حفتر يبلغ ماكرون استعداده لتوقيع اتفاق لوقف النار في ليبيا

باريس تريد تحريك {الخطوط الجامدة} والدفع نحو تنفيذ مقررات قمة برلين

الرئيس ماكرون والمشير حفتر في اللقاء الذي جمعهما في قصر الإليزيه في 29 مايو 2018 (غيتي)
الرئيس ماكرون والمشير حفتر في اللقاء الذي جمعهما في قصر الإليزيه في 29 مايو 2018 (غيتي)
TT

حفتر يبلغ ماكرون استعداده لتوقيع اتفاق لوقف النار في ليبيا

الرئيس ماكرون والمشير حفتر في اللقاء الذي جمعهما في قصر الإليزيه في 29 مايو 2018 (غيتي)
الرئيس ماكرون والمشير حفتر في اللقاء الذي جمعهما في قصر الإليزيه في 29 مايو 2018 (غيتي)

أفادت مصادر دبلوماسية وثيقة الصلة بالملف الليبي، بأن زيارة المشيرة خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي، إلى باريس تلبية لدعوة رسمية تلقاها الشهر الماضي غرضها بالدرجة الأولى «تقييم الوضع الحالي السياسي والميداني» و«السعي إلى تحريك بعض الخطوط الجامدة»؛ من أجل الدفع باتجاه تنفيذ مقررات قمة برلين لشهر يناير (كانون الثاني) الماضي. وأضافت هذه المصادر التي تحدثت إليها «الشرق الأوسط»، أمس، أن باريس «لديها تساؤلات حول إمكانيات المشير حفتر لجهة حسم المعركة لصالحه، والسيطرة على كل المناطق الليبية».
وانطلاقاً من هذا التشخيص، فإن السؤال الذي يريد الفرنسيون التشاور بشأنه مع المشير حفتر يدور حول «المخارج» الممكنة للحملة التي أطلقها الجيش الوطني منذ شهر أبريل (نيسان) الماضي، أي قبل عام تقريباً والتي قادته إلى مداخل العاصمة بعدما مكّنته من السيطرة على مناطق واسعة من ليبيا.
وقال مكتب حفتر، أمس، في بيان، إنه وصل إلى باريس بدعوة رسمية من الرئيس إيمانويل ماكرون الذي التقاه في قصر الإليزيه «للتباحث في آخر مستجدات مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية»، لافتاً إلى أن «الرئاسة الفرنسية نظمت استقبالاً رسمياً بحضور ماكرون ورئيس أركان الجيش الفرنسي ووزيري الدفاع والداخلية بالحكومة الفرنسية وعدد من القيادات العسكرية بالجيش الفرنسي». وطبقاً للبيان «أشاد الرئيس الفرنسي بالدور المحوري الذي تلعبه قوات الجيش الوطني في دعم عمليات مكافحة الإرهاب»، مؤكداً «دعمه التام لتلك الجهود المبذولة لتحقيق الاستقرار في كامل المنطقة».
ونقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول بالرئاسة الفرنسية، أمس، أن المشير حفتر أبلغ الرئيس ماكرون بأنه سيوقّع على اتفاق لوقف النار، وسيلتزم به إذا احترمته الجماعات المسلحة التي تدعمها حكومة «الوفاق» المعترف بها دولياً. وأضاف المسؤول، بعد أن اجتمع حفتر مع ماكرون في باريس: «أكد لنا القائد العسكري حفتر بأنه ملتزم بتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار، لكنه سيتخلى عن هذا الالتزام إذا لم تحترمه الميليشيات».
وقال المسؤول في الرئاسة الفرنسية: حفتر أحد اللاعبين الرئيسيين بالمشهد السياسي الليبي، ويجب أن يؤخذ في الحسبان». وأضاف، أنه لا توجد خطط للقاء ماكرون برئيس حكومة طرابلس فائز السراج أو التحدث معه.
في المقابل، قالت مصادر فرنسية، إن باريس لا تريد أن تترك ليبيا ورقة تتحكم بها روسيا وتركيا فقط، في إشارة إلى الدعم المزعوم الذي تقدمه الأولى لحفتر، وإلى الدعم الذي تقدمه الثانية لحكومة طرابلس.
وهذه ليست المرة الأولى التي يُدعى فيها حفتر إلى باريس ويزورها. فقد جاءها في مايو (أيار) من العام الماضي بعد أيام قليلة من زيارة مماثلة للسراج، واجتمع خلالها بالرئيس إيمانويل ماكرون والوزير جان إيف لودريان. وحاول ماكرون إحداث اختراق في الملف الليبي من خلال مؤتمرين نظمتهما الدبلوماسية الفرنسية: الأول في يوليو (تموز) عام 2017، والآخر في مايو من عام 2018، إلا أن الجهود الفرنسية لم تفض إلى نتيجة، وأحد أسباب الإخفاق اتهام باريس بالوقوف إلى جانب قائد الجيش الليبي. وأكثر من مرة، أشار مسؤولون فرنسيون إلى أن إشكالية الملف الليبي تكمن في «كيفية تقاسم السلطة»، في حين اعتبر ماكرون أن «حفتر يمثل الشرعية العسكرية»، وأن السراج «يمثل الشرعية السياسية». وأفاد كتاب صدر أواخر العام الماضي بعنوان «القصة السرية للمخابرات الخارجية الفرنسية» للكاتب جان غيسنيل، بأن باريس «كانت تلعب ورقتي حفتر والسراج معاً». فمن جهة، كانت تقدم الدعم العسكري والاستخباري لحفتر، وهي في الوقت عينه أرسلت فريقاً لضمان سلامة السراج وتدريب رجاله. وفي شهر يوليو الماضي، بيّن تحقيق قامت به وزارة الخارجية الأميركية، أن صواريخ مضادة للمخابئ والتحصينات من طراز «جافلان» أدخلت إلى ليبيا عن طريق فرنسا. وبما أنها صعبة الاستخدام، فإن واشنطن رأت في ذلك دليلاً على وجود عسكريين فرنسيين إلى جانب حفتر؛ ما يعني أن الدعم الفرنسي استمر بعد انطلاق حملة حفتر للسيطرة على طرابلس.
ومنذ مؤتمر برلين الذي دعت إليه الأمم المتحدة وألمانيا لتوفير مظلة للحل السياسي للمعضلة الليبية ومساعدة مبعوث أمين عام الأمم المتحدة غسان سلامة الذي استقال مؤخراً، تلعب باريس ورقة الإجماع الدولي. لكن هذا الالتزام لا يمنعها من أن يكون لها موقف خاص، مثل أنها تدعو إلى وقف إطلاق النار، لكن من غير عودة قوات حفتر إلى المواقع التي انطلقت منها. كما أن باريس من أشد المنتقدين لسياسة تركيا في ليبيا، إنْ لجهة الدعم العسكري وإرسال مرتزقة سوريين، أم لجهة الاتفاق الاقتصادي الذي يضر بحقوق عضوين في الاتحاد الأوروبي هما اليونان وقبرص في مياه المتوسط الشرقي.
ويقوم الموقف الفرنسي اليوم، كما شرحه الوزير لودريان أمام البرلمان الأسبوع الماضي، على احترام مقررات قمة برلين والحاجة إلى دفع حفتر والسراج على السواء لاحترامها. وتريد باريس أن يتم سريعاً تعيين بديل عن سلامة «من أجل استمرار الدينامية التي أطلقها لوقف إطلاق النار والحوار الليبي - الليبي».
ودعا الوزير الفرنسي إلى السعي لفرض وقف دائم لإطلاق النار ولإطلاق حوار سياسي شامل والتمكن من إدارة أفضل للموارد الليبية، إضافة إلى وقف إيصال السلاح إلى الأطراف الليبية. وتجدر الإشارة إلى أن سلامة ندد دائماً بالتدخلات الخارجية في ليبيا بانتهاك قرارات برلين، وبازدواجية التعاطي في الملف الليبي، والقطيعة بين ما يقال وما يتم فعلاً ميدانياً.
وتقول المصادر الفرنسية، إن اهتمام باريس بما يجري في ليبيا «مشروع»؛ نظراً لما للوضع في ليبيا من تأثير على المصالح الفرنسية، إنْ في البلدان المغاربية أو في منطقة الساحل. وتندرج تحت هذا المسمى موجات اللاجئين والمهاجرين الأفارقة انطلاقاً من المرافئ الليبية وملف الإرهاب بما له من علاقة بتفلت الحدود الليبية وغياب الرقابة عليها. من هنا، خيار باريس للبحث عن بدائل من أجل الوصول إلى حل سياسي لا يبدو حتى اليوم، وعلى ضوء ما يجري ميدانياً قريب المنال. لذا؛ فإن اعتبار باريس أنها تتمتع بقدرة على التأثير على المشير حفتر يجعل التشاور معه أمراً مفيداً رغم الإخفاقات السابقة.



بسبب العجز عن الإيجار... التشرد يطارد سكان صنعاء

عائلة يمنية مشردة بعد توقف مصدر دخل العائل (إكس)
عائلة يمنية مشردة بعد توقف مصدر دخل العائل (إكس)
TT

بسبب العجز عن الإيجار... التشرد يطارد سكان صنعاء

عائلة يمنية مشردة بعد توقف مصدر دخل العائل (إكس)
عائلة يمنية مشردة بعد توقف مصدر دخل العائل (إكس)

لم يعد تأمين الغذاء والدواء التحدي الوحيد الذي يواجه آلاف الأسر اليمنية في مناطق سيطرة الحوثيين؛ إذ برزت أزمة أقسى، تتمثل في العجز عن دفع إيجارات المنازل؛ مما وضع أعداداً متصاعدة من السكان أمام خطر فقدان المأوى والتشرد، في ظل تدهور اقتصادي مستمر، وتراجع فرص العمل، واستمرار أزمة الرواتب.

وتؤكد مصادر حقوقية أن ظاهرة التهديد بالإخلاء القسري للمستأجرين تشهد تصاعداً ملحوظاً خلال الأشهر الأخيرة، خصوصاً في العاصمة المختطفة صنعاء، حيث تعجز أعداد متصاعدة من الأسر عن سداد الإيجارات المتراكمة؛ نتيجة تدهور الأوضاع المعيشية المستمر منذ سنوات.

ويرى مراقبون أن أزمة السكن لم تعد مجرد مشكلة اقتصادية مرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة، بل تحولت قضيةً إنسانيةً تهدد الاستقرار الاجتماعي لعشرات آلاف الأسر، التي تجد نفسها بين خيارين أحلاهما مرّ: إما الاستدانة لتسديد الإيجارات، وإما مواجهة خطر الطرد من مساكنهم.

وفي أحد أحياء مديرية شعوب شرق صنعاء، تنتظر أم محمد انتهاء المهلة الأخيرة التي منحها لها مالك المنزل لسداد الإيجارات المتراكمة. وتقول إن زوجها فقد مصدر دخله المنتظم منذ فترة طويلة، وإن الأسرة باتت عاجزة عن توفير المبلغ المطلوب رغم محاولاتها المستمرة.

عائلات يمنية تضطر إلى السكن في دكاكين مهجورة داخل الأحياء (إكس)

وتعكس قصتها واقعاً متكرراً تعيشه آلاف الأسر التي فقدت قدرتها على الوفاء بالتزاماتها الشهرية، في وقت يزداد فيه الضغط من قبل ملاك العقارات، الذين يواجهون بدورهم ظروفاً اقتصادية صعبة تدفعهم إلى المطالبة بحقوقهم المالية.

ويشير سكان في المدينة إلى أن كثيراً من ملاك العقارات أصبحوا أقل قدرة على منح المستأجرين مهلاً إضافية، مع استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع قيمة العملة وتآكل المدخرات؛ مما فاقم من حدة الخلافات بين الطرفين.

ويقول «سعيد»، وهو موظف حكومي يقطن صنعاء، إنه لم يتقاضَ راتباً منتظماً منذ سنوات، وإنه اضطر إلى بيع بعض مقتنيات منزله لتغطية النفقات الأساسية. ويضيف أن مالك العقار يطالبه باستمرار بدفع المتأخرات أو إخلاء الشقة، دون أن يملك أي بديل سكني يؤويه مع أسرته.

أما «عبد الملك»، وهو سائق أجرة، فيشير إلى أن دخله اليومي بالكاد يغطي احتياجات أسرته الغذائية، فيما تراكمت عليه إيجارات أشهر عدة، مؤكداً أن صاحب المنزل لم يعد يقبل مزيداً من التأجيل.

أزمة متفاقمة

وأسهمت سنوات الصراع في تدهور مصادر الدخل وإضعاف النشاط الاقتصادي في مختلف المناطق اليمنية؛ مما أثر بشكل مباشر في قدرة المواطنين على الوفاء بالتزاماتهم المعيشية.

فإلى جانب ارتفاع أسعار المواد الغذائية والخدمات الأساسية، فقد تراجعت فرص العمل بصورة حادة، بينما استمرت أزمة الرواتب التي طالت مئات آلاف الموظفين؛ مما أدى إلى استنزاف المدخرات المحدودة، ودفع بمزيد من الأسر نحو الفقر.

ويؤكد اقتصاديون أن السكن بات أحد أكبر الأعباء المالية التي تواجه الأسر اليمنية، خصوصاً في المدن الكبرى التي يعتمد معظم سكانها على الإيجار. وفي ظل غياب أي تحسن اقتصادي ملموس، تزداد المخاوف من اتساع دائرة العجز عن السداد خلال الفترة المقبلة.

الحوثيون ينفقون الأموال على الدعاية العقائدية ويتجاهلون معاناة اليمنيين (الشرق الأوسط)

كما أسهم تراجع المساعدات الإنسانية الموجهة إلى اليمن في زيادة الضغوط على الأسر الفقيرة، التي كانت تعتمد جزئياً على تلك المساعدات لتغطية بعض احتياجاتها الأساسية، بما فيها تكاليف السكن.

ووفق مصادر مطلعة، فقد شهدت أقسام الشرطة والمحاكم في صنعاء خلال الفترة الأخيرة ارتفاعاً في أعداد النزاعات المرتبطة بالإيجارات؛ نتيجة تعثر المستأجرين في السداد، وإصرار بعض الملاك على استعادة عقاراتهم أو تحصيل مستحقاتهم المالية.

وتوضح المصادر أن معظم القضايا يتعلق بأسر فقدت مصادر دخلها أو تعتمد على أعمال يومية غير مستقرة؛ مما جعلها غير قادرة على الالتزام بدفع الإيجارات بشكل منتظم.

اتساع دائرة الإخلاء

وتحذر تقارير أممية من تفاقم أزمة السكن في اليمن، مشيرة إلى أن مئات الآلاف من السكان معرضون لخطر فقدان المأوى بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع تكاليف الإيجارات.

وتشير التقديرات إلى أن نحو 308 آلاف نازح يواجهون مخاطر الإخلاء القسري نتيجة عدم قدرتهم على تسديد الإيجارات، في ظل تراجع فرص العمل، وفقدان مصادر الدخل، وازدياد الاحتياجات الإنسانية.

ويخشى ناشطون يمنيون في المجال الإنساني أن يؤدي اتساع ظاهرة الإخلاء إلى زيادة معدلات التشرد والنزوح الداخلي، خصوصاً بين الأسر التي لا تمتلك مساكنَ بديلة أو أراضيَ يمكن العودة إليها.

كما يحذرون من التداعيات الاجتماعية والإنسانية لهذه الأزمة على الأطفال والنساء وكبار السن، بصفتهم الفئات الأكبر عرضة للضرر في حال فقدان المأوى.


مشروعات الطاقة تعزز فرص «التقارب الحذر» بين القاهرة ودمشق

الرئيسان السيسي والشرع خلال لقاء بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
الرئيسان السيسي والشرع خلال لقاء بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
TT

مشروعات الطاقة تعزز فرص «التقارب الحذر» بين القاهرة ودمشق

الرئيسان السيسي والشرع خلال لقاء بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
الرئيسان السيسي والشرع خلال لقاء بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)

في وقت يستهدف قطاع النفط والغاز السوري تسريع وتيرة التعافي واستعادة القدرات الإنتاجية، التقى وزير البترول والثروة المعدنية المصري كريم بدوي بوزير الطاقة السوري محمد البشير، الثلاثاء، وبحثا سبل تعزيز التعاون المشترك، في خطوة قال محللون إنها تعزز مسارات «التقارب الحذر» بين البلدين.

جاء اللقاء على هامش فعاليات النسخة العاشرة من «المنتدى العالمي للطاقة»، الذي ينظمه «المجلس الأطلسي» بالعاصمة الأميركية واشنطن، يومي التاسع والعاشر من يونيو (حزيران)، بمشاركة كبار صناع القرار والوزراء في مجالات الطاقة والسياسة الخارجية، ورؤساء شركات الطاقة العالمية والمستثمرين.

ويمضي التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا على قدم وساق مع توجه دمشق نحو إعادة الإعمار، وفي ظل تحديات إقليمية ترتبط بملف الطاقة. ووقع البلدان مذكرتي تفاهم مطلع هذا العام، الأولى «للتعاون في توريد الغاز إلى سوريا عبر مصر لتوليد الكهرباء» والثانية «لتلبية احتياجات سوريا من المنتجات البترولية».

واستعرض الوزيران، الثلاثاء، مستجدات تنفيذ مذكرة التفاهم المتعلقة بالغاز الطبيعي، بالإضافة إلى فرص التعاون في إعادة تأهيل وتطوير البنية التحتية للطاقة داخل سوريا من خلال الاستفادة من الخبرات والإمكانات التي تمتلكها شركات قطاع البترول المصرية.

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره السوري أسعد الشيباني في القاهرة الشهر الماضي (الخارجية المصرية)

وأكد بدوي أن العلاقات بين مصر وسوريا «تستند إلى روابط تاريخية وأخوية قوية، وهو ما يوفر أرضية مناسبة لتعزيز التعاون المشترك في مختلف المجالات الاقتصادية، وعلى رأسها مجالات الطاقة والبنية التحتية»، وفقاً لبيان صادر عن وزارة البترول المصرية الثلاثاء.

«تقارب حذر»

يأتي اللقاء في وقت كانت تطورات مسارات «التقارب الحذر» بين البلدين محل نقاشات عديدة. ونشرت «الشرق الأوسط»، الأسبوع الماضي، تقريراً عن «تحفظات مصرية» تعرقل استقبال سفير سوري جديد، غير أن مصدراً مصرياً مسؤولاً أكد في تصريحات للصحيفة، السبت الماضي، أن الحكومة السورية قدمت مرشحاً آخر لرئاسة البعثة «وأن الأمور تسير نحو اعتماده».

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، أشرف حربي، أن التعاون في مجالات اقتصادية مهمة، بما في ذلك ملف الطاقة، يؤدي لمزيد من التقارب، وقد «يخفف من أي إشكاليات» قد تعيق هذا المسار، مشيراً إلى أن العلاقات الاقتصادية والتجارية «تسير بشكل جيد، وهناك رغبة من القاهرة لأن تمضي باقي مسارات التعاون على الوتيرة نفسها وإن كانت هناك بعض التحديات».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «مصر تعمل على تنحية أي أزمات جانباً... ونعمل على تهيئة الأجواء المناسبة لأن تعود العلاقات مع سوريا إلى طبيعتها، وبما يدعم انخراط سوريا بشكل كامل في محيطها العربي».

واعتبر أن قضية تعيين سفير جديد لسوريا لدى مصر «ليست بالموضوع الكبير الذي يُعيق العلاقات أو يؤثر على الروابط التاريخية بين الشعبين»، لكنه شدد على أن هناك «أساسيات أو مبادئ رئيسية لا يمكن للقاهرة أن تحيد عنها دون أن يقود ذلك لتوتر في العلاقات مع الجيران والأشقاء العرب».

ومنذ سقوط بشار الأسد، بدت العلاقات المصرية - السورية تتحرك نحو اتصالات ثنائية حذرة بسبب مخاوف القاهرة من ملف المسلحين، قبل أن يتجه ذلك تدريجياً نحو تعاون اقتصادي.

لقاءات متعددة

وكان أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» استضافته دمشق في يناير (كانون الثاني) الماضي بمشاركة 26 من قيادات الغرف التجارية المصرية وقطاعات المال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، بمثابة بادرة إيجابية أعقبها نشاط على مستوى اللقاءات الدبلوماسية والاقتصادية.

اجتماعات مصرية - سورية تستهدف الارتقاء بالعلاقات في مجالات مختلفة (الخارجية المصرية)

وفي أواخر أبريل (نيسان) الماضي، التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نظيره أحمد الشرع على هامش «القمة التشاورية العربية الأوروبية» التي عُقدت في قبرص. وأفادت وسائل إعلام في القاهرة ودمشق حينها بأن «حديثاً ودياً» جرى بين الرئيسين لبحث تطورات المنطقة وتعزيز التعاون.

وأعقب هذا اللقاء زيارة أجراها وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى القاهرة في الثالث من مايو (أيار) الماضي، وتمخض عنها الإعلان عن تشكيل مجلس أعمال مشترك بين البلدين وتوسيع مجالات التعاون التجاري والاقتصادي، مع التأكيد على أهمية تنسيق المواقف بشأن التطورات في المنطقة.

ويقول الباحث في الشؤون الدولية، هاني الجمل، إنه «رغم التقارب الحذر والعلاقات التي يشوبها بعض الغيوم، فإن القاهرة حريصة على أن تمد يدها إلى دمشق، وتؤيد رسم خطوط جديدة للتقارب، بالتزامن مع مساعي سوريا لتسريع وتيرة إعادة الإعمار وتقديم نفسها محطة للمرور والتجارة بين دول الخليج وأوروبا».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «مشروعات الطاقة يمكن أن تتجه إلى إعادة إحياء خط الغاز (القاهرة – دمشق - أنقرة)، وبالتالي تقفز الملفات الاقتصادية لتقود القاطرة السياسية». لكنه شدد في الوقت ذاته على أن مصر تتابع عن كثب ما ستؤول إليه خطوات التقارب الحالية مع سوريا في ملفات عديدة، وتنتظر مزيداً من الإجراءات التي تخفف مخاوفها الأمنية، وتترقب السياسات السورية الجديدة.

واستطرد: «القاهرة تهدف في نهاية المطاف لأن تحتوي أي مشكلات من شأنها التأثير سلباً على العمق الاستراتيجي المصري».


الحوثيون يقرّون بأزمة الوقود المغشوش بعد اتساع الغضب

الحوثيون يبرّرون انتشار الوقود المغشوش بالغارات الجوية الإسرائيلية على أماكن التخزين (أ.ف.ب)
الحوثيون يبرّرون انتشار الوقود المغشوش بالغارات الجوية الإسرائيلية على أماكن التخزين (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يقرّون بأزمة الوقود المغشوش بعد اتساع الغضب

الحوثيون يبرّرون انتشار الوقود المغشوش بالغارات الجوية الإسرائيلية على أماكن التخزين (أ.ف.ب)
الحوثيون يبرّرون انتشار الوقود المغشوش بالغارات الجوية الإسرائيلية على أماكن التخزين (أ.ف.ب)

بعد أيام من التجاهل والإنكار، أقرَّت الجماعة الحوثية بأزمة الوقود المغشوش الذي انتشر في مناطق سيطرتها وتسبب بخسائر كبيرة لملاك السيارات والمركبات، وحوادث هدَّدت حياة مئات المتنقلين وسلامتهم، وأثار غضب السكان وتهكمهم، وسط أزمة مالية دفعت الجماعة إلى ممارسات تشدد الخناق على المستثمرين والسكان.

وأقرَّت شركة النفط التابعة للجماعة الحوثية بوجود شكاوى واسعة تتعلق بأعطال أصابت مركبات بعد تعبئة الوقود، وزعمت أن فِرقاً فنية تابعة لها باشرت سحب عينات من المحطات وإخضاعها للفحص المخبري، إلا أنها فسرت التلوث بظروف النقل والتفريغ والتخزين، قبل أن تعود لادعاء تسبب الغارات الجوية الأميركية والإسرائيلية به.

ونشر عدد من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي صوراً ومقاطع فيديو لتوقف سياراتهم وتعطلها في الطرقات، وكانت أغلبية الشكاوى من متنزهين تنقلوا لمسافات طويلة أيام عيد الأضحى، واضطروا إلى استئجار سيارات لإعادتهم وعائلاتهم إلى المنازل واستقدام فنيين لإصلاح السيارات.

وعلى الرغم من أن شركة النفط التابعة للحوثيين تحدثت عن إخضاع الوقود المستورد للفحص قبل السماح بتوزيعها في الأسواق، واتخاذ إجراءات احترازية لضمان سلامته، فإن مستخدمي وملاك السيارات والمركبات أعادوا التذكير بأزمة مشابهة خلال العام الماضي.

وظهرت تلك الأزمة بعد فرض الولايات المتحدة حظراً على وصول الوقود إلى ميناء الحديدة، الذي تسيطر عليه الجماعة، بعد تصنيفها منظمة إرهابية أجنبية، وفرضت عقوبات على عدد من قادتها، ورغم اعتراف الجماعة حينها بوجود الوقود المغشوش، فإنها تنصلت من المسؤولية عن انتشاره.

تبريرات غير مقبولة

جاء في تبريرات الشركة الخاضعة للحوثيين، أخيراً، أن خزاناتها النفطية تعرضت للتدمير الكامل من جراء غارات أميركية وإسرائيلية؛ ما أدى إلى اضطرارها إلى استخدام خزانات أخرى لا تسمح بترسب الشوائب وتنقية الوقود.

يمني يلجأ لتفريغ الوقود الحوثي المغشوش من خزان سيارته (إكس)

وكان عدد من القادة الحوثيين نفوا، خلال الأيام الماضية، وقوع هذه الأزمة، قبل أن يعاود بعضهم الحديث عنها بوصفها تستهدف الجماعة والإساءة إليها.

وحاول القيادي نصر الدين عامر، المُعيَّن في منصب رئيس مجلس إدارة النسخة الحوثية من وكالة «سبأ»، تخفيف الغضب الشعبي بزعم تعرض سيارته لعطل واضطراره إلى نزع خزان الوقود، مدعياً أن هذه الحالات نادرة وليست بذلك القدر من الانتشار كما يجري الحديث في أوساط المجتمع، وقال إن سيارات معارفه لم تتعطل رغم تعبئتها بالوقود من المحطة ذاتها التي يشتري منها الوقود.

وعلق، فكري، وهو أحد فنيي السيارات، على مزاعم عامر بأنه شخصياً فحص وحاول إصلاح أكثر من 20 سيارة في ورشة يعمل بها في العاصمة المختطفة صنعاء خلال الفترة منذ ما قبل العيد، واتضح أن غالبيتها تعرضت لأعطال بسبب رواسب خطيرة تؤثر على كفاءة محركاتها.

وفسّر فكري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» عدم تعرض جميع السيارات للأعطال نفسها، بأن الأمر لا يعود إلى وجود كمية قليلة من الوقود المغشوش، بل إلى أن غالبية السيارات الحديثة، وأغلبها صغيرة الحجم وخفيفة الوزن، تعمل بقطع ومعدات حساسة لا تستطيع مقاومة التلوث، ويمكن لأي رواسب أن تتسبب بأعطال فيها.

وعلى العكس من ذلك، فإن السيارات التي تنتمي إلى طرازات مشهورة بالقوة والصلابة تستطيع محركاتها التعامل مع التلوث ومقاومته إلى حد كبير، إلا إذا كانت نسبته كبيرة أو جرى استخدامه فيها لوقت طويل.

أزمات مترابطة

يرى خبراء ومراقبون أن أزمة الوقود المغشوش مرتبطة بالأزمة المالية التي تحاصر الجماعة الحوثية منذ أشهر بسبب تداعيات العقوبات الدولية المفروضة عليها وممارساتها التي خنقت الأنشطة الاقتصادية في مناطق سيطرتها.

يمني تعرَّضت سيارته لحادث بعد توقفها وسط الطريق بسبب الوقود الحوثي المغشوش (إكس)

من جهته، فسّر فؤاد المقطري، وهو باحث اقتصادي يمني، عودة الوقود المغشوش للانتشار في مناطق سيطرة الحوثيين بالأزمة المالية التي تعانيها الجماعة؛ وهو ما اضطرها إلى استيراد وقود رخيص غير مرغوب فيه، أو اللجوء إلى تسويق كميات من الوقود المغشوش الذي يُحتمل أنها تحتفظ به منذ سنوات.

وأوضح الباحث لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة منذ سنوات أعلنت عن ضبط ومصادرة كميات كبيرة من الوقود المغشوش، ولم تصرح عن كيفية تعاملها معها، مرجحاً أن تكون خزَّنتها تحسباً لأي أزمات تواجهها، مثل الأزمة المالية الحالية.

وحذَّر من أن ممارسات الجماعة ستؤدي إلى المزيد من تراجع الأنشطة التجارية بفعل تراجع القدرة الشرائية للسكان واتساع رقعة البطالة، إلى جانب ما تسببت به العقوبات المفروضة عليها من تقييد لمصادر التمويل.

العقوبات على الحوثيين أسهمت في التضييق على مواردهم المالية (رويترز)

وتواجه الجماعة الحوثية أزمة مالية متفاقمة دفعتها إلى تكثيف إجراءات الجباية وفرض رسوم وأعباء مالية جديدة على التجار ورجال الأعمال في المناطق الخاضعة لسيطرتها، بعد تراجع الموارد المالية وتباطؤ النشاط الاقتصادي والتجاري، حسب موقع «أتليار» الإسباني.

وكشف الموقع عن أن الجماعة نفذت خلال الفترة الأخيرة حملات واسعة لتحصيل أموال من الشركات والتجار تحت مسميات مختلفة، بعد حملات مماثلة سبقت موسم عيد الأضحى، شملت مطالبات بتقديم مساهمات نقدية وعينية.

وحسب مصادر نقل عنها الموقع، فإن الكثير من التجار ورجال الأعمال يشكون من تزايد الرسوم والالتزامات المالية المفروضة عليهم خلال السنوات الماضية؛ ما دفع العديد منهم إلى تقليص أنشطتهم أو نقلها إلى مناطق أخرى.