هيلاري مانتل: أنا معتادة على رؤية الأشياء غير الموجودة

الروائية البريطانية الفائزة بـ«بوكر» مرتين تكمل ثلاثيتها

هيلاري مانتل
هيلاري مانتل
TT

هيلاري مانتل: أنا معتادة على رؤية الأشياء غير الموجودة

هيلاري مانتل
هيلاري مانتل

حققت روايتا «وولف هول – قصر الذئاب» و«برينغ أب ذا بوديز – أخرجوا الجثث»، وهما الروايتان الأوليان من ثلاثية توماس كرومويل، ملايين النسخ مبيعاً. والآن، تُنهي الكاتبة الحائزة على جائزة بوكر الأدبية مرتين المهمة التي بدأتها بالرواية الثالثة التي تحمل عنوان «ذا ميرور آند ذا لايت – المرآة والضياء». تقول الروائية هيلاري مانتل، التي كانت مهووسة بحياة السياسي الإنجليزي السير توماس كرومويل منذ نعومة أظفارها: «بمجرد الاستماع إلى هذه الأصوات، يبدو الأمر مثل تشغيل جهاز الراديو في الخلفية لمدة 15 عاماً كاملة. إنها لا تتلاشى على الإطلاق».
تعاني هيلاري مانتل من حلم قديم يعاودها باستمرار وتدور أحداثه داخل مكتبة، حيث تعثر على كتاب فيه حفنة من معلومات تاريخية كانت تبحث عنها، ولكن عندما تحاول قراءتها، تتلاشى الكلمات أمام عينيها. وتقول عن ذلك الحلم: «وعندما أستيقظ، أشعر بإيقاع العبارات يرنّ في ذهني، ولكنني أجهل تماماً ما تعنيه تلك العبارة».
إلا أنه على الرغم من تلاشي الشعور بمجرد الاستيقاظ، فإن تلك الأحلام أفادتها كثيراً: «لسوف يكون هناك دائماً أمر يفوق قدرتك على الفهم، ولكن يتعين عليك السعي لبلوغه رغم ذلك. إن كنت تظن أن الرواية هي الأمر بأكمله، فسوف يخبرك الحلم بمدى هشاشة الرواية».
تشعر السيدة مانتل بأنها مقيّدة أو ملزَمة بالحقائق إلى درجة غير اعتيادية بالنسبة إلى امرأة روائية مثلها. ولقد ساهمت تلك المقاربة في مشروعها الأدبي الأخير –الثلاثية التي خرجت في 1800 صفحة حول شخصية السير توماس كرومويل المحامي ورجل الدولة الإنجليزي من القرن السادس عشر. وهي الثلاثية الأكثر تعقيداً من أي عمل آخر قامت به خلال العقود الأربعة الماضية من عمرها في الكتابة والرواية.
تتتبّع الثلاثية، التي بدأتها مانتل في عام 2009 برواية «وولف هول»، صعود توماس كرومويل غير المحتمل، من أصوله الأولى كنجل لحدّاد متواضع وصولاً إلى بلاط الملك هنري الثامن. وتُختتم الثلاثية برواية السيدة مانتل الأخيرة تحت عنوان «ذا ميرور آند ذا لايت - المرآة والضياء»، وهي عبارة عن سرد شيق للسنوات الأربع الأخيرة من حياة توماس كرومويل، حيث يواصل جمع المزيد من الثروات، والنفوذ، والسلطة مع خسارته الأكيدة لأفضلية الملك، ثم فقدانه لرأسه أخيراً.
تحولت هيلاري مانتل إلى شخصية أدبية شهيرة على المستوى الوطني بفضل ثلاثية توماس كرومويل. ولقد حققت الروايتان الأوليان مبيعات بلغت 5 ملايين نسخة مع ترجمتهما إلى أكثر من 30 لغة. وحازت روايتي «وولف هول» لعام 2009 و«برينغ أب ذا بوديز» لعام 2012 على جائزة بوكر الأدبية، مما جعل من السيدة مانتل أول امرأة تحصل مرتين على الجائزة، وأول روائية تفوز بجائزة على رواية التَّتِمّة. ولقد تحولت الروايات إلى مسرحيتين نالتا العديد من الجوائز من إنتاج شركة «شكسبير الملكية» وهيئة الإذاعة البريطانية. وفي عام 2015، منح الأمير تشارلز السيدة مانتل لقب «السيدة الفارسة الحائزة على وسام الإمبراطورية البريطانية»، مما دفع بعض وسائل الإعلام إلى عقد مقارنات صارمة بين أفراد العائلة الملكية في العصر الحديث وبين سلوكيات الغدر والخيانة التي وصمت سمعة أسرة تيودور التي حكمت إنجلترا في القرن السادس عشر، وضمت الملك هنري الثامن الذي قطع رأس السير توماس كرومويل صاحب الثلاثية.
بدأت ثلاثية هيلاري مانتل برواية «وولف هول – قصر الذئاب» في عام 2009، وتلتها رواية «برينغ أب ذا بوديز – أخرجوا الجثث» في عام 2012، لتنتهي برواية «ذا ميرور آند ذا لايت – المرآة والضياء» في العام الجاري.
وطوال مشوار صعودها إلى الصدارة الأدبية، ظلت الروائية هيلاري مانتل بمعزل عن الآخرين. فلم تكن أبداً جزءاً من المحيط الأدبي اللندني، ويبدو أنها تفضّل الحياة مع شخصيات رواياتها التي فارقت الحياة عن كونها شخصية عامة ومعروفة للجميع. وعلى مدى السنوات العشر الماضية، عاشت رفقة زوجها الجيولوجي المتقاعد غيرالد ماكوين في قرية «بودليه سالترتون» الصغيرة المطلة على ساحل ديفون الشرقي.
ورغم ذلك فهي أبعد ما تكون عن الخجل الشديد. فلقد أثارت السيدة مانتل الجدال أحياناً بسبب مواقفها المبتدعة بشأن العائلة الملكية البريطانية وسياسات البلاد. ففي عام 2013، نشرت الصحف الشعبية جملة من تصريحات قد أدلت بها في محاضرة وصفت فيها دوقة كامبريدج بأنها عارضة أزياء متواضعة بلا شخصية جادة. وبعد ذلك بعام، أثارت غضب الساسة البريطانيين المحافظين وفجرت اضطرابات كبيرة لدى وسائل الإعلام عندما نشرت قصة قصيرة تصوّر حادثة اغتيال مدبّرة لرئيسة الوزراء مارغريت ثاتشر، على أيدي قناص من الجيش الجمهوري الآيرلندي المعارض.
وقال مديرها الأدبي بيل هاميلتون، الذي وصف القصة القصيرة بأنها مضحكة للغاية وغير ملائمة بالنسبة إليها: «لقد قبعت في منزلها لمدة أسبوع كامل لم تغادره حتى هدأت ثورة الصحافة ضدها تماماً».
وفي الآونة الأخيرة، طوردت السيدة مانتل من الصحافة البريطانية بسبب تأخر نشر الجزء الأخير من الثلاثية، والذي كان من المقرر إصداره الشهر المقبل بعد الإعلان الأول عن نشره في عام 2018، وأثار التأخير عدة تكهنات بأن مانتل تعاني من عقدة الكتابة، أو تشتت انتباهها بسبب الاقتباسات المسرحية والتلفزيونية لمؤلفاتها، أو ربما أنها تماطل في إصدار الجزء الأخير لتعلقه الشديد بواقعة إعدام السير توماس كرومويل الذي تعشقه. بلغت التوقعات الخاصة بالرواية آفاقاً غير مسبوقة، واستشعرت السيدة مانتل الضغوط المتزايدة بشأن الخروج بنهاية للثلاثية تستحق الانتظار.
وقالت الروائية مانتل عن ذلك في حالة من الحيرة وربما التوتر: «السبب وراء الوقت الطويل الذي استغرقه الجزء الأخير يكمن في صعوبته، وهذا تفسير كافٍ تماماً. ولكنّ هذا تفسير لا يحمل أي قيمة إخبارية معتبرة، لذلك يواصل الناس البحث عن قصة مفعمة بالإثارة لتفسير الأمر برمته».
كانت كتابة الجزء الأخير المعنون «ذا ميرور آند ذا لايت – المرآة والضياء»، والذي جاء في 800 صفحة كاملة، هي أطول وأعقد رواية من روايات الثلاثية، وكانت في بعض الأحيان من المهام شديدة القسوة على الروائية مانتل. وفي شهور الكتابة الأخيرة، حافظت السيدة مانتل –البالغة من العمر 67 عاماً وكانت تعاني من آلام وأمراض مزمنة منذ شبابها– على جدول زمني بالغ الصرامة. ولم تكن تعلم بالزخم الذي حازه المشروع الأدبي في الخارج حتى انتهت فعلياً من التأليف. والآن، وبعد انتهائها من الفصل الأخير من قصة السير كرومويل، قالت السيدة مانتل إنها انتهت لتوّها من كتابة قصة تاريخية كبيرة وتعتزم بعد ذلك التركيز على تأليف المسرحيات، وهو المجال الجديد بالكلّية بالنسبة إليها. وهي تغادر الروايات الأدبية بصفة جزئية لأنها تستشعر فقدانها القدرة على تحمل أعباء المشاريع البحثية الكبيرة، وبسبب عدم استطاعتها تصور العثور على شخصية تاريخية أخرى ذات جاذبية وأهمية مثل السير كرومويل تستحق الكتابة عنها.
تقول: «لن أقابل شخصية أخرى تضاهي توماس كرومويل أبداً، إن كنتم تدركون المجال الذي احتله ولا يزال من ضميري وإدراكي. كنت مثل الراهبة في منظومة دينية نذرت نذراً مطلقاً بالصمت الطويل. إنه لأمر عجيب، لأنني كنت أستمع طيلة الفترة الماضية للماضي البعيد، وإنني الآن أتحدث عن مشروع ذي قيمة مادية، وهو شعور بالغ التفاهة والخواء عند المقارنة مع السكون الذي كنت أحياه في كل يوم من السنوات السابقة».
تعد السيدة مانتل مناسبة تماماً لمهمة سبر غور الماضي البعيد وإعادة إحيائه. ومنذ كانت طفلة صغيرة، كانت تنتابها رؤى لمختلف الأشباح والأرواح الهائمة، وقالت عن ذلك: «اعتدت رؤية الأشياء غير الموجودة حولنا»، وذكرت ذلك في مذكراتها بعنوان «التخلي عن الأشباح».
نشأت هيلاري مانتل في أسرة آيرلندية كاثوليكية في هادفيلد، وهي قرية صغيرة من أعمال ديربيشاير، وكانت مهووسة منذ صغرها بالخرافات والأساطير والفولكلور والأمور الخارقة للطبيعة. وقبل بلوغها سن القراءة، أصرت أن يقرأ لها أقاربها حكايات من قصة الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة، وقالت: «كان رأسي محشواً بقصص الحكمة والفروسية، والثقة بالذات التي تتأتى من المعرفة الشاملة بفنون ركوب الخيل والمبارزة بالسيف».
ومع بلوغها 18 عاماً من عمرها، التحقت بكلية لندن للاقتصاد ودرست فيها القانون، على أمل أن تصبح محامية في يوم من الأيام. ولكنها لم تتحمل الاستمرار فترات طويلة في التدريب المهني القانوني المضني. وفي تلك الأثناء، كانت قد تقابلت مع السيد غيرالد ماكوين عندما كانا في العشرينات من عمرهما، وتزوجا، وانتقلا للعيش في مدينة مانشستر، حيث عثر زوجها على وظيفة في التدريس كما عملت هي في عدة وظائف قبل أن تبدأ في احتراف الكتابة والتأليف.
- خدمة «نيوريوك تايمز»


مقالات ذات صلة

الحياة سرداً معلّباً في زمن الخوارزميّات

كتب كاثرين جيزير-مورتون

الحياة سرداً معلّباً في زمن الخوارزميّات

لا تكاد تخلو جريدة أو مجلّة في أيّامنا من مقالة أو أكثر تحذر من إدمان الشاشات وتآكل قدرات التركيز التي انتهى إليها الإنسان المعاصر

ندى حطيط
كتب «حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

تؤسس الكاتبة المصرية هبة الله أحمد عالم مجموعتها «حكايات الغماز» على مفارقة مكانية وحركية

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

تفتتح الكاتبة أحلام نواف بارود كتابها «لم نُخلَق للقاع» بإهداء يشرع أمام القارئ أبواب الأمل: «إلى آخر يوم في حياتك، مُصرّح لك بالتجربة والخطأ والتعلّم»

«الشرق الأوسط» (عمّان)
يوميات الشرق الأدب الكلاسيكي عائد بقوَّة من خلال الأفلام والمسلسلات (إنستغرام) p-circle 01:30

من «الأوديسة» إلى «شرق عدن»... كيف فتحت شهيَّة هوليوود و«نتفليكس» على الأدب الكلاسيكي؟

أكثر من أي وقت تلجأ كبرى استوديوهات الإنتاج إلى الروايات الكلاسيكية القديمة، لصناعة أفلام ومسلسلات منها. فما مردُّ هذه الظاهرة؟

كريستين حبيب (بيروت)
ثقافة وفنون التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟

شوقي بزيع

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»
TT

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

بعد حيازته عام 2015 جائزة «أفضل عمل روائي لبناني» عن كتابه «غريقة بحيرة موريه»، التي منحته إياها وزارة الثقافة اللبنانية، أعلنت هيئة الشارقة للكتاب منحها جائزة «أفضل رواية عربية» للزميل الشاعر والروائي والباحث

أنطوان الدويهي

عن رائعته الأخيرة «الشتاء الكبير»، التي كانت «الشرق الأوسط» نشرت مؤخراً حواراً معه حولها.

وتشكّل هذه الجائزة للدويهي مفاجأة نظراً لبعد الكاتب عن الأضواء وتنسّكه في نشاطه الأدبي، فهو دائم الإقامة في الذات، ومنعزل منذ زمن طويل في خلوته على كتف وادي قزحيّا في أعالي جبل لبنان.

وترتكز أعمال الدويهي الأدبية والشعرية والسردية على عوالم الذات، وهي مستمدة بكاملها من «يوميات الحياة الداخلية»، المستمر في صوغها منذ سن الرابعة عشرة إلى اليوم، ولا مصدر آخر لكتاباته، بحثياً كان أم توثيقياً. ومن هنا وحدة عالمه الأدبي العميقة، وتكامله، ووحدة لغته وهواجسه ومشاعره، ورؤاه الجمالية في كل أعماله المتوالية على مدى ثلث قرن، من «كتاب الحالة» عام 1993 إلى «الشتاء الكبير» الصادر حديثاً.

ومن أهم مفاعيل هذه الجائزة أنها تلفت القراء العرب إلى أديب مختلف، بالغ الخصوصية في الآداب العربية، في غوصه في أعماق النفس البشرية وتماهيه مع روح الأمكنة والمشاهد والحالات، حيث تلتقي ذات الفرد بذات الأرض وذات الجماعة. وبهذا المعنى ذكر عنه الشاعر أنسي الحاج: «ماذا كتب؟ كتب ذات فرد وذات أرض وذات شعب». وذكر أيضاً: «يُقرأ أنطوان الدويهي كما تُفرد حبات اللؤلؤ». وبهذا المعني أيضاً كتب الأديب والصحافي سمير عطاالله: «منذ أن بدأت في قراءة الدويهي، اعتدت الانجذاب في غبطة إلى هذا الخدر الآسر الأثير. فليس أهنأ إلى نفسي من قلم له هذه التجربة في عمق الذات، وله مثل هذا الصمود في عمق النقاء».

وتأتي هذه الجائزة لتتجاوز الاتجاه الذي بات سائداً لدى عديد من الروائيين العرب، وفي الغرب أيضاً، الذي يمكن اختصاره بعبارة «أدب الموضوعات»، حيث ينتقل الروائي في كل عمل جديد من موضوع إلى آخر، يحشد له في كل مرة المعلومات البحثية والتوثيقية، وبات يشارك في صنعه في أحيان كثيرة الذكاء الاصطناعي. ويشكل هذا المنحى ابتعاداً عن عوالم الأدباء الذاتية، ونزوحاً من «أدب الكتّاب» إلى «أدب القراء» وفقاً لمنطق السوق وحركة العرض والطلب التجارية. أما أدب الدويهي، المستند إلى وحدة الحياة الداخلية في الزمان وفرادتها وذاتيتها وخصوصيتها وعمقها، فهو إعادة اعتبار للأدب الكبير، وهو النقيض الأمثل لعالم كتابي يغرق أكثر فأكثر في متاهات وسائل التواصل الاجتماعي ومؤثرات الذكاء الاصطناعي التي تقود إلى نهاية الأدب.

في «الشتاء الكبير»، يروي الدويهي عذابات سن السابعة عشرة، ويستحضر الذاكرة والمكان، بلغة عميقة وفلسفية ومتينة، تمزج بين التأمل ووصف الطبيعة واستكشاف أثر العنف والذاكرة على الإنسان. نحن أمام رواية رمزية وفلسفية تبحث في سلوك الإنسان وعلاقته بذاته، وتقوم على التأمل الذاتي الذي يعيشه الراوي، وعلى علاقته بالحياة والموت والعنف والحرب. أما الشخصيات الأخرى، فهي أقرب إلى ظلال تحيط به، ووجودها وظيفي لتحريك السرد أكثر مما هو محوري في بنية النص. وفي تأملاته العميقة، يناقش الدويهي ظواهر العنف والثأر والدم المستباح، ويربطها بالسلوك الفردي والجماعي، متسائلاً عن فكرة المسؤولية الجماعية وتأثيرها على النمط المتوارث في الثأر العائلي.


التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى
TT

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟ أم إنه انتحر، حين لم يجد للحياة محاكمة أعدل من الموت؟ هكذا ظل موته قيد القيامة، مثل حياته تماماً».

كان يمكن لهذا المقطع المتعلق بموت ميخائيل، بطل رواية جاسم سلمان «وقوفاً على الأصابع»، أن يخفف بنسبة أو بأخرى، من شغفنا بقراءة العمل الذي آثر المؤلف أن يكشف منذ اللحظة الأولى عن مآل بطله الأخير، ولكن ما حدث هو العكس تماماً. ذلك أن المفتتح الروائي الذي طُرحت من خلاله واقعة الموت، والذي يتراوح بين الإخبار والاستفهام، فضلاً عن الأسئلة المتعلقة بمعنى الوجود نفسه، وفّرا لنا كقراء دوافع عديدة لمتابعة العمل، ليس الفضول سوى واحد منها.

في الصفحات الأولى للرواية، نتعرف على المحطات الأبرز في حياة ميخائيل، العراقي المسيحي، الذي وُلد في البصرة، وفقد أباه في حرب الخليج الثانية، ثم انتقل مع أمه إلى بغداد ليقيم في أحد أحيائها الفقيرة، حيث كان البشر بمختلف طوائفهم وعصبياتهم، يتخالطون دون فوارق. ومع إنهائه المرحلة الثانوية، يقرر ميخائيل دراسة اللغة الإنجليزية، والالتحاق بقسم الترجمة التابع لكلية الآداب في الجامعة المستنصرية.

بين أروقة الجامعة، يتعرف ميخائيل إلى ماري، الطالبة الجميلة والمتوقدة ذكاءً، التي كانت هي الأخرى قد فقدت أباها وخالها في يوم واحد، بعد أن لُفقت لهما تهمة الانتماء إلى أحد الأحزاب المناوئة للزعيم القائد. وحيث لم يتأخر المتخرجان العاشقان في تتويج علاقتهما بالزواج، تدبر لهما التراجيديا العراقية فصلاً آخر من فصولها، فيفقدان المولود الذكر الذي أنجباه في تفجير كنيسة «سيدة النجاة». ومع انعدام فرص العمل أمام الزوجين، لم يجد ميخائيل بداً، ورغم صراعه الضاري مع نفسه، من التعاون مع القوات الأميركية التي قامت بغزو العراق في مطلع القرن، والتي أعلنت عن حاجتها إلى مترجمين فوريين.

غير أن المبلغ الذي كان ميخائيل يتقاضاه عن عمله مترجماً، وإن منحه شعوراً بالأمان المعيشي، إلا أنه سلب منه بالمقابل احترامه لنفسه ورضاه عن الخدمات التي يقدمها لغزاة بلاده. وهو شعور لم يخفف منه كرهه للنظام البائد وما ألحقه به وبزوجته وبالشعب العراقي بأسره من كوارث. وعلى طريقة المثل القائل «إذا خفت من شيء فقع فيه»، لم يجد المترجم الفوري ما يفعله، إزاء مئات البشر يبعثون له برسائل التهديد، سوى الهجرة إلى أميركا، رغم علمه الأكيد بأن نجاحه في الفرار من العراق، لا يعني أبداً أن العراق، الهوية والمعنى، سيكف عن ملاحقته أينما ذهب.

وتعبيراً عن شعوره العميق بخيانة شعبه وأرضه ونفسه، لم يجد ميخائيل ما يجيب به موظف الجوازات في نيويورك، وهو يسأله عن مهنته، سوى التلفظ بكلمة «خائن»، على نحو عفوي ودون تفكير مسبق. ومع أن نيويورك الزاخرة بالصخب والشبيهة بالمتاهة، لم تكن لتبدو مدينة سهلة وأليفة في عيون قاصديها، فإن ما خفف من شعور زائريها الجديدين بالغربة، هو عثورهما السريع على نماذج من البشر، يشاركونهما الهوية نفسها، والشعور إياه بثقل المنفى ووطأة التمزق. وكان بين هؤلاء جوزف، العجوز اليوناني من أصل مصري، المهتم بالكتب والمخطوطات القديمة، والذي عرض على ميخائيل مساعدته في ترجمة بعض الأعمال الأدبية والتراثية. وبينهم ليزا، زوجة جوزف، وهارون، الشاعر السوري الصعلوك الهارب من نظام «الأبد» الدموي، وروبن، بواب البناية الأميركي، الذي شارك ابنه جيمس في غزو العراق، وتزوج من فتاة عراقية، قبل أن يعود إلى بلاده مقطوع الرجلين.

وبينما يتبدى للقارئ بأن الاندماج في المنفى هو الحل الأمثل لمأزق «الهويات القاتلة»، والاغتراب الخياني عن الذات، ينعطف سلمان بعمله الملحمي نحو مسالك غير منتظرة، حيث يقرر أبطاله جوزف وليزا وميخائيل وماري وهارون، العودة ثانية باتجاه الشرق؛ بحثاً عن كتب مرجعية ومخطوطات قديمة، ليست في حقيقتها سوى إلحاح الذات المهددة في البحث عما يعصمها من الإمحاء. أما الثري التركي تيمور طابال الذي تلتقيه الزمرة القادمة إلى إسطنبول، والذي يأسره جمال ماري، فبدا إدخاله على خط السرد، محاولة لإظهار الجانب الآخر من الصورة، حيث تجد الذات المستلبة، في مراكمة الثروات والتماهي مع الغرب؛ ما يجنبها عناء الأسئلة المقلقة والتأرجح المرير بين الخيارات.

وإذ يقرر ميخائيل وهارون إكمال الرحلة باتجاه ماردين وبعض المدن الأخرى؛ أملاً في الحصول على ضالتهما المنشودة، تنتقل الحدود المتداخلة بين الشرق والغرب، إلى داخل كل منهما، حيث تعمقت على نحو مأزقي، الأسئلة المتعلقة بالهوية والتاريخ ونشوء الحضارات ومعنى الوطن والخيانة. وفي ظل هذا الوضع المأزقي، يقع هارون في غرام غجرية حسناء، ويقرر الارتماء في كنف الحرية المطلقة، بعد أن قال له صديقه الغجري «اترك كل شيء وراءك وانسحب. دعك من الأزمنة والأمكنة». ومع إصرار ميخائيل على إكمال المهمة التي جاء من أجلها، واختفائه اللاحق على نحو مبهم، لا يبقى أمام زوجته ماري وصديقيه جوزف وليزا، سوى العودة من دونه إلى نيويورك.

واللافت، أن تقدم السرد وتشعبه، لم يتسبب بترهل العمل، أو بجعله باعثاً على السأم، بل تستمر الرواية في تصاعدها، مع وقوع ميخائيل في حالة من الانشطار الهذياني بين الواقعي والمتخيل، عائداً حيناً إلى الحقبة الأندلسية، وما صحبها من ازدهار فكري وحضاري، ومتماهياً مع كريستوفر كولومببس في فتحه لأميركا حيناً آخر. ثم تتوالى المفاجآت مع تعرض المترجم العراقي للخطف من قبل المخابرات الأميركية، بعد أن وجهت إليه تهمة الخيانة، عبر تعمده ترجمة النصوص والحوارات المكلف ترجمتها بطريقة خاطئة ومحرّفة؛ الأمر الذي أدى إلى مقتل عدد من الجنود الأميركيين.

ليس من المبالغة القول إن العمل بمثابة ملحمة روائية معاصرة لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده

إثر ذلك يُحمل ميخائيل إلى أميركا، ليساق إلى المحاكمة، بحضور أصدقائه الذين تلقوا النبأ الصادم عن طريق الإعلام، وزوجته ماري التي أصابها بالذهول إزاء الحقيقة التي أُخفيت عنها طيلة سنوات. وإذ تهتف ماري بزوجها قائلة: «لماذا لم تخبرني أنك لم تخن أهلك في العراق؟»، تذكرنا بصرخة السائق في رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس»، الذي اكتشف أن الفلسطينيين الذين خبّأهم داخل شاحنته قد قضوا نحبهم من شدة القيظ، فهتف بهم قائلاً: «لماذا لم تقرعوا باب الخزان؟». وإذ تبلغ الفانتازيا ذروتها مع التطابق التام بين الخريطتين الجينيتين لكل من كولومبس وميخائيل، يصرّ الأخير على تحويل موته لغزاً آخر، شبيهاً بحياته نفسها، حيث لا دليل واضحاً على انتحاره، أو إعدامه بكرسي كهربائي، أو وفاته الطبيعية بفعل عجز جسده عن تحمل الصدمات.

وليس من المبالغة القول بأن العمل الذي قدمه جاسم سلمان إلى قرائه، هو بمثابة ملحمة روائية معاصرة، لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده، بل هي تبلغ من الاتساع؛ ما يجعلها تلامس الأسئلة الأكثر عمقاً، التي تتعلق بنشوء الحضارات وتحولاتها، وبمعنى الهوية والانتماء وعلاقة الوطن بالمنفى، والأنا بالآخر. كما تتحول الرواية في الوقت ذاته، إلى مضبطة اتهام متعددة الوجوه لواقع العصر ومآلاته، حيث يتم تزوير القيم، ويبلغ الفساد ذروة استشرائه، ويحكم الأقوياء قبضتهم على العالم. ولم يكن أمراً بلا دلالة أن يطلب هارون من مرضاه، وقد اختار التحول إلى مدرب رياضي في إحدى المصحات، الوقوف على أصابعهم أطول مدة ممكنة؛ بهدف امتحان قدرتهم على الصبر. ذلك أن مثل هذا النشاط، الذي جعله المؤلف عنواناً لروايته، يمكن أن يعصم الأفراد والجماعات، من الوقوع في شرك الخنوع والاستسلام، ويساعدهم على اجتياز الامتحان الصعب للحرية المنشودة.

أما تساؤل المؤلف بلسان جوزف، عن معنى الخيانة، وعما إذا كان ميخائيل قد خان بلاده حقاً، أم أن بلاده هي التي خانته، فهو السؤال الأكثر التباساً وتعقيداً الذي دفع المترجم العراقي حياته ثمناً له. وهو السؤال نفسه الذي طرحه بدر شاكر السياب على نفسه وعلى العالم، حين هتف في قصيدته «غريب على الخليج» قائلاً:

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنونْ

أيخون إنسانٌ بلاده؟

إن خان معنى أن يكونَ،

فكيف يمكن أن يكونْ؟


جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
TT

جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر

تطوّر فن النقش التصويري خلال العصر الأموي حيث اعتُمد بشكل أساسي في صوغ الحلل الزينية الخاصة بالمنشآت العمرانية المدنيّة التي شيّدها الخلفاء في نواح متعدّدة من صحاري بلاد الشام. اتضحت معالم هذا الفن في ثلاثينات القرن الماضي عند اكتشاف أطلال قصر يقع شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم قصر هشام، قابله اكتشاف أطلال قصر آخر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. من بين أطلال هذين القصرين، خرج كمّ هائل من القطع التصويرية، دأب أهل الاختصاص على تصنيفها وتحديد موقعها الأصلي منذ اكتشافها. عرفت بعض هذه القطع شهرة واسعة، وظلّ البعض الآخر في الظل، مصدر بعضٍ منها قصر الحير الغربي، ومنها تبرز ثلاثة مجسّمات يمثّل كلّ منها قامة على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي انتشر انتشاراً واسعاً خلال الحقبة الرومانية.

تعود هذه المجسّمات إلى القاعة التي تشكّل مدخلاً للقصر، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طول كلّ منها نحو نصف متر. التأليف الجامع واحد؛ قامة آدمية تجلس بثبات في وضعية المواجهة على عرش وثير. ارتبط هذا النموذج عند تكوينه بالتصاوير الإمبراطورية المتعدّدة، وعُرف في معجم الفنون الكلاسيكية باسم «العرش الإمبراطوري». انتقل هذا النموذج إلى الفن المسيحي في القرن الرابع، حيث ظهر المسيح مترّبعاً عليه، وظهرت أمّه السيدة مريم العذراء في وضعية مماثلة، وتحوّل هذا المثال إلى ركن ثابت من أركان الفنون المسيحية، على اختلاف أنواعها. تبنّى الفن الأموي هذا المثال كما يبدو، وأعاده إلى صفته الإمبراطورية الأولى، كما تشهد قطعة تعود إلى واجهة القصر الداخلية، سقط منها النصف الأعلى للأسف. يبلغ طول ما تبقّى من هذا النقش الناتئ متر، وعرضه 90 سنتيمتراً، وفيه يظهر العرش بقواعده، مع منصة في الوسط تستريح عليها قدما جليسه الملكي.

تُعتبر هذه القطعة من أشهر قطع قصر الحير الغربي، وهي ليست فريدة من نوعها، إذ تقابلها المجسّمات الثلاثة الأصغر حجماً. لم تصل هذه القطع بشكل كامل، وهي تتشابه من حيث التكوين، غير أنها تختلف اختلافاً كبيراً في التفاصيل، وأكملها قطعة تمثّل رجلاً ملتحياً، يجلس على عرش سقط الجزء الأسفل من قاعدته، ومعه سقطت قدما صاحبه. كتلة الرأس بيضاوية، يكلّلها شعر طويل ينسدل من خلف الأذنين، مع شق في الوسط، يفصل بين خصل الشعر التي تحد الوجه من الجهتين بشكل متناسق. العينان مفتوحتان، وجفناهما محدّدان، ويعلوهما حاجبان عريضان منفصلان. سقط الأنف الناتئ، غير أن تكوينه بقي ظاهراً. الفم صغير، وقوامه شق يفصل بين شفتين غابتا تحت شاربين عريضين تتصلان بلحية كثيفة حدّدت خصلها بشبكة من الخطوط الغائرة. يغيب الجسد تحت رداء فضفاض، يعلوه معطف يلتف حول الكتفين والصدر، كاشفاً عن ذراعين ترتفعان في اتجاه الصدر، سقطت منهما اليد اليمنى. الركبتان متباعدتان بشكل طفيف، والقدمان متلاصقتان كما يبدو. يغلب على هذا النقش الأسلوب الكلاسيكي، غير أنه يحمل مسحة محلية خاصة، تظهر في رسم ثنايا اللباس، وفقاً لأسلوب اتبع بشكل واسع في ميراث تدمر الفني.

تتكرّر صورة العرش في المجسمين الشبيهين، وتحضر في كلّ منهما امرأة، فقدت إحداهما رأسها بشكل كامل. يظهر الرأس الذي نجا على قامة فقدت ذراعيها، وتبدو ملامح وجهه تدمرية بامتياز. العينان ضخمتان وشاخصتان، مع بؤبؤ دائري غائر في وسط كلّ منهما. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان. الفم والثغر مهشّمان. الشعر معقود حول الهامة، وخصله المرصوفة أشبه بشبكة زخرفية. اللباس بسيط، زينته عقد لؤلؤي تتدلى منه قلادة مربعة عريضة، وحزام مجدول ينعقد حول الخاصرة. الساقان متباعدتان، والقدمان ممدودتان أفقياً، وهما في وضعية جانبية.

تظهر المرأة الأخرى في وضعية مشابهة، زينتها عقد لؤلؤي تتوسّطه قلادة مستديرة تتدلّى منها ثلاثة فصوص بيضاوية، وحزام يأخذ شكل سلسلة من الحلقات المترابطة. تتميّز جليسة هذا العرش بما ترفعه ذراعاها نحو الأعلى. تنتصب اليد اليمنى عمودياً، وتحمل كتلة تبدو أشبه بكوز من الرمان، يقابلها عنقود من العنب يحتلّ طرف العرش الوثير. في المقابل، تمسك اليد اليمنى بقرن عريض، وهو في قاموس الفن الكلاسيكي «قرن الوفرة» المليء بثمار الأرض، وقد في القرن الخامس قبل الميلاد فارتبط بسيد العالم السفلي الذي عُرف باسم «هاديس»، أي «مانح الثروة»، كناية عما يحمله باطن الأرض من كنوز تشكّل جزءاً من مملكته. وارتبط في مرحلة لاحقة بسيدة الازدهار «تيكه»، سيدة الحظ السعيد والنجاح والازدهار ووفرة الغلال.

تعدّدت صور هذه السيدة ورموزها في الحقبة الرومانية، فبات لكل مدينة مزهرة «تيكه» خاصة بها. تجرّدت هذه الصورة في الحقبة البيزنطية فبقيت رمزاً لثراء الأرض الطيبة، ودخلت الفن الأموي المدني من هذا الباب، كما تشهد جداريات قصير عمرة في صحراء الأردن، حيث تحضر في الركن الذي يُعرف بـ«ركن العرش».

في الخلاصة، تُشكل مجسّمات قصر الحير الغربي من خلال هذه المقارنة صورة منقوشة موازية لهذا الحضور التشكيلي. يحضر المَلك على عرشه، وتجاوره وصيفتان تجسّدان الثراء والوفرة والعطاء، وهي المزايا التي تتميّز بها سلطته الملكية الصالحة.