«دروب القراءة»... مداخلها السرية «السير الذاتية»

الكاتب السعودي رائد العيد يقدم خلاصة تجربته بعد أن «نفض المكتبات»

«دروب القراءة»... مداخلها السرية «السير الذاتية»
TT

«دروب القراءة»... مداخلها السرية «السير الذاتية»

«دروب القراءة»... مداخلها السرية «السير الذاتية»

لا يزال سؤال «السيرة الذاتية» موضوعاً جدلياً عند العرب. فهل في التراث العربي سير؟ وهل ما وصلنا يمكن وضعه تحت هذه الخانة، أم أنه لا يلبي الشروط؟ وهل يتوجب علينا أن نذعن لما قرره روزنتال من أن ابن منقذ في سيرته «الاعتبار» لم يميز بين الأحداث ذات المعنى وتلك التي لا معنى لها؟ وهل نتبع في حكمنا على السير ما اشترطه جورج أورويل من أن السيرة الذاتية لا تعتبر كذلك، إذا لم يكن فيها ما يشين، أي أن تنطوي على اعترافات مدوية؟ أم نذهب مذهب العقاد الذي انتقد هذه الفكرة ورأى أن «الاعترافات وتسجيل السيرة، لا يشترط فيها ذكر المعايب، وما يخالف الذات الظاهرة».
وسط هذا الجدل كتب عشرات الكتاب العرب سيرهم، واعترافاتهم، ونشروا رسائل ومذكرات، بعضها على النمط الغربي الاعترافي، وبعضها الآخر جاء سرداً لمساراتهم دون كثير من الكشف.
كتاب «دروب القراءة» الذي صدر حديثاً عن «دار أثر» في الدمام، للكاتب السعودي رائد العيد، يأتي ليطرح كل هذه الأسئلة، من خلال عرض شيق لما يقارب 25 سيرة، بينها الغربي والعربي، القديم والحديث، دون تمييز بينها.
وفي الكتاب دراسة حول موضوع السيرة الذاتية، تحاول أن تحيط بالإشكاليات لتتجاوزها، وتعتبر أن جل ما يعنينا هو أننا أمام مادة تنطوي ليس على المتعة فقط؛ بل على دروس وعبر، هي من الينابيع المهمة للعثور على قدوة في العمل والجد وركوب الصعاب. ومع أن السير المنتقاة ليست جديدة، وربما أنك كنت قد قرأت بعضاً منها، وتحولت إلى كلاسيكيات، فإن العودة إليها من خلال رؤية جامعة تجعلك تنظر إلى مسار هؤلاء الكتاب من زاوية لم تخطر لك من قبل.
ذواقة رائد العيد، وشغوف بموضوعه: «نفضت المكتبات العامة والتجارية نفضاً، لم أترك فيها ترجمة ذاتية ذات شأن إلا وطالعتها، وكنت أعيد قراءة بعض التراجم أكثر من مرة، كالجزء الأول من (أيام طه حسين)، طالعته عدة مرات، وكان قد أملاه في أيام يسيرة».
في الدراسة القصيرة؛ لكن المكتنزة، عن هذا الفن التي يقدمها الكاتب، يعود إلى الكتاب الأقدم في هذا المجال، وهو «اعترافات القديس أغوسطينوس» في القرن الرابع الميلادي. وإن كانت غالبية الدارسين يفضلون التأريخ لهذا الصنف الأدبي انطلاقاً من اعترافات جان جاك روسو؛ لكن الكاتب يعتبر أن هذا التصنيف الغربي الذي وقعنا تحت تأثيره، لم يستسلم له باحثون عرب جادون، مثل الدكتور بكر أبو زيد في كتابه «النظائر»؛ حيث أحصى أكثر من 120 سيرة، بينما يذكر عبد الله الحبشي في «معجم العلماء والمشاهير» ما يقارب 500 سيرة عثر عليها في التراث؛ لكن مثلاً لو أخذنا سيرة الطبيب إسحاق بن حنين التي كتبها في أوائل القرن الثالث الهجري، ونقلها ابن أبي صبيعة في كتابه «عيون الأنباء في طبقات الأطباء»، فهي لا تتوفر فيها روح الذاتية والفردية التي تميز السير الغربية التي سطرت منذ مطلع القرن العشرين. هذا ليس سبباً كافياً في رأي الكاتب ومن يستند إليهم من دارسين عرب، لإقصاء كتابات التراث العربي؛ لأن المقياس الغربي «يحاكم السابق بمعيار اللاحق» ومعاييره تشدد على الاعتراف، وأحياناً الكشف عن خطايا وفضائح، ومغامرات، وهو ما كان غير مقبول وغير متصور لدى الكتاب في التراث الإسلامي.
لا شيء يشد مؤلف هذا الكتاب إلى موضوعه سوى الشغف والمتعة. هو عاشق للسير، ولما تفيض به من تجارب وأحاسيس وأحداث وعبر. لذلك وعلى مدى أكثر من مائتي صفحة نسافر معه في حيوات كبار سطروا أعمارهم. ما يجمع هؤلاء هي إنسانيتهم ومهارتهم في كتابة ما عاشوه بما يمتع القارئ.
على هذه الصفحات نقرأ عن عائشة بنت عبد الرحمن، أو بنت الشاطئ، وما سطرته في كتابها «على الجسر» تحت وقع الحب والفراق لشريك العمر، ثم نقرأ مقطعاً مختاراً من كتابها، لتكر السبحة، فنلتقي بأغوتا كريستوف وكتابها الصغير «الأمية» الذي كتبته مقالات نشرتها لتسد رمقها، بعد هجرتها هرباً من الحرب، بين هنغاريا والنمسا، حاملة معها طفلتها ذات الأربعة أشهر وحقيبة سفر. ونعرج على «الذكريات الصغيرة» لخوسيه ساراماغو، وحكاية فقره وبؤسه، وإصراره على تعلم القراءة رغم ندرة الكتب. ونلتقي أيمن العتوم وكتابه عن تجربته المريرة «يا صاحبي السجن»، وهي حكاية انتقاله بين عدة سجون في الأردن، وبدئه بالقراءة بنهم من اليوم الأول؛ حيث لم تتوفر إلا التفاسير فقرأها، ثم بعض كتب الأحاديث فلم يوفرها، ومن ثم وجد «رياض الصالحين» وسيرة ابن إسحاق. وحين اختفت الكتب قرأ الجدران، وتجاعيد وجوه رفاق الزنزانة، ونظم الشعر وحفظه، رغم منع دخول الأقلام والأوراق. ومن ظريف ما يرويه العتوم في مذكراته أنه وجد في مكتبة أحد السجون ما يتعذر وجوده خارجه، ذاك أن الاختيارات يقوم بها «الصليب الأحمر» مشكوراً، وله اعتباراته المختلفة عن الاعتبارات الداخلية والسياسية.
ومما أخذ حيزاً من الكتاب «سيرة ذاتية» لمالكوم إكس التي دونها له الصحافي أليكس هالي. ومع بعد المسافة الجغرافية واختلاف التجربة، فإن القراءة في السجن تجمع العتوم بمالكوم إكس. فقد حوَّل هذا الأخير سنوات سجنه السبع إلى مرحلة اعتكاف علمي، وانفتحت بصيرته على عالم جديد، فكان يقرأ في اليوم خمس عشرة ساعة، وعندما تطفأ أنوار السجن في العاشرة مساء كان يقرأ على ضوء المصباح الذي في الممر حتى الصباح. خرج من السجن وكأنه شخص آخر، بعد أن غيرته الكلمات ومئات الكتب التي التهمها، عن الرجل الأبيض والعنصرية والجينات، وتاريخ الأمم، وتجارة الرقيق. قرأ شوبنهاور وكانط ونيتشه، ليفهم كيف قامت الفاشية، واهتم بسبينوزا حين اكتشف أنه أسود ويهودي كفره اليهود، وتأثر به وبفكره الداعي إلى المساواة. كتب مالكوم إكس: «لقد غيرت القراءة مجرى حياتي جذرياً... أظهرت لي أن الجنس الأسود في أميركا يعيش أصم، أبكم، أعمى».
من قراء الزنازين أيضاً، عباس محمود العقاد الذي حين يسجن على ذمة التحقيق يصطحب معه «مختصر تاريخ العالم» للمصلح الإنجليزي ج. ولز، و«سيرة بيرون» للكاتب الفرنسي أندريه مالرو مترجمة إلى الإنجليزية. ولكن الظريف أن السجن كان مناسبة له ليبدأ في تعلم الفرنسية.
بالطبع يسجل لصاحب هذا الكتاب أنه أحسن اختيار المقاطع من السير، كما قدم لكل منها بطريقة شيقة، تراعي أولئك الذين لم يسبق لهم أن تعرفوا على هؤلاء الكتاب، مع أن غالبيتهم من المشاهير. تكتشف من خلال «رحلة جبلية رحلة صعبة» حب فدوى طوقان للقراءات الفلسفية والدينية، وانكبابها على تراث المعتزلة. ومعاناة إبراهيم المازني صغيراً بيتمه المبكر بعد وفاة أبيه، ويتمه المتأخر عند وفاة زوجته بسبب خطأ طبي؛ بحيث كاد يفقد عقله لولا انكبابه على ابن الرومي، والاشتغال على ديوانه وتصحيح أخطائه.
النصوص المقتطعة من السير تركز بشكل كبير على الكتب التي قرأها هؤلاء. وبالتالي فإن القارئ يخرج بفوائد جمة، منها اطلاعه على مروحة واسعة من العناوين شكلت ثقافة هؤلاء الكبار وخلفياتهم، وتبعث فيه رغبة عارمة في العودة إليها. ومن ظريف ما يتعرف إليه القارئ أن الأدباء ولا سيما الشعراء لا يترددون في الاعتراف بأن قصص الحب لا تُرغب لذاتها، بقدر ما يراد منها تغذية الحس الشعري. تقرأ المازني يقول: «إن ما كان من حب متوهم إنما كان ثمرة الرغبة في قرض الشعر، أي أن الشعر كان يبعث على التماس المادة له، كما يريد النجار أن يصنع كرسياً فيطلب الخشب وما إليه».
العودة إلى السير الذاتية هذه المرة، لها أهدافها التي لا تتوقف على إعادة القراءة؛ بل استعادة معنى المضامين، والتركيز على المصادر والينابيع التي شكلت شخصية كل أديب. فحين يكتب ستيفن كينع «مسيرتي في التأليف» لا يملك لقارئه سوى نصيحتين اثنتين، يوجههما إليه: «إذا كنت تريد أن تكون كاتباً، فيجب أن تفعل أمرين قبل أي شيء آخر. تقرأ كثيراً وتؤلف كثيراً. لا توجد أي وسيلة أعرفها للالتفاف على هذين الأمرين، لا يوجد أي طريق مختصر».



حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).