ماذا يخفي برنامج «ذا سيركل» خلف منصّته الاستثنائية؟

تساؤلات حول تطوير تقنيات فائقة الذكاء أم توظيف عاملين لتحويل الصوت إلى نصوص

ماذا يخفي برنامج «ذا سيركل» خلف منصّته الاستثنائية؟
TT

ماذا يخفي برنامج «ذا سيركل» خلف منصّته الاستثنائية؟

ماذا يخفي برنامج «ذا سيركل» خلف منصّته الاستثنائية؟

يتحدّث المتبارون في برنامج «ذا سيركل» مع المنصّة وكأنّها «أليكسا» أو «سيري». ولكن ما الذي يحصل فعلاً هناك؟ في برامج تلفزيون الواقع التقليدية، تنحصر مهمّة العالم الرقمي فقط باستضافة المحادثات الشيّقة الصادرة عن المشاهدين، مما يمنع متباري برنامج «ذا باتشلور» (الأعزب) مثلاً من استخدام هواتفهم أو الاتصال بشبكة الإنترنت أثناء التصوير. ولكنّ برنامج تلفزيون الواقع «ذا سيركل» على «نتفليكس» قلب هذا المعيار رأساً على عقب لأنّ الحركة فيه تحصل على مواقع التواصل الاجتماعي حصراً.

منصة «سيركل»
لا يُسمح لمتباري هذا البرنامج المحصورين في شقق سكنية مصممة لتناسب شخصية الدور الذي يلعبونه، بالتواصل مع بعضهم وجهاً لوجه (ما يترك مجالاً للتنافس مع شخص آخر، أو لانتحال الشخصية). يتواصل هؤلاء عبر «سيركل» Circle، «منصّة تواصل اجتماعي تعمل بالصوت» تظهر على شاشات التلفاز المتعدّدة الموجودة في الشقة. تتضمّن «سيركل» نسخة مصغّرة عن جميع الميزات التي يتوقّع المستخدم الحصول عليها على مواقع التواصل الاجتماعي كصورة الملفّ الشخصي، وما يُعرف بالـBio أو الشريط المخصص لمشاركة معلومات خاصّة، وصفحة للأخبار الجديدة، وباب للمحادثة. يصنّف المتبارون بعضهم البعض بناءً على هذه الملفات الشخصية أو التفاعلات، ويفوز من يصمد حتّى النهاية بجائزة قدرها 100 ألف دولار.
تُبقي محدودية هذه الإمكانات السيطرة في يد المنتجين، مما يتيح لهم التلاعب بحبكة البرنامج لزيادة التشويق. يستطيع المتبارون في الحلقة الأولى مثلاً أن يختاروا صورة واحدة فقط من الألبومات المتوفّرة لنشرها كصورة شخصية لهم. أثناء اختيارهم للصورة، يشرحون خياراهم وآلية اتخاذ القرار أمام الكاميرات. يخشى أنطونيو، لاعب كرة السلّة المحترف، أن يعتبره زملاؤه مغروراً إذا اختار لنفسه صورة ملف شخصي يظهر فيها دون قميص. أمّا كارن، التي تخدع أصدقاءها من خلال انتحال شخصية «مرسيديزي» وتستخدم صورة شخص آخر، فتعتبر أنّ «الانطباعات الأولى هي الأهمّ». تتحدّث كارن أثناء تقليبها لصور مرسيديزي، مع المنصّة مستخدمة النبرة المتكلّفة نفسها التي تستخدمها مع «سيري» أو «أليكسا»، فتقول: «سيركل، كبّري الصورة التي أرتدي فيها المشمل الأزرق». وبطريقة سحرية، تعرض «سيركل» الصورة الصحيحة لشخصية كارن البديلة.
في هذه اللحظة تحديداً، بدأتُ أتساءل عن ماهية «سيركل» نفسها وكيف تعمل. صحيح أنّ التواصل مع المساعدين الرقميين بات أمراً عادياً وشائعاً في أيّامنا هذه، ولكنّ قدرات هذه الآلات لا تزال محدودة لأنّ الكومبيوتر لا يستطيع فهم الحديث والسياق كما البشر. لن يواجه البشر صعوبة في اختيار صور مرسيديزي بالمشمل (وزرة أو ثياب العمل) الأزرق مع أنّها تظهر الجزء الأعلى من منطقة الصدر فقط، إلّا أنّ هذه المهمّة قد تسبب بعض الارتباك لجهاز كومبيوتر عادي: ما هو المشمل؟ وكيف يمكن التمييز بين ارتدائها لمشمل أو مجرّد قميص أزرق؟

كومبيوتر وأشخاص
ومع استمرار البرنامج، تتزايد اللحظات التي من شأنها أن تربك أي كومبيوتر عادي. يأمر المتبارون «سيركل» بإرسال رموز إيموجي من جميع الأنواع (رمز القلب في معظم الأحيان)؛ وتقول جاين سي. هو في موقع «سليت.كوم» إنها عندما تطلب من سيري تأليف نصّ مع رمز قلب، فإن سيري يكتب ببساطة «رمز قلب». نادراً ما يقع البشر في خطأ مماثل، ولكنّ أجهزة الكومبيوتر تفعلها دائماً، لأّنها لا تفهم ولا بأي شكل، أنني أقصد الذهاب إلى قسم الإيموجي للبحث عن رمز يناسب التوصيف الذي أعطيتها إيّاه وليس تدوين ما تفوّهت به.
ولكن في برنامج «ذا سيركل»، ينجح الكومبيوتر دائماً وبطريقة سحرية بقراءة أفكار المتبارين. وعندما يتنقّل المتبارون بين الحديث إلى الكاميرا وكتابة الرسائل التي يريدون إرسالها عبر «سيركل»، يبدو الكومبيوتر وكأنّه يعرف تماماً متى يجب أن يبدأ في طباعة الرسالة.
هنا، يوجد احتمالان فقط: الأوّل هو أنّ منتجي هذا البرنامج طوّروا تقنية فائقة الذكاء تتميّز بحساسية عالية تمكّنها من تمييز الفروقات الطفيفة في الكلام البشري على عكس معظم أجهزة المساعدة الرقمية المتطوّرة المتوفرة في السوق. تعكس الصورة التي تظهر لنا في البرنامج، والتي تتضمّن الكثير من الأسلاك وألواح الدوائر الكهربائية رغبة المنتجين بإقناعنا أن التقنية هي أساس العمل في هذا البرنامج.
ولكنّ الاحتمال الثاني والأكثر قابلية للتصديق، هو أنّ هذه «المنصّة التي تعمل بالصوت» تقف خلفها مجموعة من البشر الذين يتولّون الطباعة في خلفية المشهد، فيقومون بتحويل كلام المتبارين إلى نصوص ويرسلون الرسائل إلى شاشاتهم. للحصول على معلومات أكثر حول هذا النظام «العامل بالصوت»، تواصلت مع «نيتفلكس» و«ستوديو لامبرت»، شركة الإنتاج المسؤولة عن «ذا سيركل»، ولكنّ الطرفين رفضا التعليق.
وفي حال تبيّن أخيراً أنّ «ذا سيركل» هي عبارة عن مجموعة من المنتجين التلفزيونيين «العاملين بالصوت»، لن تكون هذه المرّة الأولى التي يتمّ فيها تمرير عمل البشر على أنّه أنظمة كومبيوتر متطوّرة. ففي عام 2018. قدّم الصحافي الاستقصائي ديفيد فارير تحقيقاً مفصّلاً عن مساعد رقمي اسمه زاك يقف خلفه رجل واحد يدّعي أنّه ذكاء صناعي «يسجّل» الملاحظات الطبية. في ذلك الوقت، كانت شركة «إكس إي آي». (X.ai) الناشئة قد وعدت المستخدمين بتقديم مساعد شخصي مدعوم بالذكاء الصناعي، ولكنّها في الحقيقة كانت تستعين بـ«مدرّبين» بشر يقومون بالحمل الأكبر من الأعمال. اعتمدت خدمات ذكاء صناعي أخرى أيضاً كروبوت «كلارا» الذي يعمل في جدولة الرسائل الإلكترونية، و«إم» (M) مساعد «فيسبوك» الشخصي (المتوقّف عن العمل حالياً) على البشر لمراقبة التفاعلات.
نشرت خبيرة التعلم الآلي جانيل شين مقالاً في موقع «فيوتشر تينس» تحدّثت فيه عن إمكانية رصد البشر الذين يدّعون أنّهم روبوتات. إنّ بناء نظام ذكاء صناعي مستقلّ بالكامل قادر على فهم الخطاب البشري والتفاعل معه أمر صعب جداً. وإذا اعتمدنا على تفسير نظري، يتبيّن لنا أنّ معالجة اللغة الطبيعية الممتازة التي تصدر عن «سيركل» مدعومة دون شكّ بأشخاص يطبعون بسرعة النصوص ويرسلونها إلى شاشات المتبارين، وليس نظام ذكاء صناعي مطوّر لهذا البرنامج حصراً.

بشر لا روبوتات
إذا اتضح أنّ «ذا سيركل» مُدار فعلاً من قبل مجموعة بشرية، ستضفي هذه الحقيقة أبعاداً جديدة على البرنامج. بعد مشاهدة عدّة حلقات، رصدت تفاوتات في أداء المنصّة في كتابة النصوص: ففي بعض الأحيان، يضيف المتبارون تفاصيل خاصّة بالترقيم، ويطلبون وضع علامة استفهام أو نقطة في نهاية إحدى الجمل مثلاً، ولكنّ ينتهي الأمر بـ«سيركل» بوضع علامة الترقيم الصحيحة والمناسبة للجملة حتّى ولو لم تتلقَّ أمراً من المتباري. تظهر رسائل بعض المتبارين بحروف صغيرة أو قد تتضمّن بعض الحذف؛ وعند نسخ رسائل أطول، ترسل «سيركل» أحياناً النصّ كاملاً على شكل رسالة طويلة ومرقّمة، بينما ترسله على شكل عدّة جمل قصيرة غير مرقّمة في أحيانٍ أخرى.
قد تبدو هذه الإشارات الصغيرة غير مهمّة، ولكنّها تلعب دوراً مهمّاً في كيفية فهم الناس للرسائل، وتحديداً أولئك الذين يستخدمون الرسائل النصية كثيراً. في كتابها الأخير «لأنّ الإنترنت»، قالت غريتشن ماك كولوتش إنّها خصّصت فصلاً كاملاً تشرحُ فيه دور الفروقات الطفيفة في حجم الحروف، وعلامات الترقيم، وفواصل الأسطر في المساحات الإلكترونية، في إثبات نظرية أسمتها «النبرة المطبعية للصوت». تعكس الرسائل المؤلفة من عدّة جمل مرقّمة، رسمية وجموداً في التواصل، بينما يمنح تعدّد الرسائل المتلقّي شعوراً بالراحة أثناء المحادثة لأنّه يترك له وقتاً أطول ومساحة أكبر للردّ. فعندما يبدأ الناس عادة محادثة وجهاً لوجه مع أحدهم، نادراً ما يُتبعون عبارة السلام بنصّ كتبوه وحفظوه عن ظهر قلب.
في المقابل، يعطي غياب الترقيم في الرسائل انطباعاً غير رسمي للنبرة المستخدمة، بينما تمنح الأحرف المتكرّرة والكبيرة شعوراً بالحماسة أو التوكيد. وهنا، لا بدّ من التشديد على أنّ «سيركل» تضيف هذه العناصر دون طلب واضح من المتبارين، وترصد كيف يستخدمون النصوص للتعبير عن عواطفهم في لحظات معيّنة.
من ناحية أخرى، ترسم هذه المنصّة الغريبة لمحة عن التغيير الذي قد تشهده علاقتنا مع التقنيات العاملة بالصوت مع الوقت، إذا تمكّن الذكاء الصناعي يوماً من التعامل معنا بالطريقة التي تتعامل فيها «سيركل» مع المتبارين.
في الحلقات الأولى، كان المتبارون يتكلّمون بطريقة غريبة مع «سيركل»؛ ففي المشاهد الأولى، كانت كارن (المعروفة بـ«مرسيديزي») تلفظ اسم «سيركل» في كلّ أمر، حتّى أنّها كانت تهنّئها بعد كلّ أداء ناجح تقدّمه. ولكن مع الوصول إلى الحلقة الرابعة، أصبح المتبارون أكثر عملية ويصدرون أوامر مختصرة، كالاكتفاء بكلمة «رسالة» ليدفعوا «سيركل» إلى كتابة نص جديد، وكلمة «أرسل» للإرسال، بالإضافة إلى اعتماد نبرات طبيعية أكثر خلال إملاء الرسائل كما لو أنّهم يتكلّمون مع الشخص الآخر مباشرة.
وأخيراً، بعيداً عن حقيقة «سيركل» الخفيّة، لا بدّ من الاعتراف بأنّ هذا البرنامج مرعب لأنّه يقدّم فكرة عن العادات الإدمانية التي تسيطر على حياتنا الإلكترونية، وعلى الصعوبة التي نواجهها لإخفاء اندفاعاتنا بهدف الحفاظ على انطباعات الآخرين الحسنة عنّا وتفادي الأحكام، رغم علمنا أنّنا أمام واجهة ذات بعد واحد. ولا شكّ في أنّ هذه الحالة ستستمرّ مع أو من دون ذكاء صناعي يعمل بالأوامر الصوتية.



نظام يتيح للروبوتات رباعية الأرجل تفادي العوائق قبل الاصطدام

يعتمد النظام على دمج الإدراك الذاتي مع الرؤية الخارجية لمساعدة الروبوت على فهم العوائق قبل ملامستها (KAIST)
يعتمد النظام على دمج الإدراك الذاتي مع الرؤية الخارجية لمساعدة الروبوت على فهم العوائق قبل ملامستها (KAIST)
TT

نظام يتيح للروبوتات رباعية الأرجل تفادي العوائق قبل الاصطدام

يعتمد النظام على دمج الإدراك الذاتي مع الرؤية الخارجية لمساعدة الروبوت على فهم العوائق قبل ملامستها (KAIST)
يعتمد النظام على دمج الإدراك الذاتي مع الرؤية الخارجية لمساعدة الروبوت على فهم العوائق قبل ملامستها (KAIST)

طوّر باحثون من المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا (KAIST) نظاماً جديداً للتحكم في الروبوتات رباعية الأرجل، حيث يهدف إلى جعل حركتها أقل اعتماداً على رد الفعل بعد الاصطدام بالعوائق، وأكثر قدرة على «رؤية» البيئة واتخاذ القرار أثناء الحركة. ويأتي هذا العمل تحت اسم «DreamWaQ++».

الفكرة ليس مجرد جعل الروبوت يمشي على تضاريس صعبة، بل تمكينه من الجمع بين نوعين من الإدراك في الوقت نفسه؛ الأول هو الإدراك الذاتي المرتبط بما يشعر به الروبوت من خلال مفاصله وحركته واتزانه، والثاني هو الإدراك الخارجي عبر الكاميرات و(LiDAR) «لايدار»، بحيث لا ينتظر الروبوت أن تلمس رجلاه العقبة كي يفهم ما أمامه، بل يحاول قراءتها مسبقاً، وتعديل طريقته في المشي وفقاً لذلك.

هذا تحديداً هو ما تعتبره الدراسة تجاوزاً لمحدودية كثير من الأنظمة السابقة، التي كانت تعتمد على الإحساس الداخلي فقط، أو تحتاج في المقابل إلى خرائط دقيقة ومعقدة للبيئة كي تستفيد من الرؤية الخارجية.

أظهرت الاختبارات تحسناً في معدلات النجاح مقارنة ببعض النماذج البصرية المرجعية في التعامل مع السلالم والعوائق غير المنتظمة (KAIST)

نحو حركة استباقية

أوضح فريق «KAIST» أن النسخة السابقة من النظام «DreamWaQ» كانت تتيح ما يشبه «المشي الأعمى»، أي القدرة على تقدير طبيعة الأرض من دون رؤية مباشرة، وهو ما يُفيد مثلاً في البيئات التي يصعب فيها الاعتماد على المعلومات البصرية، مثل الظلام أو الدخان. لكن هذا النهج كانت له حدود؛ حيث إن الروبوت كان يحتاج غالباً إلى ملامسة العائق أولاً قبل أن يعدّل حركته. أما «DreamWaQ++» فيحاول الانتقال من هذا النمط التفاعلي إلى نمط أكثر استباقية؛ حيث يتعرف الروبوت إلى العوائق قبل الوصول إليها، ويختار أسلوب الحركة المناسب في الزمن الحقيقي.

الدراسة تصف هذا الانتقال بوصفه دمجاً بين الإدراكين الداخلي والخارجي، عبر إطار تعلم تعزيزي متعدد الوسائط.

واستهدف الباحثون معالجة مشكلة معروفة في الروبوتات رباعية الأرجل؛ حيث تكون واعدة جداً للعمل في البيئات المزدحمة والمعقدة، لكنها تبقى حساسة لعدم اليقين في العالم الحقيقي، ما يجعل التحكم في حركتها تحدياً كبيراً. لذلك يقترح العمل الجديد طريقة تجعل الروبوت أكثر قدرة على اجتياز الأراضي الوعرة، والمنحدرات الحادة، والسلالم العالية، مع الحفاظ على درجة من الصمود حتى في الحالات الخارجة عن التوزيعات التي تدرب عليها.

بين الرؤية والإحساس

الأهمية هنا ليست أكاديمية فقط، فواحدة من المشكلات العملية في الروبوتات المتحركة هي أن الرؤية وحدها لا تكفي دائماً، والإحساس الذاتي وحده لا يكفي أيضاً. إذا اعتمد الروبوت على «الإحساس الداخلي» فقط، فقد يضطر إلى اختبار الأرض برجله أولاً، ما يبطئ الحركة، ويزيد خطر التعثر أو الاصطدام. وإذا اعتمد على الرؤية الخارجية وحدها، فقد يحتاج إلى نمذجة شديدة الدقة للبيئة، وهو أمر صعب في المواقع غير المنتظمة أو المتغيرة باستمرار. يحاول «DreamWaQ++» سد هذه الفجوة عبر المزج بين الحالتين، بحيث يتحرك الروبوت بناءً على ما «يراه» وما «يشعر به» معاً.

ومن المؤشرات اللافتة التي ظهرت في المادة المصاحبة للمشروع، أن النظام حقق في اختبارات المحاكاة على 1000 روبوت، معدلات نجاح أعلى بنحو 20 إلى 40 في المائة، مقارنة ببعض النماذج البصرية المرجعية عبر تكوينات مختلفة من السلالم. كما أشارت الصفحة التعريفية للمشروع إلى أن النظام يتعامل مع السلالم غير المتماثلة عبر تكييف حركة رفع الرجل وفق شكل العائق، وهي نقطة مهمة لأن كثيراً من البيئات الحقيقية لا تأتي في صورة سلالم أو حواف مثالية وثابتة.

يعكس هذا التطور اتجاهاً أوسع نحو جعل الروبوتات أكثر قدرة على الحركة الذكية في بيئات واقعية وغير مضمونة (KAIST)

تحسن في الأداء

هذا النوع من التقدم يعكس اتجاهاً أوسع في عالم الروبوتات يتعلق بالانتقال من الحركة المستقرة في بيئات مضبوطة إلى الحركة الذكية في بيئات غير مضمونة. فمن الناحية النظرية، يمكن أن يفتح ذلك المجال أمام استخدامات أكثر واقعية في مواقع الكوارث، والمناطق الصناعية، والبيئات المزدحمة أو غير المنتظمة؛ حيث لا تكون الأرضية مهيأة سلفاً، ولا يمكن افتراض أن الروبوت سيعمل دائماً في ظروف مثالية. ويرى الفريق إمكان توسيع هذه التقنية إلى منصات أخرى، مثل الروبوتات ذات العجلات والأرجل أو حتى الروبوتات الشبيهة بالبشر.

مع ذلك، لا يعني هذا أن الروبوت بات «يفكر» كما يفعل الإنسان بالمعنى الحرفي. ما يقدمه البحث هو تحسن في الإدراك الحركي، واتخاذ القرار أثناء التنقل وليس وعياً تاماً أو فهماً شاملاً للبيئة. لكنه يظل تقدماً مهماً؛ لأن الحركة في العالم الواقعي هي واحدة من أصعب المشكلات في الروبوتات: الأرض قد تكون غير مستقرة، والعقبات قد تكون غير منتظمة، والاستجابة يجب أن تكون سريعة بما يكفي لتجنب السقوط أو التوقف. وفي هذا السياق، فإن تمكين الروبوت من تعديل خطاه قبل الاصطدام، لا بعده، يُمثل فرقاً جوهرياً في فلسفة الحركة نفسها.


«إنفيديا» تطرح نموذج «إيزينغ» لتقريب الحوسبة الكمية من الاستخدام العملي

يركز «إيزينغ» على معالجة اثنتين من أصعب العقبات الهندسية التي تعوق الاستخدام العملي للأنظمة الكمية (غيتي)
يركز «إيزينغ» على معالجة اثنتين من أصعب العقبات الهندسية التي تعوق الاستخدام العملي للأنظمة الكمية (غيتي)
TT

«إنفيديا» تطرح نموذج «إيزينغ» لتقريب الحوسبة الكمية من الاستخدام العملي

يركز «إيزينغ» على معالجة اثنتين من أصعب العقبات الهندسية التي تعوق الاستخدام العملي للأنظمة الكمية (غيتي)
يركز «إيزينغ» على معالجة اثنتين من أصعب العقبات الهندسية التي تعوق الاستخدام العملي للأنظمة الكمية (غيتي)

تُحاول «إنفيديا» ترسيخ موقعها بعمق أكبر في سباق الحوسبة الكمية، لكن ليس عبر بناء معالج كمي جديد، بل من خلال طرح سؤال أكثر إلحاحاً: كيف يمكن جعل الأجهزة الحالية الهشّة أكثر استقراراً، وأسهل في الإدارة، وأقرب إلى الاستخدام العملي؟

خلال حدث تقني مباشر لـ«إنفيديا» عبر الإنترنت، حضرته «الشرق الأوسط»، أعلنت الشركة، الثلاثاء، إطلاق «إيزينغ» (Ising) الذي تصفه بأنه أول عائلة نماذج ذكاء اصطناعي مفتوحة المصدر مصممة بشكل خاص للمساعدة في الحوسبة الكمية. ولا يتركز هذا التوجه على تطبيقات الذكاء الاصطناعي الموجهة للمستهلك أو على المساعدات العامة، بل على عقبتين تقنيتين مزمنتين لا تزالان تعرقلان تقدم هذا القطاع، وهما معايرة المعالجات، وتصحيح الأخطاء الكمية. وتقول «إنفيديا» إن «إيزينغ» صُمم لمساعدة الباحثين والمؤسسات على تحسين هذين الجانبين.

ما أهمية الخطوة؟

على مدار سنوات، طُرحت الحوسبة الكمية بوصفها تقنية قادرة على إحداث تحول جذري في مجالات مثل علوم المواد والكيمياء ومعالجة المشكلات المعقدة بكفاءة عالية. ومع ذلك، لا تزال الفجوة واسعة بين هذا الوعد والتطبيق العملي الفعلي. فالمعالجات الكمية شديدة الحساسية، وسهلة التأثر بالضوضاء، وقد يتدهور أداؤها بمرور الوقت، كما أنها ترتكب أخطاء بمعدلات تفوق بكثير تلك الخاصة بالحواسيب التقليدية. لذلك، فإن الوصول إلى أنظمة كمية مفيدة لا يقتصر على تطوير «كيوبتات» أفضل فحسب، بل يتطلب أيضاً تحسين أساليب مراقبة هذه الأجهزة وضبطها وتصحيح أخطائها أثناء التشغيل. وفي هذا السياق تحديداً، تسعى «إنفيديا» إلى ترسيخ موقعها.

تحاول «إنفيديا» تقديم الذكاء الاصطناعي بوصفه جزءاً من البنية التشغيلية للحوسبة الكمية لا مجرد تطبيق فوقها (إنفيديا)

الذكاء لضبط الكم

تضم عائلة «إيزينغ» مكونين رئيسيين، الأول هو «إيزينغ كالِبرايشن» (Ising Calibration)، وتصفه الشركة بأنه نموذج بصري - لغوي قادر على تفسير القياسات الصادرة من المعالجات الكمية والمساعدة في أتمتة عملية المعايرة، أي الضبط المتكرر الذي تحتاج إليه هذه الأنظمة كي تظل تعمل ضمن حدود مقبولة. أما الثاني فهو «إيزينغ ديكودينغ» (Ising Decoding)، ويستهدف تصحيح الأخطاء الكمية؛ حيث يتمثل التحدي في رصد الإشارات المشوشة وتفسيرها في الزمن الحقيقي، بحيث يستطيع النظام استنتاج نوع الخطأ الذي حدث، وكيفية التعامل معه. وتُعدّ «إنفيديا» أن نماذجها في هذا المجال يمكن أن تعمل بسرعة تصل إلى 2.5 مرة أعلى مع دقة تفوق الأساليب التقليدية بثلاث مرات.

قد تبدو هذه الأرقام طموحة، لكن الأهمية الأوسع لهذا الإعلان تكمن في مكان آخر. تحاول «إنفيديا» عملياً القول إن الذكاء الاصطناعي قد يُصبح جزءاً من البنية التشغيلية الأساسية للحوسبة الكمية، وليس مجرد تطبيق يعمل فوقها. وضمن هذا التصور، لا يُستخدم الذكاء الاصطناعي لكتابة النصوص أو توليد الصور، بل للمساعدة في تشغيل الآلة نفسها بوصفها قراءة المخرجات وتفسير الحالات المعقدة وإدارة دورات المعايرة ودعم تصحيح الأخطاء بسرعة كافية لجعل الأنظمة الكمية أكثر قابلية للتوسع.

وهذه حجة أكثر واقعية من كثير من الخطابات الواسعة التي أحاطت بكل من الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية في السنوات الأخيرة، فكثيراً ما وجد قطاع الحوسبة الكمية نفسه عالقاً بين التقدم العلمي والضجيج التسويقي، مع إعلانات تُركّز على اختراقات مستقبلية من دون أن تحل التحديات الهندسية التي ما زالت تحدُّ من الانتشار الفعلي. وما يُميز خطوة «إنفيديا» هنا أنها تُركز على إحدى هذه الطبقات غير اللامعة، ولكنها حاسمة، أي أنظمة الحوسبة التقليدية والبرمجيات اللازمة لجعل العتاد الكمي قابلاً للاستخدام.

الشبكة الكمومية الجديدة تعمل بدرجة حرارة الغرفة وباستخدام الألياف البصرية الحالية ما يجعلها قابلة للتطبيق العملي اليوم (غيتي)

سبب اختيار «إيزينغ»

الحوسبة الكمية لا تزال مجالاً متشعباً؛ حيث تتبع الشركات والمختبرات مسارات مختلفة في بناء العتاد، من «الكيوبتات» فائقة التوصيل إلى الأيونات المحصورة والذرات المتعادلة. وبالتالي فإن نظاماً مغلقاً مصمماً وفق افتراضات ضيقة ستكون قيمته محدودة. أما النهج المفتوح المصدر، فيمنح الباحثين مساحة أكبر لتكييف النماذج مع أجهزتهم وبيئاتهم وبياناتهم الخاصة. وتشير «إنفيديا» إلى أن الحزمة تشمل نماذج قابلة للتخصيص، وأدوات وبيانات تدريب ودعماً للنشر، مع إتاحة تشغيل النماذج محلياً لحماية المعلومات الحساسة أو الملكية.

وقد يكون هذا الجانب المتعلق بالتشغيل المحلي مهماً بشكل خاص للمؤسسات البحثية والشركات. فعملية تطوير الحوسبة الكمية غالباً ما تعتمد على بيانات معايرة شديدة التخصص، ومعايير تشغيل مرتبطة بكل جهاز، وسير عمل خاص بكل جهة. وإذا كان الذكاء الاصطناعي سيلعب دوراً في تشغيل هذه الأنظمة، فمن الطبيعي أن ترغب كثير من المؤسسات في الاحتفاظ بسيطرة مشددة على أماكن وجود البيانات، وكيفية تدريب النماذج أو تخصيصها. ويبدو أن «إنفيديا» تُحاول الاستجابة لهذه المسألة مباشرة عبر تقديم «إيزينغ» ليس فقط بوصفه قوياً، بل أيضاً قابلاً للتكييف وملائماً للبنية التحتية القائمة.

رهان على التبني

استغلت الشركة الإعلان لتؤكد أن لديها بالفعل دعماً مبكراً من أطراف داخل المنظومة. فقد ذكرت عدداً من الشركات والجامعات والمختبرات الوطنية التي تتبنى أجزاء من «إيزينغ»، من بينها «أكاديميا سينيكا»، و«فيرميلاب»، وكلية «جون إيه بولسون» للهندسة والعلوم التطبيقية في جامعة هارفارد، و«آي كيو إم كوانتوم كومبيوترز»، و«مختبر لورنس بيركلي الوطني» عبر «منصة الاختبار الكمية المتقدمة»، و«المختبر الوطني الفيزيائي» في المملكة المتحدة. وفي جانب فك التشفير أو «الديكودينغ»، أشارت «إنفيديا» إلى مستخدمين، مثل جامعة كورنيل، ومختبر سانديا الوطني، وجامعة كاليفورنيا في سان دييغو، وجامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا، وجامعة شيكاغو، وجامعة يونسي.

وتكتسب هذه الأسماء أهميتها؛ لأنها توحي بأن «إنفيديا» لا تطرح هذه النماذج فقط على أنها منصة مستقبلية تنتظر نضوج السوق، بل تحاول إدخال «إيزينغ» في قلب سير العمل الحالي داخل قطاع البحث والتطوير الكمي. وهذا لا يعني أن النماذج أثبتت بالفعل، وعلى نطاق واسع، قدرتها على حل كبرى مشكلات القطاع. لكنه يُشير إلى أن الشركة تسعى إلى تثبيت حضورها الآن، في وقت لا يزال فيه المجال يُحدد أي الأدوات والتقنيات ستصبح معياراً مستقبلياً.

تستهدف الشركة عبر هذا الطرح تعزيز استقرار الأنظمة الكمية وقابليتها للتوسع والاعتماد العملي (شاتر ستوك)

الاستراتيجية الأوسع لـ«إنفيديا»

أمضت «إنفيديا» السنوات الأخيرة في ترسيخ موقعها ليس فقط مورداً لرقائق الذكاء الاصطناعي، بل مزود لمنظومات حوسبة متكاملة. وفي السياق الكمي، يعني ذلك ربط «إيزينغ» بمنظومتها القائمة من البرمجيات والعتاد، بما في ذلك «كودا-كيو» (CUDA-Q) للحوسبة الهجينة بين الأنظمة الكمية والتقليدية، و«إن في كيو لينك» (NVQLink) لربط وحدات المعالجة الكمية بوحدات معالجة الرسومات من أجل التحكم اللحظي وتصحيح الأخطاء.

وعند النظر إلى هذه الخطوة بهذا الشكل، فإن «إيزينغ» لا يبدو إطلاقاً منفصلاً، بل هو جزء من محاولة لجعل «إنفيديا» طرفاً لا يمكن الاستغناء عنه في مستقبل تتكامل فيه الأنظمة الكمية والتقليدية بشكل متزايد، وبدلاً من منافسة شركات العتاد الكمي مباشرة على مستوى «الكيوبتات»، تُحاول الشركة أن تصبح الطبقة التي تُساعد تلك الأنظمة على العمل والتوسع والاندماج مع الحوسبة التقليدية المتسارعة.

ولهذا تحديداً يكتسب الإعلان أهميته، فهو ينقل النقاش من السؤال المعتاد: مَن يملك المعالج الكمي الأكثر تقدماً؟ إلى سؤال أصعب: ما الذي سيكون مطلوباً فعلاً لجعل الأجهزة الكمية مفيدة خارج العروض التجريبية المحدودة؟

ومن غير المرجح أن تكمن الإجابة في العتاد وحده، فالمعايرة وتصحيح الأخطاء وأدوات البرمجيات وتصميم الأنظمة الهجينة، أصبحت كلها عناصر مركزية في المرحلة المقبلة من تطور هذا القطاع.

ومن هذا المنظور، لا يبدو إعلان «إنفيديا» محاولة لإعلان اختراق حاسم بقدر ما يبدو تحديداً لمواضع العمل الحقيقي التي لا تزال قائمة. فصناعة الحوسبة الكمية لا تحتاج فقط إلى معالجات أفضل، بل إلى وسائل أفضل للتحكم فيها، وتفسير أدائها، والحفاظ على موثوقيتها بالقدر الذي يسمح لها بإنجاز شيء ذي معنى.


«إريكسون» لـ«الشرق الأوسط»: جودة الشبكة المضمونة تحسم 53 % من قرار الاشتراك

يشير استعداد المستخدمين للدفع مقابل أداء أفضل إلى فرصة إيرادية قد تضيف للمشغلين ما يصل إلى شهرين إضافيين من متوسط العائد السنوي لكل مستخدم (شاترستوك)
يشير استعداد المستخدمين للدفع مقابل أداء أفضل إلى فرصة إيرادية قد تضيف للمشغلين ما يصل إلى شهرين إضافيين من متوسط العائد السنوي لكل مستخدم (شاترستوك)
TT

«إريكسون» لـ«الشرق الأوسط»: جودة الشبكة المضمونة تحسم 53 % من قرار الاشتراك

يشير استعداد المستخدمين للدفع مقابل أداء أفضل إلى فرصة إيرادية قد تضيف للمشغلين ما يصل إلى شهرين إضافيين من متوسط العائد السنوي لكل مستخدم (شاترستوك)
يشير استعداد المستخدمين للدفع مقابل أداء أفضل إلى فرصة إيرادية قد تضيف للمشغلين ما يصل إلى شهرين إضافيين من متوسط العائد السنوي لكل مستخدم (شاترستوك)

لم تعد المنافسة في سوق الاتصالات السعودية تُقاس فقط بسرعة الشبكة أو اتساع التغطية، بل بقدرة المشغل على تقديم أداء مضمون في اللحظات التي تهم المستخدم فعلاً. وهذه هي الفكرة الأساسية التي تكشفها نتائج دراسة «ConsumerLab» الخاصة بـ«إريكسون» في السعودية، والتي تشير إلى أن نصف المستهلكين السعوديين يفضّلون الحصول على أداء شبكة مضمون في اللحظات المهمة، بينما باتت جودة الشبكة المضمونة تمثل 53 في المائة من قرار الاشتراك.

هذه الأرقام توحي بأن تعريف الاتصال نفسه يتغير. فالمستخدم لم يعد يقارن فقط بين من يقدِّم أسرع باقة أو أكبر عدد من المزايا الإضافية، بل صار ينظر إلى سؤال أكثر مباشرة: «هل تعمل الشبكة كما ينبغي عندما أحتاجها؟»

في لقاء خاص مع «الشرق الأوسط»، يرى هكان سيرفيل، رئيس «إريكسون» السعودية أن «توقعات المستهلكين تتطور، مع بروز الاتصال المتمايز كرافعة استراتيجية في سوق تنافسية». والمقصود هنا هو تصميم أداء الشبكة بما يتناسب مع متطلبات التطبيق أو الحالة الاستخدامية، بدلاً من الاكتفاء بنموذج واحد للجميع.

هكان سيرفيل رئيس «إريكسون» السعودية متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (إريكسون)

عائد الأداء المضمون

تأتي أهمية هذا التحول من كونه لا يرتبط فقط بتجربة المستخدم، بل أيضاً بالنموذج التجاري نفسه. فبحسب تقديرات «إريكسون»، فإن التقاط هذه الرغبة المتزايدة في الدفع مقابل أداء أفضل يمكن أن يحقق للمشغلين ما يصل إلى شهرين إضافيين من متوسط العائد لكل مستخدم سنوياً (ARPU).

وفي سوق سعودية شديدة التنافس، وصفها سيرفيل بأنها تواجه «إيرادات مسطحة»، لا تبدو هذه الزيادة هامشية. بل تمثل، بحسب تعبيره، «حافزاً مالياً كبيراً» يبرر الاستثمار في عروض اتصال متمايز، خصوصاً إذا كانت هذه الإيرادات الجديدة ما زالت «موجودة على الطاولة» ولم تُلتقط بعد.

الأهم أن هذا التحول لا يظهر فقط في الاستعداد للدفع، بل أيضاً في كيفية تقييم المستهلكين لشركات الاتصالات. فوفقاً لسيرفيل، أصبحت جودة الشبكة المضمونة، بما يشمل تعزيزات الشبكة والباقات المحسَّنة، أكثر أهمية بـ1.5 مرة من المزايا الإضافية والمحتوى المجمَّع على المستوى العالمي. وهذا يعني أن عناصر كانت تُستخدم تقليدياً لتمييز العروض، مثل المحتوى الترفيهي أو الامتيازات المضافة، لم تعد كافية وحدها لكسب المستهلك أو الحفاظ عليه. وفي هذا السياق، يشير سيرفيل إلى أن على المشغلين التأكد من أن «التقنيات وأدوات البرمجيات لديهم في مكانها الصحيح» وأن يكونوا قادرين على إثبات أن المستهلك يحصل فعلاً على ما يدفع مقابله.

نضج الطلب على الأداء

تكشف دراسة «إريكسون» عن أن نحو ثلثي مستخدمي الجيل الخامس في السعودية يقولون إنهم يفضلون دفع مبلغ أكبر مقابل جودة شبكة أفضل بدلاً من اختيار باقات منخفضة التكلفة قائمة على أفضل جهد متاح. وهذه إشارة واضحة إلى أن السوق السعودية قد تكون بالفعل بصدد دخول مرحلة جديدة من الجيل الخامس، مرحلة لا يكون فيها السعر وحده العنصر الحاسم، بل الأداء القابل للملاحظة والقياس. ويصف سيرفيل هذا التحول بأنه يعكس «ظهور قاعدة مستخدمين أكثر نضجاً، تقدّر التحسينات الملموسة في الأداء أكثر من الأسعار المنخفضة».

هذا النضج يظهر أيضاً في العوامل التي باتت تشكل رضا المستخدم عن الشبكة. فمقارنة بعام 2023، تذكر «إريكسون» أن أداء الألعاب واستجابة تطبيقات الذكاء الاصطناعي وعمر البطارية والتغطية داخل المنزل واتساق الشبكة، أصبحت كلها أكثر أهمية في تشكيل الرضا العام عن الخدمة. وبذلك، لم يعد المستخدم يحكم على الشبكة فقط وفق اختبار سرعة أو وعد تسويقي، بل وفق ما إذا كان الأداء يبقى مستقراً حين تزدحم الشبكة أو حين يعتمد على الخدمة في لحظة حساسة. لهذا يلفت سيرفيل إلى أن المستهلكين السعوديين «يحكمون الآن على الشبكات المحمولة بناءً على ما إذا كان الأداء موثوقاً عندما يهم الأمر أكثر».

وهذا يفتح الباب أمام نماذج تجارية جديدة. فمن الأمثلة التي يطرحها سيرفيل، أن يتمكن المشغل من تعزيز الاتصال لمنشئي البث المباشر في الحفلات أو المباريات الرياضية، أو أن يوفر مستويات أداء مضمونة للتنفيذيين في مراكز النقل المزدحمة. الفكرة هنا أن الأداء لم يعد مجرد خاصية عامة للشبكة، بل يمكن أن يتحول إلى خدمة مرتبطة بالسياق والمكان ونوع الاستخدام.

توقع أن يتحول الأداء المضمون تدريجياً من ميزة تمييزية إلى توقع أساسي مع توسع استخدامات الذكاء الاصطناعي وتعدد الأجهزة بحلول 2030 (شاترستوك)

منصة الأداء المضمون

هذا التحول يزداد وضوحاً مع نتيجة أخرى في الدراسة تشير إلى أن أكثر من ربع المستهلكين يفضلون أن يكون الأداء المضمون مدمجاً مباشرة داخل التطبيقات نفسها. هذه النقطة لا تعني فقط تحسين تجربة المستخدم النهائي، بل تلمّح إلى نموذج أعمال مختلف، يقوم على المنصات وواجهات البرمجة أكثر مما يقوم على بيع البيانات المحمولة بصيغتها التقليدية. سيرفيل يرى في ذلك فرصة للمشغلين كي «ينتقلوا تدريجياً من عروض النطاق العريض المحمول الحالية إلى نماذج أعمال قائمة على المنصات» وأن يعيدوا تعريف دورهم في سلسلة القيمة. ومن خلال كشف قدرات الشبكة عبر واجهات «API» يمكن للمشغلين أن يتيحوا لمطوري التطبيقات تصميم وبيع تجارب عالية الأداء، بما يخلق تدفقات إيرادات جديدة من نموذج «B2B2C» ويعزز التعاون داخل المنظومة الرقمية.

لكن هذا التصور التجاري لا يمكن فصله عن البنية التقنية. فمن وجهة نظر سيرفيل، يعد الجيل الخامس المستقل (5G Standalone) عنصراً أساسياً لتمكين الاتصال المتمايز، لأنه يتيح تجزئة الشبكة (network slicing). وبدلاً من نموذج الشبكة الواحدة التي تخدم جميع الاستخدامات بالطريقة نفسها، يصبح ممكناً تخصيص «شرائح» مختلفة من الشبكة لاحتياجات مختلفة. ويصف سيرفيل ذلك بأنه «خطوة مهمة» للمشغلين الذين يسعون إلى تقديم خدمات غامرة وذكية سياقياً، وتلبية المتطلبات المتنوعة والمتشددة لتطبيقات الجيل القادم المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.

ضغط الذكاء الاصطناعي

يدخل الذكاء الاصطناعي هنا بوصفه محركاً رئيسياً لتغير توقعات الأداء. فبحسب الدراسة، من المتوقع أن يتضاعف تقريباً تبني الذكاء الاصطناعي متعدد الوسائط بين المستهلكين السعوديين بحلول 2030، من 19 في المائة إلى 36 في المائة. هذا لا يعني فقط زيادة عدد المستخدمين، بل تغير نوعية التفاعل نفسه. فبدلاً من الاكتفاء بالأسئلة النصية، يتجه الاستخدام نحو نمط أكثر تكاملاً، يجمع بين النص والصوت والصورة والفيديو. ويفيد سيرفيل بأن هذا التحول يعكس توجهاً أوسع نحو «نمط أكثر تكاملاً وأكثر شبهاً بالتفاعل البشري مع الذكاء الاصطناعي»، مما يتطلب أنظمة قادرة على فهم السياق، بما يشمل ليس فقط الموقع الجغرافي للمستخدم، بل أيضاً نشاطه ونيته وحتى حالته العاطفية.

ومع انتقال استخدامات الذكاء الاصطناعي بشكل متزايد إلى خارج المنزل، تزداد الضغوط على بنية الشبكات المحمولة. فالشبكات لن تحتاج فقط إلى سرعات أعلى، بل إلى زمن استجابة شديد الانخفاض وعرض نطاق مضمون وأمن معزز وتحليلات في الزمن الحقيقي وكفاءة أفضل بشكل عام.

ويضيف سيرفيل نقطة تقنية مهمة حين يشير إلى أن «الرفع» (uplink) قد يكتسب أهمية أكبر مستقبلاً، لا مجرد التنزيل، مع نضوج المنظومة الجديدة من التطبيقات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.

يفضّل نحو ثلثي مستخدمي الجيل الخامس في السعودية دفع مبلغ أكبر مقابل جودة شبكة أفضل بدلاً من الاكتفاء بباقات منخفضة التكلفة (شاترستوك)

بين العلامة والشمول

لا يبدو الحديث عن الاتصال المضمون مجرد أداة تسعير قصيرة الأجل. صحيح أن الدراسة تشير إلى مكاسب إيرادية ممكنة، لكن سيرفيل يصفه بوضوح بأنه «استراتيجية علامة تجارية طويلة الأمد». وتدعم هذا الطرح بيانات عالمية أخرى تشير إلى أن المستخدمين المشتركين في باقات الأداء المحسّن يسجلون تحسناً بنسبة 46 في المائة في نظرتهم إلى العلامة التجارية، وارتفاعاً بنسبة 18 في المائة في مستوى الرضا. وهذه أرقام لافتة لأنها تنقل النقاش من مجرد بيع باقات أغلى إلى بناء ولاء وثقة وحماية من المنافسة السعرية المنخفضة.

ومع ذلك، يظل هناك سؤال سياسي وتنموي لا يمكن تجاهله يتعلق بمدى قدرة هذا النوع من الاتصال المتدرج حسب الأداء إلى توسيع الفجوة الرقمية. إجابة سيرفيل تحاول وضع المسألة في إطار مختلف. فهو يعد إن النموذج لا يقوم على إزالة الحد الأدنى من الخدمة، بل على إضافة طبقات اختيارية مدفوعة لمن يريدها. وهذا مهم، لأن الدراسة نفسها تشير إلى أن 36 في المائة من المستخدمين ما زالوا يختارون باقات الجيل الخامس القائمة على أفضل جهد متاح، مما يدل على استمرار وجود سوق للاتصال الأساسي منخفض التكلفة. ومن هنا يطرح سيرفيل تصوراً أكثر توازناً، يرى فيه أن عائدات الطبقات المتميزة يمكن أن تُستخدم في تمويل توسيع الشبكة الأساسية وتحسينها، بما قد يدعم أهداف الشمول الوطني بدلاً من تقويضها.

من التميُّز إلى الأساس

لكن ربما تكون النقطة الأهم في حديث سيرفيل هي أنه لا يرى الاتصال المضمون سيبقى امتيازاً نخبوياً لفترة طويلة.

بل يتوقع أن «يصبح توقعاً أساسياً» و«عنصراً جوهرياً» في عروض مزودي الخدمة، خاصة مع تصاعد متطلبات التطبيقات الجديدة المدفوعة بالذكاء الاصطناعي. ويضيف أن المستهلكين حول العالم باتوا بالفعل يعتبرون استجابة الذكاء الاصطناعي عاملاً رئيسياً في رضاهم عن الشبكة، وأنهم «يلقون اللوم غالباً على مزودي الخدمة» عند حدوث تأخر، حتى حين لا يكون الخطأ ناتجاً عن الشبكة بالكامل.

وفي السعودية تحديداً، يتوقع المستهلكون أن تصبح تجارب الذكاء الاصطناعي أكثر سلاسة عبر الأجهزة والواجهات المختلفة. وتشير الدراسة إلى أنه بحلول 2030، يتوقع 33 في المائة من المستهلكين استخدام الذكاء الاصطناعي عبر أجهزة متعددة، وهو ما يجعل الأداء المضمون، بحسب سيرفيل، «أمراً لا بد منه». في ضوء ذلك، قد لا يكون السؤال الأساسي في المرحلة المقبلة هو من يقدم أسرع شبكة على الورق، بل من يستطيع أن يحول الأداء الموثوق والقابل للقياس إلى تجربة يومية يشعر بها المستخدم بوضوح.