حمدوك ينجو من تفجير سيارة مفخخة في الخرطوم ويتعهد بإكمال «مسيرة التغيير»

الحكومة السودانية: محاولة اغتيال رئيس الوزراء عملية إرهابية تستهدف الثورة

موقع الانفجار الذي استهدف رئيس الحكومة السودانية عبد الله حمدوك في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
موقع الانفجار الذي استهدف رئيس الحكومة السودانية عبد الله حمدوك في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
TT

حمدوك ينجو من تفجير سيارة مفخخة في الخرطوم ويتعهد بإكمال «مسيرة التغيير»

موقع الانفجار الذي استهدف رئيس الحكومة السودانية عبد الله حمدوك في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
موقع الانفجار الذي استهدف رئيس الحكومة السودانية عبد الله حمدوك في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)

نجا رئيس الوزراء السوداني، عبد الله حمدوك، أمس، من محاولة اغتيال استهدفته بسيارة مفخخة في العاصمة الخرطوم، في اعتداء عدّته الحكومة عملاً إرهابياً يستهدف الثورة. ولقي التفجير موجة إدانات واسعة، فيما تعهد حمدوك بأن استهدافه لن يوقف «مسيرة التغيير».
وشهدت الخرطوم، صباح أمس، دوي انفجار هائل ارتجت له جدران المنازل في حي الواحة الراقي والأحياء المجاورة، وجدران سجن «كوبر» المركزي القريب من مكان الانفجار، حيث يقبع رئيس النظام المعزول عمر البشير. وسرعان ما تبيّن أن الانفجار نجم عن سيارة مفخخة استهدفت موكب رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، المكون من 3 سيارات، وهو في طريقه من منزله إلى مكتبه، عند التاسعة صباحاً.
وشهد القصر الرئاسي اجتماعاً طارئاً لمجلس الأمن والدفاع، المكوّن من عسكريين ومدنيين، لبحث محاولة الاغتيال. وقال وزير الداخلية، الطريفي إدريس، في تصريحات عقب الاجتماع، إن المجلس أكد اصطفاف مؤسسات الدولة كافة بمواجهة مثل هذه العمليات التي تستهدف استقرار السودان وسلامته، وتسعى إلى إجهاض إرادة الشعب، ممثلة في قيادات الفترة الانتقالية المناط بها تحقيق أهداف الثورة، وتهيئة البلاد للانتقال للممارسة الديمقراطية.
واستنكر الاجتماع العملية الإجرامية، واعتبرها تمثل مخاطر جمة على أوضاع البلاد، محلياً ودولياً. وقرر الاجتماع تحديد المسؤوليات الأمنية عن الحادثة، والقيام بتحقيق فوري، والاستعانة فيه بالأصدقاء، لتسهيل كشف المتورطين في الجريمة. كما قرر اتخاذ إجراءات عاجلة لتعزيز التأمين، ووضع الخطط الكفيلة بضمان أمن وسلامة قيادات الدولة والمواقع الاستراتيجية، وإجراء مراجعة عاجلة للتشريعات والقوانين الوطنية كافة ذات الصلة بجرائم الإرهاب، في مدة أقصاها أسبوعان.
وينتظر أن يعقد صباح اليوم (الثلاثاء) اجتماع ثلاثي بين المجلس السيادي ومجلس الوزراء و«قوى إعلان الحرية والتغيير»، وينتظر أن تكون أجندته الرئيسية هي إعادة هيكلة القوات النظامية. وقال مصدر إن جهاز المخابرات العامة لا يقوم بدوره، وذلك ربما لتقليص صلاحياته الواسعة، بعد أن تم تحويله إلى جهاز لجمع المعلومات وتحليلها، وحل «هيئة العمليات»، وهي القوة الضاربة التابعة لجهاز المخابرات.
وقالت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن السيارة المفخخة من طراز «هيونداي آكسنت»، وكانت متوقفة على جانب الطريق، وانفجرت لحظة مرور موكب رئيس الوزراء، ما أدى إلى إصابة السيارة التي كانت في مقدمة الموكب، واصطدام السيارة الثانية بها. ولم يصب حمدوك بأذى، أو أي من مرافقيه، عدا رجل مرور، إثر انقلاب دراجته البخارية، وإصابته بكسر في مفصل الكتف.
وتعد هذه المحاولة الأولى من نوعها باستهداف رئيس وزراء سوداني بعملية إرهابية بعربة مفخخة.
ووصفت الحكومة السودانية محاولة اغتيال حمدوك بأنها عملية إرهابية، تضمنت تنفيذ تفجير وإطلاق رصاص في الوقت نفسه. وقال فيصل محمد صالح، وزير الإعلام المتحدث باسم الحكومة، لـ«الشرق الأوسط» إن موكب رئيس الوزراء تعرض لعملية إرهابية أسفل كبري كوبر، وإن رئيس الوزراء نقل على الفور إلى مكان آمن، ثم عاد لمكتبه في مجلس الوزراء، و«هو الآن يمارس مهامه، ويرأس اجتماعاً لمجلس الوزراء، بشكل عادي».
وأضاف: «تقول المعلومات الأولية إن هناك عملية تفجير وإطلاق رصاص في الوقت نفسه»، وتابع: «لم يصب رئيس الوزراء بأذى، ولا أي من حراسه، فيما عدا سائق الدارجة البخارية المرافقة الذي أصيب بإصابات طفيفة في كتفه، جراء انقلاب دراجته، لكنه تعافى».
وبحسب المتحدث باسم الحكومة، شرعت السلطات الأمنية في التحقيق حول الحادث، وفرضت طوقاً على المنطقة التي حدث فيها الانفجار، وبدأ فريق مشترك من الجهات الأمنية كافة (الاستخبارات العسكرية، وجهاز المخابرات العامة والمباحث العامة) في تحقيقات عاجلة لجمع المعلومات لمعرفة هوية مرتكبي الاعتداء.
وتوعد صالح بالتعامل مع الحادث بـ«الحسم اللازم»، قائلاً: «نعتقد أنها مسألة متوقعة، في ظل الظروف الحالية»، وأضاف: «استهداف رئيس الوزراء استهداف للثورة، ولأهدافها وبرامجها، ويستدعي وحدة الصف».
ودعا «قوى الحرية والتغيير»، التي تمثل الحاضن السياسي للحكومة الانتقالية، وكل القوى ذات المصلحة في التغيير، للتوحد، باعتبار وحدتها «هي الضمان لاستمرار الثورة والإرادة الشعبية».
ووصف صالح ما حدث بأنه «رب ضارة نافعة»، باعتباره وقفة تشدد البلاد من خلالها وحدتها، وتجمع صفها الوطني للتمسك بأهداف الثورة. وقال: «الاستهداف الحقيقي هو لأهداف الثورة، وهي أهداف مُهرت بدماء، وقدمت من أجلها تضحيات عظيمة، ولا يمكن التخلي عنها أمام أي ضغوط أو أي عمليات إرهابية».
وقالت الشرطة السودانية، في بيان مقتضب، إن موكب رئيس الوزراء تعرض لعمل إرهابي، تمثل في تفجير في أثناء مرور موكبه، وأسفر التفجير عن إصابة شرطي مرور على الدراجة النارية في مقدمة الموكب، وتضررت مركبات، بينها سيارتان تابعتان لموكب رئيس الوزراء. ووصف بيان الشرطة الحادث بأنه «عمل خطير ودخيل على البلاد، على مر تاريخها الحديث، بما يجعلنا نؤكد ونشدد أنه لن يمر دون كشف أبعاده».
وتابع البيان أن أجهزة الأمن وضعت في حالة استنفار قصوى للقيام بمتابعة دقيقة لكشف المخطط الإرهابي الذي يهدف إلى جر البلاد إلى «واقع خطير ومعقد»، وإن السلطات الأمنية كونت «غرفة أزمة» لمتابعة الأمر.
وناشدت الشرطة المواطنين التحلي بأقصى درجات اليقظة، والتعاون مع الأجهزة المختصة، والإبلاغ عن أي أنشطة تهدد أمن واستقرار البلاد، ووعدت بتمليك أجهزة الإعلام التفاصيل والمعلومات كافة التي تعكف الأجهزة المختصة وفرق مسرح الحادث على جمعها وتحليلها.
وفور خروجه للعلن بعد الحادث، أكد عبد الله حمدوك أن محاولة الاغتيال التي تعرض لها «لن توقف مسيرة التغيير». وفي تدوينة على حسابه الرسمي في «فيسبوك»، قال حمدوك: «أطمئن الشعب السوداني بأنني بخير وصحة تامة، وما حدث لن يوقف مسيرة التغيير، ولن يكون إلا دفقة إضافية في موج الثورة العاتي»، وتابع: «هذه الثورة محمية بسلميتها، وكان مهرها دماء غالية بذلت من أجل غدٍ أفضل وسلامٍ مستدام».
وعقد حمدوك في الصباح ذاته اجتماعات مع قوى إعلان الحرية والتغيير، وهو تحالف واسع قاد الاحتجاجات التي أسقطت نظام البشير، وتبعاً لذلك كوّن السلطة الانتقالية. كما عقد اجتماعاً آخر مع مجلس الوزراء.
وقالت زوجة حمدوك، منى عبد الله، عقب نجاته مباشرة، إنه لم يصب بأذى، وتابعت: «شيء واحد يجب أن يعلمه الجبناء: إذا ذهب حمدوك، سيأتي ألف حمدوك من بعده... هذه الثورة لن تتوقف أبداً».
وتوالت ردود الفعل الدولية والعربية على محاولة اغتيال حمدوك. كما استنكرت أحزاب وقوى اجتماعية سودانية محاولة الاغتيال. واعتبرت «قوى إعلان الحرية والتغيير»، المرجعية السياسية للحكومة الانتقالية، الهجوم الإرهابي امتداداً لما سمته «محاولات قوى الردة للانقضاض على الثورة السودانية وإجهاضها». وأكدت، في بيان، أن الشعب سيجهض أي محاولات للانقضاض على الثورة، ودعت المواطنين إلى الخروج في مواكب، والتوجه لساحة الحرية، لإظهار وحدة قوى الثورة، وحماية السلطة الانتقالية لإكمال مهام الثورة.
أما «تجمع المهنيين السودانيين»، فاتهم قوى النظام المعزول بالوقوف وراء العملية الإجرامية. وقال، في بيان، إن نقل الصراع السياسي إلى التصفية الجسدية والاغتيالات تحول خطير يستهدف إفشال مسار التغيير، وزعزعة البلاد وجرجها للفوضى. ودعا التجمع إلى تصفية ما سماها «الجيوب الأمنية للنظام المعزول»، باعتبارها حاضنة للتطرف والإرهاب، وقال إن «التردد في تصفية مواقعه وإمكاناته جعل مثل هذه الجريمة الانتحارية ممكنة».
وقال رئيس حزب «الأمة» القومي، الصادق المهدي، في بيان، إن الهجوم الغادر على رئيس الوزراء «جريمة نكراء ضد الإنسانية والوطن والدين»، مضيفاً أن ما حصل غريب على الثقافة السودانية التي «ترفض أسلوب الاغتيالات الفردية الآثمة».



محللون: «باب المندب» يختبر حدود المصالحة السعودية - الإيرانية

بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
TT

محللون: «باب المندب» يختبر حدود المصالحة السعودية - الإيرانية

بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)

بعد أكثر من ثلاثة أعوام على توقيع الاتفاق السعودي-الإيراني برعاية صينية، تقف المصالحة بين الرياض وطهران أمام أحد أصعب اختباراتها، مع تصاعد الاتهامات لإيران بدعم أذرع مسلحة في اليمن والعراق استهدفت السعودية، وتحرك الحوثيين باتجاه مضيق باب المندب، بما يحمله ذلك من تهديد لأمن المملكة والملاحة في البحر الأحمر.

تحرك إيران عبر الحوثيين قرب مضيق باب المندب «يمثّل اختباراً جدياً للاتفاق السعودي-الإيراني» حسب محللين (واس)

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدرين عسكريين تابعين للحوثيين، أن خبراء من «الحرس الثوري» الإيراني زاروا منطقة باب المندب وميناء ومطار المخا ومعسكر جبل النار شرق المدينة، وأشرفوا على أعمال حفر أنفاق في التلال الجبلية المطلة على المخا ومضيق باب المندب، وبحثوا تركيب رادارات قرب المخا وداخل جزيرة زقر في جنوب البحر الأحمر.

ويرى محللون تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» أن التطورات الأخيرة لا تختبر التزام طهران بتعهداتها فحسب، وإنما تضع صدقية الدور الصيني على المحك أيضاً؛ إذ لم تعد المسألة متعلقة باستمرار العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران، بل بقدرة الاتفاق على كبح مصادر التهديد غير المباشر، ومنع توظيف الجماعات المسلحة للضغط على دول المنطقة.

وكانت الرياض وطهران قد وقّعتا اتفاقاً في بكين برعاية صينية لاستئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بعد قطيعة نحو سبع سنوات.

«باب المندب».. اختبار جدي للاتفاق

يوضح رئيس مركز الخليج للأبحاث، الدكتور عبد العزيز بن صقر، أن اتفاق بكين الموقع في مارس (آذار) 2023 قام على ثلاثة مكونات رئيسية: استعادة العلاقات الدبلوماسية بعد سبع سنوات من القطيعة، وإعادة تفعيل اتفاقيات التعاون الثنائي، ثم احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهو المكون «الأهم والأكثر حساسية».

إحدى الناقلات التجارية في أثناء مرورها بمضيق باب المندب الاستراتيجي قبالة السواحل اليمنية (أ.ف.ب)

ويقول بن صقر، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إن التحرك الإيراني عبر الحوثيين قرب مضيق باب المندب «يمثل اختباراً جدياً للاتفاق السعودي-الإيراني؛ لكونه يخالف نصوصه وروحه التي قامت على بناء الثقة»، مضيفاً أن التعهدات لا ينبغي أن تقتصر على الممارسات الإيرانية المباشرة، وإنما تشمل كذلك سلوك الجماعات المرتبطة بـ«الحرس الثوري».

ويتابع: «لا معنى لأي اتفاق مع إيران لا يشمل ممارسات أذرعها الإقليمية المهددة للأمن الإقليمي والدولي»، معتبراً أن دعم الحوثيين أو تحريضهم على تهديد أمن المملكة «خرق فاضح» للتعهد باحترام السيادة وعدم التدخل.

بينما يرى الباحث والمستشار في الشؤون الصينية والآسيوية، عبد العزيز الشعباني، أن التحركات الإيرانية قرب مضيق باب المندب تختبر اتفاق بكين، لكنها لا تعني انهياره؛ إذ صُمم أساساً لإعادة العلاقات وفتح قنوات الحوار، لا لإنهاء التنافس بين الرياض وطهران أو إقامة شراكة استراتيجية بينهما.

سياسة الوكلاء

بدوره، يرى المحلل السياسي السعودي، الدكتور خالد الهباس، أن سياسة الميليشيات تمثل إحدى أهم أدوات طهران لتوسيع نفوذها الإقليمي، وأن «الحرس الثوري» يتولى دعم هذه الجماعات وتدريبها وتنظيمها، بما يمكّنها من أداء أدوار تخدم الأهداف الإيرانية عند الحاجة.

ويضع الهبّاس التحركات الحوثية الأخيرة، وقبلها نشاط الفصائل الموالية لإيران في العراق، ضمن سياق الضغوط العسكرية والاقتصادية المتزايدة على طهران، ومحاولتها فتح ساحات ضغط بديلة. ويشير إلى أن التحرك باتجاه مضيق باب المندب قد يتيح تهديد الملاحة ورفع أسعار الطاقة وإرباك سلاسل الإمداد.

الميليشيات تمثل إحدى أهم أدوات طهران لتوسيع نفوذها الإقليمي (إ.ب.أ)

ويحذّر الدكتور خالد من التعويل على تعهدات الحوثيين بعدم استهداف السفن، قائلاً إن تجارب البحر الأحمر منذ أواخر 2023 أثبتت عكس ذلك، ومشدداً على أن حماية الملاحة «مسؤولية دولية لا تقع على عاتق المملكة وحدها»، نظراً إلى الأهمية العالمية لهذا الممر.

وحسب الهبّاس، فإن السعودية، رغم تمسكها بحل الخلافات سلمياً وإبقاء نافذة الدبلوماسية مفتوحة، تملك حق الدفاع عن نفسها وفق المادة «51» من ميثاق الأمم المتحدة، كما يحق لها «مطالبة إيران بالالتزام ببنود الاتفاق، ومراجعته في ضوء مدى وفائها بتعهداتها».

هل انتهى زمن الاختبار؟

أما أستاذ القانون والعلاقات الدولية في جامعة إسطنبول، الدكتور سمير صالحة، فيذهب إلى موقف أكثر تشدداً، قائلاً: «لقد تجاوزنا مسألة اختبار التفاهمات؛ فمن الواضح أن الجانب الإيراني خرج عن روحها، وبدأ سياسة إقليمية مغايرة لما تعهد به».

ويضيف أن السؤال الجوهري لم يعد متعلقاً فقط بما إذا كانت طهران ملتزمة أم لا، بل بمن يسلّح الحوثيين ويدربهم ويوجه عملياتهم. ويتابع: «التهديدات تبدو حوثية في العلن، لكنها في صلب الموضوع إيرانية»، معتبراً أن تحريك الأذرع في اليمن والعراق ولبنان يعكس أولوية إيرانية لم تتغير رغم استعادة العلاقات مع الرياض.

وفي تقدير صالحة، فإن السعودية لن تبني خياراتها على انتظار تحرك صيني وحده، بل ستواصل البحث في بدائل استراتيجية تضمن أمنها، بالتوازي مع إبقاء المسار الدبلوماسي قائماً، وهو ما بدأت به فعلاً خلال الأشهر الأخيرة، على حد تعبيره.

بكين.. فتح الطريق لا يكفي!

يجمع المحللون على أن الصين تملك أدوات تأثير واسعة على إيران، بحكم ثقل علاقاتهما الاقتصادية والسياسية والعسكرية، لكنها مطالبة بالانتقال من موقع الراعي الرمزي للاتفاق إلى دور أكثر حسماً في مراقبة تنفيذه.

ويقول بن صقر إن بكين «قادرة على التحقق من السلوكيات الإيرانية المخالفة للاتفاق»، لكنها تميل إلى الغموض وعدم الحسم عندما لا تمس الأزمات أمنها القومي مباشرة، لذلك فإن المطلوب اليوم آلية واضحة للتحقق من التزام طهران وكبح أذرعها.

أما صالحة فيرى أن الصين تواجه اختياراً دقيقاً بين الاكتفاء بحماية علاقتها مع إيران، أو الدفاع عن مصالحها الأوسع مع دول الخليج وعن طرق التجارة التي تمر عبر البحر الأحمر، مضيفاً: «هذا اختبار لإيران في الدرجة الأولى، لكنه اختبار لبكين في الدرجة الثانية».

وأضاف «بكين أمام وضع صعب وحرج ودقيق، هناك مؤشرات إيجابية في مواقفها ورسائل سياسية تجاه إيران في الآونة الأخيرة، لكن المراهنة على أن طهران ستقبل وتُصغي لما تقوله بكين مسألة صعبة».

ولفت الدكتور سمير إلى أن «بكين نجحت في فتح الطريق أمام اختبار جديد في العلاقات السعودية-الإيرانية، لكن عليها أن تذهب اليوم إلى أبعد من ذلك إذا كانت راغبة في حماية مصالحها وعلاقاتها مع دول الخليج».

من جانبه، يعتقد الشعباني أن بكين تميل إلى الدبلوماسية وعدم التدخل المباشر، ولا يُتوقع أن تنحاز إلى طرف بصورة حاسمة. وخلص إلى أن مستقبل الاتفاق يتوقف على قدرة الصين على إبقاء الحوار مفتوحاً واحتواء الأزمات، مع احتفاظ السعودية بحقها في حماية أمنها ومصالحها عبر قدراتها وشراكاتها الإقليمية.


استماتة حوثية تتكسر على جبال غرب تعز وشرق باب المندب

جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
TT

استماتة حوثية تتكسر على جبال غرب تعز وشرق باب المندب

جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)

تواجه الجماعة الحوثية مقاومة ضارية في الجبهات الممتدة بين غربي محافظة تعز وشمال محافظة لحج، حيث تدور معارك عنيفة على المرتفعات المطلة على باب المندب، بالتزامن مع استمرار المواجهات في جنوب مأرب، وسط تقارير ميدانية عن خسائر كبيرة في صفوف الجماعة المتحالفة مع إيران خلال محاولات التقدم الأخيرة.

وتتركز المعارك الأشد في جبهتي الوازعية، وكهبوب، والمناطق المتصلة بمديرية المضاربة ورأس العارة، في وقت أعلنت فيه القوات الحكومية صد هجمات حوثية، واستعادة مواقع جبلية، بينما تحدثت مصادر ميدانية عن سقوط عشرات المهاجمين خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية.

وأعلنت قوات العمالقة الجنوبية، الاثنين، تدمير خمس مركبات تابعة للحوثيين في جبهة كهبوب المحاذية لمضيق باب المندب، وقالت إن جميع من كانوا على متنها قتلوا. وأوضحت أن بين المركبات المستهدفة سيارة كانت تقل قيادياً حوثياً، وأخرى تحمل سلاحاً مضاداً للطيران عيار 23 مليمتراً.

ونشر المركز الإعلامي لألوية العمالقة مقطع فيديو قال إنه يوثق استهداف المركبات، واشتعال النيران فيها.

وفي الجبهة نفسها، أعلنت قوات درع الوطن أن اللواء الثالث في الفرقة الأولى تصدى لهجوم حوثي على مواقعه، مشيرة إلى وقوع خسائر في صفوف المهاجمين، والعتاد، وإسقاط طائرة مسيرة انتحارية أثناء محاولتها استهداف مواقع القوات.

كما أعلنت دائرة الإعلام في قوات درع الوطن إسقاط مسيرة حوثية أخرى خلال تحليقها في أجواء كهبوب، بالتزامن مع استمرار انتشار القوات، ورفع جاهزيتها في المنطقة.

وتكتسب كهبوب أهمية عسكرية بسبب موقعها المحاذي لباب المندب، فيما تشير المعلومات الميدانية إلى أن المواجهات تتركز على سلسلة من المرتفعات، والمواقع الواقعة بين جنوب شرقي الوازعية، وشمال المضاربة ورأس العارة، وبمشاركة قوات العمالقة، ودرع الوطن، ومقاتلين من قبائل الصبيحة.

غرب تعز

في غربي تعز تدور معارك مستمرة، حيث يضغط الحوثيون للتوغل من الوازعية شرقاً باتجاه مديرية الشمايتين وسط أنباء عن كانت تحدثت، الأحد، بتقدمهم باتجاه مديرية الشمايتين، وسيطرتهم على قرية شريرة، مع توغل باتجاه جبل المرزام قرب منطقة الغيل، وباتجاه قرية بني عمر.

وفي المقابل، قالت المصادر إن القوات الحوثية تراجعت من جبل العجرم بعد محاولتها السيطرة عليه، كما أخفقت في الوصول إلى جبل جرداد إثر التصدي لمحاولات التسلل، بينما أفادت معلومات أخرى بسيطرة القوات الحكومية على جبل نعمان.

مواكب تشييع حوثية بشكل يومي لقتلى الجماعة في الجبهات (أ.ف.ب)

وتحدثت مصادر ميدانية، فجر الاثنين، عن استمرار المواجهات، مشيرة إلى إحباط هجمات حوثية، وإحراق مدرعات وآليات تابعة للجماعة. كما تحدثت المصادر عن سقوط أعداد كبيرة من الحوثيين بين قتيل وجريح.

وفي حين لم تصدر على الفور أي تعليقات رسمية من قبل القوات الحكومية عن تفاصيل المواجهات، ومسرح العمليات الدائرة، انطلقت في مدينة التربة، الاثنين، قافلة دعم وإسناد للجبهات الحكومية في جرداد، وراسن، والعلقمة في الوازعية، في مؤشر على استمرار التعبئة المحلية لمساندة القوات التي تخوض المعارك في ريف تعز الغربي.

جبهة مأرب

بالتوازي مع معارك تعز ولحج، شهد جنوب مأرب اشتباكات وقصفاً مدفعياً متبادلاً بين القوات الحكومية والحوثيين، خصوصاً في حريب، وعقبة ملعاء، ومحيط أم ريش، من دون تسجيل تغيير مستقر في خطوط السيطرة، وفق المعلومات المتاحة.

وقالت القوات الحكومية إنها استهدفت تجمعات وتعزيزات وتحصينات حوثية في ملعاء، وأم ريش، ودمرت مرابض مدفعية باستخدام راجمات الصواريخ، بينما شاركت مدفعية محور بيحان في قصف مواقع للجماعة، وأعطبت سلاحاً مضاداً للطيران عيار 23 مليمتراً.

كما أعلنت القوات الحكومية تنفيذ ضربات جوية ومسيرة ضد عناصر وآليات وتحصينات حوثية في عدد من الجبهات، بما في ذلك محافظتا مأرب، والبيضاء.

قائد المنطقة العسكرية الثالثة في الجيش اليمني منصور ثوابة (إعلام عسكري)

وقال قائد المنطقة العسكرية الثالثة، اللواء الركن منصور بن عبد الله ثوابة، إن القوات الحكومية تصدت لهجمات حوثية سابقة جنوب مأرب، متحدثاً عن سقوط عشرات من عناصر الجماعة بين قتيل وجريح وأسير. كما قال إن أعداداً من جثث المقاتلين بقيت في مناطق المواجهات.

وأضاف ثوابة أن القوات الحكومية تعمل ضمن غرفة عمليات مشتركة، وبقيادة موحدة، مشيداً بالتنسيق بين القوات البرية والجوية، وبالدعم الذي يقدمه التحالف الداعم لليمن بقيادة السعودية.

وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه المخاوف اليمنية من انعكاسات سيطرة الحوثيين على مناطق ومواقع استراتيجية واسعة في الساحل الغربي، وفي باب المندب. وقال عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني ومحافظ مأرب، سلطان العرادة، خلال اتصال مرئي مع السفيرة البريطانية لدى اليمن عبدة شريف، إن التطورات العسكرية الأخيرة تمثل تهديداً لأمن الملاحة الدولية، وأمن المنطقة.


فتور شعبي يعرقل حملات التجنيد الحوثية

عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
TT

فتور شعبي يعرقل حملات التجنيد الحوثية

عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)

تواجه الجماعة الحوثية صعوبات متزايدة في استقطاب مقاتلين جدد بمحافظتي صنعاء وريمة، وسط تراجع التجاوب الشعبي والقبلي مع حملات التعبئة التي كثفتها الجماعة خلال الأيام الأخيرة، في محاولة لتعويض خسائرها البشرية في جبهات القتال.

وقالت مصادر محلية وقبلية لـ«الشرق الأوسط» إن الجماعة دفعت بمشرفين ومسؤولين ووجهاء قبليين لتنفيذ حملات تجنيد في قرى ومناطق متفرقة بمحافظتي صنعاء وريمة، مستهدفة الشبان والمدنيين، وصولاً إلى طلاب المدارس، بهدف رفد صفوفها بعناصر جديدة.

وشملت التحركات قرى وعزلاً في مديريتي خولان الطيال ونهم بريف صنعاء، إلى جانب مديريات الجبين ومزهر وكسمة وبلاد الطعام في ريمة، غير أن هذه الحملات واجهت، وفق المصادر، إحجاماً شعبياً حدّ من قدرتها على تحقيق أهدافها.

قيادي حوثي يزور إحدى المدارس في ريمة لتجنيد الطلبة (فيسبوك)

وتأتي هذه التحركات، بحسب المصادر، في إطار توجيهات صادرة عن زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، ضمن مساعٍ لتوسيع عمليات الاستقطاب والتجنيد في مناطق سيطرتها، وتعويض الخسائر التي لحقت بمقاتليها في عدد من جبهات القتال، بينها تعز والجوف والبيضاء ومأرب والضالع.

إحجام قبلي

في ريف صنعاء، كشفت مصادر قبلية عن تعثر مساعٍٍ حوثية لتجنيد العشرات من أبناء مديريتي خولان الطيال ونهم، بعد أن دفعت الجماعة بوجهاء قبليين للمشاركة في عمليات التحشيد واستقطاب مقاتلين وإلحاقهم بجبهاتها.

وأوضحت المصادر أن تلك المساعي قوبلت بإحجام وتجاهل من جانب عدد كبير من الأسر، مشيرة إلى شكاوى من لجوء بعض المشرفين الميدانيين إلى اقتياد شبان من المدارس والطرقات وإلحاقهم بمعسكرات تدريب، تمهيداً لإرسالهم إلى الجبهات من دون علم أسرهم.

وفي محافظة ريمة، وتحديداً في مديرية الجبين، مركز المحافظة، تحدثت مصادر محلية عن تعثر حملات حوثية لحشد مجندين جدد في عدد من الأحياء والمناطق، مشيرة إلى امتداد حالة الرفض إلى قرى وعزل في مديريات أخرى.

قيادات حوثية في ريمة أثناء نزولهم الميداني لغرض الحشد والتعبئة إلى الجبهات (فيسبوك)

ومع تعثر عمليات التعبئة في أوساط السكان، اتجهت الجماعة، وفق المصادر، إلى استهداف المدارس الحكومية في محاولة لاستقطاب طلاب وتجنيدهم.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن القيادي هشام الشرفي، المكنى «أبو علي البكالي»، والمعين مسؤولاً للتعبئة في مديرية الزاهر بالمحافظة، نفذ عدداً من الزيارات الميدانية إلى مدارس بهدف حشد الطلاب واستقطابهم.

وأضافت أن هذه التحركات قوبلت برفض من جانب عدد من الطلاب وأسرهم ومعلميهم، وسط مخاوف من تحويل المؤسسات التعليمية إلى ساحات للتعبئة العسكرية.

استقطاب الطلاب

يقول عاملون في القطاع التربوي في ريمة إن تكثيف أنشطة التجنيد الحوثية داخل المدارس أثار مخاوف متزايدة بين المعلمين وأولياء الأمور، معتبرين أن هذه الممارسات تتجاوز الدور التعليمي للمؤسسات التعليمية وتمتد إلى استقطاب الطلاب وإلحاقهم بجبهات القتال.

وأضاف العاملون أن سكان المحافظة، إلى جانب سكان مناطق أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين، يسعون إلى توفير بيئة آمنة وتعليم مستقر لأبنائهم، ولا يرغبون في الزج بهم في الأعمال القتالية.

وفي سياق متصل، أفاد مصدر محلي مطلع بأن جماعة الحوثيين استدعت، قبل فترة، أكثر من 30 شخصاً من أبناء مديرية كسمة في ريمة لحضور اجتماع وصفته بأنه «مهم» في باحة إحدى المؤسسات الحكومية، قبل أن تبقي عليهم في مكان غير معلوم.

صور حوثيين من ريمة أعلنت الجماعة مقتلهم (فيسبوك)

وبحسب المصدر، لا يزال مصير هؤلاء الأشخاص مجهولاً حتى الآن، مرجحاً أن تكون الجماعة قد اقتادتهم قسراً إلى جبهات القتال من دون إبلاغ أسرهم.

وتُعد محافظتا ريف صنعاء وريمة من المناطق التي تعتمد عليها جماعة الحوثيين في عمليات التعبئة والحشد، غير أن المصادر المحلية تشير إلى تراجع ملحوظ في تجاوب السكان مع حملات التجنيد الأخيرة، في ظل رفض اجتماعي متزايد لمحاولات استقطاب أبنائهم وإلحاقهم بجبهات القتال.)