صالح يبحث مع الزعامات الشيعية في العراق فرص التوافق على رئيس حكومة

«تيار الحكمة» لا يؤيد بقاء عبد المهدي... و«سائرون» يضع شروطاً لدعم خليفة له

قوات الأمن العراقية تحاول تفريق محتجين في بغداد أول من أمس (أ.ب)
قوات الأمن العراقية تحاول تفريق محتجين في بغداد أول من أمس (أ.ب)
TT

صالح يبحث مع الزعامات الشيعية في العراق فرص التوافق على رئيس حكومة

قوات الأمن العراقية تحاول تفريق محتجين في بغداد أول من أمس (أ.ب)
قوات الأمن العراقية تحاول تفريق محتجين في بغداد أول من أمس (أ.ب)

عادت الكرة ثانية إلى البيت الشيعي لاختيار مرشح جديد لرئاسة الحكومة العراقية بعد اعتذار رئيس الوزراء المكلف محمد توفيق علاوي، في ظل انقسام حاد بين الكتل السياسية في البرلمان.
ويبدو الآن أن العنوان الأبرز لمساعي تشكيل حكومة جديدة بعد استقالة الحكومة السابقة برئاسة عادل عبد المهدي، هو إجراء انتخابات مبكرة على أن تجرى خلال فترة لا تتجاوز نهاية السنة الحالية. غير أن المشكلات التي تواجه الجميع بدءاً من قانون الانتخابات الذي لم يكتمل بعد لكي يصادق عليه رئيس الجمهورية، وتأخير المواعيد بسبب تخطي المهلة التي يتيحها الدستور لكل مرشح وهي 15 يوماً لرئيس الجمهورية و30 يوماً للمكلّف تشكيل الحكومة، تؤخر إمكانية إجراء هذه الانتخابات في وقت تستمر خلاله المظاهرات التي يشهدها العراق منذ أشهر.
ويسعى الرئيس العراقي برهم صالح إلى تقليص الفترة التي يتيحها له الدستور لتكليف شخصية جديدة لكي يتم اختصار الزمن بأقصى قدر ممكن. وفي هذا السياق، عقد صالح أمس الثلاثاء ومساء أول من أمس الاثنين سلسلة اجتماعات مع عدد من الزعامات الشيعية. وأفيد بأن الرئيس صالح بحث أزمة تشكيل الحكومة وإمكانية التوافق على اختيار شخصية تحظى برضى الشارع، مع كل من زعيم «تيار الحكمة» عمار الحكيم وزعيم «ائتلاف دولة القانون» نوري المالكي ورئيس «تحالف الفتح» هادي العامري ورئيس «ائتلاف النصر» حيدر العبادي. وأوضح بيان رئاسي أن صالح أكد خلال هذه اللقاءات «ضرورة الإسراع في التوصل إلى اتفاق بين الكتل السياسية من أجل تسمية رئيس مجلس وزراء يحظى بقبول وطني وشعبي»، مضيفاً أنه شدد على «الالتزام بالفترة الدستورية المحددة من أجل تشكيل حكومة قادرة على التصدي لمهامها في ضوء التحديات التي تواجه العراق». وأضاف البيان أن رئيس الجمهورية أشار إلى أن «الجميع مطالب بوقفة وطنية مسؤولة لتجنيب البلاد ما تمر به من ظروف معقدة وصعبة، وتهيئة الأجواء المناسبة لانتخابات مبكرة وتلبية مطالب العراقيين بمختلف أطيافهم». وتابع البيان أنه تم خلال اللقاء «الاتفاق على مواصلة الحوار والمشاورات بين القوى السياسية لاختيار وترشيح شخصية مقبولة تتصدى للأوضاع الراهنة واستحقاقات المرحلة المقبلة وإنجاز متطلبات الإصلاح في البلاد».
ونقلت وكالة «أين نيوز» الإخبارية العراقية أمس عن النائب في «تحالف الفتح» حنين القدو أن اجتماع رئيس الجمهورية مع القيادات السياسية، أول من أمس، «ناقش أربعة أسماء مرشحة لرئاسة الوزراء» هي: «مصطفى الكاظمي، ومحمد شياع السوداني، وعلي الشكري، ورئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي». وتابع أن «الأسماء الأربعة كانت محط النقاش والتداول ولم يجر الاتفاق على أحدهم». أما النائب عن «تحالف سائرون» رياض المسعودي فأشار إلى أن تحالفه يضع ثلاثة شروط لدعم أي مرشح لرئاسة الوزراء خلفاً للمعتذر محمد توفيق علاوي، عادّاً أن تكليف عادل عبد المهدي من جديد يحتاج إلى إعادة نظر من قبل المرجعية الدينية. في المقابل، قال القيادي في «تيار الحكمة» صلاح العرباوي في تصريح لشبكة «رووداو» الإعلامية إن «الأنباء التي طرحت مؤخراً بشأن إمكانية بقاء عادل عبد المهدي في رئاسة الحكومة، غير منطقية وخارج السياقات الدستورية».
وأكد أن «(تيار الحكمة) لا يؤيد بقاء عبد المهدي، ومن الضروري اختيار رئيس حكومة جديد، عبر اتفاق بين الكتل السياسية وفق تغليب مصلحة البلد على بقية المصالح الأخرى».
إلى ذلك، أكد مصدر مطلع لـ«الشرق الأوسط» أن «رئيس الجمهورية ينتظر ما تتوافق عليه الكتل السياسية والبرلمانية بأي صيغة تراها بصرف النظر عن مواد الدستور؛ التي تتحدث في المادة (76) في فقرتها الثالثة عن أحقية الرئيس في ترشيح من يراه بعد فشل المكلف الذي رشحته الكتل، أو المادة (81) من الدستور التي تتحدث عن ملء الفراغ الدستوري في حال شغر منصب رئيس الوزراء». وأضاف المصدر أن «رئيس الجمهورية سيتعاطى مع ما تراه الكتل ومع ما أعلنه رئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي من غياب طوعي مع إمكانية تكليف أحد نوابه مهمة تصريف الأعمال»، مؤكداً أن «المرحلة المقبلة حرجة جداً على كل المستويات، وتحتاج إلى قدر كبير من المسؤولية في التعاطي معها؛ سواء كان على صعيد الأزمة السياسية الراهنة وما يمكن أن تتركه من تداعيات خطيرة في حال لم يتم احتواؤها بسرعة، أو الأزمة الصحية المتمثلة في فيروس (كورونا)، أو خطر تنظيم (داعش) الذي بدأ يعيد تنظيم نفسه من جديد».
وبينما يبدو من الصعب التوافق على مرشح جديد بعد أزمة عمّقت الخلافات داخل البيت الشيعي نتيجة رفض محمد علاوي، فإن من بين الخيارات المطروحة، في حال عدم التوصل إلى اتفاق على شخصية جديدة، إعادة تكليف رئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي الذي أعلن غيابه طوعاً. وجاءت المبادرة بإعادة تكليف عبد المهدي من فصيل «كتائب حزب الله» الذي هاجم الناطق باسمه أبو علي العسكري مدير جهاز المخابرات مصطفى الكاظمي بوصفه أحد بدلاء علاوي. والتهمة التي وجهها «العسكري» للكاظمي تُعدّ من الوزن الثقيل؛ إذ عدّ أنه مشارك في عملية اغتيال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس في القصف الذي قام به الأميركيون قرب مطار بغداد مطلع العام الحالي.
من جهته، أكد نائب رئيس حكومة إقليم كردستان، قباد طالباني، عدم وجود اعتراض للأكراد في إعادة تكليف عبد المهدي. لكن عملية إعادة تكليف عبد المهدي ما زالت تبحث تحت الطاولة ولم تتحول إلى بند رسمي في اللقاءات التي يجريها القادة السياسيون في العراق.
وأكد «تحالف القوى العراقية» بزعامة محمد الحلبوسي استعداده للتعاطي الإيجابي مع المرشح الجديد لرئاسة الوزراء شرط ألا يكون نسخة ثانية من محمد علاوي. وقال النائب عن التحالف محمد الكربولي لـ«الشرق الأوسط» إنه «في حال اتفقت الكتل السياسية الشيعية تحديداً على اختيار شخصية حزبية وطبقاً لمواصفات مقبولة، فسنمضي معهم، أو إذا توافقوا على اختيار شخصية مستقلة، فسوف نكون معهم أيضاً». وأضاف الكربولي: «إننا لا نريد تكرار تجربة محمد علاوي الذي تم المجيء به من منطلق أنه مستقل؛ لكنه لم يكن كذلك، فإن هذا من شأنه أن يخلق مشكلة أخرى». وتابع: «إذا طلبوا منا المشاركة في اختيار الشخصية، فسنكون إيجابيين في هذه المسألة عند طرح الأسماء التي يطرحونها لتولي هذا المنصب».
من جهته، يقول الأكاديمي العراقي الدكتور إحسان الشمري، رئيس «مركز التفكير السياسي»، لـ«الشرق الأوسط»، إن «المشهد السياسي بات أكثر تعقيداً مما سبق؛ خصوصاً في ظل الانقسام الحاد داخل البيت السياسي الشيعي المسؤول عرفاً عن ترشيح شخصية جديدة لرئاسة الوزراء»، مبيناً أن «خصومة المالكي - الصدر انعكست بشكل كبير على كابينة محمد علاوي، فضلاً عن أن هذا الصراع سينعكس على المرشح المقبل؛ حيث إن الصدر سيضع مصدّات أمام أي مرشح لا يحظى بموافقته، وبالتالي يعيد الثمن الذي دفعه نتيجة دعمه محمد علاوي، كما يعيد الكرة مرة أخرى في جزء من عملية كسب النقاط إزاء هذه القوى السياسية». وأضاف الشمري أن «البيت السني أو الكردي قد لا يكون فاعلاً أو مؤثراً على مستوى رئيس الوزراء المقبل؛ حيث يجب أن يؤخذ في الاعتبار أن تكون الشخصية المقبلة تحظى بالمقبولية من الأقوياء من السنة والأكراد وأيضاً يكون أكثر مرونة في قضية التعاطي مع مطالب ورؤى مع ما يتفق عليه الأقوياء لدى السنة والأكراد». وتابع أن «الأزمة بالتحديد هي في البيت الشيعي؛ ومع ذلك، فإن القبول السريع من قبل رئيس الجمهورية للاعتذار ودعوته الأطراف السياسية ولقاءاته المنفردة مع الزعامات الشيعية، تؤكد أن هناك فرصة لاختيار شخصية بسرعة لحل الأزمة السياسية في البلاد». وعن مسألة الإبقاء على عبد المهدي، يقول الشمري إن «هناك رفضاً كبيراً لمثل هذا المسار، لأن حكومته (عبد المهدي) متهمة بقتل المتظاهرين، فضلاً عن أن المرجعية كانت قد حسمت (موقفها من) حكومة عبد المهدي، كما أن هناك أطرافاً أخرى لا تريد استمراره».



العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
TT

العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)

في تصعيد يمني للخطاب السياسي تجاه الحوثيين، شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي على أن جوهر الأزمة في بلاده لا يرتبط بتباينات سياسية قابلة للتسوية، بل بمشروع سياسي مسلح قائم على احتكار السلطة، وادعاء الحق الإلهي في الحكم، ورفض مبدأ المواطنة المتساوية، مؤكداً أن أي مقاربة للسلام تتجاوز هذه الحقيقة لن تقود إلى تسوية عادلة، أو استقرار دائم.

وخلال استقباله نائب رئيس مجلس النواب الألماني الاتحادي (البوندستاغ) أوميد نوميبور، أوضح العليمي أن الشعب اليمني يواجه جماعة مسلحة استولت على مؤسسات الدولة بقوة السلاح، وانقلبت على التوافق الوطني، وفتحت البلاد أمام مشروع إقليمي عابر للحدود.

ويعكس هذا التوصيف من قبل العليمي تمسك القيادة اليمنية بقراءة ترى أن الصراع مع الحوثيين معركة مرتبطة باستعادة الدولة الوطنية، وحماية النظام الجمهوري، وليس مجرد نزاع داخلي محدود الأبعاد.

حشد للحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

وأشار رئيس مجلس القيادة اليمني إلى أن المحافظات الواقعة تحت قبضة الحوثيين تحولت إلى بعض أسوأ مناطق العيش في العالم، خصوصاً بالنسبة إلى الأقليات، والمرأة، والصحافة، والعمل المدني.

وأكد أن تحقيق السلام لن يكون عبر مكافأة المتمردين، أو منحهم شرعية سياسية على حساب الدولة، وإنما عبر دعم مؤسسات الدولة الوطنية، وحماية التعددية، وردع الميليشيا، وفتح أفق سياسي عادل لكل اليمنيين يضمن الشراكة، والحقوق المتساوية.

تثمين الدعم الألماني

وفي هذا السياق، ثمن العليمي اهتمام البرلمان الألماني بالشأن اليمني، والدور الذي تضطلع به ألمانيا بوصفها شريكاً أوروبياً مهماً في دعم السلام وبناء المؤسسات، وحماية الحقوق، والحريات، معرباً عن تطلعه إلى زيادة الدعم الألماني والأوروبي خلال المرحلة المقبلة، بما يشمل استئناف حضور المؤسسات الألمانية الفاعلة، خصوصاً في مجالات التدخلات الإنسانية، وبرامج التنمية، وبناء القدرات المؤسسية.

وربط العليمي بين هذا الدعم والاستثمار المباشر في الأمن والاستقرار الوطني والإقليمي، في إشارة إلى أن تعزيز مؤسسات الدولة اليمنية يمثل -من وجهة نظر الحكومة الشرعية- المدخل الأكثر واقعية لمواجهة الانهيارات الاقتصادية والإنسانية، وخلق بيئة أكثر تماسكاً في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية التي فرضتها الحرب.

كما تطرق إلى ما وصفها بالسرديات المضللة التي تروج لها بعض المنابر بشأن الحالة اليمنية، مؤكداً أن تصوير المشهد باعتباره نزاعاً سياسياً عادياً يتجاهل حقيقة الانقلاب المسلح على الدولة، وطبيعة المشروع الذي تحمله الجماعة الحوثية.


أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
TT

أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

مع اقتراب الشهر من نهايته، يخشى الموظفون اليمنيون في مناطق الحكومة الشرعية من عدم قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم المالية، بسبب عجزهم عن الحصول على رواتبهم، نتيجة أزمة السيولة التي تعيشها المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية منذ أشهر.

ولا تُعدّ أزمة السيولة النقدية التي يواجهها اليمنيون أزمة نقود في حد ذاتها، بل أزمة أوراق نقدية تعجز البنوك عن توفيرها للعملاء، وتكتفي بمنح كل عميل يحاول السحب من رصيده أو صرف عملات أجنبية 80 ألف ريال يمني فقط يومياً (الدولار يساوي 1560 ريالاً) وسط اتهامات لها بتدمير ثقة عملائها بها.

وتعرّض الاقتصاد اليمني لأزمات متتالية بسبب الحرب المستمرة منذ أكثر من عقد، والتلاعب والمضاربة بالعملات في الأسواق الموازية وتراجع الثقة بالبنوك، واستبدال قنوات موازية غير قانونية بالقنوات المصرفية الرسمية، إلى جانب اعتداءات الجماعة الحوثية على موانئ تصدير النفط وحرمان الحكومة الشرعية من أهم مصادر الإيرادات.

ويرى عبد السلام الأثوري، الخبير الاقتصادي اليمني، أن أزمة السيولة في مناطق الحكومة اليمنية ليست نقصاً في النقد، بل نتيجة اختلالات هيكلية عميقة في إدارة المال العام والنظام النقدي؛ إذ خرجت كتل نقدية كبيرة من الجهاز المصرفي، ما أضعف قدرة البنك المركزي اليمني على التحكم بالسيولة.

القاعة الرئيسية لإجراء المعاملات بالبنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

ويشير الأثوري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى تآكل القنوات الرسمية للإيرادات، مع إيداع مؤسسات حكومية أموالها لدى شركات الصرافة بدل البنك المركزي؛ ما خلق قنوات مالية موازية، كما يبرز اختلال الإنفاق العام، خاصة في الرواتب، حيث تُصرف أموال لأسماء وهمية أو غير فعالة، وتتسرب لاحقاً إلى المضاربة وتحويل الأموال للخارج.

ومنذ أيام اتهم مسؤولان في البنك المركزي بعض السلطات المحلية والجهات الحكومية بمفاقمة الأزمة من خلال الامتناع عن التوريد لحساب الحكومة في البنك المركزي بعدن، وتجاهل قرار مجلس القيادة الرئاسي وخطة الإصلاحات الاقتصادية الشاملة المدعومة دولياً.

وحسب ما نقلت «رويترز» عن المسؤولين، فإن الحكومة لا تمتلك إيرادات كافية لتغطية نفقاتها، بسبب «هبوط حاد في الإيرادات العامة عقب توقف صادرات النفط منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022، فضلاً عن آلاف المليارات من الريالات المكدسة في مخازن شركات الصرافة ورجال الأعمال، وهي عوامل تسببت في أزمة سيولة خانقة داخل المالية العامة».

وذكر مصدر مقرب من إدارة البنك المركزي اليمني في عدن لـ«الشرق الأوسط» أن من أسباب هذه الأزمة تجميد عقود طباعة العملة وإحجام التجار عن قبول الأوراق النقدية الممزقة والتالفة، والتي تمثل أكثر من 70 في المائة من الأوراق النقدية المتداولة، مع إصرار الكثير من السكان على تخزين الأوراق السليمة في منازلهم.

ابتلاع السيولة

وتعدّ هذه الأزمة إحدى تداعيات اقتصاد الحرب الذي تتراجع فيه الإيرادات العامة، وتفقد الدولة قدرتها على تنظيم السوق.

ويخشى المراقبون أن يتراجع دور البنوك أكثر مما هو حاصل فعلاً؛ إذ يستمر بقاء معظم الكتلة النقدية خارجها، ورغم الإجراءات التي اتبعها البنك المركزي في الصيف الماضي، فإنها لم تكن كافية لإعادة الدورة النقدية إلى وضعها القانوني، ومنع الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي.

ويصف عبد الحميد المساجدي، الباحث الاقتصادي اليمني، الأزمة الحالية بالاختلال العميق في بنية الدورة النقدية ذاتها نتيجة الاكتناز خارج البنوك؛ وهو ما أدى إلى شلل فعلي في وظيفة النقود وسيطاً للتبادل داخل النظام المالي الرسمي، وخلق مفارقة اقتصادية حادة تمثلت بشح داخل البنوك مقابل فائض غير منضبط في السوق الموازية، يُستخدم في المضاربة بالعملة.

وأوضح المساجدي لـ«الشرق الأوسط» أن البنوك فقدت جزءاً كبيراً من جاذبيتها لصالح قطاع الصرافة الذي يعمل بسرعة ومرونة أعلى وبقنوات أقل تعقيداً، وفي غياب الأدوات المالية الفعالة التي تستقطب السيولة، مثل شهادات الإيداع أو أدوات الدين الداخلي، تراجعت قدرة النظام المصرفي على أداء دوره وسيطاً مالياً، وتآكلت وظيفة خلق الودائع.

محل لبيع الأسماك في مدينة سيئون شرق اليمن (أ.ب)

وتتجلى الأزمة في تفاصيل يومية حصلت «الشرق الأوسط» على شهادات ميدانية عنها، مثل تأجيل المرضى زياراتهم للأطباء، وتحذيرات مدارس خاصة لأولياء أمور الطلاب من حرمان أبنائهم من إكمال العام الدراسي لعدم سداد الرسوم، وعجز تجار عن تجديد بضائعهم، مقابل عجز المستهلكين عن شراء السلع الأساسية إلا في أضيق الحدود.

ويشير حلمي الحمادي، الباحث المالي اليمني، إلى أن الأوراق النقدية وقعت فيما يسميه «مصيدة السيولة» التي نشأت بعد إجراءات البنك المركزي خلال العام الماضي، حيث كان المتحكمون بالإيرادات يضعون الأوراق النقدية في حوزة شركات الصرافة ويضاربون بها بالعملات الأجنبية، إلا أنهم الآن يحتفظون بها في المنازل.

ويخلص في توضيحه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن أخطر ما في هذه الأزمة أن النقود لا تدخل البنوك التي لا تستطيع تمويل الاقتصاد، والذي بدوره يعمل خارج النظام المالي، وأن تجزؤ الإيرادات جغرافياً وقطاعياً، في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، تسبب في تركيز وإدارة السيولة في مناطق ولدى فئات وجهات وأفراد محددين، لينشأ ما يمكن تسميته «اختناق السيولة الموضعي».

حِزم الأوراق النقدية اليمنية تُحتجز لدى جهات تسعى للإضرار بالاقتصاد (رويترز)

وتتزايد المخاوف من أن تؤدي هذه الأزمة إلى تعطيل سلاسل الإمداد الغذائي، بصعوبة حصول التجار على أموالهم لاستيراد السلع، وعجز السكان عن الحصول على أوراق نقدية لشراء المواد الاستهلاكية.

استعادة الثقة

ولا تعدّ الأزمة الحالية مجرد تعثر مالي، بل هي «أزمة ثقة» حادة متعددة المستويات داخل المؤسسات الرسمية، وفي علاقة مختلف القطاعات بالقطاع المصرفي؛ ما يهدد بدفع الأسواق إلى الاعتماد على «المقايضة» القسرية أو الاعتماد الكلي على التحويلات الرقمية التي لا تتوفر للغالبية العظمى من السكان في الريف.

ويشدد الباحث الأثوري على ضرورة ضبط المالية العامة، وإغلاق حسابات الصرافة الحكومية، وتوحيد الرقابة على المال العام، وإصلاح الرواتب، وتدقيق القوائم الوظيفية، وإزالة الازدواجية والأسماء الوهمية، وربط الرواتب بنظام مصرفي أو رقمي مباشر.

شركات الصرافة أسهمت في تدهور القطاع المصرفي اليمني (أ.ف.ب)

كما يرى أن من أهم وسائل مواجهة هذه الأزمة، تفعيل أدوات البنك المركزي والتحول للدفع الرقمي وتوسيع المحافظ الإلكترونية والمدفوعات الرقمية، ورقمنة الرواتب لتقليل الاعتماد على النقد ومعالجة اختلالات التهربات الضريبية التي تفقد الإيرادات مبالغ كبيرة وخاصة لدى كبار المكلفين.

من جهته، يدعو المساجدي إلى إصلاح هيكلي شامل، واستخدام أدوات مالية ذكية وجاذبة، تعيد توجيه النقد إلى القنوات الرسمية بدلاً من بقائه خارجها، وتحديث القطاع المصرفي ليصبح أكثر كفاءة وسرعة وقدرة على تقديم خدمات حقيقية تعيد بناء الثقة تدريجياً بدلاً عن الاعتماد على شركات الصرافة.

ويتفق الاثنان على أهمية استعادة التوازن النقدي بالإلزام الصارم لكل الجهات بتوريد الإيرادات العامة إلى البنك المركزي، بما يعيد للدورة المالية وحدتها.


«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
TT

«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)

مع اقتراب أزمة غلق مضيق هرمز، من يومها الـ60، تتصاعد أزمة أخرى في البحر الأحمر مع حادث اختطاف ناقلة من جانب قراصنة قبالة السواحل الصومالية التي لها تاريخ كبير مع مثل تلك العمليات، قبل أن تهدأ في السنوات الأخيرة مع تحركات دولية مناهضة.

هذه العودة، حسب خبير بالشأن الصومالي والأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تعد اختباراً للممرات الملاحية، خصوصاً بالبحر الأحمر، لجس نبض إمكانية عودة نشاط القراصنة على نحو أوسع واستغلال الاهتمام الدولي بأزمة مضيق هرمز.

قرصنة جديدة

أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (يو كاي إم تي أو) أن ناقلة نفط خُطفت، الثلاثاء الماضي، قبالة سواحل الصومال الذي يحده من الشمال خليج عدن ومن الشرق المحيط الهندي، وتلك المنطقة تقع عند مدخل مضيق باب المندب بين البحر الأحمر وخليج عدن على أحد أكثر الطرق التجارية استخداماً في العالم، والرابط بين المحيط الهندي وقناة السويس.

وازدادت أهمية هذا المضيق استراتيجياً منذ إغلاق مضيق هرمز الذي كان يمر عبره قبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط 20 في المائة من إنتاج النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.

ووفقاً لما نقلته الهيئة السبت، جرى الإبلاغ عن «حادث» على بُعد نحو 90 كيلومتراً شمال شرقي ماريو، في شرق الصومال، لافتة إلى أن «أفراداً غير مصرح لهم سيطروا على الناقلة وقادوها لمسافة 77 ميلاً بحرياً جنوباً، داخل المياه الإقليمية الصومالية»، من دون ذكر مزيد من التفاصيل.

وأفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، الخميس أيضاً، باختطاف مسلح لسفينة صيد ترفع العلم الصومالي، لافتة إلى أن «هذه الأحداث مجتمعة تُشير إلى وجود تهديد حقيقي بالقرصنة».

أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (رويترز)

وفي الأشهر الأخيرة، أثارت عدة حوادث مخاوف من عودة القرصنة قبالة سواحل القرن الأفريقي، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويرى المحلل السياسي في الشأن الصومالي والأفريقي، عبد الولي جامع بري، أن ذلك الحادث يأتي في سياق إقليمي أوسع مرتبط بالتوترات في البحر الأحمر ومضيق هرمز برغم أن حادث اختطاف السفن، ليس ظاهرة جديدة لكنه الآن ينذر بتداعيات.

ويُرجِع أسباب تلك العودة إلى ضعف الرقابة البحرية رغم تحسن الوضع الأمني في مقديشو، إلا أن السواحل الطويلة ما زالت صعبة على السيطرة الكاملة، بخلاف الفراغ الأمني الدولي النسبي مع تراجع الوجود البحري الدولي مقارنة بذروة مكافحة القرصنة بين 2010 - 2015.

وبرأي الباحث الاقتصادي والاستشاري في الاقتصاد والنقل الدولي، زياد الهاشمي، فإن «القراصنة الصوماليين يستغلون انشغال العالم بمضيق هرمز ويبدأون باختطاف السفن من جديد بالقرب من منطقة البحر الأحمر».

وهذا التطور حسبما ذكره الهاشمي في منشور عبر صفحته بـ«فيسبوك»، «يأتي وسط تصاعد ملحوظ في نشاط القرصنة في منطقة باب المندب، الذي كان يستهدف في الغالب السفن الأصغر حجماً، لكن اختطاف ناقلة منتجات نفطية كبيرة يُعد مؤشراً مقلقاً، خصوصاً أن المنطقة تعاني أصلاً من ضغوطات بحرية كبيرة بسبب مخاطر الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز».

تاريخ مظلم

وبلغت أعمال القرصنة ذروتها في الصومال عام 2011، قبل أن تنخفض بشكل ملحوظ مع نشر سفن حربية دولية (من الاتحاد الأوروبي والهند ودول أخرى)، وإنشاء قوة شرطة بونتلاند البحرية.

وفي ذروتها في عام 2011، وصلت حوادث القرصنة قبالة سواحل الصومال إلى مستوى قياسي بلغ 237، ما كلف الاقتصاد العالمي 7 مليارات دولار في ذلك العام، وتم إطلاق النار على أكثر من 3863 بحاراً ببنادق هجومية وقذائف صاروخية في تلك الفترة، حسب تقرير سابق لـ«سي إن إن» الأميركية.

ويعود ظهور القراصنة، إلى تسعينات القرن الماضي، مع معاناة الصيادين المحليين من الصيد التجاري غير المنظم ، وبدأ بوصفه احتجاجاً مسلحاً ضد سفن الصيد الأجنبية التي حرمتهم من مصدر رزقهم التقليدي، الذي لطالما وفرته المياه الصومالية الغنية بأنواع الأسماك المختلفة.

ويشير عبد الولي جامع بري، إلى أن أي حادثة جديدة لا تُعد عودة كاملة للقرصنة، لكنها مؤشر قابل للتصاعد إذا توفرت الظروف، مؤكداً أن المخاوف ستتسع بعد حادث الجمعة، لأسباب بينها أن تكرار الحوادث الصغيرة قد يشير إلى اختبار الممرات البحرية، وتحول الاهتمام الدولي مع تصاعد أزمة مضيق هرمز.

وعودة نشاط القرصنة البحرية في مضيق باب المندب، حسب زياد الهاشمي، يزيد من مستوى المخاطر المرتفعة، ويضغط على شركات الشحن البحري لاستخدام المسار الأطول والأكثر تكلفة عبر رأس الرجاء الصالح، ما يعمّق مشكلة ارتفاع الأسعار في مراكز الاستهلاك الغربية.