Premium trial has ended