شريف عامر: «فيسبوك» أفسد الإعلام ولا أعتبره مصدراً للأخبار

قال لـ «الشرق الأوسط» إن خلط الرأي بالخبر من أخطر أخطاء المذيعين

الإعلامي المصري شريف عامر
الإعلامي المصري شريف عامر
TT

شريف عامر: «فيسبوك» أفسد الإعلام ولا أعتبره مصدراً للأخبار

الإعلامي المصري شريف عامر
الإعلامي المصري شريف عامر

بأسلوب هادئ ومتزن، استطاع الإعلامي المصري شريف عامر، مقدم برنامج «يحدث في مصر» على شاشة «إم بي سي مصر» نقل نبض الشارع المصري في برنامجه عبر فقرة «التاكسي» التي لاقت ردود فعل لافتة من الجمهور المصري، وفيها يقود شريف سيارة أجرة بالشوارع المصرية، ليلتقي بالمواطنين لمناقشتهم في الشؤون العامة والسياسات الداخلية بالبلاد.
شريف الذي بدأ مشواره بالتلفزيون المصري، قبل انتقاله للعمل بقناة «الحرة» الأميركية لمدة 4 سنوات، ثم انتقاله إلى قناة الحياة المصرية، حقق نجاحاً لافتاً وفق المتابعين في قناة «إم بي سي مصر»، ويقول عامر في حواره مع «الشرق الأوسط» إن خلط المذيع بين الرأي والخبر خطأ كبير جداً، مشيراً إلى أنه استفاد كثيراً من تجربته في الإعلام الأميركي، وأكد أن موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» أفسد الإعلام، مشيراً إلى أنه لا يعتبره مصدراً للأخبار في برنامجه... وإلى نص الحوار:
يبدأ عامر حديثه عن فقرة «التاكسي» التي خرج ببعض حلقاتها إلى محافظات أخرى غير العاصمة المصرية القاهرة، قائلاً: «بدأنا هذه الفقرة منذ ثلاثة أشهر، وتعرض بواقع 10 دقائق لمرة واحدة أسبوعياً، وكان الهدف منها هو الاقتراب أكثر من الناس، الذين كان يعتقد الكثير منهم أن مصر هي ما يطالعه على الشاشة فقط، لذلك أردنا التأكيد من خلال «التاكسي» أن مصر أكبر من كل الشاشات، مشيراً إلى أن «فريق البرنامج يقيس نجاح هذه الفقرة بشكل خاص، عبر ردود فعل المشاهدين، فأنا أعمل في مؤسسة كبيرة كل شيء فيها يخضع للتقييم، ولديها قواعد تحكمها، وتقييمات داخلية للعمل».
وأوضح: «رغم أن هذه الفقرة لا تستغرق عشر دقائق على الشاشة، فإن تصويرها شاق جداً من الناحية التقنية، لأننا نؤجر تاكسي قبل التصوير بيوم لتجهيزه بالكاميرات ونتحرك باستديو كامل في الشارع ومعي فريق تقني على أعلى مستوى، وعند إجراء حوارات مع الركاب لا بد من الحصول على موافقتهم قبل العرض، فإذا لم يوافقوا فلا أعرض مشاهدهم، وبالتالي هناك عدد مماثل تقريباً لما عرضناه تم استبعاده من العرض، كما أننا لا نخدع أحداً فالكاميرات ظاهرة داخل التاكسي، كما خرجنا إلى محافظات أخرى بعدما كانت الفقرة مقتصرة على القاهرة فقط.
وعن رؤيته لأسباب نجاح هذه الفقرة يقول: «فكرة التاكسي قائمة على أن الراكب هو الذي يطرح موضوع الحوار فلا تحضير ولا توجيه مسبق للحوار، ولا خطوط حمراء فلو تكلم في السياسة سأتكلم معه في السياسة، وفي ظل أزمة سد النهضة ركبت معي عائلة سودانية مقيمة في مصر منذ ثلاث سنوات، ترسل أطفالها لمدرسة سودانية في مصر، هذه وحدها رسالة سياسة، أيضاً اتجهنا إلى المحافظات بعد أن ذهبنا إلى كل أحياء القاهرة، وكانت أول زيارة لمحافظة كفر الشيخ (دلتا مصر) ولأول مرة يستقل المحافظ التاكسي معنا دون مرافقين وذهبنا لقرية في أعماق المحافظة (شباس عمير) مسقط رأس الروائي الكبير الراحل خيري شلبي، والتي كتب عنها روايته الشهيرة «الوتد» التي تحولت إلى مسلسل فيما بعد، الناس هناك لم تكن تصدق ما يحدث، لذلك أعتز جداً بثقة المحافظ في البرنامج، وخصوصاً بعد دخولنا مدرسة كان يجري بها امتحانات التابلت، أليست هذه رسالة أيضاً... البعض قال لي هذه الفقرة ليست قيمتك، لكني سعيد بها جداً. وطوال مشواري أقدم برامجي لكل الناس، وبالمناسبة أنا سائق التاكسي الوحيد في العالم الذي لا يحصل على أجرة من الركاب، وبعض ضيوفي حين يغادرون التاكسي لا يصدقون ذلك.
كان شريف قد عمل لمدة أربع سنوات في قناة الحرة الأميركية كمقدم برنامجها الرئيسي «ساعة حرة» وعن هذه التجربة يؤكد: «الأميركيون هم الأب الشرعي للتلفزيون تاريخياً وواقعياً، لذلك سافرت إليهم لأتعلم المزيد حول فنيات العمل التلفزيوني في أهم عاصمة بالعالم، وقد استفدت منها وتعلمت فيها أن آخر شيء يفعله مذيع الهواء هو الظهور على الهواء، فلا بد أن يكون المذيع شريكاً في التفاصيل كافة، وقد تعبت من المقارنة بيننا وبينهم، واقتنعت أن (كل ميديا ابنة مجتمعها)، فنحن لا نتحمل الحرية من أبنائنا، فأنا لا أسمح لابني أن يقول لي أنت مخطئ، على سبيل المثال، لكن أكثر شيء لمسته هناك هو الحرص على الدقة، وهو أمر نفتقده في ظل سيطرة ثقافة (الفيسبوك) واعتماد البعض عليه كوسيلة معرفة، وفي برنامجي لا نعتمد عليه، ولا أعتبره مصدراً فالمصدر عندنا الشخص نفسه، وأرى أن اعتماد البعض عليه كمصدر رئيسي للأخبار ساهم في فساد الإعلام إلى حد ما. وعكس هذا الأسلوب لمست انضباطاً في (إم بي سي) في هذا الشأن، وأنا أعتبر أن أسلوب العمل بها هو الأفضل في العالم العربي، وهي تفصلها مساحات شاسعة عن أقرب قناة تليها».
ويؤكد شريف أنه يعتز كثيراً باستطلاع الرأي الذي أجراه في برنامجه بعد الانتخابات الرئاسية المصرية الأخيرة، والتي قارب النسبة الحقيقية التي تم الإعلان عنها رسمياً في وقت لاحق، بعد اعتمادنا على شركة متخصصة في هذا المجال، كما أعتز أيضاً بالحلقة التي قدمتها عقب حركة المحافظين الجديدة، واستضفت فيها 6 محافظين في وقت واحد، وتم تقسيم الشاشة بينهم ليعرض كل منهم خططه وتصوره للتطوير، كما لو كان مجلس محافظين مصغر.
وبسؤاله عن إمكانية انتقاله إلى قناة أخرى، قال: «أنا لا أفكر في مغادرة بيتي (MBC) لأني أشعر بالارتياح فيه، فلماذا أذهب إلى مكان آخر... أنا عمري 50 سنة، وتحقق لي في القناة مساحة من الحرية وآليات عمل واضحة ساهمت في نجاح (يحدث في مصر) الذي يعد أحد أفضل 3 برامج (توك شو في مصر)، وفقاً لاستطلاعات الرأي».
ولشريف عامر تجربة مهمة مع قناة «سي إن إن» الإخبارية الأميركية يقول عنها: «قدمت حلقة كاملة من برنامج (الحياة اليوم) من داخل (محطة سي إن إن)، بعدما أرسلت لهم خطاباً بأن برنامجي هو رقم واحد في مصر على مدار ست سنوات، وإننا نرغب في الظهور عبر أهم قناة إخبارية في العالم، فوافقوا بعد أن تحروا الأمر وهناك تعلمت متى يمكن للمذيع أن يناور الضيف، ومتى يكون مباشراً معه، وفي (بي بي سي) البريطانية اكتشفت أنهم لا يضعون مقعداً وثيراً للضيف، حتى لا يشعر بالثقة فيسيطر على الحلقة، بل يجب أن يشعر بعدم الارتياح في جلوسه، ليجيب بسرعة، فالثانية لها ثمن، وحينما تمت استضافتي في قناة (فوكس نيوز) الأميركية كانوا يحددون وقتاً لإجاباتي لا يتجاوز 20 ثانية». ووفق شريف، فإن أكبر خطأ يرتكبه الإعلامي العربي هو خلطه بين الرأي والخبر، موضحاً: «هناك برامج رأي واضحة تعلن خلالها القنوات أن هذا رأي مقدمها، فمثلاً قناة (فوكس نيوز) تؤيد التيار اليميني وتريد مغازلة التيار الليبرالي فتقدم برنامج رأي مغاير لقناعاتها، لكن البرامج الإخبارية لا يجوز فيها أن يبدي المذيع رأيه».
ويرى شريف أن «الإعلاميين العرب مظلومون»، فنحو 75 في المائة من الانتقادات الموجهة ضدهم، ليس في محلها، لأن نقص المعلومات يتسبب في سيطرة الشائعات.
ويعتز شريف بعمله الصحافي والإعلامي الذي جاء بتأثير من أبيه الصحافي منير عامر، قائلاً: «كان أبي يصطحبني وأنا طفل إلى عمله بمجلة (صباح الخير) لأجلس بجوار مكتبه، وكان يقدم لي الفنان جمال كامل ألواناً، وحسن فؤاد أوراقاً لأرسم عليها، وكان يطلب لي الأديب فتحي غانم، القهوة مثلهم، كما كان يصطحبني أبي للإذاعة لتسجيل برنامجه (تحت العشرين) فالتقي بإيناس جوهر، وسناء منصور».
وبدأ شريف عامر مشواره مذيعاً بقناة «نايل تي في» ثم قناة «النيل للأخبار» التي عمل خلالها مراسلاً بفلسطين، وقدم تقارير إخبارية عدة من الأراضي المحتلة، كما كتب وقدم ثلاثة أفلام وثائقية هي «أيام مقدسية»، و«القدس خارج نشرات الأخبار»، و«الحائط»، ويقول عنها: «تم ذلك بتشجيع من أساتذتي حسن حامد، وسميحة دحروج، اللذان منحاني الثقة الكاملة، لذلك تركت التلفزيون المصري حينما تم تغييرهما فأنا أحب العمل مع الذين أشعر معهم بالراحة والثقة.
وأكد أنه يشاهد ما يقدمه زملاؤه الذين ينافسونه في برامج التوك شو الأخرى على موقع «يوتيوب» على غرار عمرو أديب، ووائل الإبراشي، وغيرهم، قائلاً: «لأننا نعمل على منتج واحد، أهتم بالمتابعة لأنها جزء من عملي لكنى في النهاية أركز على طريقتي ومنهجي والأسلوب الذي يناسبني وهذا أهم شيء.
ويعبر شريف عن إعجابه ببعض المذيعين قائلاً: «على المستوى الأميركي كان يعجبني والتر كرونكايت الذي نعتته مجلة (تايم) عند وفاته بمانشيت (وفاة السيد مصداقية)، كما يعجبني لاري كينغ كمحاور، ومن الإعلاميين العرب تعجبني رايا أبي راشد، ببرامجها السينمائية، بالإضافة إلى جورج قرداحي، ومصطفى الآغا».



السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
TT

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)

نظمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، لقاء «ذكاء التأثير»، بمشاركة أكثر من 250 مؤثراً وصانع محتوى، وبحضور عدد من كبار المسؤولين، ونخبة من قيادات وطلبة الإعلام والمتخصصين، وذلك بمدينة الرياض، الأربعاء، تزامناً مع «عام الذكاء الاصطناعي 2026».

ويهدف اللقاء إلى تعزيز الوعي بالاستخدام المسؤول والأخلاقي لتقنيات الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، وتعريف المشاركين والحضور بالفرص التي تتيحها لتطوير العمل الإعلامي والإبداعي، ورفع مستوى المعرفة بالتحديات المرتبطة بالمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي والتزييف العميق والمعلومات المضللة.

وتناول اللقاء التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى، بدءاً من توليد الأفكار والبحث وكتابة السيناريو، مروراً بالإنتاج والتحرير، ووصولاً إلى تحليل تفاعل الجمهور وقياس الأثر، مع استعراض حالات تطبيقية توضح كيفية الاستفادة من هذه الإمكانات في إنتاج محتوى مبتكر وموثوق يحافظ على القيم والهوية الوطنية.

واستعرض المختصون مبادئ وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الإعلام، وأهمية الشفافية والإفصاح عند استخدام أدواته في إنتاج المحتوى أو تعديله، ومسؤولية صانع المحتوى عن التحقق من دقة المعلومات ومصادرها قبل النشر.

كما ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى، بما يشمل ضوابط النشر والإعلان الرقمي، وحماية الخصوصية، والمحافظة على حقوق المؤلف والملكية الفكرية.

المختصون ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى (واس)

وشهد اللقاء معرضاً تعريفياً مصاحباً، شاركت فيه «سدايا» ممثلةً بمكتب إدارة البيانات الوطنية وأكاديميتها، والتطبيق الوطني الشامل «توكلنا»، و«هيئة تنظيم الإعلام».

وضمّ المعرض أركاناً توعوية وتجارب تطبيقية عرّفت الحضور بمبادئ الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، ومتطلبات الامتثال وضوابط النشر الإعلامي، ومخاطر التزييف العميق وأساليب التحقق من المحتوى.

وجرى الإعلان عن برنامج تدريبي متخصص لـ«صنّاع التأثير»، يستهدف تمكين المؤثرين وصناع المحتوى من الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي، إذ يتضمن تدريباً معرفياً وتطبيقياً على الممارسات المهنية المرتبطة بإنتاج المحتوى والتحقق منه.

وحظي اللقاء بتفاعل كبير، إذ ناقش الحضور أبرز الفرص والتحديات التي يواجهها القطاع الإعلامي في ظل التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب مداخلات وأسئلة حول ضوابط استخدام الأدوات التوليدية، وآليات التحقق من المحتوى، والمسؤولية المهنية قبل النشر، وسبل تحقيق التوازن بين الابتكار والمحافظة على المصداقية.

ويأتي تنظيم «ذكاء التأثير» ضمن الجهود الوطنية الساعية لتحويل مبادئ الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي إلى ممارسات عملية في البيئة الإعلامية، وتعزيز التعاون بين «سدايا» وهيئة تنظيم الإعلام في رفع الوعي وبناء القدرات، بما يسهم في تطوير محتوى رقمي مبتكر وموثوق، وتحقيق مستهدفات «عام الذكاء الاصطناعي».


الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
TT

الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)

كان من الطبيعي أن تنشغل كل المؤسسات الإعلامية، على اختلاف وسائلها وأنواعها وأدواتها، بالحادثة «غير المسبوقة» في الأردن، أخيراً، بعد الاستهداف الإرهابي لكنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك. وقد راح ضحيته 9 شهداء، وأكثر من 40 جريحاً.

الأردنيون عادة في مثل الأحداث يتابعون الأخبار المتعلقة بالأحداث المحلية من وسائلهم الإعلامية، ووسط عمليات التشويش، ظلت الرواية الرسمية في المقدمة.

إلى حد كبير، يمكن اعتبار الإعلام الأردني بمختلف أنواعه ومشاربه، «إعلاماً محافظاً»؛ إذ يتمسك الصحافيون الأردنيون في مؤسساتهم بتقاليد الصياغات المهنية الخالية تماماً من جمل «الشتائم ولغة التجريح». كذلك لم يكن الإعلام الأردني منصة لحروب الآخرين السياسية، سواءً من جهة قوى سياسة من الداخل، أو تلك القوى الموجهة من الخارج، لا سيما في العقدين الأخيرين، بحسب زملاء في المهنة.

لكن هؤلاء أكدوا، في لقاءات مع «الشرق الأوسط»، أن نمط الإعلام المحافظ، المتمسك بتقاليد المهنة، أسهم إلى حد كبير في بروز ظاهرة منصّات التواصل الاجتماعي المتحرّرة من الأعباء الأخلاقية والمهنية، التي عادة ما تلتزم بها المؤسسات الإعلامية، بموجب أحكام ترخيصها، وتعريف مرجعية المسؤوليات القانونية داخلها عند وقوع الخطأ.

دور التواصل الاجتماعي

شهداء كنيسة حمود الذين سقطوا برصاص ثلاثة إرهابيين، ثبُتَ تورّطهم مع جهات خارجية وتلقيهم تعليمات من تنظيم إرهابي يُعتقد على نطاق واسع بأنه تنظيم «داعش». وذكرت مصادر إعلامية وأمنية لـ«الشرق الأوسط» أنه أعاد تشكيل خلاياه، داخل قرى في الجنوب السوري، حيث أقام أفراده في منازل، وسط مجاميع سكانية، فحوّلوا المدنيين «دروعاً بشرية» عند كشف أمرهم ومخطّطاتهم.

بعض وسائل التواصل الاجتماعي، للأسف، استُغلت لزرع الفتنة في البلاد، لكن الإرهاب اختار المكان الخاطئ لتنفيذ خطته، فمحافظة الكرك (120 كلم) جنوب عمّان، هي النموذج الأردني الأكثر وضوحاً في التآخي الإسلامي والمسيحي. وتُعتبر العادات والتقاليد في المحافظة مذيبةً للفوارق، التي قد تتسرب منها الفتنة.

وحقاً، ظلت الكرك مضرباً لأمثال العيش المشترك، مستحضرين مقولات ومواقف صهرت معادن الطوائف والمذاهب والجهات المختلفة ورفض مصطلح «الأقليات»، عند حسابات «الهوية الوطنية الأردنية». كذلك سجلت الكرك مواقف في الحزن المشترك والفرح المشترك. وعاش طويلاً الموقف الذي يروى عن شيخ دعا إلى أن «تكون الصلاة في الكنيسة والعزاء في المسجد». في صورة تؤكد أن لا وجود للحساسيات والفتن بين سكان المحافظة الواحدة.

مع ذلك ثمة من رمى على واحدة من منصّات التواصل الاجتماعي جملة من الفتاوى التي تتعلق بالعيش المسيحي - الإسلامي، وطرح أسئلة بهدف ضرب العلاقات بين فئات الشعب الواحد. لتثار أسئلة مثل: هل يجوز تعزية المسيحيين؟ وهل يجوز تهنئهم بأعيادهم الدينية؟ الأمر الذي تسبّب في إحراج لمراجع الإفتاء الرسمية، والبرامج الدينية الإعلامية، كالبرامج المخصصة لـ«فتاوى على الهواء» التي تلقى رواجاً على الإذاعات الأردنية الدينية، والتي تُصنف في استطلاعات الرأي على أنها الأكثر استماعاً» من بين ألوان الإعلام المتعدد في البلاد.

اتجاهات سياسية

محاولة زرع الفتنة تورّطت فيها اتجاهات سياسية محلية، حاولت أيضاً طرح مواضيع مثل «سيطرة الإسلام السياسي على المناهج الدراسية والمعلمين منذ سبعينات وثمانينات القرن الماضي»، والتي تسببت، برأي شخصيات محسوبة على تيار اليسار الأردني، باحتكار لون واحد لسياسات التعليم.

ولكن، في محافظة الكرك على سبيل المثال، فإن نواب المقاعد المسيحية في المجالس النيابية المتعاقبة، يفوزون بأصوات المسلمين. وظل النائب السابق والمخضرم عبد الله غانم زريقات يفوز بعدد أصوات أكثر من الأصوات المسيحية المسجلة في محاضر الناخبين في المحافظة. وكذلك النائب الحالي هيثم الزيادين، الذي حافظ على مقعده لأكثر من 12 سنة في أربعة مجالس متعاقبة. وهذا المشهد مشهد معتاد بين الأردنيين، فالمنافسة الانتخابية لا يمكن اختزالها بديانة المرشح.

الفتنة الثانية

من ناحية أخرى، نفذ سلاح الجو الملكي، الثلاثاء الماضي، قصفاً جوياً على مناطق في الجنوب السوري ضد خلايا إرهابية كانت على اتصال مع منفذي عملية كنيسة حمود.

وأكدت مصادر أردنية أن القصف استهدف مناطق لا تسيطر عليها القوات النظامية السورية. ومع تأكيد الأردن لاحترام سيادة دول الجوار، طوّرت عمّان من قواعد الاشتباك مع الإرهاب، وصارت تُنفذ مهام خارجية تحت مظلة التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، الذي خُصّصت له قواعد عسكرية للقوات المشتركة في الأردن.

قابلت الحكومة السورية الأمر باستنكار شديد وإدانة، لكن الخارجية السورية أطلقت سلسلة بيانات وتصريحات، بلغة دبلوماسية، أكدت عمق علاقات الأخوة بين البلدين، واستمرار التعاون والتنسيق المشترك. و«تفهمت» عمّان «تحفظ» الموقف الرسمي السوري.

عمان ودمشق تتجاوزان عقدة «حرب التحريض الإلكترونية» بلغة دبلوماسية

الحادثة والتفاعل

من جهة أخرى، كشف تقرير صادر عن «معهد السياسة والمجتمع» عن أن الهجوم على كنيسة حمود بمحافظة الكرك استقطب ملايين التفاعلات الرقمية خلال الأيام الأربعة الأولى. وامتد النقاش بشأنه إلى أكثر من عشر لغات، وسط تباين بين تغطيات عربية ركزت على الوحدة الوطنية والتضامن مع الأردن، ومنشورات دولية قدّمت الحدث ضمن خطابات دينية وسياسية، برز في بعضها بالمقابل توظيف متطرّف معادٍ للمسلمين.

لقد أظهر التقرير تفاوتاً واسعاً بين حجم تداول الروايات الأولى عن الهجوم وحجم نشر التصريحات الرسمية اللاحقة، خصوصاً باللغة الإنجليزية، التي استحوذت على نحو 71 في المائة من مجموع المنشورات التي ربطت الهجوم بتنظيم «داعش» عبر اللغات المرصودة.

وحمل التقرير، عنوان «من حمود إلى العالم، الرصد الإعلامي والتفاعل الرقمي العالمي مع الهجوم على كنيسة القديس جاورجيوس في الكرك». وغطّى الفترة بين 23 و26 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، يوم الحادثة والأيام الثلاثة التي تلتها حتى إعلان انتهاء القبض على المنفذين، متتبعاً التغطية الإعلامية والمواقف الرسمية والنقاشات الرقمية المرتبطة بالهجوم، الذي وقع خلال مراسم جنازة وأسفر عن تسعة شهداء وعشرات المصابين.

المهم في التقرير أن المؤسسات والمواقع الإخبارية شكلت مصدراً رئيساً للمحتوى المتداول، وأن المؤسسات الإعلامية الأردنية أنتجت معظم المحتوى العربي الأعلى تفاعلاً، وأسهمت في إبراز البعد الوطني والإنساني للحدث من خلال متابعة قصص الضحايا ومواقف عائلاتهم ومشاهد التضامن معهم.


الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
TT

الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)

بين الحين والآخر تتجدّد مخاوف ناشرين بشأن شروط تفرضها شركة «ميتا» الأميركية العملاقة على تداول المحتوى، وتتعزّز هذه المخاوف مع ملاحقات قانونية للشركة المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام» أملاً في أن ينتصر القضاء للناشرين. وخلال منتصف الأسبوع الماضي، أعلنت كبرى المجموعات الإعلامية في النرويج عزمها اتخاذ تدابير قانونية لمنع «ميتا» من تنفيذ شروطها الجديدة للاستخدام.

لقد رأت 10 مجموعات إعلامية في النرويج أن شروط الاستخدام الجديدة المرتقب دخولها حيز التنفيذ في العشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، من شأنها أن تمنح «ميتا» الحقّ في جمع مقالاتها وصورها وتسجيلاتها المصوّرة، بما فيها تلك الخاضعة لرسوم اشتراك، واستخدامها لتطوير منتجات ذكاء اصطناعي.

ونقلت وكالة «الصحافة الفرنسية» عن رئيسة «جمعية شركات الإعلام النرويجية» ليني إلتفيك فيندفلد قولها إن «ثمة مخاوف من أن تستخدم هذه الصلاحيات للاستحواذ على حقوق خاصة بالمنشورات الصحافية». وأضافت أن «(ميتا) تستغلّ استثمارات المجموعات الإعلامية لتطوير خدمات الذكاء الاصطناعي، وهذا غير مقبول وغير نزيه على صعيد المنافسة».

مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة قال لـ«الشرق الأوسط» معلّقاً إن «أدوات الذكاء الاصطناعي تطوِّر نفسها ومداركها على المحتوى المنشور في فضاء الإنترنت؛ ما يفسر سبب إعلان (ميتا) عن شروطها الجديدة».

ثم أردف «شركة ميتا تملك كنزاً؛ لأن لديها أكبر قدرة على تجميع المحتوى بسبب امتلاكها منصّات ينشر الملايين محتواهم عليها بشكل يومي»، وأشار من ثم إلى أن «شروط (ميتا) الجديدة تمسّ جوهر عمل واستمرار المؤسسات الإعلامية، حيث ينفق الناشرون أموالاً لإنتاج المحتوى الذي تستفيد منه (ميتا) من دون بذل أي جهد».

ومن ناحية ثانية، أوضح كيالي أن «الخلاف بين المؤسسات الإعلامية وشركة (ميتا) ليس جديداً، فسابقاً كان الخلاف على استغلال الشركة العملاقة للمحتوى من خلال منصاتها التقليدية لجني أرباح عبر تقديم إعلانات مموّلة داخلها أو من خلالها... أما الآن فقد تغيّر شكل الاستغلال، وتحول من الإعلانات إلى تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقديم محتوى للمستخدمين، من دون الإشارة إلى الناشر الأصلي».

ومن ثم، أعرب كيالي عن اعتقاده أن «المؤسسات الإعلامية لن تستطيع مواجهة شركات الذكاء الاصطناعي بشكل عام... لكن من الممكن، بناءً على حوادث سابقة، أن تتوصل إلى اتفاقات مع (ميتا) في بعض الدول».

جدير بالذكر، أنه تسري شروط استخدام «ميتا» الجديدة على كلّ أصحاب الحسابات المهنية، من مجموعات إعلامية وشركات وجهات بيع. ولقد أجلت «ميتا» تنفيذ الشروط إلى20 نوفمبر الحالي «بهدف إعطاء فرصة لتفسير الشروط الجديدة للشركاء»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

من جانبه، وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال محمد الصاوي، المحاضر في الرصد والتحليل الإعلامي، إن «ما يجري بين (ميتا) والناشرين في أوروبا يتجاوز مجرّد تعديل شروط الاستخدام؛ بل هو يعكس صراعاً متصاعداً حول ملكية المحتوى الصحافي والحق في استثماره في عصر الذكاء الاصطناعي».

وتابع الصاوي شارحاً أن «التغييرات التي أعلنتها (ميتا) خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والتي تتيح لبرامجها الآلية الوصول إلى محتوى المواقع المرتبطة بحسابات الأعمال على (فيسبوك) و(إنستغرام) أثارت مخاوف المؤسسات الإعلامية من استخدام موادها، بما فيها المحتوى المدفوع، في تطوير خدمات قد تنافسها مستقبلاً».