حرب صامتة بين ميليشيات طرابلس وحكومة السراج

مخاوف من استخدامها ورقة للتقارب مع واشنطن

TT

حرب صامتة بين ميليشيات طرابلس وحكومة السراج

تخلت حكومة «الوفاق» الليبية، نسبياً، عن دفاعها المطلق الذي تبنته، خلال السنوات الأربع الماضية، عن توجيه انتقاد للميليشيات المسلحة بالعاصمة، وبدأت تدريجياً، في «قصف جبهة بعضها»، وفيما وُصف بأنه «تودد وتلبية لدعوة أميركية»، طالبت بتفكيك هذه المجموعات التي سيطرت على غرب البلاد، منذ إسقاط نظام معمر القذافي.
وعلى غير المعتاد، انتقد فتحي باشاغا وزير الداخلية بحكومة «الوفاق»، بعض الميليشيات، مرات عدة، وسمى منها ميليشيات «النواصي»، قائلاً إنها «تتجاوز القانون»، ومشيراً إلى أن «الدولة المدنية التي تنشد الأمن والاستقرار لن تنهض في ظل وجود أدعياء الثورية والميليشيات».
تصريحات باشاغا أزعجت كتيبة «ثوار طرابلس»، التي يتزعمها القيادي أيوب أبو راس، وردت عليه، في بيان، قائلة إنها هي التي تصدت «لجحافل الغزاة في الرابع من أبريل (نيسان) الماضي، عندما ظن البعض أن العاصمة ستسقط في أيدي (القائد العام للجيش الوطني المشير خليفة) حفتر، في غضون ساعات».
واستغرب متابعون تسليط باشاغا الضوء على الميليشيات الآن، في ظل تقدم عناصرها للصفوف الأممية بالمحاور القتالية، ما دفع الصادق الغرياني، المفتي المعزول، إلى التحذير من الصدام بين باشاغا والميليشيات، وقال: هذا «سيسمح (للعدو) باختراق وشق الجبهة الداخلية وانقسام الصف، (...) في حال انشقت الجبهة الداخلية، فالهزيمة ستكون مُحققة».
لكن هناك من أرجع تحدث باشاغا عن فساد بعض الميليشيات، وتجاوزها للقانون، إلى تعهدات سابقة قطعتها حكومة «الوفاق» على نفسها للإدارة الأميركية، ببحث وضعية الميليشيات في العاصمة.
وقال الناشط المدني ميهوبي عبد الغني لـ«الشرق الأوسط»، أمس، إن «(الرئاسي) يلعب بورقة الميليشيات أمام المجتمع الدولي، فمرة يدافع عن عناصرها، ويرى أنهم يدافعون عن العاصمة، ومرات يتهمهم بارتكاب المخالفات، ويطالبهم بالامتثال للقانون». وأضاف عبد الغني، الذي ينتمي إلى إحدى مدن الغرب الليبي: «مللنا من الميليشيات، بكل فئات، وآيديولوجياتها، وليبيا لم تربح من ورائها إلا الخراب والدمار، في حين أن قيادتها أصبحوا يمتلكون الثروات الضخمة، ومن بينهم من يتباها بسيارته الفارهة. لا بد من حل».
كان السفير الأميركي لدى ليبيا ريتشارد نورلاند، قال في العاشر من شهر فبراير (شباط) الماضي، بعد لقائه باشاغا في تونس، إن «بلاده تدعم الجهود التي تبذلها السلطات الليبية لتفكيك الميليشيات والجماعات المسلحة، ونزع سلاحها»، وترى أنها «تمثل تهديداً خطيراً لبناء دولة قوية وديمقراطية وموحدة في ليبيا».
هذه التصريحات وغيرها دفعت باشاغا ليجدد حديثه عن الميليشيات، والتدوين على صفحته بموقع «تويتر»، أن «(الثوار) فقط هم من يساندون الدولة المدنية، ولا يعتدون على مؤسساتها، ويحمون الوطن والمواطن»، فيما نظر البعض، ومنهم الغرياني وجماعة «الإخوان المسلمين» في مصراتة، إلى هذه التصريحات على أنه «تجاهل وتنصل من دور الميليشيات التي حمت العاصمة بصدورها من الطامعين فيها».
وفيما يشبه تبرؤ باشاغا من جرائم الميليشيات التي ارتكبتها بحق المواطنين على مدار الأعوام التسعة الماضية، دعت وزارته، نهاية الأسبوع الماضي، «من تَعرض لظلم أو اعتداء من قبل أي مكون من وزارة الداخلية، سواء أفراداً أو كيانات تابعة لها، أو أي أجهزة أمنية وعسكرية أخرى، بتقديم شكوى بعد أن جرى إنشاء بريد إلكتروني خاص بتلقي الشكاوى والتظلمات».
وتواجه الميليشيات في العاصمة، ومناطق أخرى بالبلاد، بتهم ارتكبت جرائم عدة، من بينها خطف المواطنين وابتزازهم مالياً وقتلهم، والتعدي على الأجهزة الشرطية. وخرجت كتيبة «ثوار طرابلس» عن صمتها في مواجهة أحاديث باشاغا، وعدد رئيسها أيوب أبو راس، «أفضالها ونضالها بالدفاع عن العاصمة»، وقال في بيان تناقلته وسائل إعلام محلية، «في لحظة الحقيقة، يوم الرابع من أبريل الماضي، عندما كانت (جحافل الغزاة) تزحف نحو المحروسة طرابلس تحت مرأى ومسمع القاصي والداني، وقف الجميع مكتوفي الأيدي يشاهدون في صمت بعد أن اعتقدوا أنّ سقوط العاصمة مسألة ساعات»، (...) «في تلك اللحظة لم تجد طرابلس إلا أبناءها (عناصر الميليشيات) يتسابقون إلى محاور القتال لتقديم حياتهم دفاعاً عنها قبل أن يلتحم بهم إخوانهم من بقية المدن الليبية الحرة».
وذهب أبو راس يقول: «يا سيادة الوزير من أراد أن يعرف معدن الرجال فيجب عليه أن يعود إلى تلك اللحظة التاريخية التي التحم فيها رجال طرابلس من كافّة (الكتائب)، على رأسها (كتيبة النواصي) التي قدمت وما زالت تقدم من أجل الوطن»، مستدركاً: «نحن (ثوار طرابلس) لسنا ضد القانون وبناء دولة المؤسسات»، قبل أن يضيف: «ندافع عن هذا المبدأ بأرواحنا ضد (المعتدي ومرتزقته)، ولكنّنا في الوقت ذاته سنضرب بيد من حديد كلّ من تسول له نفسه المساس بأمن العاصمة، ومن يكيد المكائد في الخفاء لتسهيل سقوطها».
وميليشيات ما يسمى بـ«النواصي»، تتبع «قوة حماية طرابلس» التي تمثل القوة المسلحة بالعاصمة، وتضم ميليشيات «قوة الردع الخاصة» و«ثوار طرابلس» و«قوة الردع والتدخل المشترك أبو سليم»، و«باب تاجوراء»، بالإضافة إلى القوة الثامنة (النواصي).
باشاغا، المسنود من مدينته مصراتة صاحبة الدور الأبرز في حرب طرابلس، لم يتوقف عن تعنيف الميليشيات، ففي منتصف الأسبوع الماضي، انتقد إحدى الميليشيات، لم يسمها، بالتآمر على قوات الشرطة ومكتب النائب العام واختراق جهاز الاستخبارات، وتوعدها «بعدم التساهل في التعامل معها»، كما دعا عناصر ميليشيات «النواصي» للكف عن اعتقال المواطنين «لأن هذا ليس من اختصاصهم»، مستدركاً: «عندما نتحدث على الميليشيات، فإننا نتحدث عن كل ليبيا، فلا يوجد فرق بين الميليشيات في كل غرب أو شرق ليبيا».
وقال مسؤول محلي مقرب من حكومة «الوفاق» لـ«الشرق الأوسط»، أمس، إن «سلطات طرابلس تسعى لتقارب أميركي جاد يوفر لها الحماية اللازمة في مواجهة (الجيش الوطني) الذي تسانده دول شقيقة، وأجنبية عديدة»، مبدياً تخوفه من أن هذا الاتجاه «للتضحية ببعض الميليشيات قد ينقلب على حكومة (الوفاق)، إذا ما توحدت تلك المجموعات في مواجهتها». وتحدث المسؤول، الذي رفض ذكر اسمه، لدواعٍ أمنية، عن «تغييرات سياسية متسارعة يتبعها المجلس الرئاسي لمواجهة احتمالية قيام قوات حفتر بعملية زحف كبيرة خلال أيام»، وذهب إلى أن «ذلك تمثل في طلب باشاغا من أميركا إنشاء قاعدة عسكرية في البلاد، وفتح ملف الميليشيات، بالرغم من خطورته وحساسيته بالنسبة لسلطات طرابلس».
وقال طاهر السني مندوب ليبيا لدى الأمم المتحدة في نيويورك، والتابع لحكومة «الوفاق»، في تصريحات سابقة، إن ما سماهم «التشكيلات المسلحة تحد كبير في كل ليبيا»، قبل أن ينبّه إلى «عدم وضعهم جميعاً في سلة واحدة». وأضاف: «قمنا بحل ودمج العديد منهم، لكن الموضوع يحتاج وقتاً والطريق طويل، وهناك تحديات وخروقات تحدث في كل ليبيا».



السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تطلع بلاده إلى وقف الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن والعراق وإعلاء مبدأ حسن الجوار، وذلك خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

وجدد السيسي «إدانة مصر القاطعة ورفضها المطلق لاستهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق»، مشدداً على أن «هذه الدول لم تؤيد الحرب ضد إيران ولم تشارك فيها، بل أسهمت في جهود خفض التصعيد ودعمت المفاوضات الإيرانية - الأميركية سعياً للتوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة».

وأعرب الرئيس المصري، خلال الاتصال، «عن أسف بلاده للتصعيد الراهن وقلقها البالغ من انعكاساته السلبية على استقرار المنطقة ومقدرات شعوبها»، كما استعرض الجهود المصرية المبذولة لوقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار التفاوضي، مع التشديد على «ضرورة التحلي بالمرونة» في هذا السياق، وفق بيان صادر عن الرئاسة المصرية.

جاهزية قتالية متقدمة ويقظة رفيعة في المنظومة الدفاعية لدول الخليج (أ.ب)

وأشار السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، إلى أن الرئيس الإيراني أكد «أن بلاده شاركت في جولات التفاوض للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، كما شدد على حرص بلاده على علاقات الأخوة وحسن الجوار مع الدول العربية».

وتناول الاتصال، وفق بيان الرئاسة المصرية، السبل الممكنة لإنهاء التصعيد، وجدد السيسي التأكيد على «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، مؤكداً «ضرورة احترام الجميع للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية».


الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
TT

الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)

منذ 8 أعوام لم يتذوق مختار قاسم، وهو موظف عمومي، الأطعمة الرمضانية إلا في أوقات نادرة، بعد أن أجبره انقطاع راتبه على نقل عائلته من العاصمة اليمنية صنعاء إلى مسقط رأسه في ريف محافظة تعز (جنوب غرب)، فيمَ يتنقل هو بين عددٍ من المحافظات للعمل في عدة مهن حسب الطلب.

ويقول قاسم إنه كان في البداية يتحسر على عدم حصوله على الأطعمة الرمضانية، إلا أنه وبعد عمله في نقل مساعدات غذائية خلال الأسابيع الأخيرة إلى مخيمات النزوح في محافظة مأرب (شرق صنعاء)، شعر بالامتنان لنفسه لأنه يستطيع توفير تلك الأطعمة لعائلته، بعد أن شاهد آلاف النازحين يفطرون بالماء والخبز وقليل من الأرز.

ودفع التدهور المعيشي والاقتصادي الآلاف من العائلات اليمنية في مختلف المحافظات إلى التنازل عن إعداد الأطباق الرمضانية المتنوعة، والاكتفاء بما تيسر لها من وجبات متواضعة، في وضع ساوى بين مختلف الشهور وشهر رمضان الذي يحظى بحميمية خاصة لدى اليمنيين، في حين تراجعت مظاهر التكافل الاجتماعي وتوقف الكثيرون عن إقامة موائد الإفطار لأقاربهم وأصدقائهم.

تبدي أميرة سلام، وهي ربة منزل ومعلمة في صنعاء، حزنها لعدم قدرتها على إعداد كامل الأصناف الرمضانية المعتادة، واكتفائها كل يوم بصنف واحد تقدمه لعائلتها بعد أن توقف راتب زوجها الذي لم يتمكن من الحصول على عمل آخر، في حين لا يكفي راتبها لسد كافة الاحتياجات والمتطلبات.

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (أ.ب)

وتكشف عن اكتفاء عائلتها بتناول طبق «الشفوت» يومياً، الذي يتكون من الخبز واللبن الرائب أو الزبادي، أما الشورية والباجية، وهي فلافل يتم تحضيرها من اللوبياء، والكاتلكس (بطاطس محشوة)، والسنبوسة، فيتم تناول كل واحدة منها مرة في الأسبوع، ومثلها الحلويات المسماة بنت الصحن والرواني والشعوبية.

وأوقفت الجماعة الحوثية منذ نحو 10 أعوام رواتب غالبية الموظفين العموميين في مناطق سيطرتها، في حين يشكو الكثير من السكان هناك، تحتكر الإشراف على تقديم المساعدات الغذائية والمالية المقدمة من المنظمات الدولية وفاعلي الخير للمحتاجين.

تناقض سعري منهك

يتهم خبراء ماليون واقتصاديون الحوثيين بفرض سعر ثابت وغير عادل للعملات الأجنبية (535 ريالاً للدولار)، بهدف الاستفادة من الفارق بين هذا السعر والسعر الحقيقي لصالح الجماعة، في حين تواصل المواد الاستهلاكية ارتفاع أسعارها بدون أي ضوابط.

تراجع المعونات الغذائية لليمنيين خلال السنوات الأخيرة حرمهم من توفير الوجبات الأساسية (أ.ف.ب)

وعلى نقيض ذلك تتحرك الأسعار في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية وفقاً لأسعار صرف العملات الأجنبية، إلا أن السكان والمختصين الاقتصاديين يقولون إن التعافي الذي شهدته العملة في صيف العام الماضي لم يؤدِ إلى تراجع أسعار المواد الاستهلاكية.

وشهد شهر رمضان هذا العام عزوفاً مضاعفاً عن الاستهلاك، برغم الوعود الحكومية بتحسن الأوضاع المعيشية، بعد أسابيع من إخماد التمرد جنوب وشرق البلاد، وما تبع ذلك من وقف الكثير من أعمال الابتزاز بحق التجار والبضائع المنقولة والجبايات غير القانونية.

ويسعى عمار محمد، وهو اسم مستعار لمتعهد مقاولات صغيرة في صنعاء، لإقامة مائدة واحدة على الأقل لعماله خلال الأيام المتبقية من رمضان، بعد أن عجز عن ذلك طوال الأيام الماضية بسبب حرمانه من التصرف بأرصدته البنكية من قبل الجماعة الحوثية، وهو الذي كان يقيم موائد رمضانية يومية في السابق.

من جهته أرسل مختار قاسم لعائلته مبلغاً مالياً منذ أيام، وطلب منها شراء كافة الاحتياجات الضرورية لما تبقى من رمضان مع وعدٍ لها بأن يلتحق بها قبل انقضاء الشهر، ممنياً نفسه بالحصول على بعض الوجبات التي افتقدها خلال السنوات الأخيرة، ودعوة أقاربه إلى إفطار جماعي في منزل والده.

يمنية نازحة تعدّ وجبة فقيرة متواضعة لأطفالها (رويترز)

وبرغم تحسن وضع العملة المحلية نسبياً، فإن ذلك لم يؤد إلى تحسين الوضع المعيشي لليمنيين بشكل لافت، فهذا التحسن جاء بإجراءات رسمية اتخذتها الحكومة والبنك المركزي بعد أشهر من التدهور السريع للعملة، لتستعيد جزءاً من قيمتها دون أثر كبير على الأسعار والمعيشة.

إفقار المطبخ اليمني

مع اقتراب شهر رمضان من نهايته، يتحول هاجس السكان نحو تلبية احتياجات العيد، إلا أن العديد منهم يبذلون جهوداً لعدم السماح له بالرحيل دون توفير بعض متطلباته التي لم يستطيعوا توفيرها منذ بدايته، حيث يحاول المغتربون إنجاز أعمالهم والسفر إلى عائلاتهم مبكراً.

يشير الناشط السياسي والاجتماعي في مدينة تعز، صلاح أحمد، إلى أن الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة ألقيا بأثر كبير على مختلف مظاهر الحياة، بما في ذلك المظاهر الاجتماعية الرمضانية وعاداتها الغذائية.

أطفال نازحون يتلقون مساعدات غذائية لعائلاتهم قبل أعوام في الحديدة (أ.ف.ب)

ويبين أن المدينة، وبقدر ما شهدت ظهور الكثير من الأثرياء الجدد الذين صنعت الحرب ثرواتهم باستغلال معاناة سكانها، فإن الغالبية يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة يتضاعف أثرها خلال شهر رمضان الذي افتقر خلال الأعوام الأخيرة لمظاهره المعتادة، وتراجع تكافل الناس فيه بشكل كبير.

وبحسب أحمد، كانت العائلات سابقاً تتبادل الوجبات التي يجري إعدادها، وبرغم التشابه الكبير بينها، فإن لكل ربة منزل لمستها المختلفة، وهو ما كان يجعل كل مائدة في كل منزل تحتوي تنوعاً حتى في الأصناف نفسها المعتادة، ما يضفي حميمية دائمة على الأجواء الرمضانية خسرها الأهالي بسبب الحرب.

وفي حين يبدي الكثير حسرتهم بسبب عدم حصولهم على الوجبات الرمضانية التي تعودوا عليها منذ طفولتهم، يُتَوقع أن تؤثر الأوضاع المعيشية الصعبة على تراث المطبخ اليمني، وتدفع السكان إلى عادات غذائية فقيرة في المستقبل.


حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
TT

حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)

أقدم الحوثيون على تنفيذ حملات تعسف استهدفت بالإغلاق والهدم أسواقاً ومتاجر ومنازل في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، وذلك في سياق عملية مُمنهجة، ظاهرها «إزالة العشوائيات» وباطنها فرض مزيد من الإتاوات غير القانونية.

ووفق ما ذكرته مصادر محلية في إب لـ«الشرق الأوسط»، فإن حملة التعدي التي أطلقتها الجماعة، عبر ما يُسمى «مكتب الأشغال العامة» و«إدارة المرور»، أغلقت سوقين شعبيين وطردت التجار والباعة، كما هدمت منازل عدة بعضها طور الإنشاء في المنطقة الخامسة بمديرية الظهار جنوب مدينة إب (مركز المحافظة).

واشتكى مُلاك منازل ومحلات تجارية طالهم التعسف الحوثي، وأوضحوا لـ«الشرق الأوسط»، أن الجماعة تشنّ حملات تستهدف منازلهم ومصادر عيشهم تحت مبررات غير قانونية.

باعة أرصفة يتعرضون للابتزاز من قبل مسلحين حوثيين (فيسبوك)

وقال مراد، وهو اسم مستعار لمالك بسطة تجارية بمديرية الظهار لـ«الشرق الأوسط»، إن الحملة باغتتهم دون سابق إنذار، موضحاً: «نعتمد على هذه البسطة منذ سنوات لإعالة أسرنا، وفجأة جاءت الجرافات ومعها مسلحون وطلبوا منا إخلاء المكان خلال دقائق قليلة جداً، ثم بدأوا بهدم كل شيء». ولفت إلى أن الإجراءات تمت هذه المرة كسابقاتها بطريقة قاسية، مؤكداً أن كثيراً من المُتضررين لم تُمنح لهم فرصة لنقل ممتلكاتهم أو بضائعهم.

اتساع التعسف

في مديرية العدين (جنوب غرب إب) استخدمت الحملة الحوثية - التي أشرف على تنفيذها قيادات في الجماعة - 4 جرافات لاستهداف مُمتلكات السكان ومصادر عيشهم.

وأوضح سكان لـ«الشرق الأوسط»، أن مشرفين حوثيين برفقة عربات ومسلحين نفذوا حملات دهم استهدفت بالإغلاق «السوق المركزي» الكائن وسط المدينة، إلى جانب تجريف وإزالة لعدد من البسطات والمحلات الصغيرة والأكشاك التي يعتمد عليها مئات المواطنين كمصدر رئيسي للعيش.

تعرض متاجر للهدم الحوثي في مديرية العدين بمحافظة إب (فيسبوك)

وبحسب السكان، فإن هذه الحملات لم تقتصر على إزالة ما تصفه الجماعة بالمخالفات، بل طالت ممتلكات قائمة منذ سنوات، دون تقديم بدائل مناسبة للمتضررين أو مراعاة للأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها السكان في ظل تدهور الأوضاع المعيشية.

وأوضح عدد من المتضررين أن الحملة نفذت بشكل مفاجئ، ولم تمنح أصحاب البسطات والعربات أي مهلة لإخلاء مواقعهم، قبل أن تباشر الجرافات بعملية الهدم والتجريف، ما أدى إلى خسائر مادية كبيرة، وقطع مصادر دخل أسر كاملة.

ويتحدث بائع خضروات في سوق العدين لـ«الشرق الأوسط»، عن أن مصدر دخله الوحيد اختفى خلال دقائق جراء حملة التعدي الحوثية، وأضاف: «ليس لدينا عمل آخر. بعد التجريف أصبحنا بلا عمل ولا نعرف كيف سنوفر احتياجات أسرنا».

وبررت الجماعة الحوثية استهدافها أملاك السكان ومصادر رزقهم بأنه ضمن ما تُسميه خُطة لتنظيم المدن وإزالة العشوائيات، إلا أن ناشطين يرون أن الحملة تفتقر إلى أبسط مقومات التخطيط العادل، وتستهدف الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع، دون بدائل ومعالجات حقيقية.

خوف متصاعد

يتخوف السكان في المحافظة اليمنية ذات الكثافة السكانية العالية (إب)، من توسع نطاق هذه الحملات لتشمل بمقبل الأيام أسواقاً ومتاجر في مديريات أخرى، الأمر الذي يُهدد بفقدان المزيد من المواطنين مصادر رزقهم في ظل غياب أي برامج دعم أو تعويض.

قيادات حوثية تشرف على حملات الاستهداف في إب (فيسبوك)

ولفت السكان إلى أن المئات من ملاك الأسواق والتجار والباعة باتوا خائفين لكون مصدر رزقهم مُهدداً، في ظل ظروف معيشية صعبة وقاسية، إذ إن أي خسارة تعني أن أسراً كاملة ستفقد قدرتها على العيش.

وطالب السكان والناشطون في المحافظة بوقف هذه الحملات، وإيجاد حلول تنظيمية تراعي أوضاع المواطنين، وتضمن عدم الإضرار بمصادر عيشهم، مؤكدين أن معالجة العشوائيات وتنظيم المدن يجب أن يتمّا عبر خطط حضرية واضحة وتوفير بدائل مناسبة للمتضررين، وليس عبر المصادرة والهدم المفاجئ والتجريف القسري.