هموم أوروبية كبيرة بعد خروج بريطانيا

مواضيع «الفيتو» والعلاقات مع ترمب وتوسيع عضوية الاتحاد

هموم أوروبية كبيرة بعد خروج بريطانيا
TT

هموم أوروبية كبيرة بعد خروج بريطانيا

هموم أوروبية كبيرة بعد خروج بريطانيا

يُروى أن وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر أراد مرة أن يستمزج حلفاءه الأوروبيين في قضيّة خلافيّة بين واشنطن وموسكو، إلا أنه لم يتمكّن من تحديد الجهة التي ينبغي أن يتصّل بها في بروكسل – العاصمة البلجيكية والأوروبية – لمعرفة موقف الاتحاد الأوروبي منها، فأطلق تساؤله الشهير: «هل من يدلّني على نظيري في الاتحاد الأوروبي؟».
يقال إن هذا السؤال هو الذي دفع بالاتحاد الأوروبي إلى استحداث منصب المسؤول الأعلى عن السياسة الخارجية الأوروبية. وهو المنصب الذي كان أوّل من تولّاه، في عام 1999، وزير الخارجية الإسباني الأسبق الاشتراكي خافيير سولانا، قبل أن يُسند إليه، بعد ذلك، منصب الأمين العام لحلف شمالي الأطلسي (ناتو).
أُسّس الاتحاد الأوروبي، في أواخر عام 1993، على الدعائم التي كانت قد وطّدتها «السوق الأوروبية المشتركة»، التي بدورها انبثقت عن «المجموعة الاقتصادية الأوروبية» وريثة «المجموعة الأوروبية للفحم والصُلب». تلك كانت النواة المؤسسة للمشروع الأوروبي، ولقد كان راسخاً في اعتقاد دعاة هذا المشروع أنه لا يمكن أن يكتمل في غياب سياسة خارجية ودفاعية موحّدة. غير أن الكل كان يدرك أن أمام هذا الاكتمال عقبات كثيرة يصعب تذليلها، وحساسيات ليس من السهل تجاوزها لكونها تمسّ جوهر السيادة الوطنية التي يكاد يكون من المستحيل للدول أن تتنازل عنها أو أن تفرّط بها.
رغم ذلك نجح الأوروبيّون في تضمين معاهدة إنشاء الاتحاد ما يمكن اعتباره المدماك الأول للسياسة الخارجية والأمنية المشتركة بهدف «الحفاظ على السلم والأمن الدوليين وتعزيز التعاون الدولي وتطوير النظم الديمقراطية وتوطيدها والنهوض بسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية». وكان لا بد من الانتظار حتى عام 1997 والمفاوضات «الماراثونية» الصعبة التي دارت في «قمّة أمستردام» (هولندا) للاتفاق على آلية جديدة أكثر فاعلية لاتخاذ القرارات المتعلقة بالسياسة الخارجية. وكانت هذه تقوم على مبدأ «الامتناع البنّاء» والتصويت بالغالبية المشروطة لمنع الدول الأعضاء من ممارسة «حق النقض» (الفيتو) داخل «المجلس الأوروبي»، مع أن سقف الغالبية المطلوبة كان عالياً بحيث يكاد يوازي «الفيتو» في القرارات الحسّاسة.
في عام 2003 أقرّت الدول الأعضاء في «قمّة نيس» (فرنسا) إضافة تعديلات على آليّة القرار تهدف إلى ترشيدها، وكلّفت لجنة الأمن والسياسة التي كان المجلس قد أنشأها عام 2001 الإشراف السياسي والاستراتيجي على عمليات إدارة الأزمات. ثم، في عام 2009 قرّرت «قمّة لشبونة» (البرتغال) استحداث منصب الممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية والرئيس الدائم للمجلس الأوروبي، وتعزيز سياسة الأمن والدفاع التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من السياسة الخارجية. وكان أوّل من تولّى المنصب الجديد البريطانية كاترين آشتون، ثم خلفتها الإيطالية فيديريكا موغيريني حتى أواخر العام الماضي، عندما تشكّلت المفوضّية الجديدة برئاسة الألمانية أورسولا فان در لاين، ووقع الاختيار على وزير الخارجية الإسباني جوزيب بورّيل ليكون الوجه الجديد للسياسة الخارجية الأوروبية.

ما بعد خروج بريطانيا
مع بداية عهد المفوضية الجديدة كان الاتحاد الأوروبي قد خسر أحد أعضائه البارزين للمرة الأولى منذ تأسيسه مع خروج بريطانيا – المملكة المتحدة – من الأسرة الأوروبية. ولقد جاء خروج بريطانيا بينما كانت الأزمات الخارجية والداخلية تتراكم بشكل غير مسبوق على مائدة الاتحاد، الذي ما زالت سياسته الخارجية مقصورة على إطفاء الحرائق وتقديم المساعدات، ومتعثرة بطيئة في آلياتها، وعاجزة عن توحيد المواقف والتأثير في المشهد الدولي بما يتناسب مع القوة الاقتصادية والوزن الديمغرافي والجغرافي للاتحاد.
ومع خروج بريطانيا رأى المتحمّسون لسياسة خارجية أوروبية أكثر فاعلية، وفي طليعتهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فرصة سانحة للارتقاء بهذه السياسة إلى مرتبة أعلى من السرعة في اتخاذ القرار، ومدّه بالمقوّمات المؤثرة في المحافل الدولية، بما يضمن للاتحاد الدور الوازن الذي يحلم به الأوروبيون في لعبة المحاور.
ومنذ خريف العام الماضي، ينكبّ فريق من الخبراء القانونيين والمحللّين الاستراتيجيين على تصوّر جديد للسياسة الخارجية الأوروبية، أصبح جاهزاً لمناقشته وبتّه في القمّة المقبلة، التي تقول مصادر المفوضيّة إنها ستشهد ولادة «مفهوم جديد في علاقات الاتحاد الخارجية يتماشى مع القدرات الأوروبية والمبادئ الأساسية التي قام عليها الاتحاد».
وينطلق هذا التصوّر من «الحاجة الملحّة إلى الخروج من الشلل الذي تفرضه قاعدة الإجماع في القضايا الحسّاسة»، واعتماد آليّة جديدة لاتخاذ القرار في السياسة الخارجية بسرعات مختلفة تتيح «تحييد» الدول الأعضاء التي تتردّد عادة في الانضمام إلى موقف أوروبي مشترك. وتفيد مصادر المفوضية بأن الهدف من الآليّة الجديدة هو تمكين الاتحاد من اتخاذ موقف واحد، واضح وحازم، وبسرعة، من القضايا والأزمات الدولية التي تتفاعل بسرعة تتجاوز الوتيرة البطيئة لآليات القرار داخل المؤسسات الأوروبية.

قرارات بالغالبية البسيطة
يقول مسؤول أوروبي، إن الاتحاد الأوروبي في أمسّ الحاجة اليوم إلى قرارات تُتخَذ بالغالبية البسيطة في الشؤون الخارجية، وعندما يقتضي الأمر، إلى تشكيل تحالفات تقتصر على الدول المستعدّة للتحرّك الجدّي في أزمات معيّنة. ويضرب المسؤول مثالاً على ذلك البيان الذي صدر أخيراً عن الاتحاد الأوروبي لرفض «صفقة القرن» التي اقترحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب حول أزمة الشرق الأوسط - إذ رفضتها 25 دولة من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وتحفظّت اثنتان - أو العملية البحرية التي قادتها فرنسا في مضيق هرمز وانضمّت إليها 7 دول لاحقاً.
بعض القادة الأوروبيين، مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وبنسبة أقل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، يذهبون أبعد من ذلك، فيقترحون اعتماد هذا المبدأ وتعميمه على مجالات أخرى من النشاط الأوروبي، مثل السياسة المالية أو الاجتماعية. ويقترح ماكرون أن تصبح هذه قاعدة العمل في النادي الأوروبي، الذي شهد بعد توسيعه السريع، خلال السنوات الأخيرة، تزايد التفاوت الاقتصادي والاجتماعي والتاريخي بين أعضائه، وتفاقم التشتّت السياسي، بينما راحت شهيّة التكامل والاندماج تتراجع في عدد من العواصم الأوروبية.
من جهة ثانية، يؤكد مسؤول دبلوماسي من الحلقة الضيّقة حول الممثل الأعلى للسياسة الخارجية، الذي تولّى مهامه رسمياً مطلع ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أن بورّيل «ليس مستعدّاً للانتظار طويلاً، وهو يحاول التوصّل إلى إجماع أوروبي حول أزمة أو قضيّة معّينة، بحيث عندما يتحقق هذا الإجماع يكون قد فات الأوان ويأتي مشفوعاً بشروط كثيرة تنزع منه أي قدرة على التأثير».
ويضرب المسؤول مثالاً على ذلك ردّ الممثل الأعلى على مبادرة الرئيس الأميركي لحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. إذ يذكر أن الممثّل الأعلى أعلن، بعد أربعة أيام من طرح المبادرة، الرفض الأوروبي القاطع لها، وحذّر إسرائيل من أن الاتحاد الأوروبي سيطعن في أي احتلال للأراضي الفلسطينية ينشأ عن المبادرة. هذا، وتجدر الإشارة إلى أن الرفض الأوروبي لخطة ترمب أعلنه بورّيل كموقف للاتحاد الأوروبي اتخذته الدول الأعضاء بأكثرية ساحقة بهدف التقليل من أهمية الاعتراض عليه. ولقد أثار الإعلان عن الموقف الأوروبي ردّاً عنيفاً من الجانب الإسرائيلي، في حين سارعت الحكومة المجرية اليمينية المتشدّدة - التي اعتادت الخروج عن الإجماع الأوروبي - إلى تأكيد معارضتها لتصريحات الممثل الأعلى وأبلغت واشنطن وتل أبيب أنها لا توافق عليها. لكن رغم ذلك كان رفض «صفقة القرن» قد أصبح هو الموقف الأوروبي الرسمي على الساحة الدولية.
وفي المقاربة الجديدة للسياسة الخارجية الأوروبية يعتبر خبراء المفوضية أن «الإجماع سيبقى مستحيلاً في القريب المنظور حول القضايا الكبرى، ولن يكون من السهل إرساء أسس ثقافة استراتيجية مشتركة؛ لأن لكل دولة تقاليدها وتاريخها في هذا المجال». غير أن هؤلاء يؤكدون أن الرئيسة الجديدة للمفوضية، وهي الوزيرة الألمانية السابقة أورسولا فان در لاين، وكذلك رئيس «المجلس الأوروبي» البلجيكي شارل ميشال، على اقتناع تام بأن الاتحاد الأوروبي لا يمكن أن يستمرّ رهينة لقاعدة الإجماع، بعد خروج بريطانيا.
وحقاً، بدأت دول عدة في الاتحاد، مثل إسبانيا وهولندا وبلجيكا، تميل علناً إلى تأييد فكرة الرئيس الفرنسي بإنشاء ما يسمّيه ماكرون «الدوائر المتداخلة»، وقبول دعوته إلى الاقتداء بتجربة «اتفاق شينغن»، الذي اقتصر في البداية على خمس دول ليشمل اليوم 26 دولة، منها أربع خارج الاتحاد الأوروبي. ولا تتردد دول مثل هولندا بالمطالبة بتطبيق قاعدة الغالبية على جميع قرارات السياسة الخارجية، كالعقوبات الاقتصادية على روسيا وفنزويلا، من غير إعطاء حق النقض لأي من الأعضاء.

«حق النقض» المستحيل
مع ذلك، إلغاء «حق النقض» (الفيتو) يواجه عقبة شبه مستحيلة؛ لأن إقراره يحتاج إلى إجماع الدول الأعضاء، وهذا ما ليس متاحاً في الوقت الحاضر. لذا؛ يميل الممثل الأعلى للسياسة الخارجية إلى تجاوز «الفيتو» باللجوء إلى حلول براغماتية، حتى إذا استدعى الأمر البحث عنها خارج الإطار القانوني الأوروبي المعقّد كما حصل أخيراً عندما تمكّن «المجلس الأوروبي» من تجاوز «فيتو» بولندا على «الميثاق الأخضر»، واكتفت القمة بتسجيل الاعتراض البولندي في نص الاتفاق من غير أن يحول ذلك دون مضي المفوضيّة في الإجراءات التشريعية اللازمة لتنفيذ الميثاق. ويتوقّع خبراء المفوضية أن يفرض هذا النهج البراغماتي نفسه على السياسة الخارجية والدفاعية الأوروبية التي تعتبر أرضاً خصبة لمشاركة مجموعات من الدول الأعضاء في سياسات أو عمليات تقع ضمن نطاق مصالحها الحيوية والاستراتيجية، كما حصل أخيراً عندما أطلقت فرنسا من قاعدتها البحرية في أبوظبي عملية لحماية النقل البحري في مضيق هرمز بعد الاعتداءات والتهديدات الإيرانية الأخيرة.
وكان الممثل الأعلى للسياسة الخارجية الأوروبية بورّيل قد أعلن في ميونيخ خلال مشاركته في مؤتمر الأمن السنوي أن «أوروبا في حاجة إلى تنمية شهيتها للسلطة»، ودعا إلى المزيد من المرونة والاستقلالية في السياسة الخارجية، مؤكداً على ما كان قد عرضه سابقاً الرئيس الفرنسي ماكرون. وقال بورّيل، إن التحديات التي تتراكم أمام الاتحاد الأوروبي، في الداخل كما في الخارج، «لا يمكن التصدّي لها فقط بالإعراب عن القلق، بل بتوافر الرغبة في التحرّك واستخدام لغة القوة والتخلّي عن قاعدة الإجماع عند الاقتضاء».
في أي حال، «لغة القوة» في قاموس المفوضية الجديدة لا تقتصر على القوة العسكرية، بل يجب أن تشمل جوانب عديدة أخرى، مثل مكافحة تغيّر المناخ. وهنا يعكف فريق من الخبراء على وضع «دبلوماسية مناخية» لأن الجهود الأوروبية، مهما بلغت، لن تكون كافية في غياب توافق دولي واسع في هذا المجال. ومن الإجراءات التي تلحظها هذه الدبلوماسية أن يكون تغيّر المناخ بنداً ثابتاً في كل مفاوضات تجارية يخوضها الاتحاد. وكذلك، بالنسبة لاحترام حقوق الإنسان وفرض قاعدة الغالبية في كل ما يتصّل بها من قرارات.

العلاقات مع ترمب
على صعيد آخر، العلاقات مع الولايات المتحدة ما زالت تثير متاعب كثيرة داخل البيت الأوروبي منذ وصول دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، وهي مرشّحة لمزيد من التعقيدات إذا ما أعيد انتخابه في الخريف المقبل. وترى المفوضية الجديدة «أن المصارحة هي السبيل الأفضل لمقاربة هذه العلاقات الحيوية بالنسبة للأوروبيين. ولا بد من القبول بأن ثمّة اختلافاً جوهريّاً في الرأي حول بعض القضايا مع الإدارة الأميركية الحالية، مثل الاتفاق النووي مع إيران».
وتدعو الرؤية الجديدة للسياسة الخارجية الأوروبية إلى تجاوز الاكتفاء بمعارضة الموقف الأميركي من الملف النووي الإيراني أو خطة السلام للشرق الأوسط؛ لاقتناع الأوروبيين بأنها لن تحقق النتيجة المنشودة. ومن ثم، فهم يرون أن يكون الاتحاد الأوروبي قادراً على طرح حلول أو أفكار بديلة ومستعداً لذلك.
«ناتو» بالنسبة للأوروبيين لا يزال ضرورة حيوية في نظر المفوضية الجديدة «لأن أوروبا ليست قادرة وحدها على الدفاع عن نفسها». إلا أنهم، في المقابل، يعتقدون أنه لا يجوز أن أوروبا تقع فريسة «لعبة المحاور» التي تجنح اليوم نحو ثنائية جديدة بين بكّين وواشنطن. وفي التصوّر الجديد للسياسة الخارجية الأوروبية، أن الحرب التجارية الدائرة بين الصين والولايات المتحدة تخفي الصراع الحقيقي بين العملاقين، ألا وهو الصراع التكنولوجي الذي كانت المعركة حول شبكة الجيل الخامس من الاتصالات أولى تجلّياته. ويشدّد هذا التصوّر على أن يكون للبلدان الأوروبية سياستها التجارية مع الصين مستقلّة عن المصالح الأميركية.
بيد أن هذا التصوّر الجديد، الذي تضع فرنسا كامل زخمها خلفه، ما زال يواجَه بتردّد من جانب ألمانيا التي انتقد ماكرون أخيراً قلة تجاوبها مع مقترحاته، وتحدّث عن «نفاد الصبر» إزاء صمت المستشارة ميركل. لكن المفاجأة جاءت من الداخل الألماني عندما تعرّضت ميركل نفسها للانتقاد في صفوف حزبها بسبب إحجامها، حتى الآن، عن ملاقاة الرئيس الفرنسي ودعم مقترحاته لتعديل آليات العمل واتخاذ القرار داخل المؤسسات الأوروبي في هذه المرحلة الدقيقة التي يمرّ بها الاتحاد. وكان لافتاً أن الانتقادات الأقسى جاءت على لسان آرمين لاسخيت، رئيس حكومة ولاية الراين الشمالي ووستفاليا (رينانيا)، الذي هو المرشّح الأوفر حظاً لخلافة ميركل في زعامة حزبها الديمقراطي المسيحي. وقال لاسخيت «الرئيس الفرنسي يتقدّم باقتراحات ونحن نتباطأ في الردّ والتجاوب معها، وكنت أتمنى حدوث العكس في مثل هذه المرحلة المصيرية».

موضوع التوسعة
كذلك يدعو الممثل الأعلى للسياسة الخارجية الأوروبية إلى إعادة النظر في «سياسة التوسعة» التي قال إنها أظهرت قصورها، خاصة بالنسبة لدول البلقان الغربي التي تقف منذ سنوات في طابور الانتظار للدخول إلى النادي الأوروبي. إلا أن جهات أخرى في الاتحاد، يتقدّمها شارل ميشال، رئيس «المجلس الأوروبي»، تذهب في الاتجاه المعاكس وتدعو إلى تجنّب التسرّع في إطلاق موجة جديدة من التوسيع قبل معالجة الأزمات الداخلية التي ما زالت تشكّل خطراً على تماسك المشروع الأوروبي.
ويقول مقرّبون من بورّيل، إنه عازم على الدفاع عن تصوّره للسياسة الخارجية الأوروبية حتى النهاية، مهما كانت الصعوبات، وينقلون عنه «إذا لم يتحرّك الأوروبيون أمام سياسات ترمب وبوتين وإردوغان، فإنهم لن يتحركوا أبداً».

الدول الأعضاء... وتاريخ انضمامها
بلجيكا........... دولة مؤسسة
فرنسا........... دولة مؤسسة
ألمانيا*........... دولة مؤسسة (عندما كانت ألمانيا الغربية، أو الاتحادية)*
إيطاليا.......... دولة مؤسسة
لوكسمبورغ... دولة مؤسسة
هولندا.......... دولة مؤسسة
الدنمارك...... أول يناير (كانون الثاني) 1973
آيرلندا......... أول يناير 1973
اليونان........ أول يناير 1981
البرتغال...... أول يناير 1986
إسبانيا........ أول يناير 1986
النمسا......... أول يناير 1995
فنلندا.......... أول يناير 1995
السويد........ أول يناير 1995
قبرص........ أول مايو (أيار) 2004
تشيكيا......... أول مايو 2004
إستونيا........ أول مايو 2004
المجر......... أول مايو 2004
سلوفاكيا...... أول مايو 2004
سلوفينيا...... أول مايو 2004
لاتفيا.......... أول مايو 2004
ليتوانيا....... أول مايو 2004
مالطا........ أول مايو 2004
بولندا........ أول مايو 2004
بلغاريا....... أول يناير 2007
رومانيا...... أول يناير 2007
كرواتيا...... أول يوليو (تموز) 2013
بريطانيا..... انضمت في أول يناير 1973 وخرجت رسميــــاً يوم 31 يناير 2020



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.