في إدلب... الخيار الوحيد هو انتظار الموت

غالبية سكان الإقليم من المدنيين... ويأملون في وقف الهجوم بالهدنة

شمال سوريا قرب الجدار الحدودي مع تركيا (نيويورك تايمز)
شمال سوريا قرب الجدار الحدودي مع تركيا (نيويورك تايمز)
TT

في إدلب... الخيار الوحيد هو انتظار الموت

شمال سوريا قرب الجدار الحدودي مع تركيا (نيويورك تايمز)
شمال سوريا قرب الجدار الحدودي مع تركيا (نيويورك تايمز)

قبل الحرب في سوريا، كانت مدينة إدلب بطرقاتها التي تصطفّ على جانبيها الأشجار والمباني الحجرية البيضاء، معروفة بهوائها العليل الهادئ. واليوم، فإن تلك المدينة تفيض بالعائلات التي فرت من الحرب من مناطق أخرى من سوريا، مما أدى إلى تضخم عدد السكان الذي تجاوز المليون. أولئك الذين لم يجدوا مأوى، وجدوا ملاذاً في ملعب لكرة القدم، وهناك عدد أكبر تراهم يصطفون في الخارج للحصول على المساعدات الغذائية. وقد اعتاد السكان على القصف لدرجة أن أحداً لم يعد يشعر بالرجفة القديمة عند سماع صوت انفجار. لكن الأسوأ لم يأت بعد في آخر مدينة تسيطر عليها المعارضة السورية.
إلى الشمال (من إدلب)، يعيش ما يقرب من مليون شخص على جوانب الطرق وفي بساتين الزيتون في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في الحرب السورية الوحشية التي استمرَّت نحو تسع سنوات. إلى الجنوب والشرق، تتمركز قوات الحكومة السورية المدعومة بالطائرات الحربية الروسية على بعد خمسة أميال فقط. وعندما يصلون إلى مدينة إدلب، فمن المحتمل أن يفرّ عدد سكانها البالغ عددهم حالياً نحو مليون نسمة، مما يضاعف من أعداد النازحين في الشمال. وقد حثّ جرّاح العظام حكمت الخطيب، والديه، على الانتقال إلى الشمال، لكن عندما قُصفت البلدة قررت والدته البقاء.
وقال الخطيب: «لقد صدمني كلامها؛ أن الخيار الوحيد هو انتظار الموت».
قمت بزيارة إلى إدلب مع مصور ومترجم فوري، الأربعاء الماضي، عبر الحدود من تركيا. رافقنا عمال الإغاثة من جمعية خيرية سورية وأعضاء في جماعة متطرفة هي «هيئة التحرير الشام» التي تسيطر على المحافظة. وجدنا 100 أسرة في مخيمات داخل الاستاد الرياضي، بعد أن تحول إلى ملجأ للطوارئ. كانت أمينة سحلول تجلس على الأرض حول موقد في غرفة كبيرة تحت الأرض مخصصة للنساء والأطفال. كانت قد وصلت قبل ساعات، فراراً من قريتها في جوف الليل، متشبثة بأحفادها الخمسة خلف ابنها على دراجة نارية. قالت: «لقد خرجنا بسبب الغارات الجوية. بدأوا بإلقاء القنابل العنقودية التي كانت مثل النار تتساقط من السماء».
لم يكن هناك تهاون في التعامل مع سكان محافظة إدلب، حيث شقّت قوات الرئيس بشار الأسد، المدعومة من القوات الجوية الروسية، طريقها إلى الأمام بعد أن هدمت البلدات والقرى في جنوب وشرق المحافظة بضربات جوية على سبيل العقاب. وبدا وقف إطلاق النار الخميس الذي أعلنته تركيا، التي تدعم قوات المعارضة السورية، فيما تدعم روسيا الحكومة السورية، قراراً ساري المفعول حتى الجمعة، لكن القليلين يعتقدون أنه سيستمر. وأصر الأسد على أنه سيواصل هجومه لاستعادة إدلب، وتعهدت المعارضة بالمقاومة.
وزادت حدة التوتر في ملعب كرة القدم، عندما وردت أنباء عبر الراديو عن أن الطائرات الروسية باتت قريبة، مما جعل الجميع يحدقون في السماء في رعب.
وعندما سقطت قذيفة مدفعية على حي مجاور، كان من الغريب أنه لم يأبه لها سوى قلة من الناس، فقوات الحكومة السورية تطلق الصواريخ طوال الوقت. لكن عندما تبدأ الطائرات الروسية في شن هجوم، فإنها تستخدم القوة الساحقة، وتطلق القذائف بغزارة لتجبر الناس على الفرار خلال دقائق. وقال حسن يوسفي بينما يسير حول ملجأ الرجال في الملعب: «كلما سمعت صوت طائرات أبدأ بالركض كالمجانين، أفقد عقلي. عشت بجانب الطريق السريع لمدة 45 عاماً. قتل أخي بعد أن قصفنا الروس».

- مدنيون ومتطرفون ومعارضة
تسير الحياة خارج الملعب كالمعتاد. فالشوارع مزدحمة بالسيارات والدراجات النارية والنساء تمشي في شارع التسوق الرئيسي. لكن المدينة لا تنعم بالكهرباء سوى لساعتين يومياً، وكثيراً ما ترى الأولاد يبيعون البنزين في عبوات بلاستيكية على نواصي الشوارع.
كانت إدلب بعيدة عن سيطرة الحكومة طوال فترة الحرب، واليوم تخضع بدرجة كبيرة لسيطرة لجماعة «هيئة تحرير الشام» المتطرفة. ولكن عدداً محدوداً من المسلحين وجود في الأفق في مدينة إدلب، عاصمة المقاطعة، الأربعاء. يقف ضباط الشرطة الموالون للمعارضة كحراسة خارج مكتب المحافظ ومركز الشرطة، لحمل عبء القتال منذ الأيام الأولى للثورة. وتحمل لوحات الإعلانات المنتشرة في جميع أنحاء المدينة ملصقات لامعة للمقاتلين تدعو الناس للانضمام إلى القتال لأنه «لا شرف من دون الجهاد» كما يقول ملصق قرب نقطة تفتيش.
وقال أبو أحمد محمد، المتحدث باسم «جماعة تحرير الشام»، إن انهياراً حدث خلال الشهر ونصف الشهر الماضي. لكنه أضاف أن النظام السوري فقد كثيراً من الجنود بأعداد فاقت خسارة المعارضة، واضْطُرّ لجلب مقاتلين تدعمهم إيران لاستعادة مدينة سراقب الاستراتيجية التي تغيرت السيطرة عليها عدة مرات خلال الأسبوعين الأخيرين.
لكن معظم سكان الإقليم البالغ عددهم ثلاثة ملايين نسمة، هم من المدنيين، وقد أصابهم اليأس من إنهاء العنف، فهم يتشبثون بالأمل في أن يؤدي نشر تركيا المتزايد لقواتها في المدينة إلى وقف الهجوم عليهم. وقال عبد الرزاق، رئيس قسم الإغاثة الطارئة في جمعية «فيوليت» الخيرية السورية، إن «أي شيء يجعلنا نشعر بالأمان أو يخلصنا من النظام أمر جيد للغاية».
وكان فريقه يتولى مساعدة الناس على الفرار من القرى على الخطوط الأمامية، ويعدون السكان للفرار في حالة حدوث إجلاء جماعي للمدينة.
على بُعد ساعة بالسيارة إلى الشمال من المدينة، تزين الخيام الزرقاء والبيضاء التلال الصخرية وبساتين الزيتون في المنطقة الحدودية.
وقد انتشرت مخيمات تضم آلاف العائلات النازحة منذ الأيام الأولى للحرب، وعلى مرّ السنين تحولت إلى مستوطنات سكنية مبنية من الخرسانة بمساعدة أجنبية انضم إليهم مئات الآلاف من الأشخاص خلال الأسابيع الستة الماضية، حيث قاموا بنصب الخيام بجانب الطرق، وبين الحجر الجيري الصخري المنبثق من قطاع مزدحم بالسكان على طول الحدود التركية. وهناك تؤوي المساجد والمدارس والمتاجر والمصانع الفارغة كثيراً من العائلات.

- مثل الكلاب الضالة
وحتى تلك المناطق غير آمنة، فقد هربت امرأة تدعى أم عبد الله من قريتها، منذ ثلاثة أشهر ولجأت مع أسرتها إلى مصنع للطوب القديم خارج بلدة معرة مصرين. ويوم الاثنين، كانت أم عبد الله تقوم بجمع الأعشاب مع اثنين من أطفالها، عندما سمعت صوتاً مثل الطيور ونظرت لترى صاروخين يسقطان من السماء باتجاهها. قالت: «لقد وضعتُ الأطفال على الأرض وغطيتهم بجسدي. يُقال إن استلقيتَ على الأرض لا تصيبك الشظايا». فقدت وعيها وأصيبت ابنتها البالغة من العمر 18 شهراً، لكن الثلاثة نجوا. وفي ملجأ للطوارئ بالقرب من الحدود التركية، تحدثت عالية عبراس (37 عاماً)، قائلة: «هل تعرف معنى النزوح؟»، وأجابت: «أن تصبح مثل الكلاب الضالة».
وقالت إن رجال الإنقاذ استغرقوا ساعتين ونصف الساعة لانتشالها هي وأطفالها الثلاثة من تحت أنقاض في منزلهم، في بلدة أريحا، قبل شهر. كان الوقت منتصف الليل، ولكنهم تركوا في الشارع بجانب منزلهم المدمر لأنه كان لا يزال هناك آخرون يتعين إنقاذهم. وقد أصيب الحي بأكمله حول المستشفى الرئيسي. وقالت: «قضينا يومين في الشارع حتى عثر علينا فريق الإنقاذ التابع لجمعية فيوليت»، ونقلتهم إلى الملجأ الذي يضم 45 عائلة في مركز للتسوق في بلدة سرمدا. قالت: «أتمنى لو أنني متّ تحت الأنقاض وأطفالي معي. لقد فقدنا كل شيء قضيت أنا وزوجي العمر في بناء بيتنا. ونحن نبدأ من الصفر الآن».
في مخيم «النصر»، نصب الوافدون الجدد خياماً على بعد أمتار قليلة من الجدار الخرساني المغطى بلفائف من الأسلاك الشائكة التي تحدد الحدود التركية. أربعة عائلات سكنوا خيمة واحدة أقيمت فوق الصرف الصحي الخاص بالمخيم. لم يكن لديهم خيار آخر، قالوا. خلف الخيمة، تجري مياه الصرف الصحي أسفل التل إلى بركة نتنة. وقالت هناء الميجان، وهي مزارعة وأم لسبعة أطفال: «لن يقبل بها غيرنا. ليس لدينا أموال للبناء». شُرّدت الأسرة مرتين ووقعت في ديون كبيرة بسبب انعدام العمل. قالت: «نحن أقل من الصفر»، قالتها وأنَّبها زوجها. هذه المرة اختاروا العيش على بعد 100 قدم من الجدار الحدودي. سألتُها: «ألا تخشون أن يتعرض المكان للقصف هذه المرة أيضاً؟ هزت رأسها، وأشارت إلى التل المقابل، قائلة: «هنا تركيا».

- خدمة «نيويورك تايمز»



الحوثيون يعلنون الطوارئ تحسباً لهجوم أميركي على إيران

عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
TT

الحوثيون يعلنون الطوارئ تحسباً لهجوم أميركي على إيران

عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)

في خطوة تعكس تصاعد القلق داخل أوساط الجماعة الحوثية من احتمال هجوم أميركي على إيران قد يتسع ليشمل أذرع طهران في المنطقة، أعلنت السلطات التابعة للجماعة في صنعاء رفع مستوى الطوارئ والاستعداد لمواجهة أي تطورات عسكرية محتملة، بالتزامن مع تصعيد خطاب التعبئة الدينية والدعوة إلى «الجهاد»، حيث لا يستبعد مراقبون أن تنخرط الجماعة في الصراع إلى جانب إيران.

وجاء الإعلان الحوثي عقب اجتماع نادر للجنة الطوارئ التابعة للحكومة غير المعترف بها دولياً، برئاسة القائم بأعمال رئيسها محمد مفتاح، حيث ناقش المجتمعون - وفق وسائل إعلام الجماعة - إجراءات رفع الجاهزية على المستويين المركزي والمحلي، وتعزيز قدرات المؤسسات المعنية بالتعامل مع الحالات الطارئة، خصوصاً الدفاع المدني والقطاعات الخدمية.

ويرى محللون يمنيون أن توقيت الاجتماع يعكس مخاوف الحوثيين من احتمال تعرضهم لتداعيات أي ضربات عسكرية قد تستهدف إيران، في ظل ارتباط الجماعة السياسي والعسكري بما يُعرف بمحور «الممانعة»، وهو ما قد يجعل مناطق سيطرتهم جزءاً من مسرح ردود الفعل الإقليمية.

وحسب المصادر الحوثية، ناقشت لجنة الطوارئ آليات تعزيز الاستجابة السريعة للأزمات، بما يشمل رفع جاهزية فرق الإنقاذ والإغاثة وتقوية البنية التشغيلية لقطاع الطوارئ، الذي يضم عدداً من الوزارات والمؤسسات المرتبطة بالأمن والخدمات.

اجتماع نادر للجنة الطوارئ في حكومة الحوثيين الانقلابية (إعلام محلي)

وأكد محمد مفتاح خلال الاجتماع أن «الوضع الاستثنائي» يتطلب استمرار الاستعداد الكامل، داعياً إلى دعم مصلحة الدفاع المدني بالكوادر والمعدات اللازمة، بما يمكّنها من الحد من الخسائر البشرية والمادية في حال وقوع هجمات أو تطورات عسكرية مفاجئة.

ويشير مراقبون إلى أن الإعلان عن اجتماعات لجنة الطوارئ يُعد أمراً غير معتاد، إذ غالباً ما تبقى تحركاتها بعيدة عن الإعلام، ما يعزز فرضية أن الجماعة تتوقع سيناريوهات تصعيد تتجاوز الإطار المحلي اليمني.

كما انتقد المسؤول الحوثي الحشود العسكرية الأميركية في المنطقة، ورأى أنها تمثل تهديداً لاستقرار دول الشرق الأوسط، ومتهماً واشنطن بالسعي إلى فرض الهيمنة على مقدرات المنطقة، وهو خطاب يتكرر في بيانات الجماعة بالتوازي مع كل توتر إقليمي.

احتواء الضغوط

وتزامنت إجراءات الطوارئ الحوثية مع تصعيد ملحوظ في الخطاب التعبوي، حيث كثّفت الجماعة الفعاليات الجماهيرية والمسيرات المناهضة للسياسات الأميركية والإسرائيلية، إضافة إلى توسيع حملات التجنيد، خصوصاً في أوساط الطلاب والشباب.

ويرى سياسيون يمنيون أن هذا التصعيد يأتي أيضاً في سياق محاولة احتواء حالة الاحتقان الشعبي الكبيرة نتيجة الأزمة الاقتصادية الحادة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات، واتساع رقعة الفقر، فضلاً عن مواجهات قبلية متفرقة في عدد من المحافظات.

تعسف الحوثيين ضد الوكالات الإغاثية حرم ملايين اليمنيين من الحصول على المساعدات (أ.ف.ب)

وحسب هؤلاء، فإن ربط الوضع المحلي بالصراع الإقليمي يمنح الجماعة فرصة لإعادة توجيه الرأي العام نحو «الخطر الخارجي»، بما يسهم في تخفيف الضغط الداخلي المتصاعد.

وفي السياق ذاته، نظمت الجماعة عروضاً عسكرية في عدد من المدن الخاضعة لسيطرتها، في استعراض للقوة العسكرية ورسائل ردع داخلية وخارجية، بينما عدّ مراقبون أن هذه التحركات تهدف أيضاً إلى ترسيخ حالة التعبئة النفسية لدى السكان.

وفي موقف أكثر وضوحاً، أصدرت رابطة رجال الدين التابعة للحوثيين بياناً دعت فيه إلى رفع مستوى التعبئة والاستعداد القتالي، مطالبة السكان بالالتزام بتوجيهات زعيم الجماعة، ومؤكدة ضرورة «النفير الواسع» لمواجهة ما وصفته بالتهديدات الأميركية والإسرائيلية.

كما أدانت الرابطة الضربات الإسرائيلية ضد مواقع مرتبطة بــ«حزب الله» في لبنان، وعدّت التهديدات الموجهة لإيران دليلاً على اتساع المواجهة، داعية إلى ما سمته «وحدة الساحات»، وهو مفهوم سياسي تتبناه القوى المتحالفة مع طهران في المنطقة.

وشدد البيان على أن «الجهاد ووحدة الصف» يمثلان السبيل الوحيد لمواجهة التحديات الراهنة، داعياً إلى مقاطعة المنتجات الأميركية والإسرائيلية وتحريض السكان على التعبئة العامة.

تصعيد ميداني

وبالتوازي مع هذه التحركات السياسية والتعبوية الحوثية، شهدت جبهات الساحل الغربي اليمني تصعيداً عسكرياً لافتاً، إذ أفادت مصادر عسكرية بسقوط قتلى وجرحى في صفوف القوات المشتركة (الحكومية) إثر هجوم حوثي واسع استهدف مواقع في مديرية حيس جنوب محافظة الحديدة.

تجنيد مستمر ضمن حملات التعبئة الحوثية (إعلام محلي)

ووفق المصادر، أسفر الهجوم عن مقتل ستة عسكريين وإصابة نحو ثلاثة عشر آخرين، بعد معارك دارت في مناطق خط حيس - الجراحي وجبال ذو بأس شمال المدينة، في محاولة للسيطرة على مواقع استراتيجية.

ويشير مراقبون إلى أن مدينة حيس تمثل موقعاً جغرافياً بالغ الأهمية، كونها تربط بين الساحل والمرتفعات الداخلية المؤدية إلى محافظتي تعز وإب، إضافة إلى كونها بوابة جنوبية رئيسية لمحافظة الحديدة المطلة على البحر الأحمر.

ويرى محللون أن التصعيد الحوثي الميداني بالتزامن مع إعلان الطوارئ يعكس استراتيجية مزدوجة للجماعة، تجمع بين الاستعداد لأي تصعيد خارجي وتعزيز مواقعها الميدانية داخلياً.


حراك حكومي واسع في عدن لتعزيز الخدمات وبناء المؤسسات

نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
TT

حراك حكومي واسع في عدن لتعزيز الخدمات وبناء المؤسسات

نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)

مع عودة الحكومة اليمنية إلى العاصمة المؤقتة عدن وعقد أول اجتماعاتها من الداخل، بدأت مؤسسات الدولة مرحلة من الحراك التنفيذي المكثف، عكستها اجتماعات موسعة وتحركات متزامنة لعدد من الوزارات، في مؤشر على توجه حكومي لإعادة تنشيط العمل المؤسسي وتعزيز حضور الدولة في مختلف القطاعات الخدمية والتنموية.

وفي حين يشدد رئيس الوزراء شائع الزنداني على العمل من الداخل وتقليص مهام سفر الوزراء إلى الخارج، تسعى الحكومة، وفق مسؤولين، إلى تحويل عودتها الميدانية إلى نقطة انطلاق لمرحلة إصلاح إداري واقتصادي تستند إلى رفع كفاءة الأداء، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات، وتفعيل الحوكمة والرقابة، بما يسهم في تحسين الخدمات العامة وتثبيت الاستقرار في المناطق المحررة.

في هذا السياق، عقد وزير الدفاع، الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً موسعاً في عدن ضم مساعدي الوزير ورؤساء الهيئات العسكرية، بحضور نائب رئيس هيئة الأركان، اللواء الركن أحمد البصر؛ لمناقشة أولويات المرحلة المقبلة داخل المؤسسة العسكرية.

وأكد العقيلي أهمية تعزيز التنسيق والتكامل بين مختلف الهيئات العسكرية بما يحقق الانسجام في تنفيذ المهام الوطنية، مشدداً على ضرورة إجراء تقييم شامل لأداء المرحلة الماضية، ومراجعة الإنجازات والتحديات؛ بهدف تصحيح الاختلالات وتعزيز كفاءة العمل المؤسسي.

وزير الدفاع اليمني طاهر العقيلي يترأس اجتماعاً للقادة في عدن (سبأ)

وأشار إلى «أهمية تفعيل آليات الرقابة وترسيخ قيم الشفافية والنزاهة والانضباط، بوصفها ركائز أساسية لإعادة بناء مؤسسة عسكرية حديثة قادرة على مواكبة متطلبات المرحلة الراهنة».

كما شدد وزير الدفاع اليمني على المضي في تطبيق الحوكمة الإلكترونية وتطوير الأنظمة الإدارية، في خطوة تهدف إلى «تحديث بنية العمل المؤسسي وتقليل البيروقراطية»، مثمناً في الوقت ذاته دعم «تحالف دعم الشرعية» بقيادة المملكة العربية السعودية، وما يقدمه من إسناد مستمر للمؤسسة العسكرية اليمنية.

واستمع الوزير خلال الاجتماع، وفق الإعلام الرسمي، إلى تقارير تفصيلية من رؤساء الهيئات بشأن سير تنفيذ الخطط العسكرية والصعوبات التي تواجه الأداء، في إطار توجه حكومي لإرساء ثقافة التقييم الدوري والمساءلة المؤسسية.

صدارة الأولويات

بالتوازي مع التحركات العسكرية، ركزت وزارة الإدارة المحلية على إعادة تفعيل دور السلطات المحلية بوصفها محركاً أساسياً للتنمية الاقتصادية والخدمية.

وأكد وزير الإدارة المحلية، المهندس بدر باسلمة، خلال اجتماع ضم قيادات الوزارة، أهمية إجراء تقييم شامل لأداء السلطات المحلية في المحافظات؛ «بهدف تحديد مكامن الضعف وتعزيز نقاط القوة، بما يضمن تنفيذ برامج تنموية واستثمارية أعلى فاعلية».

وأوضح باسلمة أن المرحلة الحالية تتطلب تمكين السلطات المحلية اقتصادياً وتنموياً، وتعزيز التنسيق مع المنظمات الدولية والقطاع الخاص لدعم المشروعات الخدمية والتنموية، مشيراً إلى أن «منح صلاحيات أوسع للوحدات الإدارية الكفؤ يمثل خطوة أساسية نحو ترسيخ الحكم الرشيد».

وزير الإدارة المحلية اليمنية بدر باسلمة خلال اجتماع في عدن (سبأ)

وشدد الوزير على أن تعزيز اللامركزية المالية والإدارية «سيمكن السلطات المحلية من قيادة التنمية المستدامة بكفاءة أكبر، بما يسهم في تحسين مستوى الخدمات وتخفيف الأعباء عن الحكومة المركزية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس تحولاً تدريجياً نحو نموذج إداري أعلى مرونة، يمنح المحافظات دوراً أوسع في إدارة مواردها وتحقيق التنمية المحلية.

وفي قطاع التعليم، عقد وزير التعليم العالي والبحث العلمي، الدكتور أمين القدسي، سلسلة لقاءات منفصلة مع قيادات الجامعات الحكومية والأهلية، بينها جامعة عدن، والجامعة الألمانية الدولية، وجامعة العلوم والتكنولوجيا، إضافة إلى مجلس الاعتماد الأكاديمي وضمان جودة التعليم العالي.

ونوقشت في اللقاءات آلياتُ «تطوير الأداء المؤسسي للجامعات وتعزيز جودة العملية التعليمية، مع التركيز على تطبيق معايير أكاديمية حديثة تسهم في تحسين مخرجات التعليم ومواءمتها مع احتياجات سوق العمل ومتطلبات التنمية».

رهان على تنشيط قطاعات الثقافة والسياحة في اليمن بقيادة الوزير مطيع دماج (سبأ)

وأكد القدسي أن الوزارة تتحمل مسؤولية وطنية في رسم السياسات المنظمة لقطاع التعليم العالي، مشدداً على ضرورة تعزيز العمل التكاملي بين الجامعات والجهات الرقابية لمعالجة أوجه القصور وتجاوز التحديات التي فرضتها سنوات الحرب.

كما استعرضت الاجتماعات مستوى تنفيذ البرامج الأكاديمية والتحديات التي واجهت المؤسسات التعليمية، والجهود المبذولة للحفاظ على استقرار العملية التعليمية رغم الظروف الاقتصادية والأمنية المعقدة.

تحريك القطاعات الخدمية

وفي إطار الحراك الحكومي الأوسع، ترأس وزير الثقافة والسياحة، مطيع دماج، اجتماعاً لقيادات الوزارة لمناقشة إعداد استراتيجية ثقافية وسياحية جديدة، مع التركيز على إعادة تنظيم صناديق التنمية الثقافية والترويج السياحي، وتوجيه مواردها نحو تنشيط الفعاليات الثقافية وجذب الاستثمار السياحي.

ووجّه الوزير بإعداد دليل للفرص السياحية في اليمن بهدف استقطاب المستثمرين، إلى جانب وضع تصور متكامل لإدارة المواقع السياحية في سقطرى وعدن وحضرموت، وحصر المنشآت السياحية المملوكة للدولة تمهيداً لإعادة تأهيلها.

جانب من اجتماع ترأسه وزير النقل في الحكومة اليمنية محسن حيدرة (سبأ)

وفي قطاع النقل، عقد الوزير محسن حيدرة اجتماعاً موسعاً ناقش تطوير أداء الهيئات والمؤسسات التابعة للوزارة، مؤكداً أن خدمات النقل تمثل شرياناً أساسياً للاقتصاد الوطني وحياة المواطنين اليومية.

وشدد حيدرة على «ضرورة استكمال خطط تطوير القطاع وفق مصفوفة إجراءات واضحة، مع التزام تطبيق القوانين وبسط سيادة الدولة في المنافذ والموانئ، ومعالجة الاختلالات القائمة، بما يعزز التعافي الاقتصادي واستدامة الخدمات».

أما على صعيد الشباب والرياضة، فقد ناقش الوزير نايف البكري، مع مدير مكتب المبعوث الأممي إلى اليمن ألبرت سكوت، جهود الحكومة لتعزيز الاستقرار في عدن والمحافظات المحررة، مؤكداً التزام الحكومة مواصلة الإصلاحات وتقريب مؤسسات الدولة من المواطنين.

ودعا البكري المجتمع الدولي إلى تقديم دعم أكبر لجهود الإصلاح والاستقرار، مشيداً بدعم «تحالف دعم الشرعية» وجهود الأمم المتحدة في الدفع نحو عملية السلام، فيما أكد المسؤول الأممي وجود مؤشرات إيجابية في أداء الحكومة خلال المدة الأخيرة.


مجلس القيادة الرئاسي يحذر من التفريط بفرصة الحوار الجنوبي «التاريخية»

رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال اجتماعهم الأخير (سبأ)
رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال اجتماعهم الأخير (سبأ)
TT

مجلس القيادة الرئاسي يحذر من التفريط بفرصة الحوار الجنوبي «التاريخية»

رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال اجتماعهم الأخير (سبأ)
رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال اجتماعهم الأخير (سبأ)

في وقت جدّد فيه التزام الدولة بالتصدي الحازم لأي محاولات تستهدف تعطيل مؤسساتها الوطنية، كشف مجلس القيادة الرئاسي اليمني عن فتح تحقيق شامل في الأحداث الأخيرة بعدن، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في التحريض عليها أو تمويلها.

رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال اجتماعهم الأخير (سبأ)

جاء ذلك خلال اجتماع عقده المجلس برئاسة الرئيس الدكتور رشاد العليمي، وعضوية سلطان العرادة، وعبد الرحمن المحرمي، وعبد الله العليمي، وسالم الخنبشي، وبمشاركة طارق صالح ومحمود الصبيحي عبر الاتصال المرئي. وحذّر المجلس من التفريط بفرصة الحوار الجنوبي «التاريخية» تحت ضغط الشعارات أو الحسابات الضيقة.

واستعرض الاجتماع تطورات الأوضاع في العاصمة المؤقتة عدن، على خلفية الأحداث التي شهدتها المدينة، ومحاولات الاعتداء على مؤسسات الدولة وتعطيل أعمالها، واستخدام الشارع وسيلة ضغط لتحقيق أهداف سياسية «غير مشروعة»، وفق ما أوردته وكالة الأنباء الرسمية (سبأ).

وكانت قوات «درع الوطن»، وألوية «العمالقة» عززّت انتشارها في محيط المجمع الرئاسي بمدينة عدن، حيث رصدت «الشرق الأوسط» انتشار وحدات عسكرية إضافية في الطرق المؤدية إلى المنطقة التي تضم مقر إقامة مجلس القيادة الرئاسي ورئيس الوزراء، إضافة إلى عدد من المؤسسات السيادية والخدمية؛ بينها البنك المركزي، ومكتب الجوازات، ومصلحة الأحوال المدنية.

وأكد المجلس عزمه الرد بحزم على أي مساعٍ لتعطيل مؤسسات الدولة، والعمل على فتح تحقيق شامل في هذه الأحداث، ومساءلة كل من يثبت ضلوعه في التحريض أو التمويل، مشيداً في الوقت ذاته بـ«اليقظة العالية» للقوات المسلحة والأجهزة الأمنية في حماية المدنيين والممتلكات العامة والخاصة، وصون السلم الأهلي.

وعبّر مجلس القيادة عن تقديره لموافقة المملكة العربية السعودية على استضافة مؤتمر الحوار الجنوبي، معتبراً ذلك «مستوى متقدماً وغير مسبوق» في مقاربة القضية الجنوبية، بوصفها قضية عادلة ذات أبعاد تاريخية واجتماعية، تتطلب معالجة منصفة ضمن إطار الدولة ومرجعياتها الضامنة.

قوات درع الوطن تمركزت إلى جانب قوات الأمن في مداخل عدن (إعلام محلي)

وفي السياق نفسه، شدد المجلس على ضرورة عدم التفريط في هذه الفرصة تحت ضغط الشعارات أو الحسابات الضيقة، داعياً إلى حماية المكاسب المتحققة أمنياً وخدمياً واقتصادياً، واستلهام العبر من «المغامرات الطائشة» لميليشيات الحوثي التي عزلت أكثر من 20 مليون يمني، وحرمتهم من الرواتب وفرص العيش الكريم.

وجدد المجتمعون إشادتهم بالدعم السعودي «السخي» للنهوض بأوضاع المحافظات المحررة، مؤكدين اعتزازهم بالشراكة الاستراتيجية مع المملكة، وخصوصية العلاقات الراسخة القائمة على الجوار والمصير المشترك والأمن المتبادل، ومهنئين قيادتها بمناسبة يوم التأسيس وما حققته من تحولات تنموية شاملة.

كما أكد المجلس دعمه الكامل للحكومة وتمكينها من ممارسة صلاحياتها الدستورية، والمضي في تنفيذ خطة التعافي وبرنامج الإصلاحات الشاملة، بما يشمل الإسراع في إعداد مشروع الموازنة العامة، وتعزيز الإيرادات، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة، وتنفيذ مشاريع خدمية ذات أثر مباشر في حياة المواطنين.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محمود الصبيحي إلى جوار رئيس الحكومة الزنداني في عدن (إكس)

وتطرق الاجتماع إلى مستجدات التطورات الإقليمية في ظل استمرار ما وصفه بـ«تعنت» النظام الإيراني وميليشياته في اليمن والمنطقة إزاء المساعي الرامية إلى خفض التصعيد، وانعكاسات ذلك على الأمنين الوطني والإقليمي، مؤكداً جاهزية الدولة لردع أي تهديدات محتملة بالتنسيق الوثيق مع تحالف دعم الشرعية والمجتمع الدولي.