«دروب القراءة»... مداخلها السرية «السير الذاتية»

«دروب القراءة»... مداخلها السرية «السير الذاتية»

الكاتب السعودي رائد العيد يقدم خلاصة تجربته بعد أن «نفض المكتبات»
الخميس - 11 رجب 1441 هـ - 05 مارس 2020 مـ رقم العدد [ 15073]
بيروت: سوسن الأبطح

لا يزال سؤال «السيرة الذاتية» موضوعاً جدلياً عند العرب. فهل في التراث العربي سير؟ وهل ما وصلنا يمكن وضعه تحت هذه الخانة، أم أنه لا يلبي الشروط؟ وهل يتوجب علينا أن نذعن لما قرره روزنتال من أن ابن منقذ في سيرته «الاعتبار» لم يميز بين الأحداث ذات المعنى وتلك التي لا معنى لها؟ وهل نتبع في حكمنا على السير ما اشترطه جورج أورويل من أن السيرة الذاتية لا تعتبر كذلك، إذا لم يكن فيها ما يشين، أي أن تنطوي على اعترافات مدوية؟ أم نذهب مذهب العقاد الذي انتقد هذه الفكرة ورأى أن «الاعترافات وتسجيل السيرة، لا يشترط فيها ذكر المعايب، وما يخالف الذات الظاهرة».
وسط هذا الجدل كتب عشرات الكتاب العرب سيرهم، واعترافاتهم، ونشروا رسائل ومذكرات، بعضها على النمط الغربي الاعترافي، وبعضها الآخر جاء سرداً لمساراتهم دون كثير من الكشف.
كتاب «دروب القراءة» الذي صدر حديثاً عن «دار أثر» في الدمام، للكاتب السعودي رائد العيد، يأتي ليطرح كل هذه الأسئلة، من خلال عرض شيق لما يقارب 25 سيرة، بينها الغربي والعربي، القديم والحديث، دون تمييز بينها.
وفي الكتاب دراسة حول موضوع السيرة الذاتية، تحاول أن تحيط بالإشكاليات لتتجاوزها، وتعتبر أن جل ما يعنينا هو أننا أمام مادة تنطوي ليس على المتعة فقط؛ بل على دروس وعبر، هي من الينابيع المهمة للعثور على قدوة في العمل والجد وركوب الصعاب. ومع أن السير المنتقاة ليست جديدة، وربما أنك كنت قد قرأت بعضاً منها، وتحولت إلى كلاسيكيات، فإن العودة إليها من خلال رؤية جامعة تجعلك تنظر إلى مسار هؤلاء الكتاب من زاوية لم تخطر لك من قبل.
ذواقة رائد العيد، وشغوف بموضوعه: «نفضت المكتبات العامة والتجارية نفضاً، لم أترك فيها ترجمة ذاتية ذات شأن إلا وطالعتها، وكنت أعيد قراءة بعض التراجم أكثر من مرة، كالجزء الأول من (أيام طه حسين)، طالعته عدة مرات، وكان قد أملاه في أيام يسيرة».
في الدراسة القصيرة؛ لكن المكتنزة، عن هذا الفن التي يقدمها الكاتب، يعود إلى الكتاب الأقدم في هذا المجال، وهو «اعترافات القديس أغوسطينوس» في القرن الرابع الميلادي. وإن كانت غالبية الدارسين يفضلون التأريخ لهذا الصنف الأدبي انطلاقاً من اعترافات جان جاك روسو؛ لكن الكاتب يعتبر أن هذا التصنيف الغربي الذي وقعنا تحت تأثيره، لم يستسلم له باحثون عرب جادون، مثل الدكتور بكر أبو زيد في كتابه «النظائر»؛ حيث أحصى أكثر من 120 سيرة، بينما يذكر عبد الله الحبشي في «معجم العلماء والمشاهير» ما يقارب 500 سيرة عثر عليها في التراث؛ لكن مثلاً لو أخذنا سيرة الطبيب إسحاق بن حنين التي كتبها في أوائل القرن الثالث الهجري، ونقلها ابن أبي صبيعة في كتابه «عيون الأنباء في طبقات الأطباء»، فهي لا تتوفر فيها روح الذاتية والفردية التي تميز السير الغربية التي سطرت منذ مطلع القرن العشرين. هذا ليس سبباً كافياً في رأي الكاتب ومن يستند إليهم من دارسين عرب، لإقصاء كتابات التراث العربي؛ لأن المقياس الغربي «يحاكم السابق بمعيار اللاحق» ومعاييره تشدد على الاعتراف، وأحياناً الكشف عن خطايا وفضائح، ومغامرات، وهو ما كان غير مقبول وغير متصور لدى الكتاب في التراث الإسلامي.
لا شيء يشد مؤلف هذا الكتاب إلى موضوعه سوى الشغف والمتعة. هو عاشق للسير، ولما تفيض به من تجارب وأحاسيس وأحداث وعبر. لذلك وعلى مدى أكثر من مائتي صفحة نسافر معه في حيوات كبار سطروا أعمارهم. ما يجمع هؤلاء هي إنسانيتهم ومهارتهم في كتابة ما عاشوه بما يمتع القارئ.
على هذه الصفحات نقرأ عن عائشة بنت عبد الرحمن، أو بنت الشاطئ، وما سطرته في كتابها «على الجسر» تحت وقع الحب والفراق لشريك العمر، ثم نقرأ مقطعاً مختاراً من كتابها، لتكر السبحة، فنلتقي بأغوتا كريستوف وكتابها الصغير «الأمية» الذي كتبته مقالات نشرتها لتسد رمقها، بعد هجرتها هرباً من الحرب، بين هنغاريا والنمسا، حاملة معها طفلتها ذات الأربعة أشهر وحقيبة سفر. ونعرج على «الذكريات الصغيرة» لخوسيه ساراماغو، وحكاية فقره وبؤسه، وإصراره على تعلم القراءة رغم ندرة الكتب. ونلتقي أيمن العتوم وكتابه عن تجربته المريرة «يا صاحبي السجن»، وهي حكاية انتقاله بين عدة سجون في الأردن، وبدئه بالقراءة بنهم من اليوم الأول؛ حيث لم تتوفر إلا التفاسير فقرأها، ثم بعض كتب الأحاديث فلم يوفرها، ومن ثم وجد «رياض الصالحين» وسيرة ابن إسحاق. وحين اختفت الكتب قرأ الجدران، وتجاعيد وجوه رفاق الزنزانة، ونظم الشعر وحفظه، رغم منع دخول الأقلام والأوراق. ومن ظريف ما يرويه العتوم في مذكراته أنه وجد في مكتبة أحد السجون ما يتعذر وجوده خارجه، ذاك أن الاختيارات يقوم بها «الصليب الأحمر» مشكوراً، وله اعتباراته المختلفة عن الاعتبارات الداخلية والسياسية.
ومما أخذ حيزاً من الكتاب «سيرة ذاتية» لمالكوم إكس التي دونها له الصحافي أليكس هالي. ومع بعد المسافة الجغرافية واختلاف التجربة، فإن القراءة في السجن تجمع العتوم بمالكوم إكس. فقد حوَّل هذا الأخير سنوات سجنه السبع إلى مرحلة اعتكاف علمي، وانفتحت بصيرته على عالم جديد، فكان يقرأ في اليوم خمس عشرة ساعة، وعندما تطفأ أنوار السجن في العاشرة مساء كان يقرأ على ضوء المصباح الذي في الممر حتى الصباح. خرج من السجن وكأنه شخص آخر، بعد أن غيرته الكلمات ومئات الكتب التي التهمها، عن الرجل الأبيض والعنصرية والجينات، وتاريخ الأمم، وتجارة الرقيق. قرأ شوبنهاور وكانط ونيتشه، ليفهم كيف قامت الفاشية، واهتم بسبينوزا حين اكتشف أنه أسود ويهودي كفره اليهود، وتأثر به وبفكره الداعي إلى المساواة. كتب مالكوم إكس: «لقد غيرت القراءة مجرى حياتي جذرياً... أظهرت لي أن الجنس الأسود في أميركا يعيش أصم، أبكم، أعمى».
من قراء الزنازين أيضاً، عباس محمود العقاد الذي حين يسجن على ذمة التحقيق يصطحب معه «مختصر تاريخ العالم» للمصلح الإنجليزي ج. ولز، و«سيرة بيرون» للكاتب الفرنسي أندريه مالرو مترجمة إلى الإنجليزية. ولكن الظريف أن السجن كان مناسبة له ليبدأ في تعلم الفرنسية.
بالطبع يسجل لصاحب هذا الكتاب أنه أحسن اختيار المقاطع من السير، كما قدم لكل منها بطريقة شيقة، تراعي أولئك الذين لم يسبق لهم أن تعرفوا على هؤلاء الكتاب، مع أن غالبيتهم من المشاهير. تكتشف من خلال «رحلة جبلية رحلة صعبة» حب فدوى طوقان للقراءات الفلسفية والدينية، وانكبابها على تراث المعتزلة. ومعاناة إبراهيم المازني صغيراً بيتمه المبكر بعد وفاة أبيه، ويتمه المتأخر عند وفاة زوجته بسبب خطأ طبي؛ بحيث كاد يفقد عقله لولا انكبابه على ابن الرومي، والاشتغال على ديوانه وتصحيح أخطائه.
النصوص المقتطعة من السير تركز بشكل كبير على الكتب التي قرأها هؤلاء. وبالتالي فإن القارئ يخرج بفوائد جمة، منها اطلاعه على مروحة واسعة من العناوين شكلت ثقافة هؤلاء الكبار وخلفياتهم، وتبعث فيه رغبة عارمة في العودة إليها. ومن ظريف ما يتعرف إليه القارئ أن الأدباء ولا سيما الشعراء لا يترددون في الاعتراف بأن قصص الحب لا تُرغب لذاتها، بقدر ما يراد منها تغذية الحس الشعري. تقرأ المازني يقول: «إن ما كان من حب متوهم إنما كان ثمرة الرغبة في قرض الشعر، أي أن الشعر كان يبعث على التماس المادة له، كما يريد النجار أن يصنع كرسياً فيطلب الخشب وما إليه».
العودة إلى السير الذاتية هذه المرة، لها أهدافها التي لا تتوقف على إعادة القراءة؛ بل استعادة معنى المضامين، والتركيز على المصادر والينابيع التي شكلت شخصية كل أديب. فحين يكتب ستيفن كينع «مسيرتي في التأليف» لا يملك لقارئه سوى نصيحتين اثنتين، يوجههما إليه: «إذا كنت تريد أن تكون كاتباً، فيجب أن تفعل أمرين قبل أي شيء آخر. تقرأ كثيراً وتؤلف كثيراً. لا توجد أي وسيلة أعرفها للالتفاف على هذين الأمرين، لا يوجد أي طريق مختصر».


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة