توم آيكنز آخر ضحايا لعنة النجوم

المطاعم الراقية تغلق أبوابها وظاهرة توصيل الوجبات تنتعش

الشيف البريطاني توم آيكنز
الشيف البريطاني توم آيكنز
TT

توم آيكنز آخر ضحايا لعنة النجوم

الشيف البريطاني توم آيكنز
الشيف البريطاني توم آيكنز

بعد 14 عاماً من النشاط في حي تشيلسي اللندني الأرستقراطي، أعلن الشيف توم آيكنز عن إغلاق مطعمه الشهير «تومز كيتشن» في بدايات عام 2020. وصرح آيكنز بأن أسباب هذا القرار كانت مزيجاً من «تحديات السوق مع نقص في المهارات والأيدي العاملة». ولكن آيكنز لم يخرج من السوق تماماً؛ حيث يمتلك مطعماً آخر اسمه «ميوز» في حي بلغرافيا، كما يمتلك مطاعم خارج بريطانيا في دبي وأبوظبي.
ويبدو أن ظاهرة إغلاق المطاعم الفاخرة مستمرة في لندن لأسباب متعددة، منها تراجع الإقبال على هذا النوع من المطاعم، وانتشار ظاهرة توصيل الوجبات إلى المنازل في كافة قطاعات الصناعة، من الوجبات السريعة إلى الفاخرة، وعدم جاذبية لندن للأيدي العاملة الأوروبية، بعد انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. كما أن أسعار وجبات المطاعم الباهظة أيضاً كانت وراء إغلاق كثير منها لعدم الإقبال عليها.
وعلى ما يبدو أن طموحات آيكنز كانت أكبر من قدرة السوق على استيعاب أسعار مطعمه الذي كانت الوجبة الواحدة فيه المحتوية على الكافيار تتكلف - في المتوسط - 175 جنيهاً (228 دولاراً) للفرد الواحد.
ومع ذلك تستمر المحاولات في الإبقاء على القطاع الفاخر من السوق، حتى من آيكنز نفسه الذي استبدل مطعمه المغلق بمطعم آخر فاخر هو «ميوز».
وكان آيكنز قد انسحب من مجال تقديم الطعام الفاخر في لندن منذ خمس سنوات، ولكنه عاد لتجربة حظه مرة أخرى في مطعم «ميوز».
ويعتبر آيكنز من أمهر الناشطين في إدارة المطاعم، وله خبرة طويلة في العمل في مطاعم باريس ولندن، وكان أصغر شيف حاصل على نجمتي ميشلان في عمر 26 عاماً، وهو من بين الطهاة الذين عانوا من لعنة النجوم التي أدت بهم إلى إغلاق مطاعمهم.
ولكن إغلاق «تومز كيتشن» له دلالات قوية على التراجع؛ حيث كان في أوج نجاحه يشمل مجموعة من خمسة مطاعم، أربعة منها في لندن والخامس في إسطنبول. وتراجعت المطاعم تدريجياً إلى مطعم واحد ظل يعمل في تشيلسي منذ عام 2006.
ويخلف آيكنز وراءه كثيراً من الموردين الذين لم يحصلوا على ثمن تعاقدات توريد لحوم ومواد غذائية إلى مطعمه المغلق. ولأن المطعم كان شركة محدودة المسؤولية أو «ليمتد» فإن كافة الديون والمستحقات للموردين تسجل ضد الشركة وليس ضد آيكنز شخصياً. ويصل عدد الموردين الذين خسروا أموالاً في مطعم آيكنز إلى نحو 160 مورداً، منهم من يعمل في شركات صغيرة. وقال أحد الموردين إنه يخسر سنوياً ما بين 50 إلى 100 ألف إسترليني، بسبب المطاعم التي تغلق أبوابها.
وتشير إحصاءات غير رسمية إلى أن عدد المطاعم التي أغلقت أبوابها في العام الماضي في لندن تخطى المائة مطعم، منها مطاعم مشهورة يملكها نجوم الطهي في بريطانيا، مثل جيمي أوليفر.
وذكرت صحيفة «فايننشيال تايمز» أن موجة إغلاق المطاعم في لندن هي الأعلى في العشر سنوات الأخيرة. وكان العام الماضي هو الأسوأ بسبب موجة توسعات غير مدروسة من بعض المطاعم. وتذكر الصحيفة أن 117 مطعماً أغلقت أبوابها في لندن عام 2018، بزيادة 40 في المائة عن العام الأسبق. واستقت الصحيفة معلوماتها من دليل «هاردن» لمطاعم لندن.
من الأسباب القوية لإغلاق المطاعم ما تذكره المراجع الرسمية من أنه عرض أكبر من الطلب. وفي حين تعتبر هذه المصادر أن المطاعم توسعت بلا حساب، فإن الأرجح هو أن الطلب تقلص على غير المتوقع، على نمط مشابه لما يحدث للمحلات الكبرى التي أغلقت أبوابها بسبب عدم الإقبال عليها. فالإقبال لم يتراجع في الواقع، ولكنه تحول من الذهاب للمحلات إلى التسوق على الإنترنت. ولم يعد الزبائن يأبهون بالذهاب إلى المطاعم الفاخرة في الوقت الذي يمكنهم فيه طلب الوجبات الفاخرة من الموردين مباشرة إلى المنازل، من دون الحاجة إلى المطاعم.
وهناك بالطبع عوامل أخرى، مثل ارتفاع تكاليف تشغيل المطاعم، وندرة الأيدي العاملة الماهرة، بعد أن جف تدريجياً قدوم العمال الأوروبيين إلى لندن. كذلك تعددت المحاولات العشوائية لافتتاح مطاعم في لندن التي تكاد تزيد في عددها على المطاعم المغلقة، لتجربة السوق في أنماط جديدة من الأطعمة، وبعد فترات وجيزة كانت هذه المطاعم تغلق أبوابها.
كما كان مطورو العقار في لندن وراء موجة توسع افتتاح المطاعم بلا دراسات جدوى، وذلك بتشجيعهم على افتتاح مزيد من المطاعم في مناطق التوسع العمراني الجديدة بتقديم حوافز، كما في شرق لندن، من أجل الإيحاء بأن المناطق الجديدة حافلة بالحياة الاجتماعية النشطة التي يتعين الانتقال إليها.
ويشكو أصحاب المطاعم من بعض المستثمرين الذين ينفقون مزيداً من الجهد والمال في افتتاح مطاعم جديدة، على الرغم من عدم حاجة السوق لها، وبدوافع لا تتعلق بالربح، وإنما بالسمعة والجاه في ملكية مطاعم.
وتنعكس هذه المطاعم التي لا تهدف إلى الربح على أنشطة المطاعم الأخرى التي يضطر بعضها إلى الخروج من السوق. واضطرت سلاسل مطاعم ناجحة إلى إغلاق كثير من فروعها مثل كارلوشيو وبريتزو وأوليفر.
والغريب أن شركات بطاقات الائتمان تؤكد أن الإنفاق في لندن زاد على تناول الوجبات في المطاعم بنسبة 7.7 في المائة، رغم تراجع أعداد المطاعم. ولا يدل هذا الإنفاق المتزايد بالضرورة على زيادة عدد الوجبات، وإنما على ارتفاع أسعارها. وما يؤكد ذلك أن الوجبات الرخيصة يتم دفع ثمنها نقداً، ولا تحتاج إلى بطاقات ائتمان لسداد ثمنها.
وتشكو المطاعم بدورها من زيادة التكاليف عليها من رسوم عوائد تجارية (Business Rates) وتضخم أسعار المواد الخام، وأجور العاملين، وصعوبة العثور على الخبرات اللازمة في السوق.
وعلى المطاعم أن تتأقلم على متغيرات السوق إذا كانت تريد أن تبقى مفتوحة أمام زبائنها. وتشمل مواكبة السوق توفير خدمات التوصيل إلى المنازل، وتقديم خيار الوجبات الخفيفة الرخيصة، والتوجه نحو تذوق الوجبات النباتية، والتفوق في الخدمة والوجود على الإنترنت.

مجموعة المطاعم التي أغلقت أبوابها في الشهور الأخيرة
ولعل المجموعة التالية من المطاعم التي أغلقت أبوابها في الشهور الأخيرة تذكر الصناعة بأن الاستمرار في السوق يلزمه مزيد من التخطيط السليم، والتأقلم على متغيرات السوق ومواكبة مطالب الزبائن:
> «ذا سكوير» في حي مايفير: وهو مطعم حاصل على نجمة ميشلان، وتم إغلاقه خلال تناول الزبائن لوجبة في منتصف اليوم، وذلك بعد إفلاس صاحبه. ووصفت زبونة في المطعم المشهد الدرامي، بدخول أربعة رجال في ملابس قاتمة إلى المطعم، وبعدها بدقائق خرج مدير المطعم بعيون دامعة يطلب من الزبائن المغادرة لأن المطعم أفلس، ولن يمنح عماله أجورهم عن الشهر الأخير.
> مطعم «غيزلينغ» في هولبورن: وأغلق أبوابه بعد ثمانية أشهر من افتتاحه، بسبب عدم تغطية تكاليفه. وتخصص المطعم في المأكولات والمشروبات الفاخرة، ولكن على ما يبدو أن المأكولات الشهية لا تضمن الاستمرار إذا كانت إدارة الحسابات لا تستطيع الموازنة بين الدخل والمصروف.
> «بوني غال» أشهر مطعم بحري في حي سوهو: اضطر هو أيضاً لإغلاق أبوابه. وكتب صاحب المطعم أليكس هانتر على «إنستغرام» أنه حتى الأشياء العظيمة تنتهي بعد حين. وانتهت قصة المطعم الشهير بعد ثلاث سنوات من النشاط في حي سوهو. واعتمد المطعم على تقديم السمك المشوي والمحار. ولم يذكر هانتر أسباب الإغلاق المفاجئ لمطعمه.
> مطعم «لامبرت» في حي بالهام: بعد 17 سنة من استقبال الزبائن، اضطر مطعم «لامبرت» إلى إغلاق أبوابه في حي بالهام اللندني. وعلل صاحب المطعم جو لامبرت قراره بأنه يعود إلى أحوال السوق الصعبة، وارتفاع تكاليف التشغيل، والروتين المفروض على المطعم من المجلس المحلي والحكومة، في صيغة عوائد تشغيل وضرائب. وعبر جو عن حزنه الشديد لما آل إليه حال المطعم؛ حيث كان يأمل أن يكمل فيه 20 عاماً من العمل المتواصل.
> مطعمان في حي ستوك نيوتن: وأعلن المطعم الأول «ذا لاست كرامب» عن إغلاقه على «إنستغرام»، بينما التزم المطعم الآخر «مويو» الصمت التام لدى إغلاق أبوابه منذ بداية العام الجاري، بعد عام كامل من النشاط في الحي. وكان المطعم الثاني يقدم مأكولات أوروبية غير عادية، مثل أطباق بحرية بها عنب مجمد، والشعير بدلاً من الأرز، ويقدم أطباق «فيوجن» بالرغوة المجمدة. ولكن طموحات الشيف لم تعجب الزبائن.
> «هيكس سوهو»: بعد 10 سنوات، أغلق مطعم «هيكس سوهو» أبوابه. وقال الشيف مارك هيكس إن ارتفاع الإيجارات وصعوبة أحوال السوق كانت وراء قرار الإغلاق. وكان هيكس قد حصل على وسام ملكي في عام 2017 لجهوده في تطوير المطبخ البريطاني.
> «غيلورد»: وهو من أقدم المطاعم الهندية في لندن، بسجل متواصل مدته 53 عاماً من موقعه في حي فيتزروفيا، ولكنه في النهاية قرر إغلاق أبوابه. ويتذكر زبائن المطعم الديكور الحديث وتروللي الحلوى بعد الوجبات. ولكن المطعم انسحب من لندن بهدوء، ومن دون ذكر الأسباب أو التعبير عن الحزن الشديد، مثلما فعل أصحاب المطاعم المغلقة الأخرى.



«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
TT

«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)

في قلب جدة التاريخية، وعلى مقربة من سوق السمك، يقف مطعم البصلي للأسماك شاهداً على حكاية لم تبدأ مشروعاً تجارياً، بل حياة يومية تشكّلت حول البحر، وانتقلت من الأب إلى الأبناء، جيلاً بعد جيل.

قبل نحو سبعة وسبعين عاماً، أسّس والد عائلة البصلي مطعماً صغيراً لا يتجاوز طوله مترين ونصف المتر، في منطقة كانت تعيش على إيقاع الصيد والتجارة. لم يكن الاسم مخططاً له، بل خرج من تفاصيل المكان: سوق السمك، وحبة بصلة، واسم «البصلي» الذي التصق بالموقع قبل أن يصبح علامة يعرفها أهل جدة وزوارها.

كبر المطعم، لكن روحه بقيت كما هي. ومع مرور السنوات، تحوّل من مساحة ضيقة إلى عنوان ثابت في ذاكرة المدينة، في حين ظلّ البحر حاضراً في كل طبق يُقدَّم.

تعلُّم بالممارسة... لا بالوصفات

انتقلت المهنة داخل العائلة عبر الحضور اليومي في المكان، لا عبر وصفات مكتوبة أو تعليمات جاهزة. نبيل حامد، الذي تسلّم إدارة المطعم منذ أكثر من عشرين عاماً، تعلّم المهنة كما عاشها من سبقوه: من اختيار السمك في السوق، إلى تنظيفه، وطريقة طهيه، وتبديل الزيت، وحتى ترتيب الأطباق. كانت الخبرة تُبنى خطوة بخطوة، وتتراكم مع الوقت.

يقول إن الوصفات بقيت كما هي، وإن الاسم لم يتغير؛ لأن الزبائن يأتون بحثاً عن «طعم زمان»، الطعم الذي لم تحكمه موضة، ولم يتبدّل مع تغيّر الأذواق.

مرّ المطعم بمحطات دقيقة، خصوصاً مع التحوّل الذي شهدته جدة التاريخية، وانتقالها من منطقة تجارية إلى فضاء تراثي وثقافي وسياحي مسجل في قائمة «يونيسكو» للتراث العالمي. في تلك المرحلة، كان التحدي الأساسي هو كيفية الاستمرار من دون فقدان العلاقة بالمكان أو بالناس الذين اعتادوا عليه. ومع تزايد الإقبال وامتداد طوابير الانتظار، تبلورت قناعة بأن المطعم أصبح جزءاً من تجربة جدة التاريخية نفسها.

مطعم محلي ومحطة سياحية

ومع هذا الحضور المتراكم، لم يعد مطعم البصلي وجهة لأهالي جدة أو زوارها من داخل المملكة فقط، بل أصبح جزءاً من خريطة السياحة في المدينة، ومحطة تُدرج ضمن برامج زيارة جدة التاريخية. فكما تُزار الأسواق القديمة والمعالم، بات المطعم حاضراً في خطط كثير من القادمين إلى الحي.

الترانزيت الذي لم يكتفِ بالانتظار

ضمن هذا السياق، يروي نبيل حامد قصة مسافر بريطاني من أصول هندية، كان يمر عبر مطار جدة في رحلة ترانزيت لا تتجاوز خمس ساعات. سمع عن «البصلي» قبل وصوله، فقرّر أن يخرج من المطار، يتجه مباشرة إلى جدة التاريخية، يتناول وجبته، ثم يعود ليكمل رحلته.

قال لي: «عندي ساعتان فقط، وجئت خصيصاً لأجرب المطعم»، يذكرها كواقعة تعبّر عن تحوّل المكان إلى وجهة يُقصد لها، حتى في الرحلات العابرة.

اعتراف عالمي جاء بصمت

هذا الحضور لم يكن محلياً فقط. ففي عام 2025، نال مطعم البصلي جائزة أفضل مطعم سمك من مجلة Time Out العالمية، بعد زيارات متكررة قام بها فريق التقييم من دون تعريف مسبق، وفق آلية تعتمد على التجربة الفعلية والتصويت.

وبالنسبة للعائلة، جاءت الجائزة تتويجاً لمسار طويل حافظ فيه المطعم على طعمه وهويته، من دون أن يسعى إلى الشهرة.

جائزة تايم آوت العالمية التي حصل عليها مطعم البصلي لعام 2025 (الشرق الأوسط)

قديم وجديد... بلا قطيعة

اليوم، يعمل «البصلي» بصيغتين: مطعم قديم حافظ على شكله وروحه، وتجربة أحدث استوعبت الإقبال المتزايد. لم يكن التوسع رغبة في الانتشار، بقدر ما كان محاولة لتخفيف الضغط عن المكان الأصلي، مع الإصرار على أن يبقى الطعم واحداً.

نسبة كبيرة من الزبائن اليوم من خارج السعودية، إلى جانب عائلات جدة التي تؤكد، في كل زيارة، أن النكهة لم تتغير. بعضهم يقطع عشرات الكيلومترات، بل يزور المطعم مرات عدة في الأسبوع؛ بحثاً عن مذاق لا يجده في مكان آخر.

مأكولات بحرية يقدمها مطعم البصلي باهتمام دقيق بالتفاصيل (الشرق الأوسط)

السمك... التفاصيل تصنع الفارق

حين يُسأل نبيل حامد عن سر الاستمرارية، لا يتحدث عن التسويق، بل عن التفاصيل: نوعية السمك، نظافته، طريقة التعامل معه منذ خروجه من البحر وحتى وصوله إلى الطبق. ويؤكد أن الحضور اليومي في المطعم، ومتابعة الفريق، وسماع الملاحظات، كلها جزء من فلسفة العمل.

تحضير السمك الطازج داخل مطعم البصلي (الشرق الأوسط)

الماضي... أساس المستقبل

لا يرى «البصلي» المستقبل بعيداً عن الماضي. فالطعم الذي بقي لعقود هو ما منح المطعم شرعيته اليوم، وهو ما يدفعه للتفكير في أي خطوة قادمة بحذر، من دون أن يفقد المكان جذوره.

في مطعم البصلي، لا يُقدَّم السمك بوصفه وجبة فقط، بل بوصفه حكاية عائلة، وذاكرة مدينة، ودليلاً على أن بعض الأماكن تصبح جزءاً من السياحة... لأنها بقيت صادقة مع نفسها.


«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر
TT

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

في قلب حي مصر الجديدة بالقاهرة، الذي يجمع بين العراقة والرقي، يقع واحد من أهم المطاعم العائلية ذات التاريخ الطويل، هو مطعم Le Chantilly «لو شانتييه» الذي يقدم أطباقاً سويسرية ببعض اللمسات الأوروبية المتنوعة.

فيه يمكنك أن تستمتع بمذاقات مختلفة، يجمع بينها المطبخ السويسري الذي يتمتع بتاريخ يعكس التنوع اللغوي والثقافي والجغرافي لسويسرا.

ولا تقتصر خصوصية «لو شانتييه» على هذا الثراء في النكهات والمكونات، لكنه يُعد كذلك وجهة لاستعادة ذكريات رواده، واستدعاء لحظات دافئة من الماضي، فالمطعم الذي أُنشئ في نهاية عشرينات القرن الماضي يُعد من معالم الحي الهادئ.

داخل المطعم تلتقي بزبائن من مختلف الأعمار والفئات، بعضهم من كبار السن الذين اعتادوا تناول الإفطار من قائمة المعجنات والمخبوزات الموجودة في السلة، برائحتها المميزة، وأبرزها الباتيه و«لاوجن كرواسون» بالسالمون المدخن والجبن الأبيض، أو «حلومي بريس» التي تجمع بين خبز الشيباتا، والروكا، والريحان، والطماطم، والجبن الحلومي.

في «لو شانتييه» قد يفضل البعض اختيار أحد أنواع الكيك الذي يشتهر المكان بتقديمه ساخناً في الصباح، مثل «ماربل كيك»، أو «بسكويت كيك» أو «إنجلش كيك» بالـ«دراي فروت»، فضلاً عن الباتيه والكرواسون بالجبن أو سادة، وذلك مع القهوة في الصباح الباكر في منطقة «الأوبن إريا» الملحق بها تراس؛ ليستمتعوا بالشمس مع قراءة الصحف المتوفرة يومياً فيها باللغات الفرنسية، والإنجليزية، والعربية.

وينتظرهم كذلك الـcold cuts بأنواعها، مثل «كروك شانتييه» وهو خبز التوست الأسمر أو الأبيض باللحم الرومي المدخن مع الطماطم والفلفل وغراتين بالجبن مع البطاطس والسلطة الخضراء بالذرة، فضلاً عن ساندوتشات اللحم المدخن بصوص الفلفل، والتركي بالزعتر.

تقول مديرة المطعم السيدة جميلة لـ«الشرق الأوسط»: «(لو شانتييه) من أقدم المطاعم، بل الأماكن الموجودة على الإطلاق في حي مصر الجديدة، وهو وجهة لأبناء العائلات العريقة التي لا يزال معظمهم يعرف بعضهم الآخر». وتتابع: «حتى هؤلاء الذين هاجروا منذ عشرات السنوات فإنهم حين يعودون لزيارة مصر يأتون إلينا لطلب نفس الأطباق القديمة التي كانوا يطلبونها قبل؛ فقد حافظ المطعم على (كلاسيكيته) وأصالته وجودة الطعام بشهادة الضيوف».

دفء الأجواء

وتتابع بابتسامة: «بعض الزوار كانوا صغاراً إلى حد أنهم كانوا يشبون ليختاروا طلباتهم المفضلة من ثلاجة عرض الحلويات المخصصة (للتيك آواي)، الآن صاروا يصطحبون أحفادهم».

غالباً ما تعكس مطاعم المطبخ السويسري ثقافة جبال الألب الهادئة والدافئة؛ ولعل ذلك ما يفسر لنا بقاء هذا المطعم في وجدان أبناء حي مصر الجديدة؛ حيث يتميز بأجواء الترحاب والدفء المنزلي، مع عناصر ديكور ريفية مثل الأثاث الخشبي والمدافئ والأعمال الفنية المستوحاة من الجبال، وفي ظل هذه الأجواء الهادئة والمريحة يتناول رواد الطعام أطباقهم على مهل، كما لو كانوا في المنزل.

تنوع الأطباق

يقدم Le Chantilly قوائم متنوعة من الطعام، ما بين الإفطار والغداء والعشاء مع مجموعة واسعة من الجبن، بما في ذلك «فوندو الجبن السويسري».

ومن أشهر أطباقه شرائح الفيليه المشوية التي تقدم بطريقة «جنيفواز» بزبدة «الكافيه دي باري»، وتقدم مع السلطة المكونة من الخس بالمستردة، والخضراوات السوتيه والبطاطس. وكذلك يقدم طبق «فيل إسكالوب» مشوي بصوص المشروم الكريمي، مع «الجرين نودلز»، و«سكالوب بتلو» محشو بالجبن واللحم البقري المدخن.

ولعشاق البطاطس بنكهاتها المختلفة، فإن «لو شانتييه» هو وجهتهم؛ حيث تُعد مكوناً منتشراً بكثرة في المطبخ السويسري، وتُستخدم بشكل خاص في طبق «روشتي»، وهو طبق شعبي يُؤكل في جميع أنحاء سويسرا، لكنك يمكنك الاستمتاع به في القاهرة داخل هذا المطعم مع شرائح البتلو بصوص المشروم الكريمي، التي تقدم مع بطاطس «روشتي» أو شرائط المكرونة الخضراء.

أما محبو الدجاج فتنتظرهم قائمة طويلة، منها «جريلد تشيكن بريست»، «تشيكن ستروغانوف»، صدور الدجاج المحشوة بالجبن واللحم البقري المدخن، «جريلد تشيكن» التي يعلوها جبن الموتزاريلا الذائبة، وتقدم مع نودلز بالزبدة والخضراوات، إضافة إلى أنواع الحساء المختلفة.

السيدة جميلة (إدارة المطعم)

«السلمون ستيك»، «جريلد» أو «فريد فيش فيليه» مع صوص الليمون، «جريلد سلمون فيليه» مع صوص الشبت الكريمي، «ريد سي شريمب»، هي أطباق تنتظر عشاق المأكولات البحرية في المطعم.

والرائع أن المطبخ يتيح لك المزج بين اللحوم والدجاج أو الأسماك في طبق واحد، في تجربة طعام مختلفة، على سبيل المثال يمكنك اختيار طبق «بيف ميداليون» مع صوص الفلفل مع «التشيكن كوردون بلو»، أو الدجاج المشوي مع صوص المشروم الكريمي، أو «جريلد بيف فيليه» يعلوه الجمبري «البترفلاي» والـ«هيرب بتر صوص».

«الطعام الصحي»

يجد محبو «الطعام الصحي» ترحيباً داخل المطعم أيضاً عبر قائمة من السلطات المميزة ذات النكهات المتنوعة والدريسنج الشهي، ومنها «فيجي حلومي تشيز سالاد» وتتكون من جرجير، خضار مشوي، جبنة حلومي مشوية يعلوها الريحان، تقدم مع «الفيردي دريسنج».

وأيضاً، «كينوا سالاد» وتتكون من ميكس خس، كينوا، الطماطم الشيري، خيار، مكعبات البصل، نعناع وفاكهة الموسم، والإيطاليان دريسنج، أو «شيف سالاد»، وهو طبق غني من السلطات مع شرائح الدجاج والجبن واللحم البارد بصوص «ثاوزند آيلاند».

أما إذا كنت من هواة سلطات «السي فود» فينتظرك «سلمون كراب سالاد» ويتكون من «سلمون مدخن» يقدم على شرائح الكابوريا المتبلة بصوص ميكس الخس، الجزر والـ«ريد بينز»، أو «سويت كورن» تقدم مع «مايو ليمون دريسنج».

ويعيش المطعم مع المصريين في كل مناسباتهم السعيدة مثل الكريسماس من خلال تقديم أفخر أنواع الشوكولاتة والحلوى التي تتخذ أشكال بابا نويل وعربة الغزالة وغير ذلك، كما يقدم الكنافة والقطائف في رمضان، والكعك والبسكويت في عيد الفطر، وفق جميلة.

وتلفت: «يركز المطعم على الضيافة وتجربة تناول طعام مختلفة معاً، منذ اللحظة الأولى يفتح لك باب المحل عامل بأسلوب خاص يسوده التهذيب، وكذلك الجرسونات أيضاً».

وبالرغم من أن «لو شانتييه» مطعم عتيق، فإنه على العكس من المطاعم المماثلة يسمح بتوصيل الأطباق إلى المنازل، بل إنه من مطاعم الـ«كاترينج» حيث يرحب بتقديم الطعام للمناسبات والتجمعات الكبيرة مثل الحفلات، والمؤتمرات، وغيرهما. وذلك في مختلف أنحاء مصر «من الإسكندرية (شمال مصر) إلى أسوان (جنوبها)».


«خوفو» الأول في الشرق الأوسط... و«كورو» الأفضل في السعودية

فريق العمل في مطعم "خوفو" الفائز بالمرتبة الاولى (الشرق الاوسط)
فريق العمل في مطعم "خوفو" الفائز بالمرتبة الاولى (الشرق الاوسط)
TT

«خوفو» الأول في الشرق الأوسط... و«كورو» الأفضل في السعودية

فريق العمل في مطعم "خوفو" الفائز بالمرتبة الاولى (الشرق الاوسط)
فريق العمل في مطعم "خوفو" الفائز بالمرتبة الاولى (الشرق الاوسط)

فاز «خوفو»، الواقع بمنطقة الجيزة في مصر، بجائزة أفضل مطعم في مصر ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتمَّ إعلان هذا الفوز خلال حفل «أفضل 50 مطعماً في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» السنوي، برعاية «سان بيلليغرينو وأكوا بانا».

وتُوِّج بالفوز مطعم «Khufu’s»، الذي يترأس مطبخه الشيف المصري مصطفى سيف، الذي عبَّر عن سعادته العارمة بعد إعلان هذا الفوز المستحق.

وفي مقابلة خاصة مع «الشرق الأوسط» قال الشيف مصطفى سيف إنه سعيد جداً بهذا الفوز؛ لأنه استطاع من خلاله وضع المطبخ المصري، ولأول مرة، على خريطة الطعام العالمية، خصوصاً أنها المرة الأولى التي يتبوأ فيها مطعم مصري المرتبة الأولى في حفل جوائز على هذا القدر من الأهمية.

الشيف طارق علم الدين من مطعم "بايروت" (الشرق الاوسط)

ووصف سيف مطبخه وطعامه بأنه يحتفي بنكهات وطقوس وادي النيل، مع إضافة لمساته العصرية، وإعادة صياغته بطريقة تناسب ذائقة الأجانب والسياح وأهل البلد، على حد سواء.

ويعكس صعود «Khufu’s» اللافت إلى المرتبة الأولى قدرته الاستثنائية على إعادة ابتكار الأطباق المصرية بأسلوب راقٍ ومُتقن، مع عناية دقيقة باختيار أجود المكوّنات وصياغة سردٍ معاصر يستمدّ وحيه من التراث المصري.

وقال الشيف مصطفى إن موقع المطعم على مقربة من الأهرامات، يحتِّم على الأطباق أن تكون مناسبةً للجميع لأن المنطقة سياحية جداً، وأضاف: «أستخدم في أطباقي المنتجات المصرية المحلية، ولكني قمت باستبدال بعض المكونات الثقيلة مثل السمن ليحل محلها زيت الزيتون؛ لأجعل الطعام خفيفاً على المعدة من دون التغيير الجذري بالوصفات التاريخية المصرية الأصيلة».

الفائزون من المملكة العربية السعودية (الشرق الأوسط)

«خوفو» يجمع في أجوائه بين فن الطهي المصري الحديث وإحدى أشهر الوجهات في العالم. ومن هذا الموقع الاستثنائي، يقدّم «Khufu’s» تجربةً تُجسِّد الملامح المعاصرة للمطبخ المصري.

تَصدُّر «خوفو» المرتبة الأولى كان مفاجأةً حقيقيةً للحضور وللشيف مصطفى نفسه، فهذه هي المرّة الأولى التي يتصدَّر فيها مطعم من مصر هذه القائمة المرموقة، إذ تعكس فلسفة الطهي التي يتّبعها، والمُستلهَمة من عمق الثقافة المصرية والغنية بتقاليدها، والمُنفَّذة برؤية عصرية متقنة، أرقى ما يمكن أن تقدِّمه المنطقة العربية للعالم. تُبرز قائمة هذا العام اتّساع أفق الإبداع في مجال الطهي ضمن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مع صعود لافت لوجهاتٍ تشهد زخماً متجدّداً، من السعودية والقاهرة ومراكش إلى عمّان وبيروت.

هذا العام سجَّلت مصر إنجازاً لافتاً، فإلى جانب تصدُّر «خوفو» المرتبة الأولى، جاء مطعم «Reif Kushiyaki Cairo» في المرتبة الـ20، مسجِّلاً قفزةً كبيرةً من العام الماضي، بالاضافة إلى «Kazoku»، و«Zooba»، و«Sachi Cairo»، ما يعكس تقدُّم مصر المستمرّ بوصفها وجهةً بارزةً لتجارب الطعام.

ضمت القائمة 16 اسماً جديداً هذا العام، إلى جانب مطاعم فائزة من 14 مدينة مختلفة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وحصد مطعم «Beihouse» في بيروت جائزة «Highest New Entry Awards»، بعد ظهوره الأوّل بالقائمة في المرتبة الخامسة.

مجموعة من الطهاة الفائزة بجوائز مختلفة (الشرق الاوسط)

وتتابع المملكة العربية السعودية مسيرتها التصاعدية في مشهد الطهي الإقليمي، مع حضور قوي لعدد من مطاعمها على القائمة. فقد حصد مطعم «Kuuru» جائزة «أفضل مطعم في المملكة العربية السعودية لعام 2026»، بينما حافظ كلّ من «Marble» على المرتبة 12 وجاء «Myazu» في المرتبة الـ45. أما لبنان، فيؤكّد من جديد صلابته وإرثه العريق في مجال الطهي من خلال مطاعم «Beihouse»، و«أم شريف»، و«بوكو»، ما يرسّخ مكانة بيروت مرجعاً أساسياً في المطبخ الشامي.

كذلك، يواصل المغرب تألّقه هذا العام، حيث تركت مدينة مراكش أثراً بارزاً عبر مطعم «La Grande Table Marocaine» الحائز جائزة «Art of Hospitality Award 2026». وفي الأردن، سجّلت العاصمة عمّان حضوراً لافتاً على القائمة من خلال مطاعم «Alee،» و«شمس البلد» و«دارا دايننغ باي سارة عقل»، في انعكاسٍ واضحٍ لمسار المدينة المتصاعد في مشهد المطبخ المعاصر.

وتُستكمل القائمة بدخول عدد من الأسماء الجديدة البارزة من الكويت، والبحرين، وتونس وقطر، من بينها «مطبخي» و«Cantina»، و«Lyra» من المنامة، إلى جانب «Le Golfe» من المرسى، و«Idam» من الدوحة، ما يُبرز تنوّع أساليب الطهي في مختلف أنحاء المنطقة.

ونالت الشيف سارة عقل جائزة «MENA's Best Female Chef Award»، كما فاز كلّ من عمر ووسيم أورفلي شيف الحلويات التنفيذي وشيف تطوير الحلويات في مطعم «Orfali Bros»، بجائزة «MENA’s Best Pastry».

نالت سلام دقام، الشيف ومؤسِّسة مطعمَي «سفرة مريم» و«بيت مريم» جائزة «Sevenrooms Icon Award». وفاز مطعم «Farmers» في المغرب بجائزة الاستدامة.

سلّطت نسخة هذا العام من الجوائز الضوء أيضاً على 3 جوائز خاصة. فقد نالت منى حداد، مؤسِّسة شركة «Baraka Destinations»، جائزة «Champions of Change Award»، تكريماً لمقاربتها الريادية والمجتمعية في قطاعَي الضيافة والسياحة في الأردن. فيما حصد «Middle Child» جائزة «One To Watch Award»، احتفاءً بروحه المجتمعية الدافئة وما يحمله من إمكانات واعدة في السنوات المقبلة.

عملية التصويت

تتولّى أكاديمية (أفضل 50 مطعما) وضع قائمة الترشيحات، وهي مجموعة مؤلفة من 250 خبيراً في قطاع المطاعم من 19 دولة في المنطقة، تم اختيارهم بفضل خبراتهم المهنية في مطاعم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. تنقسم ألاكاديمية إلى 5 مناطق: الخليج العربي، والمملكة العربية السعودية، والمشرق، وشمال أفريقيا (شرق) وشمال أفريقيا (غرب). ولكلّ منطقة لجنة خاصة يترأسها رئيس مجلس إدارة يُسمى «رئيس الأكاديمية (Academy Chair)»، إلى جانب مؤلفين، ونقّاد، وطهاة، وأصحاب مطاعم وذوّاقة رفيعي المستوى. يصوّت كل عضو لما يصل إلى 10 مطاعم لقائمة عام 2026، شرط أن يكون ما لا يقل عن 4 منها خارج البلد الذي يوجد فيه. ولكي يتم إدراج المطعم في القائمة، يجب أن يحصل على أصوات من أكثر من دولة واحدة داخل المنطقة. ولن يكون للجهات الراعية للفعالية أي تأثير على عملية التصويت.