بلومبرغ ينسحب ويعلن دعمه لبايدن في مفاجأة الثلاثاء الكبير

أداء كاسح لنائب الرئيس الأميركي السابق يزعزع من ثقة ساندرز

بلومبرغ ينسحب ويعلن دعمه لبايدن في مفاجأة الثلاثاء الكبير
TT

بلومبرغ ينسحب ويعلن دعمه لبايدن في مفاجأة الثلاثاء الكبير

بلومبرغ ينسحب ويعلن دعمه لبايدن في مفاجأة الثلاثاء الكبير

أعلن عمدة نيويورك مايك بلومبرغ انسحابه من السباق الرئاسي، ليكون أول الضحايا الذين سقطوا بعد الثلاثاء الكبير. فقد أدى أداؤه المتواضع في الانتخابات التمهيدية إلى قراره ترك السباق والإعلان عن دعمه لنائب الرئيس الأميركي السابق جو بايدن. وأصدر بلومبرغ بياناً قال فيه: «منذ 3 أشهر دخلت السباق بهدف هزيمة دونالد ترمب. اليوم أترك السباق للهدف نفسه؛ هزيمة دونالد ترمب، لأني أعلم أن بقائي سوف يصعب من تنفيذ هذا الهدف». وتابع بلومبرغ: «بعد نتائج الثلاثاء أظهرت الأرقام أن فوزي بالترشيح أصبح مستحيلاً. ولطالما اعتقدت أن هزيمة دونالد ترمب تبدأ من خلال الالتفاف حول مرشح يستطيع هزيمته. وقد أظهرت نتائج الثلاثاء الكبير أن هذا المرشح هو صديقي، الأميركي الرائع، جو بايدن».

إعلان، ولو كان مدوياً، إلا أنه لم يكن مفاجئاً، فبلومبرغ كان واضحاً منذ اليوم الأول لترشحه، هو يريد هزيمة ترمب وساندرز، وبقاؤه في السباق بعد نتائج يوم الثلاثاء لن تخدم مهمته. وهو قرر الانسحاب قبل مواجهة ضغوطات كبيرة من الديمقراطيين المعتدلين. وبمجرد إعلان عمدة نيويورك السابق عن قراره، انقض الرئيس الأميركي دونالد ترمب عليه، فغرّد قائلاً: «ميني مايك بلومبرغ انسحب للتو من السباق. لقد قلت له منذ وقت طويل إنه غير مؤهل لهذا، وكان وفّر مليار دولار لو استمع إليّ. الآن سوف يخصص أمواله لحملة جو النعسان، بهدف الحفاظ على ماء وجهه. هذا لن ينفع!» وقد أتى قرار بلومبرغ ليلقي الضوء على نتائج الثلاثاء الكبير المدوية التي أخرجت بايدن من قوقعته، وتحدّت كل التوقعات. أداء وصفه كثيرون بالمعجزة السياسية. فمع بدء إغلاق صناديق الاقتراع، بدأت المفاجآت، وانحسرت غيمة الخسارة التي ظللت بايدن لتحل مكانها إعلانات متتالية بفوزه في ولايات متعاقبة. أولها ولاية فيرجينيا، وأبرزها ولاية تكساس، مروراً بولايات الجنوب من ألاباما إلى أركنسا وتينيسي وكارولاينا الشمالية وأوكلاهوما حيث تقدم بشكل منظور على منافسيه. فوز وصفه كثيرون في الساحة السياسية الأميركية بالعودة غير المسبوقة والتاريخية لمرشح في الانتخابات التمهيدية. فبعد أن تعثر بايدن خلال السباق الرئاسي أكثر من مرة، أتى يوم الثلاثاء الكبير ليدفعه إلى واجهة السباق وليقضي على أحلام بعض منافسيه بالفوز. أبرز هؤلاء السيناتورة إليزابيث وارن، فقد وجّه لها بايدن ضربته القاضية عندما فاز بولايتها ماساشوتستس وتركها تتأرجح تائهة بين قرارها بالبقاء في السباق أو مغادرته. وهي لم تعلن عن انسحابها بعد.
فوز بايدن بأكثرية الولايات التي خاضت سباق الثلاثاء الكبير لم يمتد إلى ولاية كاليفورنيا التي تقدم أكبر عدد من المندوبين، فقد أظهرت الأرقام تقدماً واضحاً لمنافسه السيناتور برني ساندرز، الذي فاز كذلك بولايات يوتا وكولورادو وفرمونت. ولم يكن التقدم الذي حققه ساندرز في كاليفورنيا مفاجئاً، خاصة أن الولاية تعد ليبرالية، وأن استطلاعات الرأي أظهرت دعماً كبيراً له في صفوفها. حتى لو كانت الولاية المذكورة تقدم أكبر عدد من المندوبين فإن فوز ساندرز فيها لا يعني أنه سيحصل على كل المندوبين الـ415. فعدد المندوبين يحدد بنسبة الدعم التي حصل عليها كل مرشح.
والنتيجة واضحة؛ الصراع أصبح بين محبوب المعتدلين بايدن، وبطل التقدميين ساندرز. وضحية الثلاثاء الكبير الأبرز، إلى جانب وارن، كان عمدة نيويورك السابق مايك بلومبرغ الذي أعلن انسحابه. فهو لم يفز بأي ولاية، وجلّ ما حصل عليه هو فوز متواضع في مقاطعة ساموا الأميركية التي تقدم 6 مندوبين فقط. وقد أشارت أرقام الفرز الأخيرة إلى أن بلومبرغ حصل على 4 مندوبين في الثلاثاء الكبير. ما يعني أنه دفع أكثر من 100 مليون دولار على المندوب الواحد. فقد صرف بلومبرغ حتى الساعة أكثر من 500 مليون دولار على السباق الرئاسي، وهذا لم ينعكس البتة على نتائج الثلاثاء الكبير. وسخر بعض الديمقراطيين من عمدة نيويورك السابق، قائلين: «هذا دليل على أنه لا يمكنك شراء الانتخابات». وقد تنفس الديمقراطيون المعتدلون الصعداء بعد خروج بلومبرغ من السباق، وتزايدت الضغوط التي واجهتها وارن من داعمي ساندرز التقدميين للاستسلام لمصلحة ساندرز. وقد يكون قرار وارن أكثر تعقيداً من قرار بلومبرغ، فبعد نتائج الثلاثاء الكبير التي أظهرت ضعفاً كبيراً في حملة وارن الانتخابية، أصدرت السيناتورة بياناً تطلب فيه من داعميها التركيز على الولايات المقبلة التي ستشهد انتخابات تمهيدية الثلاثاء المقبل. وقال البيان: «الأمور واضحة، لنركز على الانتخابات التمهيدية في الولايات الستة الأسبوع المقبل».
تتحدث وارن هنا عن الانتخابات في ولايات ميسيسيبي وميشيغين وإيداهو وميزوري ونورث داكوتا وواشنطن. كما تعهدت وارن لمناصريها بالاستمرار بالسباق، فقالت: «أنا أخوض السباق لأني أعلم أنني سأكون الرئيس الأفضل للولايات المتحدة». لكن إصرار وارن لا يعني أنها لن تنسحب كما فعلت منافستها السابقة إيمي كلوبوشار التي أصرت حتى اللحظة الأخيرة على البقاء في السباق، إلى أن أقنعها الديمقراطيون بوجوب الانسحاب لمصلحة بايدن.
هذا، ولم يجلس الرئيس الأميركي ساكناً خلال ليل الثلاثاء الكبير، فاستمر بحملته المنتقدة للديمقراطيين، وهاجم وارن، فغّرد قائلاً: «إليزابيث وارن أنانية لأنها لا تزال في السباق. ليست لديها أي فرصة بالفوز، لكنها تؤذي برني بشكل كبير. ماذا عن صداقتهما الليبرالية الرائعة، هل سيتحدث معها مجدداً؟ لقد كلفته ولاية ماساشوتستس، ولا يجب أن يتكلم معها أبداً!»
كلمات تظهر أن الرئيس الأميركي يريد بالفعل مواجهة ساندرز في الانتخابات الرئاسية كما يدعي الديمقراطيون المعتدلون، الذين يقولون إن البيت الأبيض سوف يشن حملة كبيرة على ساندرز في حال فوزه بترشيح الحزب لإظهاره بمظهر الاشتراكي الليبرالي المتشدد. ولم يتوقف ترمب عند هذا الحد، بل كرر اتهامه للديمقراطيين بالتخطيط لانقلاب على ساندرز، فقال: «إن قاعدة الحزب الديمقراطي اجتمعت وسحقت برني ساندرز مجدداً، كما أن بقاء إليزابيث وارن بالسباق حطم برني، وأدى إلى فوز جو النعسان بولاية ماساشوتستس. لقد كان ما جرى عاصفة مثالية، حيث فاز جو بكثير من الولايات الجيدة!» ويظهر فوز بايدن بأغلبية الولايات في الثلاثاء الكبير نقاط قوته التي أساء ساندرز تقديرها. تحديداً الدعم الكبير لنائب الرئيس الأميركي السابق من قبل الأميركيين من أصول أفريقية. وهو فاز بأغلبية أصواتهم في أغلبية الولايات، أبرزها ولاية ألاباما التي حصل فيها على دعم 72 في المائة من أصوات الأميركيين من أصول أفريقية. كما حصل بايدن على دعم كثيرين من الطبقة العاملة، التي يفاخر ساندرز بدعمها له، لكن هذا لم يترجم في صناديق الاقتراع. كما لم تترجم دعوته للشباب بالتوافد إلى صناديق الاقتراع. وقد بدت خيبة أمل ساندرز واضحة في الخطاب الذي توجه به إلى مناصريه ليل الثلاثاء الكبير حيث شن هجوماً لاذعاً على بايدن، مذكراً بسجله في التصويت لصالح حرب العراق. فقال: «سوف نهزم ترمب، لأننا نتعارض معه في الأفكار. أنا عارضت الحرب في العراق، والمرشح الآخر صوّت لصالح الحرب. أنا حاربت طوال حياتي لصالح الضمان الاجتماعي للأميركيين، والمرشح الآخر دعا إلى اقتطاع الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية وبرامج المحاربين القدامى». وتابع ساندرز: «أقول لكم بكل ثقة، سوف أفوز بترشيح الحزب وسوف نهزم أخطر رئيس في تاريخ بلادنا». لكن هذه الثقة التي يتحدث عنها ساندرز لن تترجم في صفوف الحزب الديمقراطي الذي بدأ بالنظر في استراتيجية معمقة لدعم بايدن بهدف حصوله على ترشيح الحزب الرسمي. وقد تحدث بايدن بثقة عارمة تخطت ثقة ساندرز، فعلى خلاف السيناتور عن ولاية فرمونت، لم يهاجم بايدن أي من منافسيه، بل ركز بشكل أساسي على ضرورة هزيمة ترمب، وقال: «الأسلوب الذي يتحدث فيه ترمب عن الأشخاص هو من دون أي تعاطف أو مشاعر، هو ينظر إلى الصراحة والاحترام على أنها علامات ضعف. نحتاج إلى رئيس يقاتل، لكننا نحتاج اليوم إلى رئيس يشفي... وأنا سأقوم بذلك».
وستشهد الأيام المقبلة سباقاً شرساً بين ساندرز وبايدن، فبعد انتخابات الثلاثاء المقبل في الولايات الست، تعقد انتخابات تمهيدية في السابع عشر من الشهر الحالي في 4 ولايات، هي أريزونا وفلوريدا وألينوي وأوهايو. كما سيتمكن المرشحان من الوقوف وجهاً لوجه على منصة المناظرات التلفزيونية في المناظرة الأخيرة للحزب الديمقراطي في الخامس عشر من الشهر الحالي.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».