في الأيام التي تلت الوصول إلى نتيجة مفادها أن مانشستر سيتي قد انتهك بشكل صارخ قواعد اللعب المالي النظيف التي أقرها الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، من خلال المبالغة في المقابل المادي لحقوق الرعاية من شركات أبوظبي، تحولت بعض النقاشات بسرعة من الحديث عن انتهاك مانشستر سيتي للقواعد إلى التشكيك في فوائد ومزايا قواعد اللعب المالي النظيف نفسها.
وقد تم إقرار هذه القواعد من قبل الاتحاد الأوروبي لكرة القدم في موسم 2009 بعد سنوات من التساؤل عن كيفية منع كرة القدم الأوروبية من الإنفاق المبالغ فيه على أجور اللاعبين. ومنذ ذلك الحين، نجحت قواعد اللعب المالي النظيف في تغيير الحالة المالية للأندية في الدوريات الأوروبية، قبل أن يقوم الدوري الإنجليزي الممتاز بتطبيق هذه القواعد أيضا في عام 2013.
وكانت طموحات مانشستر سيتي بعد الاستحواذ عليه من قبل الشيخ منصور بن زايد آل نهيان عام 2008 تعتمد على التمويل الضخم من الشيخ منصور نفسه، بدلا من الالتزام بقواعد اللعب المالي النظيف التي تلزم الأندية بألا تكون نفقاتها أعلى من إيراداتها، وألا تعتمد على تمويل المُلاك. وانتقد مسؤولو مانشستر سيتي قواعد اللعب المالي النظيف، وهددوا بمقاضاة الاتحاد الأوروبي لكرة القدم في عام 2014، بعدما أعلنت هيئة الرقابة المالية التابعة للاتحاد الأوروبي لكرة القدم أن العجز المالي لمانشستر سيتي قد وصل إلى نحو 180 مليون يورو، أي أكبر بكثير من مبلغ الـ45 مليون يورو المسموح به في ذلك الوقت.
وقد نمت فكرة مفادها أن قواعد اللعب المالي النظيف قد وضعت خصيصا بعدما ضغطت الأندية الكبيرة لمنع مانشستر سيتي من منافستها، بعد الاستحواذ على النادي من قبل الشيخ منصور. لكن شخصيات بارزة من بين من شاركوا في وضع هذه اللوائح يرفضون ذلك؛ وأشار أحدهم إلى أن المناقشات التي أجراها الاتحاد الأوروبي لكرة القدم حول ضرورة وضع قواعد للانضباط المالي استمرت لسنوات، وأن العمل التفصيلي بشأن وضع قواعد اللعب المالي النظيف قد بدأ عام 2008.
وكان مانشستر سيتي يواجه أزمة في ذلك الوقت، بعدما أصبح يواجه خطر أن يصبح مثالاً حياً لضرورة تطبيق هذه القواعد ضده. وكان المالك الذي اشترى النادي لمدة موسم واحد، وهو رئيس وزراء تايلاند السابق ثاكسين شيناواترا، قد دعم عمليات الإنفاق ببذخ على شراء لاعبين جدد، لكنه اتهم بالفساد في وطنه وتم تجميد أصوله. وبلغت خسائر مانشستر سيتي 33 مليون جنيه إسترليني، لكن ثاكسين لم يعد لديه أموال لتمويل النادي. وفي تلك السنة، تكبد 13 ناديا في الدوري الإنجليزي الممتاز، الذي يعد الأغنى في العالم، خسائر، ووقعت ستة أندية في وقت لاحق في أزمات مالية، بعد أن قرر ملاكها أنه لم يعد بإمكانهم الاستمرار في ضخ الأموال.
وفي الحقيقة، كان استحواذ الشيخ منصور على مانشستر سيتي بمثابة تحول كبير في تاريخ النادي على مدار الثلاثين عاماً الماضية. وكان من الممكن أن يتراجع مانشستر سيتي بشكل ملحوظ، مثل أندية بورتسموث، أو ليدز يونايتد، أو بولتون واندررز، الذي كان يلعب من قبل في الدوري الإنجليزي الممتاز لكنه أعلن إفلاسه العام الماضي، أو مثل نادي ملقة الإسباني، الذي استشهد الاتحاد الأوروبي لكرة القدم بحالته قبل تطبيق قواعد اللعب المالي النظيف في نهاية الأمر.
وكان رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم آنذاك، ميشال بلاتيني، قد تحدث عن كون الديون تمثل قضية مهمة للغاية يجب التعامل معها. وبينما كان المحاسبون يعملون على وضع القواعد اللازمة، توصلوا إلى وجهة نظر مفادها أنه يمكن سداد الديون بأغراض استثمارية، لكن المشكلة الرئيسية التي تعاني منها الأندية هي الخسائر والإنفاق الزائد.
وقال بلاتيني ومسؤولوه في ذلك الوقت إنهم لا يهدفون إلى خنق الاستثمار في كرة القدم، لكنهم يشجعون التنمية طويلة الأجل. ولا يمكن الاعتماد على أموال المالكين لتقليل الخسائر المسموح بها، إذا كان يتم دفع أجور مبالغ فيها، لكن بإمكانهم القيام باستثمارات غير محدودة في تحسين الملاعب وتطوير الشباب والبنية التحتية الأخرى.
ويمكن أن يشير الاتحاد الأوروبي لكرة القدم إلى تعافي ليفربول منذ ذلك الحين كمثال حي على نجاح النظام الذين يأملون في تطبيقه. ففي موسم 2009 - 2010 كان ليفربول يعاني من أزمة مالية تحت وطأة الديون في ظل ملكية توم هيكس وجورج جيليت. وقد أنهى الفريق ذلك الموسم في المركز السابع في الدوري الإنجليزي الممتاز، ووصلت خسائره إلى 20 مليون جنيه إسترليني، كما بلغت ديونه لبنك «رويال بنك أوف سكوتلاند» إلى 200 مليون جنيه إسترليني.
وعندما تفاقمت الأزمة وسيطر بنك «رويال بنك أوف سكوتلاند» على النادي، خاض جون دبليو هنري معركة شرسة من أجل شراء النادي جزئياً، لأنه يعتقد أن قواعد اللعب المالي النظيف سوف تساعد النادي على الخروج من عثرته. وكان هنري يعتقد، بفضل خبراته التجارية، أنه إذا تم السماح بإنفاق غير محدود على اللاعبين من قبل أندية مدعومة بتمويل من مالكيها، فلا يمكن لأحد أن ينافس الدول الخليجية. ومع ذلك، فإن قواعد اللعب المالي النظيف التي تقلل الخسائر تعني أن ملكية هنري لمجموعة فينواي الرياضية يمكن أن تؤدي إلى إعادة بناء ليفربول من خلال إيراداتها.
وخلال ما يقرب من 10 سنوات منذ استحواذه على مجموعة «فينواي الرياضية»، لم تضخ المجموعة أي أموال لتمويل صفقات اللاعبين، لكنها قدمت قرضاً من دون فوائد بقيمة 110 ملايين جنيه إسترليني لبناء المدرج الرئيسي وتطوير ملعب آنفيلد. ونمت الإيرادات بشكل مطرد، حيث تعاقد النادي مع عدد من اللاعبين المميزين ومع المدير الفني الألماني يورغب كلوب، وهو ما طور أداء الفريق بشكل ملحوظ.
لقد كان ليفربول دائماً نادياً كبيراً، لكن لولا التصحيح المالي الذي قام به مؤخرا فإنه لم يكن ليتمكن من الحصول على لقب دوري أبطال أوروبا، وأن يكون على وشك حسم لقب الدوري الإنجليزي الممتاز للمرة الأولى منذ 30 عاما. صحيح أن أغنى الأندية كانت تحصل على البطولات والألقاب من قبل، وما زالت تفعل ذلك الآن، لكن الإنفاق غير المحدود لم يكن نموذجاً منطقياً للمنافسة في عالم كرة القدم، لأن النادي كان يحتاج إلى داعم من دول الخليج، مثل مانشستر سيتي أو باريس سان جيرمان، أو لدعم روسي كما الحال مع تشيلسي، لكي يمول فاتورة الأجور الباهظة.
وفي عام 2017 وبعد ست سنوات من وضع قواعد اللعب المالي النظيف، سجلت الأندية في جميع الدوريات الأوروبية الكبرى أرباحا إجمالية للمرة الأولى، بلغت 615 مليون يورو، بعد سنوات من الخسارة. ونجحت أندية الدوري الإنجليزي الممتاز أيضا في تحويل خسائرها إلى أرباح، فور تطبيق قواعد اللعب المالي النظيف في عام 2013 على الرغم من أن مانشستر سيتي ومجموعة صغيرة من الأندية الأخرى قد صوتوا ضد هذه القواعد.
وقد تغلب مانشستر سيتي على سنواته الأولى من الخسائر الفادحة من خلال الاتفاق على تسوية مع الاتحاد الأوروبي لكرة القدم في عام 2014، وهو الاتفاق الذي كان ينطوي على قيود متواضعة نسبياً. وأصبح إبرام اتفاقيات مع الاتحاد الأوروبي لكرة القدم للسماح بإقامة استثمارات أولية كبيرة متاحا الآن في نظام قواعد اللعب المالي النظيف. ويتطلع مانشستر سيتي الآن إلى بناء إمبراطورية عالمية لكرة القدم، مع عدم السماح بمشاركة مزيد من الأموال مع الأندية الأخرى لتسهيل التنافس، حيث قاد حملة مع الأندية «الستة الكبرى» في الدوري الإنجليزي الممتاز في عام 2018 للحصول على حقوق مالية من البث التلفزيوني أكبر من الحقوق التي تحصل عليها الأندية الـ14 الأخرى.
وعلى عكس بعض الغضب الذي تم الإعراب عنه خلال الأسبوع الماضي، لم يتم إدانة مانشستر سيتي بانتهاك قواعد اللعب المالي النظيف من خلال تجاوز حدود الخسارة المسموح بها. وكانت النتيجة، التي يستأنف مانشستر سيتي ضدها، هي أن النادي قد بالغ في حقوق الرعاية التي حصل عليها من شركات من أبوظبي في حسابات النادي وفي تقاريره المقدمة إلى الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، وهي مسألة مختلفة تماماً.
مانشستر سيتي ضحية أم مفترى عليه؟
قواعد اللعب المالي النظيف ساعدت الأندية الإنجليزية على تحويل خسائرها إلى أرباح
إيرادات ليفربول خارج الملعب ساعدته على تحقيق الانتصارات داخله - غوارديولا متمسك بالوجود في سيتي رغم العقوبات (أ.ف.ب)
مانشستر سيتي ضحية أم مفترى عليه؟
إيرادات ليفربول خارج الملعب ساعدته على تحقيق الانتصارات داخله - غوارديولا متمسك بالوجود في سيتي رغم العقوبات (أ.ف.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة




