عبد الله الوصالي: أحاول سبر غور أنثى شرقية لأكتشف همومها

روائية تحاور روائياً

عبد الله الوصالي  -  غلاف رواية «عشرة أسابيع» للوصالي
عبد الله الوصالي - غلاف رواية «عشرة أسابيع» للوصالي
TT

عبد الله الوصالي: أحاول سبر غور أنثى شرقية لأكتشف همومها

عبد الله الوصالي  -  غلاف رواية «عشرة أسابيع» للوصالي
عبد الله الوصالي - غلاف رواية «عشرة أسابيع» للوصالي

قبل أيام صدرت رواية «عشرة أسابيع بجوار النهر»، للروائي والقاص السعودي عبد الله الوصالي، وهي الرواية الثالثة بعد روايته «أقدار البلدة الطيبة»، «وبمقدار سمك قدم» كما صدرت له ثلاث مجموعات قصصية، آخرها مجموعة «يوريميا» من إصدارات نادي الرياض الأدبي، بالتعاون مع المركز الثقافي العربي.
عبد الله الوصالي، قاص وروائي وناقد ومترجم، حاصل على جوائز في الرواية والقصة القصيرة وجائزة في النص المسرحي. في الحوار التالي يتحدث عن روايته الجديدة «عشرة أسابيع بجوار النهر»، وعن تجربته الأدبية، تحاوره مريم الحسن، وهي قاصة وروائية وفنانة تشكيلية سعودية، وعضو بيت السرد في جمعية الثقافة والفنون بالدمام، أصدرت ثلاث روايات هي: «الضياع»، و«وأشرقت الأيام» و«شرفة لامرأة واحدة»، كما صدرت لها أربع مجموعات قصص قصيرة، وقصيرة جداً هي: «آخر المطاف»، و«خذلان»، و«صقيع يلتهب»، و«نثار» ومجموعة قصصية للأطفال بعنوان: «بحيرة البط».
> أصدرت قبل شهر روايتك الجديدة «عشرة أسابيع بجوار النهر» ولم تكن قد مضت بعد سنة على إصدار مجموعتك القصصية «يوريميا»، بداية حدثنا عن المجموعة القصصية؟ وأيهما أقرب إليك القصة أم الرواية؟
- مجموعة «يوريميا»، هي المجموعة الثالثة في رصيدي من المجموعات القصصية، وقد يصح القول إنها تحمل خريطة تحولات تجربتي القصصية، بداية مع نص «استعصاء العصب» المكثف ذي السمة الرمزية الأقدم في المجموعة، إلى قصة «مطر جالب الخبز»، حيث سمة الطول والنفس الروائي البيّن، وما بين النصين يعتبر تحولات كتابتي القصصية.
ظهرت المجموعة في وقت بدأت كتابة الرواية تسرقني من القصة شيئاً فشيئاً، فكتابة الرواية ذات قوة جذب لا متناهية يعرف ذلك كل من يكتبها فهي تسلبك من كل شيء تقريباً. كل ما أرجوه ألا تكون «يوريميا» النفثة الأخيرة في مرجلي القصصي. وحتى هذه اللحظة أبدو كأنني على مسافة واحدة من الفنين فكفتاهما من الإصدارات متساويتان؛ ثلاث روايات، يقابلها ثلاث مجاميع قصصية.
> إلى أي مدى تخـتلف تقنـيات كتـابة الرواية عن القـصة؟
- قد لا يتسع المجال هنا لذكر اختلافات الفنين الكثيرة في تقنية الكتابة، لكن الأهم هو أن القصة القصيرة تعالج الحدث على مستوى عمودي، أما الرواية فهي أشبه بمعمار وبنية تنبسط أسسها على مساحة أكبر وتنهض للأعلى. بتعبير آخر؛ إذا صح تشبيه القصة القصيرة بنافورة ماء متصاعدة، فيمكن تشبيه الرواية بالبحر المتلاطم.
> هناك من يرى، من الكتّاب والنقاد، أن «عالم السرد القصصي بدأ يفقد وهجه»، فهل أنت مع هذا الرأي؟ وهل ما زالت الفنون السردية محتفظة بقدرتها على الإدهاش والتأثير؟
- نعم لا تزال الفنون السردية قادرة على الإدهاش والتأثير إذا وجد النص المدهش المؤثر، رغم كل المستجدات التقنية وتَحَقُق العالم الافتراضي. الإدهاش والإمتاع سمتان لصيقتان بالفنون وستظلان كذلك إلى الأبد، وهما القناة التي تؤدي إلى تفعيل الأثر النفسي بشكل عام.
لكن (للأسف) القصة القصيرة أصبحت تفقد وهجها في الوقت الراهن. فقبل أسابيع قليلة أُعلنت نتائج جائزة الملتقى للقصة القصيرة التي تشرف عليها الجامعة الأميركية بدولة الكويت وهي في نظري الجائزة الأهم فيما يخص فن القصة القصيرة في العالم العربي. لكنها حظيت باهتمام متواضع، مقارنة بما تحظى به إعلان قوائم جوائز الرواية المتعددة الطويلة والقصيرة من اهتمام ومتابعة ونقد رغم قلته هو الآخر.
لا يجب أن يعتبر هذا موقفاً ضد القصة القصيرة، بل هي رؤية لواقع يجب ألا نمارس تجاهه الإنكار.
> ماذا بشأن التجربة السردية في السعودية؟
- القصة السعودية حتى في أوج ازدهارها لم تكن فرس رهان، أقول ذلك بعد أن قرأت وأعدت قراءة عشرات المجاميع القصصية وبعض الأنثرولوجيا من مختلف أجيال القاصين في الشهور الماضية ضمن مشروع ثقافي. هذا لا يعني عدم وجود تجارب جيدة لكنها غير قادرة لعدة أسباب تشيد المشهد. الوعي الفني العام لكتّاب القصة يشهد تراجعاً منذ سنوات، ومفهوم القص مشوش لدى أجيال الكتّاب الجدد المنفصلون عن سياقاتهم الإبداعية التاريخية.
عشرة أسابيع بجوار النهر
> كيف تقدم روايتك الأخيرة: «عشرة أسابيع بجوار النهر»، للقراء وفي أي الأجواء كتبتها؟
- هي نتاج جهد ليس بالقليل من الكتابة وإعادة الكتابة، وتجربة أرجو أن تكون مميزة وفريدة في جمالياتها وعمقها. بِتُ أرى أن مكافأتي عن ذلك الجهد هو إمكانية نقاش، مجرد نقاش، وكوب من القهوة في صحبة قارئ قرأ الرواية، أجدها متعة لا توصف. أما عن أجواء كتابتها فقد كنت تحت تأثير زيارتي الثقافية إلى الولايات المتحدة ككاتب مقيم، وكما هو معروف فكتابة الرواية نضحٌ من الذاكرة يحدوه الحنين وأصالة التجربة موضوع الكتابة.
> هل هناك حدث معين حفزك لكتابة هذه الرواية؟ وما الشواغل التي اشتغلت عليها فيها؟!
- يملك الروائي دوماً أفكاراً ووجهات نظر ومنطقاً عن الحياة والأحداث، وحين يلوح له الإطار المناسب لتقديمها يبدأ الاشتغال على ذلك. وجدت في زيارتي الثقافية للولايات المتحدة الإطار المناسب لطرح الإشكالات التي تمخض عنها الربيع العربي. طبعاً مع الابتعاد عن التسجيلية والإيفاء بالشرط الجمالي للعمل الروائي، ومع ذلك يبقى دافع كتابة نص روائي طويل وشاق أمراً غامضاً مهما فسره المحللون.
> يلجأ بعض الأدباء إلى الكتابة حتى يتخلصوا من آلامهم، أو ليبوحوا بأحزانهم، تُرى لماذا كتب الوصالي هذه الرواية ما الذي ألم به؟
- يجمعني مع الكتّاب الآخرين دافع التواصل الروحي العميق مع العالم. بيد أن هناك دافعاً يخصني لا يقل أهمية عن الأول وهو متعة الإمعان في مغامرة الكتابة واجتراح نص سردي وتجربة صنع قيمة جمالية مختلفة. لكن مجرد رد فعل مباشر على الألم والحزن ليس كافياً وحده لإبداع أعمال روائية متميزة.
> في هذه الرواية تُروى بصوت أنثى بينما الراوي رجل، حدثنا عن هذا التقمص المقتدر والتمازج بين الكاتب والراوية؟
- عرفت التجارب السردية الكثير من استخدام جنس راوٍ مختلف عن جنس الكاتب، يخطر في ذاكرتي الآن رواية «زهور تأكلها النار» للروائي السوداني أمير تاج السر. وكما سمعت هناك محاولات سعودية جديدة أيضاً.
بالنسبة لي كانت هذه التجربة الأولى بهذا الحجم حتمته ضرورة فنية، فعن طريق توظيف أنثى كشاهد عيان (Eye Witness) تعيش وتتنقل بين الشخصيات، أمكنني إيجاد المبرر المقنع لسبر غور سيكولوجيا أنثى شرقية واكتشاف همومها وإشكالاتها الجندرية في مجتمعها المحافظ وطرح قضايا النسوية، وأمكنني أيضاً الإشارة من طرف خفي إلى تجذر حالة المحافظة الاجتماعية لدى الجيل العربي المهاجر الأول من خلال علاقة الراوية مع أبيها.
> كيف عالجت موضوع الاغتراب في روايتك الأخيرة...؟
- حالة الاغتراب ظاهرة بشرية كونية مرتبطة بالمفكرين والكتّاب. «فكلما كانت أصالة الفرد أكثر تجذراً، ازداد اضطراره للاغتراب عن مجتمعه» كما يقول نيتشه.
ملاحظتك ملاحظة نقدية مهمة. الفارق الذي يمكن أن يحسب لـ«عشرة أسابيع بجوار النهر» أنها كتبت على لسان فتاة تختلف تماماً عن روح الكاتب في جميع أبعادها الثقافية والجندرية. هنا مكمن الصعوبة، فالثقافة هي منطلق سلوك وتفكير ومنطق الشخصية الذي سوف تظهر به في النص. كيف تستطيع تحييد كل تلك الثقافات المتداخلة في ذاتك أمر صعب جداً.
أنا من المؤمنين بأن الرواية في جانب كبير منها صناعة تستلزم من الكاتب إعداد ما يلزم لإبداعها. هذه الرواية اتكأت كما أسلفنا على إقامة في الفضاء الذي تقع فيه أحداث الرواية، وفي الوطن كانت صيرورتها نحو صيغتها النهائية.
> العمل الأدبي هو الذي يصنع تاريخه... هل يجب امتلاك ثقافة تاريخية ليتمكن الروائي من التحكم في فصول روايته وأحداثها؟
- أعتقد أنه على الروائي أن يمتلك كل ما يسعه امتلاكه فنياً أو معرفياً من أجل عمله الروائي، ذلك أدعى أن يمنحه الثقة وقدرة أكبر في الإمساك بناصية الرواية وتعميق القيمة الفنية لنصه. بالنسبة لي غدت الكتابة السردية سعياً معرفياً، يحدد معالمه تشكل العمل الروائي بدءاً بالثيمة، وطبيعة الشخوص... إلخ مما يحتم قراءات معمقة في شؤون مختلفة.
> إلى أي حدّ ينحاز الكاتب إلى الواقع، وما اللحظة التي يشعر فيها أنه على وشك الانفجار الداخلي، والتمرّد على هذا الواقع، بإطلاق العنان لخياله الروائي؟
- يستفز استقرار الواقع وبلادته الكاتب، فيلجأ عبر الكتابة إلى إقلاق ذلك السكون ومحاولة إعادة تشكيل الواقع على نحو أكثر حيوية وشفافية، إذ دائماً ما يؤمن الكاتب أنه يرى مالا يراه الآخرون مما يشعره بالتوتر، «فالذين يمتلكون موهبة التعبير عما يعانون تزداد معاناتهم بين الجموع الصامتة» كما يقول نيتشه من جديد. في هذه الرواية تحديداً اعتقدت في البداية بأني سوف أكتب نصاً سهلاً فمعظم الشخوص كانت ماثلة أمامي ولها ما يقابلها على أرض الواقع، لكن يبدو أن كتابة النص الروائي لا تندرج ضمن قائمة الأمور السهلة لدي.
> هل تتمتع شخصياتك الروائية، بحالة من الانعتاق من سلطة الكاتب اللغوية والفكرية؟
- هذا ما أحاول تحقيقه في كل أعمالي السردية، فأنا ميال بطبعي إلى ديمقراطية الأفكار التي تتيحها الرواية البوليفونية. عندما تخلق شخصيات روائية متعددة المشارب والانتماءات فليس لك خيار إلا أن تدعها تتحدث عن نفسها عبرك. لكن توظيف وجهات نظر شتى يوجب الحرص والتدقيق والإلمام الجيد بثقافة الشخوص المتعددة.
> أخيراً، ما عملك الأدبي المقبل؟
- هناك كتاب يمزج بين القصة القصيرة والمسرح تستعد جمعية الثقافة والفنون بالدمام إصداره في مهرجان المسرح القادم. كما لدي أول عمل في مجال الترجمة لكتاب (How The Literature plays with Brain) «كيف يلعب الأدب بالدماغ» لبول أرمسترونغ عن دار كلمات بالشارقة.
بعد كل عمل أدبي يرتفع عندي معدل التوق للقراءة، لذا فالرتوش الأولية عن موضوع الرواية القادمة لم تصل بعد إلى ما يمكن الإعلان عنه وربما تحولت عنه إلى موضوع آخر من المواضيع الكثيرة التي تقلقني.


مقالات ذات صلة

الحياة سرداً معلّباً في زمن الخوارزميّات

كتب كاثرين جيزير-مورتون

الحياة سرداً معلّباً في زمن الخوارزميّات

لا تكاد تخلو جريدة أو مجلّة في أيّامنا من مقالة أو أكثر تحذر من إدمان الشاشات وتآكل قدرات التركيز التي انتهى إليها الإنسان المعاصر

ندى حطيط
كتب «حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

تؤسس الكاتبة المصرية هبة الله أحمد عالم مجموعتها «حكايات الغماز» على مفارقة مكانية وحركية

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

تفتتح الكاتبة أحلام نواف بارود كتابها «لم نُخلَق للقاع» بإهداء يشرع أمام القارئ أبواب الأمل: «إلى آخر يوم في حياتك، مُصرّح لك بالتجربة والخطأ والتعلّم»

«الشرق الأوسط» (عمّان)
يوميات الشرق الأدب الكلاسيكي عائد بقوَّة من خلال الأفلام والمسلسلات (إنستغرام) p-circle 01:30

من «الأوديسة» إلى «شرق عدن»... كيف فتحت شهيَّة هوليوود و«نتفليكس» على الأدب الكلاسيكي؟

أكثر من أي وقت تلجأ كبرى استوديوهات الإنتاج إلى الروايات الكلاسيكية القديمة، لصناعة أفلام ومسلسلات منها. فما مردُّ هذه الظاهرة؟

كريستين حبيب (بيروت)
ثقافة وفنون التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟

شوقي بزيع

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»
TT

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

بعد حيازته عام 2015 جائزة «أفضل عمل روائي لبناني» عن كتابه «غريقة بحيرة موريه»، التي منحته إياها وزارة الثقافة اللبنانية، أعلنت هيئة الشارقة للكتاب منحها جائزة «أفضل رواية عربية» للزميل الشاعر والروائي والباحث

أنطوان الدويهي

عن رائعته الأخيرة «الشتاء الكبير»، التي كانت «الشرق الأوسط» نشرت مؤخراً حواراً معه حولها.

وتشكّل هذه الجائزة للدويهي مفاجأة نظراً لبعد الكاتب عن الأضواء وتنسّكه في نشاطه الأدبي، فهو دائم الإقامة في الذات، ومنعزل منذ زمن طويل في خلوته على كتف وادي قزحيّا في أعالي جبل لبنان.

وترتكز أعمال الدويهي الأدبية والشعرية والسردية على عوالم الذات، وهي مستمدة بكاملها من «يوميات الحياة الداخلية»، المستمر في صوغها منذ سن الرابعة عشرة إلى اليوم، ولا مصدر آخر لكتاباته، بحثياً كان أم توثيقياً. ومن هنا وحدة عالمه الأدبي العميقة، وتكامله، ووحدة لغته وهواجسه ومشاعره، ورؤاه الجمالية في كل أعماله المتوالية على مدى ثلث قرن، من «كتاب الحالة» عام 1993 إلى «الشتاء الكبير» الصادر حديثاً.

ومن أهم مفاعيل هذه الجائزة أنها تلفت القراء العرب إلى أديب مختلف، بالغ الخصوصية في الآداب العربية، في غوصه في أعماق النفس البشرية وتماهيه مع روح الأمكنة والمشاهد والحالات، حيث تلتقي ذات الفرد بذات الأرض وذات الجماعة. وبهذا المعنى ذكر عنه الشاعر أنسي الحاج: «ماذا كتب؟ كتب ذات فرد وذات أرض وذات شعب». وذكر أيضاً: «يُقرأ أنطوان الدويهي كما تُفرد حبات اللؤلؤ». وبهذا المعني أيضاً كتب الأديب والصحافي سمير عطاالله: «منذ أن بدأت في قراءة الدويهي، اعتدت الانجذاب في غبطة إلى هذا الخدر الآسر الأثير. فليس أهنأ إلى نفسي من قلم له هذه التجربة في عمق الذات، وله مثل هذا الصمود في عمق النقاء».

وتأتي هذه الجائزة لتتجاوز الاتجاه الذي بات سائداً لدى عديد من الروائيين العرب، وفي الغرب أيضاً، الذي يمكن اختصاره بعبارة «أدب الموضوعات»، حيث ينتقل الروائي في كل عمل جديد من موضوع إلى آخر، يحشد له في كل مرة المعلومات البحثية والتوثيقية، وبات يشارك في صنعه في أحيان كثيرة الذكاء الاصطناعي. ويشكل هذا المنحى ابتعاداً عن عوالم الأدباء الذاتية، ونزوحاً من «أدب الكتّاب» إلى «أدب القراء» وفقاً لمنطق السوق وحركة العرض والطلب التجارية. أما أدب الدويهي، المستند إلى وحدة الحياة الداخلية في الزمان وفرادتها وذاتيتها وخصوصيتها وعمقها، فهو إعادة اعتبار للأدب الكبير، وهو النقيض الأمثل لعالم كتابي يغرق أكثر فأكثر في متاهات وسائل التواصل الاجتماعي ومؤثرات الذكاء الاصطناعي التي تقود إلى نهاية الأدب.

في «الشتاء الكبير»، يروي الدويهي عذابات سن السابعة عشرة، ويستحضر الذاكرة والمكان، بلغة عميقة وفلسفية ومتينة، تمزج بين التأمل ووصف الطبيعة واستكشاف أثر العنف والذاكرة على الإنسان. نحن أمام رواية رمزية وفلسفية تبحث في سلوك الإنسان وعلاقته بذاته، وتقوم على التأمل الذاتي الذي يعيشه الراوي، وعلى علاقته بالحياة والموت والعنف والحرب. أما الشخصيات الأخرى، فهي أقرب إلى ظلال تحيط به، ووجودها وظيفي لتحريك السرد أكثر مما هو محوري في بنية النص. وفي تأملاته العميقة، يناقش الدويهي ظواهر العنف والثأر والدم المستباح، ويربطها بالسلوك الفردي والجماعي، متسائلاً عن فكرة المسؤولية الجماعية وتأثيرها على النمط المتوارث في الثأر العائلي.


التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى
TT

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟ أم إنه انتحر، حين لم يجد للحياة محاكمة أعدل من الموت؟ هكذا ظل موته قيد القيامة، مثل حياته تماماً».

كان يمكن لهذا المقطع المتعلق بموت ميخائيل، بطل رواية جاسم سلمان «وقوفاً على الأصابع»، أن يخفف بنسبة أو بأخرى، من شغفنا بقراءة العمل الذي آثر المؤلف أن يكشف منذ اللحظة الأولى عن مآل بطله الأخير، ولكن ما حدث هو العكس تماماً. ذلك أن المفتتح الروائي الذي طُرحت من خلاله واقعة الموت، والذي يتراوح بين الإخبار والاستفهام، فضلاً عن الأسئلة المتعلقة بمعنى الوجود نفسه، وفّرا لنا كقراء دوافع عديدة لمتابعة العمل، ليس الفضول سوى واحد منها.

في الصفحات الأولى للرواية، نتعرف على المحطات الأبرز في حياة ميخائيل، العراقي المسيحي، الذي وُلد في البصرة، وفقد أباه في حرب الخليج الثانية، ثم انتقل مع أمه إلى بغداد ليقيم في أحد أحيائها الفقيرة، حيث كان البشر بمختلف طوائفهم وعصبياتهم، يتخالطون دون فوارق. ومع إنهائه المرحلة الثانوية، يقرر ميخائيل دراسة اللغة الإنجليزية، والالتحاق بقسم الترجمة التابع لكلية الآداب في الجامعة المستنصرية.

بين أروقة الجامعة، يتعرف ميخائيل إلى ماري، الطالبة الجميلة والمتوقدة ذكاءً، التي كانت هي الأخرى قد فقدت أباها وخالها في يوم واحد، بعد أن لُفقت لهما تهمة الانتماء إلى أحد الأحزاب المناوئة للزعيم القائد. وحيث لم يتأخر المتخرجان العاشقان في تتويج علاقتهما بالزواج، تدبر لهما التراجيديا العراقية فصلاً آخر من فصولها، فيفقدان المولود الذكر الذي أنجباه في تفجير كنيسة «سيدة النجاة». ومع انعدام فرص العمل أمام الزوجين، لم يجد ميخائيل بداً، ورغم صراعه الضاري مع نفسه، من التعاون مع القوات الأميركية التي قامت بغزو العراق في مطلع القرن، والتي أعلنت عن حاجتها إلى مترجمين فوريين.

غير أن المبلغ الذي كان ميخائيل يتقاضاه عن عمله مترجماً، وإن منحه شعوراً بالأمان المعيشي، إلا أنه سلب منه بالمقابل احترامه لنفسه ورضاه عن الخدمات التي يقدمها لغزاة بلاده. وهو شعور لم يخفف منه كرهه للنظام البائد وما ألحقه به وبزوجته وبالشعب العراقي بأسره من كوارث. وعلى طريقة المثل القائل «إذا خفت من شيء فقع فيه»، لم يجد المترجم الفوري ما يفعله، إزاء مئات البشر يبعثون له برسائل التهديد، سوى الهجرة إلى أميركا، رغم علمه الأكيد بأن نجاحه في الفرار من العراق، لا يعني أبداً أن العراق، الهوية والمعنى، سيكف عن ملاحقته أينما ذهب.

وتعبيراً عن شعوره العميق بخيانة شعبه وأرضه ونفسه، لم يجد ميخائيل ما يجيب به موظف الجوازات في نيويورك، وهو يسأله عن مهنته، سوى التلفظ بكلمة «خائن»، على نحو عفوي ودون تفكير مسبق. ومع أن نيويورك الزاخرة بالصخب والشبيهة بالمتاهة، لم تكن لتبدو مدينة سهلة وأليفة في عيون قاصديها، فإن ما خفف من شعور زائريها الجديدين بالغربة، هو عثورهما السريع على نماذج من البشر، يشاركونهما الهوية نفسها، والشعور إياه بثقل المنفى ووطأة التمزق. وكان بين هؤلاء جوزف، العجوز اليوناني من أصل مصري، المهتم بالكتب والمخطوطات القديمة، والذي عرض على ميخائيل مساعدته في ترجمة بعض الأعمال الأدبية والتراثية. وبينهم ليزا، زوجة جوزف، وهارون، الشاعر السوري الصعلوك الهارب من نظام «الأبد» الدموي، وروبن، بواب البناية الأميركي، الذي شارك ابنه جيمس في غزو العراق، وتزوج من فتاة عراقية، قبل أن يعود إلى بلاده مقطوع الرجلين.

وبينما يتبدى للقارئ بأن الاندماج في المنفى هو الحل الأمثل لمأزق «الهويات القاتلة»، والاغتراب الخياني عن الذات، ينعطف سلمان بعمله الملحمي نحو مسالك غير منتظرة، حيث يقرر أبطاله جوزف وليزا وميخائيل وماري وهارون، العودة ثانية باتجاه الشرق؛ بحثاً عن كتب مرجعية ومخطوطات قديمة، ليست في حقيقتها سوى إلحاح الذات المهددة في البحث عما يعصمها من الإمحاء. أما الثري التركي تيمور طابال الذي تلتقيه الزمرة القادمة إلى إسطنبول، والذي يأسره جمال ماري، فبدا إدخاله على خط السرد، محاولة لإظهار الجانب الآخر من الصورة، حيث تجد الذات المستلبة، في مراكمة الثروات والتماهي مع الغرب؛ ما يجنبها عناء الأسئلة المقلقة والتأرجح المرير بين الخيارات.

وإذ يقرر ميخائيل وهارون إكمال الرحلة باتجاه ماردين وبعض المدن الأخرى؛ أملاً في الحصول على ضالتهما المنشودة، تنتقل الحدود المتداخلة بين الشرق والغرب، إلى داخل كل منهما، حيث تعمقت على نحو مأزقي، الأسئلة المتعلقة بالهوية والتاريخ ونشوء الحضارات ومعنى الوطن والخيانة. وفي ظل هذا الوضع المأزقي، يقع هارون في غرام غجرية حسناء، ويقرر الارتماء في كنف الحرية المطلقة، بعد أن قال له صديقه الغجري «اترك كل شيء وراءك وانسحب. دعك من الأزمنة والأمكنة». ومع إصرار ميخائيل على إكمال المهمة التي جاء من أجلها، واختفائه اللاحق على نحو مبهم، لا يبقى أمام زوجته ماري وصديقيه جوزف وليزا، سوى العودة من دونه إلى نيويورك.

واللافت، أن تقدم السرد وتشعبه، لم يتسبب بترهل العمل، أو بجعله باعثاً على السأم، بل تستمر الرواية في تصاعدها، مع وقوع ميخائيل في حالة من الانشطار الهذياني بين الواقعي والمتخيل، عائداً حيناً إلى الحقبة الأندلسية، وما صحبها من ازدهار فكري وحضاري، ومتماهياً مع كريستوفر كولومببس في فتحه لأميركا حيناً آخر. ثم تتوالى المفاجآت مع تعرض المترجم العراقي للخطف من قبل المخابرات الأميركية، بعد أن وجهت إليه تهمة الخيانة، عبر تعمده ترجمة النصوص والحوارات المكلف ترجمتها بطريقة خاطئة ومحرّفة؛ الأمر الذي أدى إلى مقتل عدد من الجنود الأميركيين.

ليس من المبالغة القول إن العمل بمثابة ملحمة روائية معاصرة لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده

إثر ذلك يُحمل ميخائيل إلى أميركا، ليساق إلى المحاكمة، بحضور أصدقائه الذين تلقوا النبأ الصادم عن طريق الإعلام، وزوجته ماري التي أصابها بالذهول إزاء الحقيقة التي أُخفيت عنها طيلة سنوات. وإذ تهتف ماري بزوجها قائلة: «لماذا لم تخبرني أنك لم تخن أهلك في العراق؟»، تذكرنا بصرخة السائق في رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس»، الذي اكتشف أن الفلسطينيين الذين خبّأهم داخل شاحنته قد قضوا نحبهم من شدة القيظ، فهتف بهم قائلاً: «لماذا لم تقرعوا باب الخزان؟». وإذ تبلغ الفانتازيا ذروتها مع التطابق التام بين الخريطتين الجينيتين لكل من كولومبس وميخائيل، يصرّ الأخير على تحويل موته لغزاً آخر، شبيهاً بحياته نفسها، حيث لا دليل واضحاً على انتحاره، أو إعدامه بكرسي كهربائي، أو وفاته الطبيعية بفعل عجز جسده عن تحمل الصدمات.

وليس من المبالغة القول بأن العمل الذي قدمه جاسم سلمان إلى قرائه، هو بمثابة ملحمة روائية معاصرة، لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده، بل هي تبلغ من الاتساع؛ ما يجعلها تلامس الأسئلة الأكثر عمقاً، التي تتعلق بنشوء الحضارات وتحولاتها، وبمعنى الهوية والانتماء وعلاقة الوطن بالمنفى، والأنا بالآخر. كما تتحول الرواية في الوقت ذاته، إلى مضبطة اتهام متعددة الوجوه لواقع العصر ومآلاته، حيث يتم تزوير القيم، ويبلغ الفساد ذروة استشرائه، ويحكم الأقوياء قبضتهم على العالم. ولم يكن أمراً بلا دلالة أن يطلب هارون من مرضاه، وقد اختار التحول إلى مدرب رياضي في إحدى المصحات، الوقوف على أصابعهم أطول مدة ممكنة؛ بهدف امتحان قدرتهم على الصبر. ذلك أن مثل هذا النشاط، الذي جعله المؤلف عنواناً لروايته، يمكن أن يعصم الأفراد والجماعات، من الوقوع في شرك الخنوع والاستسلام، ويساعدهم على اجتياز الامتحان الصعب للحرية المنشودة.

أما تساؤل المؤلف بلسان جوزف، عن معنى الخيانة، وعما إذا كان ميخائيل قد خان بلاده حقاً، أم أن بلاده هي التي خانته، فهو السؤال الأكثر التباساً وتعقيداً الذي دفع المترجم العراقي حياته ثمناً له. وهو السؤال نفسه الذي طرحه بدر شاكر السياب على نفسه وعلى العالم، حين هتف في قصيدته «غريب على الخليج» قائلاً:

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنونْ

أيخون إنسانٌ بلاده؟

إن خان معنى أن يكونَ،

فكيف يمكن أن يكونْ؟


جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
TT

جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر

تطوّر فن النقش التصويري خلال العصر الأموي حيث اعتُمد بشكل أساسي في صوغ الحلل الزينية الخاصة بالمنشآت العمرانية المدنيّة التي شيّدها الخلفاء في نواح متعدّدة من صحاري بلاد الشام. اتضحت معالم هذا الفن في ثلاثينات القرن الماضي عند اكتشاف أطلال قصر يقع شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم قصر هشام، قابله اكتشاف أطلال قصر آخر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. من بين أطلال هذين القصرين، خرج كمّ هائل من القطع التصويرية، دأب أهل الاختصاص على تصنيفها وتحديد موقعها الأصلي منذ اكتشافها. عرفت بعض هذه القطع شهرة واسعة، وظلّ البعض الآخر في الظل، مصدر بعضٍ منها قصر الحير الغربي، ومنها تبرز ثلاثة مجسّمات يمثّل كلّ منها قامة على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي انتشر انتشاراً واسعاً خلال الحقبة الرومانية.

تعود هذه المجسّمات إلى القاعة التي تشكّل مدخلاً للقصر، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طول كلّ منها نحو نصف متر. التأليف الجامع واحد؛ قامة آدمية تجلس بثبات في وضعية المواجهة على عرش وثير. ارتبط هذا النموذج عند تكوينه بالتصاوير الإمبراطورية المتعدّدة، وعُرف في معجم الفنون الكلاسيكية باسم «العرش الإمبراطوري». انتقل هذا النموذج إلى الفن المسيحي في القرن الرابع، حيث ظهر المسيح مترّبعاً عليه، وظهرت أمّه السيدة مريم العذراء في وضعية مماثلة، وتحوّل هذا المثال إلى ركن ثابت من أركان الفنون المسيحية، على اختلاف أنواعها. تبنّى الفن الأموي هذا المثال كما يبدو، وأعاده إلى صفته الإمبراطورية الأولى، كما تشهد قطعة تعود إلى واجهة القصر الداخلية، سقط منها النصف الأعلى للأسف. يبلغ طول ما تبقّى من هذا النقش الناتئ متر، وعرضه 90 سنتيمتراً، وفيه يظهر العرش بقواعده، مع منصة في الوسط تستريح عليها قدما جليسه الملكي.

تُعتبر هذه القطعة من أشهر قطع قصر الحير الغربي، وهي ليست فريدة من نوعها، إذ تقابلها المجسّمات الثلاثة الأصغر حجماً. لم تصل هذه القطع بشكل كامل، وهي تتشابه من حيث التكوين، غير أنها تختلف اختلافاً كبيراً في التفاصيل، وأكملها قطعة تمثّل رجلاً ملتحياً، يجلس على عرش سقط الجزء الأسفل من قاعدته، ومعه سقطت قدما صاحبه. كتلة الرأس بيضاوية، يكلّلها شعر طويل ينسدل من خلف الأذنين، مع شق في الوسط، يفصل بين خصل الشعر التي تحد الوجه من الجهتين بشكل متناسق. العينان مفتوحتان، وجفناهما محدّدان، ويعلوهما حاجبان عريضان منفصلان. سقط الأنف الناتئ، غير أن تكوينه بقي ظاهراً. الفم صغير، وقوامه شق يفصل بين شفتين غابتا تحت شاربين عريضين تتصلان بلحية كثيفة حدّدت خصلها بشبكة من الخطوط الغائرة. يغيب الجسد تحت رداء فضفاض، يعلوه معطف يلتف حول الكتفين والصدر، كاشفاً عن ذراعين ترتفعان في اتجاه الصدر، سقطت منهما اليد اليمنى. الركبتان متباعدتان بشكل طفيف، والقدمان متلاصقتان كما يبدو. يغلب على هذا النقش الأسلوب الكلاسيكي، غير أنه يحمل مسحة محلية خاصة، تظهر في رسم ثنايا اللباس، وفقاً لأسلوب اتبع بشكل واسع في ميراث تدمر الفني.

تتكرّر صورة العرش في المجسمين الشبيهين، وتحضر في كلّ منهما امرأة، فقدت إحداهما رأسها بشكل كامل. يظهر الرأس الذي نجا على قامة فقدت ذراعيها، وتبدو ملامح وجهه تدمرية بامتياز. العينان ضخمتان وشاخصتان، مع بؤبؤ دائري غائر في وسط كلّ منهما. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان. الفم والثغر مهشّمان. الشعر معقود حول الهامة، وخصله المرصوفة أشبه بشبكة زخرفية. اللباس بسيط، زينته عقد لؤلؤي تتدلى منه قلادة مربعة عريضة، وحزام مجدول ينعقد حول الخاصرة. الساقان متباعدتان، والقدمان ممدودتان أفقياً، وهما في وضعية جانبية.

تظهر المرأة الأخرى في وضعية مشابهة، زينتها عقد لؤلؤي تتوسّطه قلادة مستديرة تتدلّى منها ثلاثة فصوص بيضاوية، وحزام يأخذ شكل سلسلة من الحلقات المترابطة. تتميّز جليسة هذا العرش بما ترفعه ذراعاها نحو الأعلى. تنتصب اليد اليمنى عمودياً، وتحمل كتلة تبدو أشبه بكوز من الرمان، يقابلها عنقود من العنب يحتلّ طرف العرش الوثير. في المقابل، تمسك اليد اليمنى بقرن عريض، وهو في قاموس الفن الكلاسيكي «قرن الوفرة» المليء بثمار الأرض، وقد في القرن الخامس قبل الميلاد فارتبط بسيد العالم السفلي الذي عُرف باسم «هاديس»، أي «مانح الثروة»، كناية عما يحمله باطن الأرض من كنوز تشكّل جزءاً من مملكته. وارتبط في مرحلة لاحقة بسيدة الازدهار «تيكه»، سيدة الحظ السعيد والنجاح والازدهار ووفرة الغلال.

تعدّدت صور هذه السيدة ورموزها في الحقبة الرومانية، فبات لكل مدينة مزهرة «تيكه» خاصة بها. تجرّدت هذه الصورة في الحقبة البيزنطية فبقيت رمزاً لثراء الأرض الطيبة، ودخلت الفن الأموي المدني من هذا الباب، كما تشهد جداريات قصير عمرة في صحراء الأردن، حيث تحضر في الركن الذي يُعرف بـ«ركن العرش».

في الخلاصة، تُشكل مجسّمات قصر الحير الغربي من خلال هذه المقارنة صورة منقوشة موازية لهذا الحضور التشكيلي. يحضر المَلك على عرشه، وتجاوره وصيفتان تجسّدان الثراء والوفرة والعطاء، وهي المزايا التي تتميّز بها سلطته الملكية الصالحة.