عهد لبنان الرئاسي: إخفاقات تفوق الإنجازات!

قراءة هادئة في نصفه الأول

عهد لبنان الرئاسي: إخفاقات تفوق الإنجازات!
TT

عهد لبنان الرئاسي: إخفاقات تفوق الإنجازات!

عهد لبنان الرئاسي: إخفاقات تفوق الإنجازات!

ليست مسألة تقييم أي «عهد رئاسي» في لبنان مهمة سياسية أو إعلامية أو بحثية سهلة، ولا سيّما إذا كان العهد لا يزال في منتصف الولاية، أي لم تنقضِ السنوات الست المنصوص عنها في الدستور، على الرغم من الانتهاكات المتكرّرة لروح الدستور ونصوصه. ذلك أن تقييم أي ولاية رئاسية بعد انتهائها يتيح للباحث إجراء قراءة دقيقة وموضوعية يمكن من خلالها دراسة المحطات التي انطلق منها «عهد» ذلك الرئيس والوقائع التي انتهى إليها، بالإضافة إلى دراسة ما إذا كان هناك من منجزات جدّية يمكن أن يسجلها التاريخ باسم الرئيس. أما وقد مرت ثلاث سنوات ونيف من ولاية الرئيس ميشال عون الذي انتخب يوم 31 أكتوبر (تشرين الأول) 2016، فإنه لا بد من تسجيل جملة من الملاحظات الأساسية، قبل التعمّق في إجراء التقييم الفعلي لهذه الحقبة.

بعد نحو 29 سنة من الانتظار تقريباً، نجح العماد ميشال عون في الدخول مجدداً إلى قصر بعبدا الجهوري (الرئاسي) بعدما أُخرج منه عام 1989. ولقد أتاح إخراج عون، آنذاك، وضع «اتفاق الطائف» موضع التنفيذ بعدما كان قد عطّل مفاعيله لأشهر عديدة، عبر إصراره على ترؤس حكومة عسكرية فقدت نصابها القانوني وميثاقيتها خلال دقائق معدودات من تشكيلها (بنتيجة استقالة جميع الوزراء المسلمين منها وعددهم نصف عدد الحكومة). ومن ثم، قرّر حل المجلس النيابي المفترَض فيه انتخاب رئيس الجمهورية، الذي تعذّر انتخابه، في حين كان مطلوباً منه كرئيس للحكومة الانتقالية تسهيل هذه المهمة، بالإضافة إلى رفضه «اتفاق الطائف» الذي كان تسوية عربية - دولية لإنهاء الحرب في لبنان وشنه حربين داخليتين عُرفتا بـ«حرب التحرير» و«حرب الإلغاء»؛ ما أدى إلى خسائر فادحة بشرياً ومادياً.
مع هذا، انتخب عون رئيساً عام 2016 وفقاً لـ«اتفاق الطائف» نفسه الذي كان قد رفضه عام 1989، وثمة مَن يقول إن الرأي العام لم يفهم حتى اللحظة التحوّل السياسي الكبير الذي قام به الرئيس، ولا سيّما الدوافع التي أدّت إلى رفضه هذا «الاتفاق» في التسعينات، وخوضه الحملات العسكرية والسياسية والإعلامية ضده ورفض الاعتراف بالسلطة التي انبثقت عنه... ثم تلك التي أدت إلى قبوله به في العام 2016.

- «اتفاق الطائف»
حقيقة الأمر، أن «الاتفاق» لم يُعدّل منه أي حرف، أو فقرة أو مادة، بل بقي على حاله. ولئن كان صحيحاً أن ثمة تفاسير متباينة لبعض مواده، فالصحيح أيضاً أنه أصبح جزءاً من دستور لبنان الذي يفترض أن يطّبق ويُحترم من كل القوى والأطراف السياسية. أما القول بتعديل «الطائف» بـ«الممارسة»، كما يتباهى مناصرو الرئيس عون نواب كتلة «لبنان القوي» (أو تكتل «التغيير والإصلاح» سابقاً)، فهو يعني عملياً المفاخرة بخرق مواد الدستور، وإعادة تفسيرها وتطبيقها بما يتلاءم مع المصلحة السياسية والفئوية والحسابات الخاصة والظرفية.
هذا ما يحصل - على سبيل المثال - في قضية تعيين الناجحين في مباريات مجلس الخدمة المدنية التي تعطّلها هذه الكتلة التي يقودها عونيّو «التيار الوطني الحر» (الذي أسسه الرئيس ويترأسه حالياً صهره وزير الخارجية السابق جبران باسيل) تحت ذريعة غياب «التوازن الطائفي»، مع العلم، أن المادة 95 من الدستور واضحة... وهي حصرت ضرورة تأمين هذا التوازن بالفئة الأولى دون سواها. كذلك، فإن هذا التوازن لم يُحترَم في مباريات وزارة الخارجية - على سبيل المثال -، بل جرى التغاضي عنها لأنها جاءت غير متوازنة إنما في الاتجاه المعاكس. وهذا يثبت أن الشعارات المرفوعة لا تهدف حقاً إلى تأمين التوازن الطائفي، بل ترمي إلى تعزيز حضور فئة دون سواها، خلافاً للدستور والأصول والقوانين المرعية الإجراء، مع أن الشراكة ضرورية، وصيغة المناصفة - التي نصّ عليها «الطائف» - هي واحدة من أبرز منجزات الاتفاق التي يفترض الحفاظ عليها بمعزل عن المعايير الديموغرافية.
أما تعطيل الحكومات والمؤسسات تحت عنوان «الميثاقية»، الذي مارسه «التيار الوطني الحر» طوال السنوات الماضية، فإنه لم يطبقه في مرحلة الحكومة العسكرية التي افتقرت إلى التمثيل الإسلامي بكل مكوّناته المذهبية. فكيف يمكن تفسير هذه الازدواجية؟
هذه الملاحظات الشكلية ليست سوى مقدمة لفهم حقيقة وأسس العمل التي يركز عليها العهد، أو بعض المقرّبين منه، الذين يتكلّمون باسمه ويبدّدون من رصيده السياسي والشعبي.

- عناوين ومحاور
أما بعد، فلا بد من تقييم السنوات الأولى للعهد من خلال العناوين والمحاور التالية:
أولاً: السياسة الخارجية. والحق أنه لم يسبق أن مرّ لبنان بهذا المستوى المتدني من الحضور الدولي في تاريخه المعاصر، فعدا عن التراجع غير المسبوق لعلاقاته مع عمقه العربي (ولقد حسم «الطائف» عروبة لبنان بعد خلاف دام عقوداً)، أخذت السياسة الخارجية تخرج رويداً رويداً من سياسة النأي بالنفس (التي تماثل شعار: لا شرق ولا غرب بشكلٍ أو بآخر). وصار الخطاب الرسمي اللبناني الذي يعبّر عنه رئيس الجمهورية ووزير الخارجية أكثر التصاقاً بموقف فريق من اللبنانيين يكنّ العداء لقوى عربية ويوالي قوى غير عربية.
لقد أدى تضييق هذا الهامش الذي كان قائماً بين الدولة وأطراف أخرى إلى الإضرار بسياسة لبنان الخارجية وعلاقاته الدولية، بمعنى أن المساحة التي كانت قائمة بين الموقف الرسمي والموقف الحزبي كانت توفر متنفساً للبنان - إذا جاز التعبير - إزاء «المجتمع الدولي»؛ إلا أن الالتصاق (وربما الالتحاق التدريجي) بين هذين المسارين أفقد لبنان الرسمي استقلالية سياسته الخارجية القائمة على العلاقات الطيبة مع محيطه العربي وانتمائه لهذا المحيط دون أي التباس.
لا شك، أن سياسة معاداة إسرائيل كموقف رسمي ووطني وشعبي ثابت هو إنجاز مهم، لكنه ليس كافياً؛ لأنه مرتبط بالاستراتيجية الدفاعية المغيبة تماماً عن النقاش الجدي بفعل سياسة الالتصاق المشار إليها أعلاه.
ثانياً: الاستراتيجية الدفاعية. على الرغم من أن الرئيس عون كان وعد اللبنانيين بإطلاق النقاش حول الاستراتيجية الدفاعية بعد إنجاز الانتخابات النيابية (2018)، فإنه رغم مرور سنة ونصف السنة تقريباً على انتهائها لم يبادر للدعوة إلى نقاش جدي حول هذه الاستراتيجية. ومن هنا، فإن الالتصاق الذي أشير إليه في البند الأول بموازاة تغييب النقاش الوطني حول الخطة الدفاعية المنتظرة يطرح علامات استفهام كبرى، تعزّزها تصريحات وزير الدفاع الوطني التي تكاد تلغي أي تمايز بين الأجهزة الرسمية اللبنانية وقوى «المقاومة». وهو ما عاد وأكده رئيس الجمهورية، للأسف، في أحد مواقفه المُستغربة التي تساءل فيها عن جدوى وضع خطة دفاعية!
لا يختلف اثنان على أن إسرائيل هي العدوّ التاريخي للبنان، وهي تختزن الكثير من الحقد على تجربته التعددية التي تناقض آحاديتها وعنصريّتها التي كرّسها في قانون «يهودية الدولة» الذي أصدره الكنيست في الفترة الأخيرة؛ إلا أن ذلك لا يلغي أننا نختلف كلبنانيين على كيفية مواجهة الخطر والحقد الإسرائيلي الدائم.
ثم أن الاستفادة من تجربة «المقاومة» ضرورة حتمية تبرّرها الحاجة ويفسرها المنطق، ولا سيما أنها راكمت خبرة كبيرة في مواجهة الاحتلال واعتداءاته المتكرّرة على السيادة اللبنانية وأكملت المسار النضالي الذي أطلقته القوى الوطنية والتقدمية واليسارية؛ إلا أن ذلك يفترض ألا يقفل البحث على سبل دمج هذه القدرات بإمكانات لبنان الرسمية، والوصول إلى مرحلة تحتكر فيها الدولة وظيفة الدفاع عن أراضيها، وهذا حقٌ مكتسب لأي دولة ذات سيادة، وليس موجهاً ضد هذا الفريق أو ذاك. حتى نصل لتلك المرحلة، ثمة مسؤولية كبرى على العهد، تتمثّل بألا يسمح بتحويل لبنان مجدّداً ساحة لتصفية الصراعات الإقليمية أو أن يدفع هذا البلد الصغير أثماناً لا علاقة له فيه، بل تتصل أولاً وأخيراً بنزاعات المحاور الدولية والإقليمية من طهران إلى واشنطن.
ثالثاً: المسألة الاقتصادية الاجتماعية. إن الوقت الذي أهدر في مطلع الولاية، وهو يناهز السنة ونصف السنة تحت عنوان أن «حكومة العهد الأولى لم تكن حكومة الرئيس»، وأن حكومته الفعلية هي التي ستنبثق عن الانتخابات النيابية، كان كافياً ليعكس ما إذا كان ثمة جدية حقيقية في مواجهة الأزمة الاقتصادية الاجتماعية المستفحلة!
لقد رفع التكتل النيابي الذي ترأسه الرئيس عون شعار «الإصلاح والتغيير»، إلا أن أياً من هذين الشعارين لم يسلك طريقه الفعلية نحو التنفيذ. رفع «وثيقة الإبراء المستحيل» في وجه تيار المستقبل، ثم «تبرأ» منها عند نضوج التسوية وانتقال الرئيس سعد الحريري لدعم ترشيح عون للرئاسة الأولى. و«اصطدم» مع «القوات اللبنانية» مراراً وتكراراً، ثم وضع كل الخلافات جانباً عند توقيع «تفاهم معراب» الذي أدى كذلك إلى رفع حظوظ عون الرئاسية، ثم عاد وتنصل منه بعد الانتخاب!
المهم أن ينطلق قطار الإصلاح وأن تبدأ الخطوات الجدية، الفورية والجذرية لإحداث تغيير حقيقي في بنية المشاكل الاقتصادية التي تواجه البلاد التي لم تعد تحتمل رفاهية النقاش والبحث، بل إنها أشبعت درساً على مدى سنوات وسنوات والمطلوب خطوات سريعة قبل فوات الأوان.

- ملف أزمة الكهرباء
لا يخفى على أحد أن «أم المشاكل» في لبنان هي الكهرباء؛ كونها تستنزف نحو ملياري دولار سنوياً من المالية العامة، فضلاً عن أنها لا تتوافر على مدار الساعة في كل المناطق أسوة بما هو قائم في مختلف دول العالم. وبمعزل عما إذا كان «التيار الوطني الحرّ» يتحمّل وحده مسؤولية هذا الإخفاق - أقله منذ توليه وزارة الطاقة والمياه منذ نحو عشر سنوات - لا شك في أن هذا الملف يشكل إحباطاً جماعياً لدى اللبنانيين ويعكس فشل السلطة السياسية، ولا سيما من تولى الحقيبة الوزارية، في الإخفاق بإيجاد الحلول المطلوبة لهذه المشكلة المزمنة.
لقد توقّع اللبنانيون أن تسلك شعارات «الإصلاح والتغيير» طريقها بكثير من الانسيابية مع انتخاب عون إلى الرئاسة، لكن هذا، للأسف، لم يحدث. أغلب الظن أن المسؤولية لا يتحملها الرئيس وحده، بل بعض من هم في الدائرة المحيطة به ممن لم يوفقوا في إدارة الملفات الموكلة ولم ينجحوا في تعزيز الالتفاف السياسي حول الرئيس ليتمكن من إنجاز المصالحات، بل بددوا الكثير من رصيده السياسي والشعبي وضاعفوا عدد الأخصام السياسيين مجاناً.
وأخذاً في الاعتبار طبيعة التركيبة السياسية اللبنانية، والصيغة التشاركية التي أرساها «اتفاق الطائف» في العملية السياسية وآليات اتخاذ القرار؛ لا بد من الإقرار بأن سلوك مسار التغيير يتطلب نسج تفاهمات وطنية تتيح هذا الأمر وبناء مناخ من الشفافية والتعفّف، ورفض الدخول في الصفقات والسمسرات. وهذا أيضاً، لم يحصل؛ إذ ارتبطت أسماء بعض المحيطين بالعهد بالعديد من الملفات التي تثار حولها علامات استفهام كبيرة... من البواخر إلى الكهرباء وسواها من الملفات من العناوين أعلاه.
لقد فاخر العهد وبعض مؤيديه بشعار «العهد القوي»، ولعل إطلاق هذا الشعار كان خاطئاً من الأساس، ليس لأن الرئيس عون ليس «قوياً»، بل لاختلاف المفاهيم حول فكرة «القوة»، من جهة؛ ومن جهة ثانية، لأنه ساهم برفع التوقعات من الحكم الذي وقف شبه عاجز أمام المشاكل المتفاقمة فلم يفكك أياً منها بشكل ملحوظ من جهة أخرى!
أما مفهوم «القوة» فهو بحد ذاته في حاجة إلى تشريح: هل يكفي القول عن الرئيس إنه قوي إذا كان يرأس قبل انتخابه كتلة نيابية؟ أم أنه قوي بتاريخه النضالي؟ أم يمكن القول عنه إنه قوي إذا كان رجلاً صاحب مبادئ؟ أم أن القوة يوفرها الصوت المرتفع؟ أم ماذا؟

- علاقة «القوة» بـ«الصلاحيات»
عملياً، ما هي العناصر التي يمكن اعتمادها للقول إن هذا العهد، أو أي عهد رئاسي، هو عهد «قوي»؟ الرئيس الراحل فؤاد شهاب ما كان يرأس كتلة نيابية، لكن تاريخه ودوره في ثورة 1958 وسجله العسكري وتعففه وشفافيته عناصر جعلت منه رئيساً يحقق المنجزات من دون أن يرفع شعار «الرئيس القوي».
ثم أن السلطة التنفيذية في لبنان بعد «اتفاق الطائف» أصبحت منوطة بمجلس الوزراء مجتمعاً. طبعاً، هذا لا ينتقص من مكانة رئيس الجمهورية وموقعه ودوره الذي لا يزال له صلاحياته المهمة. لكن هذا التحوّل بحد ذاته يجعل رفع شعار «الرئيس القوي» غير ذي جدوى، بل هو يثقل كاهل الرئيس بدلاً من أن يخففها عنه. وفي «الديمقراطية اللبنانية» المرتكزة إلى التوافقات والتفاهمات والتوازنات، تسقط مقولة «الرئيس القوي» عند كل منعطف وفي كل محطة، إلا إذا استعمل الرئيس «قوته» للجمع بين اللبنانيين وتقليص المسافات بينهم، وأن يمارس فعلاً دور الحكم والمرجع الأعلى لتكريس الاستقرار والسلم الأهلي.
ختاماً، إن أي لبناني عاقل يتمنى للعهد النجاح؛ لأن نجاحه يعني بصورة أوتوماتيكية نجاح لبنان في تخطي أزماته التي تُستولد وتتفاقم كل يوم. وأي لبناني عاقل يعتبر أن نجاح الرئيس عون يعني تجاوز الوضع الراهن نحو واقع أفضل لا يفقد فيه الأمل ويشعر فيه بالطمأنينة... لكن «المكتوب يُقرأ من عنوانه»!

- تيار عون «يستأثر» به باسيل
> نُظّمّت الحالة الشعبية العونية الموالية للعماد ميشال عون ضمن هيكل سياسي حمل اسم «التيار الوطني الحر» بعد عودة الجنرال من منفاه الباريسي في مايو (أيار) 2005، رغم أن نواة الحزب وُضعت قبل عودة عون من باريس، وكان مناصرو التيار يتداولون بالاسم الذي بات حزباً قانونياً قبل هذه الفترة.
حاز التيار العلم والخبر «الرقم 163/ أ د»، الذي يمكّنه من مزاولة نشاطه السياسي كحزب بوجهة قانونية، من وزارة الداخلية اللبنانية في مايو 2006. وتقدّمت الجمعية السياسية المسماة «حزب التيار الوطني الحر» بطلب تعديل في النظام الأساسي وتعديل مركزه في عام 2015، حين جرت الموافقة على التعديلات.
منذ ظهور التيار، بقي العماد ميشال عون، الذي بات نائباً في البرلمان اللبناني منذ انتخابات عام 2005، رئيساً له. لكن عام 2015 انتقلت رئاسة التيار إلى صهره وزير الخارجية السابق جبران باسيل إثر انتخابات فاز فيها الأخير بالتزكية؛ وهو ما ولّد انقساماً في صفوف التيار على مستوى قياداته والشخصيات البارزة فيه وأقرباء عون نفسه. وعلى الأثر، أعلنت قيادات رافقت مسيرة منذ سنين الانسحاب من التيار. وتحدث آخرون من مواكبي مسيرة التيار عن «إقصاء» لمعارضي باسيل من التيار، متهمين باسيل بالاستئثار، وباستبعاد قيادات تاريخية بينهم نعيم عون - ابن شقيق عون -، وزياد عبس القيادي البارز، وغيرهم. ولقد نظّم هؤلاء صفوفهم ضمن إطار سياسي ناهز عدده السبعين شخصاً، وأصدر في العام الماضي بياناً بعد انتخابات التيار في 2019 التي فاز فيها باسيل بالتزكية برئاسة التيار لولاية ثانية.

- «نصف العهد»: توترات أمنية وضغوط خارجية واقتصادية... انفجرت في انتفاضة الشارع
> مثّل تدهور سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار في السوق الموازية، إلى جانب الأزمة الاقتصادية التي دفعت عشرات المؤسسات للإقفال، رأس هرم الأزمات التي عصفت بعهد الرئيس اللبناني ميشال عون منذ ثلاث سنوات، خاضت فيها البلاد تحديات أمنية داخلية وخارجية، وتضاعف فيها التوتر السياسي، ووصلت في منتصف الولاية الرئاسية إلى مرحلة الاضطرابات الاجتماعية التي تمثلت في الانتفاضة الشعبية اللبنانية ضد السلطة.
ورغم ادعاء فريق الرئيس ميشال عون السياسي حرصه على تكريس النمط التوافقي في الحكم، عبر الحكومات الائتلافية، فإن الحملات الممهدة للانتخابات النيابية 2018، كسرت العرف التوافقي، واشتدت الانقسامات بين الأحزاب والتيارات والقوى السياسي. فترنحت الاتفاقات مع حزب «القوات اللبنانية» من غير أن تسقط، وتوترت العلاقة مع «المستقبل»، وشهدت علاقة «التيار الوطني الحر» مع حركة أمل ورئيس البرلمان نبيه برّي أسوأ مراحلها في ظل السجالات والخطابات الشعبوية وتبادل الاتهامات. ويُشار إلى أن تشكيل الحكومتين بعد الانتخابات الرئاسية وبعد الانتخابات، شهد نزاعاً سياسياً أدى إلى تأخير إعلانهما؛ ما أدخل البلاد في فراغ حكومي لأشهر.
التوتر السياسي الذي طغى على مرحلة ما قبل الانتخابات، تجسّد أيضاً بتوتر ميداني في البيئة الدرزية إثر إشكال في منطقة الشويفات (جنوب شرقي بيروت)، أسفر عن مقتل عنصر في الدفاع المدني من أنصار «الحزب التقدمي الاشتراكي» خلال إشكال مع أنصار النائب طلال أرسلان. وتوتّر الوضع فيه مع إصرار أرسلان على رفض تسليم المتهم بالقتل، وسط معلومات عن فرار المطلوب إلى سوريا.
الجبل، كان عرضة مرة أخرى لاشتباك بين أنصار الوزير الأسبق وئام وهاب مع قوة من «قوى الأمن الداخلي» حضرت لاعتقال وهاب، قبل أن يتوتر الوضع في الجبل مرة ثالثة إثر زيارة رئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل إلى الجبل، وإطلاقه تصريحات مرتبطة بحقبة الحرب اللبنانية، ما اعتبره أنصار «الاشتراكي» استفزازاً يتضمن نبشاً في قبور الماضي، وإثارة للنعرات الطائفية. وانفجر الخلاف خلال زيارة باسيل إلى منطقة عاليه، حيث تم إطلاق النار على موكب الوزير صالح الغريب، ما أدى إلى مقتل شخصين.
خلال هذه الفترة، حصل توتر بين «حزب الله» وإسرائيل على خلفية مقتل عنصرين للحزب في غارة إسرائيلية في سوريا، وتفجير طائرة استطلاع إسرائيلية في حي سكني في الضاحية الجنوبية لبيروت؛ ما دفع الحزب للرد من داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب. وهو توتر اضيف إلى توتر دبلوماسي إثر زعم رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو بأن الحزب أنشأ مصانع للصواريخ الدقيقة في لبنان، وهو ما نفاه الحزب. وعلى الصعيد الدبلوماسي أيضاً، فرضت الولايات المتحدة عقوبات ضد شخصيات في الحزب، من بينها رئيس كتلة الحزب النيابية محمد رعد، كما تضاعفت وتيرة العقوبات ضد الحزب وتأثر بها لبنان بالكامل.
هذه العوامل بأكملها، الداخلية والخارجية، مهّدت لأزمة اقتصادية كبيرة تمثلت بفقدان الدولار في السوق، وارتفاع سعر صرفه في السوق الموازية، أدى إلى تراجع سعر العملة المحلية أكثر من 50 في المائة، بالتزامن مع أكبر انتفاضة شعبية يشهدها لبنان منذ عام 1992، أدت إلى إسقاط الحكومة في الشارع، وتأليف حكومة قاطعتها كتل سياسية بارزة. ويقول الناشطون إلى العهد فشل في مكافحة الفساد، حيث لم يُحاسب أي فاسد حتى الآن، كما فشل بتأمين متطلبات العيش اليومية منها تأمين الكهرباء والخدمات، إضافة إلى تسعير الاستدعاءات على خلفية الراي والتدوين، وهوة ما اعتبر استهدافاً للحريات في لبنان.


مقالات ذات صلة

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

حصاد الأسبوع نتنياهو (غيتي)

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

تلقى منصور عباس مساء الخميس اتصالاً من أحد المقربين من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، محاولاً جس نبضه إن كان مستعداً لترك معسكر غادي آيزنكوت

نظير مجلي (القدس)
حصاد الأسبوع إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)

رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

لقد فرضت نتائج الانتخابات الإسرائيلية على المجتمع اليهودي وأحزابه وقادته أن ينظروا إلى أنفسهم بالمرآة، فيما يتعلق بموقفهم من العرب. ففي السنوات الأولى لقيام

حصاد الأسبوع السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) وقفت إليسا سلوتكين إلى جانب المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عبدول (عبد الرحمن) السيد، في لقاء انتخابي بمدينة وارن بولاية

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع أوكازيو - كورتيز (أ.ف.ب/ غيتي)

ديمقراطيو 2028... أسماء كثيرة وبطاقة لم تتبلور بعد

لم تتبلور بعد بطاقة ديمقراطية للرئاسة الأميركية، والأسماء المتداولة لا تزال تحت الاختبار. فنتائج الانتخابات النصفية ستؤثر على مكانة المتنافسين وعلى السؤال الذي

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
حصاد الأسبوع مناصرو الرئيس اليساري يحتشدون في ساو باولو كبرى مدن البرازيل وعاصمتها الاقتصادية (أ.ب)

«لولا» ربح معركته الأخيرة ضد اليمين اللاتيني... لكن انتصاره مهدّد

كثيرة هي العبر التي يمكن استخلاصها من الانتخابات الرئاسية البرازيلية التي، خلافاً لمعظم التوقعات، جدّد فيها لويس إيغناسيو دا سيلفا «لولا» ولايته رغم الخسارة

شوقي الريّس (مدريد)

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)
TT

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)

تلقى منصور عباس مساء الخميس اتصالاً من أحد المقربين من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، محاولاً جس نبضه إن كان مستعداً لترك معسكر غادي آيزنكوت والانضمام إليه في الجهود لتشكيل حكومة وحدة وطنية، وما الثمن الذي يطلبه لقاء ذلك. وحدّد رسول نتنياهو السؤال أكثر: «هل سترغب في الانضمام للحكومة وتحظى بمنصب وزير أو ستكتفي بالدعم من الخارج مقابل ميزانيات ومطالب مدنية محددة؟». مَن يقرأ هذه الكلمات يستصعب تصديقها؛ لأن هذا الاتصال جاء في وقت كانت فيه إسرائيل تغلي كالمرجل بسبب الحملة التي شنها نتنياهو على الأحزاب العربية لتجريدها من شرعيتها، ولتخويف آيزنكوت من التفكير في تشكيل حكومة بمساندتها. لقد كانت وسائل الإعلام غارقة في متابعة «قطر غيت» ثانية؛ إذ أعلن «الشاباك» أنه «يحقق في معلومات عن تدخّل قطر ودول أخرى في الانتخابات الإسرائيلية عبر تمويل بعشرات ملايين الشواقل»، لكن تبين أن القصة غير جادة ولم تؤثر على نتائج الانتخابات. وكانت مشغولة أيضاً في اتهامات حول تزوير الانتخابات لدى العرب، وهذا أيضاً لم يثبت. ولجنة الانتخابات أكدت أنه لا يوجد شك في نزاهة الانتخابات لدى العرب. لكن نتنياهو نجح في إثارة عاصفة مخيفة.

كان واضحاً أن بنيامين نتنياهو ليس مهتماً حقاً بالدعم الخارجي للأحزاب العربية ولا أي أحزاب؛ فجميع الأحزاب الإسرائيلية تحصل على دعم خارجي، وهو نفسه يتباهى بالدعم الخارجي الذي يحصل عليه معنوياً ومالياً من عدة جهات في اليمين الأميركي، ويعرف أن الدعم الذي حصل عليه من الرئيس دونالد ترمب لا يقدّر بثمن. لكن القضية هي أن نتنياهو يقرأ جيداً نتائج الانتخابات ويدرك أنه خسرها.

صحيح أنه حقق نتائج أفضل مما كان متوقعاً؛ فالاستطلاعات كانت تشير إلى أنه سيخسر ربع قوته، لكنه وفق النتائج النهائية وشبه الرسمية، التي أعلنتها لجنة الانتخابات، خسر خُمس قوته، ولن يكون بمقدوره العودة إلى الحكم بحكومة يمين كامل.

وهذه النتائج تشير بوضوح إلى أن الجمهور الإسرائيلي يريد بغالبيته تغيير هذه الحكومة؛ إذ منح أكثرية 67 مقعداً من مجموع 120 مقعداً للمعسكر المناوئ بقيادة غادي آيزنكوت.

جبارين (الأناضول)

النتائج التفصيلية

بعد فرز 100 بالمائة من مجمل أصوات انتخابات الكنيست، بما يشمل المغلفات المزدوجة، أعلنت لجنة الانتخابات المركزية النتائج شبه الرسمية (النتائج الرسمية تسلّم لرئيس الدولة يوم الأربعاء المقبل)، ويتّضح منها أن معسكر نتنياهو استقر عند 53 مقعداً، في حين استقر معسكر أحزاب المعارضة الصهيونية عند 48 مقعداً، بالإضافة إلى 19 مقعداً للقائمتين العربيتين («المشتركة» بـ11 مقعداً، و«الموحّدة» بـ8 مقاعد).

من جهة ثانية، تبين أن أصوات الجنود والمرضى في المستشفيات أحدثت تغييرات طفيفة داخل المعسكرات؛ فبسببها خسرت «القائمة العربية المشتركة» مقعداً واحداً ربحته «القائمة العربية الموحّدة»، وخسر حزب «شاس» الحريدي الشرقي مقعداً ربحه «الليكود». وبناء عليه، ستتوزّع المقاعد كما يلي: «الليكود» بقيادة نتنياهو 27 مقعداً (1.16 مليون صوت)، و«يشار» بقيادة آيزنكوت 21 مقعداً (910 آلاف صوت)، و«بياحد» بقيادة نفتالي بينيت ويائير لبيد 12 مقعداً (529 ألفاً)، و«القائمة المشتركة» بقيادة يوسف جبارين وأحمد الطيبي وسامي أبو شحادة 11 مقعداً (499 ألفاً)، و«الديمقراطيون» بقيادة يائير غولان 8 مقاعد (458 ألفاً)، و«القائمة الموحّدة» بقيادة منصور عباس 8 مقاعد (336 ألفاً)، و«يسرائيل بيتينو» بقيادة أفيغدور ليبرمان 7 مقاعد (322 ألفاً)، و«يهدوت هتوراه» للحريديم الأشكناز 7 مقاعد (311 ألفاً)، و«عوتسما يهوديت» بقيادة إيتمار بن غفير 7 مقاعد (325 ألفاً)، و«شاس» بقيادة أرييه درعي 6 مقاعد (298 ألفاً)، و«الصهيونية الدينية» بقيادة بتسلئيل سموتريتش 6 مقاعد (288 ألف صوت).

بحسب لجنة الانتخابات، بلغت نسبة التصويت 77.7 بالمائة؛ إذ كان عدد المقترعين 5.697.290 مقترعاً (من مجموع 7.3 مليون صاحب حق اقتراع)، وعدد صناديق الاقتراع 12.884 صندوقاً. وقد أُلغي 25 ألفاً و756 صوتاً، وبقي 5.671.534 صوتاً صحيحاً.

وفي قراءة أولية لهذه النتائج، يتضح أن حزب نتنياهو زاد عدد أصواته من 1.11 مليون صوت عام 2022 إلى 1.16 ألف؛ أي بزيادة 48 ألف صوت جديد. لكن عدد المقاعد التي حصل عليها في الانتخابات السابقة بلغ 32 مقعداً (لا تشمل 4 مقاعد جلبها إليه جدعون ساعر عندما انشق عن بيني غانتس)، وهبط في هذه الانتخابات إلى 27 مقعداً. والسبب في هذا الهبوط يعود إلى الارتفاع الكبير في نسبة التصويت. وحصل هذا الارتفاع بسبب التجنيد الكبير للقوى التي قرّرت إسقاط نتنياهو، وفي مقدمتهم العرب، الذين ارتفعت نسبة التصويت لديهم من 53 بالمائة في 2022 إلى 80 بالمائة هذه المرة.

الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق.. ونتنياهو ليس المفضّل لكنه يتمتع بجوانب يتمسكون بها

حصة نتنياهو

عملياً، كانت خسارة نتنياهو كبيرة على صعيد الحصص في معسكره (من 68 إلى 53 مقعداً). وأيضاً تراجع حزب «شاس» من 11 مقعداً إلى 6 مقاعد، ما يعد انهياراً؛ فهذا الحزب، الذي استقطب سابقاً معظم أصوات اليهود الشرقيين، ووصل إلى 17 مقعداً، يعاني اليوم من أزمة ثقة مع القيادة. وهو حزب فقر وفقراء، يعمل في مدارسه عشرات الألوف، لكن لا توجد مراقبة على حساباته. وجمهوره يتهم القيادات بالفساد (يحصل هذا الحزب مع حزب الحريديم الأشكناز على 11 مليار شيقل)؛ لأن المواطنين، بمن فيهم أعضاء الحزب، لا يشعرون بهذه الأموال.

الجناحان المتطرفان للمستوطنين خسرا أيضاً بعض قوتَيهما؛ إذ حصلا معاً على 14 مقعداً في الانتخابات السابقة، وهبطا حالياً إلى 13 (سموتريتش هبط من 8 إلى 6 مقاعد، وبن غفير ارتفع من 6 إلى 7 مقاعد، مع العلم أن الاستطلاعات كانت تمنح بن غفير 9 و10 مقاعد قبل شهرين).

وتتهم أحزاب اليمين نتنياهو بإدارة حملة منظّمة في الأسبوع الأخير من المعركة الانتخابية هدفها أن يصبح أكبر حزب، ولهذا الغرض «شفط» منها عشرات ألوف الأصوات وتسبب في تقليص قوتها.

معسكر آيزنكوت

في المقابل، تمكن آيزنكوت من إقناع الجمهور، ولو جزئياً، بأنه أفضل مَن يهزم نتنياهو. ومع أن حزبه يبلغ من العمر 13 شهراً فقط، وهو شخصياً يفتقر للكاريزما المطلوبة للشارع الإسرائيلي، تمكن من اقتحام معاقل «الليكود» وبعض قلاع الأحزاب الدينية، وحصل على 21 مقعداً، ورسّخ مكانته كأكبر أحزاب المعارضة، رغم أن حلفاءه في المعسكر (نفتالي بينيت ويائير لبيد وأفيغدور ليبرمان) رفضوا قبوله رئيساً للمعسكر، ومنعوه من الظهور كمرشح عنه لرئاسة الحكومة. وحتى بعد ظهور النتائج شبه الرسمية لا يعلن هؤلاء أنهم سيوصون رئيس الدولة بتكليفه بتشكيل الحكومة. وسيضطر إلى إدارة مفاوضات معهم في الموضوع.

وأما حزب «بياحد»، الذي كان يتمثل بـ24 مقعداً، فقد هبط إلى 12 مقعداً فقط، مع أن الاستطلاعات منحته 14 مقعداً في الأسبوع الأخير. في حين حصل ليبرمان على 7 مقاعد (كان لديه 6 مقاعد)، بعدما حصل في الشهور الأخيرة على 12 مقعداً في الاستطلاعات.

آيزنكوت (أ.ف.ب)

مفاجأة الانتخابات

في المقابل، كان العرب مفاجأة الانتخابات، أكان ذلك بنسبة التصويت (التي بلغت 80 بالمائة)، أم عدد المقاعد (إذ قفزوا من 10 مقاعد إلى 19 مقعداً). وهكذا ساهموا بقوة في إسقاط حكومة نتنياهو، والرد على محاولات القمع والكبت والتهميش والعنصرية، وأظهروا حضوراً لافتاً في الساحة السياسية.

وأيضاً، بخوضهم المعركة الانتخابية بقائمتين؛ «المشتركة» (التي تضم ثلاثة أحزاب)، و«الموحّدة» (التي تضم «الحركة الإسلامية» التي تحالفت مع ضابط شرطة كبير سابق)، تمكنوا من تجنّب إضاعة أي صوت. وحقاً، أوصلوا رسالة مجلجلة للمجتمع اليهودي بأنهم يواجهون بلا خوف الخطاب العنصري ضدهم، مؤكدين أنهم لا يضعون شروطاً قاسية على آيزنكوت.

من جهة ثانية، لم يُعرف بعد كيف رد منصور عباس على مقترح نتنياهو، لكنه اجتمع مع يائير غولان وتحدث إلى لبيد ومقربين من آيزنكوت. وأكد التزامه بالخطوات المقررة لإقالة رئيس الكنيست. فإذا تمكن من عقد لقاء مع نتنياهو أو مقرب منه، وكُشف الأمر للإعلام، سيساعد آيزنكوت على تشكيل حكومة تستند إلى العرب (قسم من داخل الحكومة وقسم من خارجها).

وما يُذكر هنا أن حزب «الديمقراطيين» - مع أنه حصل على 8 مقاعد فقط - خرج بقوة إلى العمل، واجتمع مع لبيد وعباس في محاولة للتقدّم نحو تشكيل حكومة أقلية، تضم «القائمة العربية الموحّدة». ويقول: «نحن مع (القائمة الموحّدة) 55 نائباً، مقابل معسكر نتنياهو المؤلف من 53 نائباً. ولدينا احتياطي ممثل في (القائمة المشتركة)، بـ11 نائباً؛ أي إنها تقف جسماً مانعاً أمام أي محاولة لنتنياهو لإسقاط الحكومة».

وهكذا، باختصار، أظهرت نتائج الانتخابات ما يلي:

أولاً: فشل الاستطلاعات.

ثانياً: فشل نتنياهو؛ إذ خسر خُمس قوة معسكره اليميني المتطرف، وليس بمقدوره العودة لتشكيل حكومة يمين خالص.

ثالثاً: ما زالت إسرائيل تعاني من أزمة قيادة؛ إذ لا وجود لزعيم «كاريزمي» يستطيع جرف الجمهور إلى جانبه، مثل بن غوريون أو مناحيم بيغن أو أرئيل شارون، أو حتى إيهود باراك.

رابعاً: ينتظر الجمهور اليميني اليوم أن ينجح نتنياهو في حملته ضد العرب ليمنع آيزنكوت من تشكيل حكومة معهم. وفي المقابل، ينتظر جمهور اليمين الوسط والليبراليون أن يشد آيزنكوت أزره ويشكّل حكومة مستقرة؛ إذ يوجد لديه الآن 67 نائباً مستعدون لتتويجه رئيس حكومة.


رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
TT

رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)

لقد فرضت نتائج الانتخابات الإسرائيلية على المجتمع اليهودي وأحزابه وقادته أن ينظروا إلى أنفسهم بالمرآة، فيما يتعلق بموقفهم من العرب. ففي السنوات الأولى لقيام الدولة العبرية، جرت عدة مداولات، كشف عنها النقاب بعد عدة عقود، موضوعها هل بقاء عرب في إسرائيل كان صحيحاً أم خطأ فاحشاً؟ كان هناك من قرر أنه خطأ جسيم. كما وضعت عدة خطط لترحيلهم، من بينها ارتكاب مجزرة كفر قاسم عام 1956.

وعام 1973، كشف الجنرال أهارون يريف، الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية، عن مخطط لدى الجيش الإسرائيلي لترحيل 600 – 700 فلسطيني من الضفة الغربية ومن الجليل في أول حرب تواجه إسرائيل.

لكن عام 1993، عندما احتاج إسحاق رابين إلى العرب لحماية حكومته من السقوط، تحالف مع الحزبين العربيين («الجبهة» بقيادة توفيق زياد و«الحزب الديمقراطي العربي» بقيادة عبد الوهاب دراوشة) اللذين تحوّلا إلى جسم مانع في وجه اليمين، ودعماه من خارج الحكومة.

في حينه أيضاً، تعرض رابين إلى هجمة شبيهة بالهجمة التي يواجهها آيزنكوت اليوم لاستناده إلى العرب. وفي تلك الفترة أيضاً، قاد الهجمة العنصرية نتنياهو نفسه. لكن رابين واجه تلك الهجمة بقوة، وقال: «عار ألا يتعامل اليهود مع العرب بمساواة... نحن اليهود عشنا تحت الظلم والتمييز والعنصرية مئات السنين في أوروبا. ولا يجوز لنا أن ننبذ العرب خارج الصفوف، ونتعامل معهم بعنصرية».

حتى نتنياهو، عندما احتاج إلى العرب لتثبيت حكومته عام 2015، تكلم عن العرب بطريقة مختلفة. واعتذر لهم على أنه تكلم يوم الانتخابات ضد تدفقهم إلى الصناديق. وبثّ شريط فيديو يقول فيه ما يلي: «مواطنينا العرب الأعزاء (بعدما قالها بالعبرية، أعادها بالعربية المكسّرة: مواتنونا العرب الأعزاء)، قبل أن يتم انتخابي قلت إن مواطنينا العرب تدفّقوا بجماهيرهم إلى صناديق الاقتراع. رغم أنني كنت أقصد حزباً سياسياً محدداً، فإن بعض المواطنين العرب شعروا أنني مسست بهم، وأفهم ذلك. اعتذرت عن الشكل الذي فهمت فيه أقوالي. أكثر من 20 في المائة من مواطنينا هم عرب. وأنتم وصلتم إلى إنجازات مذهلة. قضاة في المحكمة العليا وأعضاء كنيست. أدباء ذوو سمعة. أطباء وصيادلة ورجال أعمال وأصحاب شركات في الهايتك وعلماء. أنا أعتز بالدور الذي تقومون به لنجاح إسرائيل. وأريد أن يكبر دوركم أكثر. إن احترام الأقليات ليس الأمر الصحيح فقط، الذي يجب أن نقوم به، بل هو أمر حيوي لنا ولتقدمنا». وبعد هذا الموقف، صادقت حكومته على خطة لتطوير البلدات العربية بقيمة 5 مليارات شيكل (1.5 مليار دولار).

وعام 2021، عاد نتنياهو إلى تصريحات مشابهة، عندما تفاوض مع منصور عباس على التحالف ودعم حكومته، لكنه تراجع لأن حزب سموتريتش فرض «الفيتو» وهدّد بإسقاط الحكومة. فتوجّه عباس إلى بنيت ولبيد وأقام معهما تحالفاً. ويومها رفض عباس أن يكون جزءاً من الحكومة، لكنه كان جزءاً من الائتلاف البرلماني (في الكنيست). ولم تطل هذه التجربة، إذ تمكن نتنياهو من إسقاط الحكومة بعد 1.5 سنة، لكنها اعتبرت تجربة بالغة الأهمية. ويحاول عباس اليوم تكرارها.

كثيرون من أنصار السلام في إسرائيل يعيدون هذه الأيام نشر الفيديوهات الإيجابية التي تظهر تصريحات رابين ونتنياهو المذكورة أعلاه، لغرض تشجيع آيزنكوت على مواصلة هذا التوجه السليم. وفي هذه الأثناء، أجري استطلاع رأي، الخميس، قال فيه 59 في المائة من ناخبي معسكر آيزنكوت إنهم يؤيدون تشكيل حكومة مع العرب.

بالتالي، القضية اليوم المطروحة بعد نشر نتائج الانتخابات هي؛ هل سيتغلب آيزنكوت على حملة نتنياهو العنصرية، ويثبت أنه قائد قوي وجريء، ويقيم التحالف الذي يضمن له احترام إرادة الناخب وإسقاط حكم نتنياهو.

صحيح أن الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق ويهيمن على كل زاوية ويغرقهم في كراهية جنونية للعرب، وصحيح أيضاً أن الجمهور لم يعد يرى في نتنياهو القائد المفضل، لكن نتنياهو يتمتع بجوانب قوة يتمسكون بها، ولا يجدونها بعد لدى آيزنكوت وغيره من الجنرالات الذين اهتزت بهم ثقة الناس.


السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟
TT

السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) وقفت إليسا سلوتكين إلى جانب المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عبدول (عبد الرحمن) السيد، في لقاء انتخابي بمدينة وارن بولاية ميشيغان. في هذا اللقاء بالمدينة - بضواحي مدينة ديترويت - كانت السيناتورة اليهودية ذات الخلفية الاستخباراتية والمواقف الوسطية، تدعم مرشحاً مسلماً تقدمياً تختلف معه في قضايا خارجية، وتتحفظ عليه شخصيات يهودية بسبب مواقفه من إسرائيل. بالنسبة إليها، كان المشهد فرصة لإثبات إمكانية العمل المشترك رغم الخلاف. وبالنسبة إلى حزبها، كان اختباراً لقدرة مكوّناته على البقاء معاً عشية انتخابات قد تعيد توزيع السلطة في واشنطن. ومع أن سلوتكين لا تخوض انتخابات تجديد مقعدها الثلاثاء المقبل، لكن موقعها السياسي يخضع لاختبار من نوع آخر.

السيناتورة إليسا سلوتكين، التي فازت عام 2024 في ولاية ميشيغان بشمال الولايات المتحدة التي اختارت يومذاك دونالد ترمب للرئاسة، تحاول اليوم المساهمة في إنقاذ الائتلاف الذي حملها إلى واشنطن. وهي بين خبرتها الأمنية، وهويّتها اليهودية، وعلاقتها بناخبين عرب ومسلمين، وطموحها الوطني المحتمل، تتشكّل شخصية استثنائية قد يصبح تأثيرها أكبر من عمر تجربتها القصيرة في مجلس الشيوخ.

جذور ومسارات

ولدت إليسا سلوتكين في مدينة نيويورك يوم 10 يوليو (تموز) 1976، ونشأت في ميشيغان حيث ارتبط تاريخ عائلتها بمزرعة في بلدة هولي وبشركة «هايغريد فودز» لتعليب اللحوم. ومن أشهر منتجات الشركة نقانق «بول بارك» التي ارتبطت بمدرّجات ملعب الـ«تايغر» التابع لنادي ديترويت تايغرز لكرة القاعدة (البيسبول) في مدينة ديترويت.

هذه تفاصيل تستحضرها سلوتكين في موقعها الرسمي عن سيرتها، لربط سيرة العائلة بتاريخ الولاية الصناعي وحياتها اليومية، بعيداً عن الصورة المجرّدة لموظفة أمن قومي سابقة آتية من واشنطن.

درست السيناتورة المستقبلية في جامعتين من أرقى جامعات أميركا، فحازت بكالوريوس في علم الاجتماع الريفي من جامعة كورنيل، ثم ماجستير العلاقات الدولية من جامعة كولومبيا عام 2003.

وبين الاختصاصين مسافة تبدو حاضرة في خطابها. اهتمام بالمجتمعات المحلية ومصادر عيشها، وانشغال بموقع الولايات المتحدة وأخطار العالم. لكنها لم تدخل السياسة الانتخابية مباشرة بعد تخرّجها من الجامعة، بل أمضت سنوات في مؤسسات اعتاد أن يعمل موظفوها بعيداً عن الجمهور.

بحسب روايتها، وقعت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) خلال أسبوعها الأول في نيويورك لبدء الدراسات العليا، فدفعتها إلى اختيار العمل الأمني. وبالفعل، التحقت بوكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) محللة لشؤون الشرق الأوسط، ثم أرسلت إلى بغداد في أولى 3 مهمات بالعراق.

لم تكن يومذاك عسكرية، بل عملت إلى جانب القوات والدبلوماسيين الأميركيين، في بيئة تداخلت فيها المعلومات الاستخباراتية بالمواجهات المسلحة وصراعات النفوذ.

ومن العراق، انتقلت إلى وظائف في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية و«البنتاغون» (وزارة الحرب)، وخدمت في إدارتي جورج بوش الابن وباراك أوباما. ووصلت إلى منصب مساعد وزير الدفاع بالإنابة لشؤون الأمن الدولي.

هذه الخبرة منحت سلوتكين مادة سياسية مميّزة، وبالفعل قدّمت نفسها كموظفة خدمت الدولة تحت رئيسين من حزبين مختلفين، قبل أن تغدو ممثّلة منتخبة لأحدهما. لكنها أيضاً ارتبطت بمؤسّسة أمنية تواجه أسئلة متراكمة عن نتائج الحروب الأميركية وحدودها.

الأم والسياسةإذا كان العراق قد صاغ خبرة إليسا سلوتكين المهنية، فإن مرض والدتها شكّل العامل الشخصي الذي دفعها لدخول السياسة، بحسب روايتها. إذ شُخصت إصابة والدتها بسرطان المبيض في مرحلة متقدمة عام 2009، عندما كانت بلا تأمين صحي، وبعدما جعل تاريخ الإصابة بسرطان الثدي تكلفة التغطية المالية للعلاج مرهقة. وهنا تروي سلوتكين أن الأسرة كانت تبحث عن علاج ينقذ حياة الأم، وتملأ في الوقت نفسه أوراق إشهار إفلاسها.

توفيت والدتها عام 2011، لكن التجربة بقيت أساساً لموقفها من حماية المصابين بأمراض مُزمنة وخفض أسعار الأدوية. وحين حاول الجمهوريون إلغاء الحماية التي أتاحها «قانون الرعاية الصحية»، قرّرت خوض الانتخابات عن الديمقراطيين. وهكذا وجدت مسؤولة الأمن السابقة مدخلها إلى الناخبين في مسألة شخصية يمكن لملايين العائلات فهمها.

عضو مجلس النواب

عام 2018، انتخبت سلوتكين نائبة في مجلس النواب عن ميشيغان بعدما انتزعت مقعداً للجمهوريين، وكرّرت الفوز في عامي 2020 و2022. ثم انتقلت إلى المنافسة على مقعد السيناتورة الديمقراطية المتقاعدة ديبي ستابيناو عام 2024.

يومذاك، لم يكن انتصارها كاسحاً، إذ حصلت على نحو 2.713 مليون صوت متقدّمة بـ19 ألف صوت فقط على الجمهوري مايك روجرز، الذي ينافس اليوم عبدول السيد. بيد أن لهذا الهامش معنى يتجاوز الحساب الانتخابي. فهو يمنحها حجة بأنها تستطيع الفوز في بيئة لا تضمن نجاح الديمقراطيين، لكنه يذكّرها بأن أي خسارة محدودة بين المستقلين أو العمال أو الأقليات قد تقلب النتيجة. في تلك المعركة، ركّزت سلوتكين حملتها على تكاليف المعيشة والأدوية والتعليم، ودافعت عن حقوق الإجهاض، وحصلت على تأييد نقابة عمال السيارات، أي أن خبرتها الخارجية لم تغنها عن بناء صدقية في الشؤون المعيشية. ومن هذه التجربة تستمد اليوم اعتراضها على اختزال السياسة بالتصنيفات الآيديولوجية. فهي ترى أن الناخب الذي يقلقه التأمين الصحي أو استقرار عمله لا يبدأ بالضرورة من السؤال عما إذا كان المرشح وسطياً أو تقدمياً، بل ممّا يستطيع تقديمه.

ائتلاف يهودي - مسلم... تحت الضغط

تجسّد ولاية ميشيغان راهناً الصعوبة التي تواجه هذا المنطق حين تتداخل السياسة الخارجية بالهوية والتجارب العائلية. فالحضور العربي والمسلم واليهودي يضع الحرب في غزة والعلاقة مع إسرائيل في قلب النقاش المحلي، إلى جانب الوظائف والأسعار والسكن. ومن ثم، لا تستطيع سلوتكين التعامل مع هذه القضايا وكأنها ملفات بعيدة تخصّ لجان الكونغرس وحدها.

لكنها بالمقابل ترفض تصوير الجماعات الانتخابية ككتل متجانسة. وفي ظهورها مع السيد، شدّدت على اختلاف أولويات الناخبين اليهود، كما تختلف أولويات المسلمين والسود. ونقل موقع «جويش إنسايدر» عنها رغبتها في تقديم نموذج لامرأة يهودية ورجل مسلم يستطيعان النقاش والعمل معاً. وجاء موقفها هذا بينما تنتقد شخصيات يهودية ديمقراطية السيد، وبعضها يلوّح بحجب التأييد عنه أو دعم منافسه الجمهوري.

لا يعني هذا أن سلوتكين تبنّت برنامجه. ووفق صحيفة «شيكاغو ماروون» أوضحت في نقاش بجامعة شيكاغو هذا الشهر، أنها لم تؤيده في الانتخابات التمهيدية، وأن خلافاتهما مستمرة وبخاصة في السياسة الخارجية. لكنها ترى أرضية مشتركة في حماية الديمقراطية والأمن الاقتصادي، بحسب قولها. ومن هنا تحاول صياغة انقسام بديل داخل الحزب، بين الاستعداد للمواجهة والانسحاب منها، بدلاً من الفصل التقليدي بين المعتدلين والتقدميين.

مع ذلك، يرى البعض أن هذا الاختيار ينطوي على أخطار. فتأييد مرشح مختلف عنها قد يساعد على توحيد الحزب، لكنه قد يضعف صورتها لدى بعض من اختاروها بسبب اعتدالها. وفي المقابل، فإن الابتعاد عنه كان سيجعل خطاب الوحدة أقل اقناعاً لدى التقدميين والناخبين الذين يريدون تغييراً في سياسة إسرائيل. والاختبار هنا ليس لقدرتها على إرضاء الجميع، بل على إقناع المختلفين بأن التعاون لا يستلزم تنازلهم عن جميع مواقفهم. ومن ثمّ، إذا أرادت قيادة وطنية، فهذه مهارة تحتاج إليها في حزب يصعب على أي جناح فيه الفوز منفرداً.

إسرائيل بلا تفويض

تظهر محاولة سلوتكين الموازنة في مواقفها بوضوح في تصويتها يوم 15 أبريل (نيسان) الماضي، لمنع نقل قنابل هجومية تزن ألف رطل وجرّافات عسكرية إلى إسرائيل، مع تأكيد استمرار دعمها أنظمة الدفاع، بينها «القبة الحديدية». وقالت إنها ستراجع الأسلحة الهجومية المموّلة أميركياً، كل حالة على حدة.

بذا وضعت السيناتورة فصلاً عملياً بين حماية إسرائيل وتأييد كل ما تطلبه حكومتها. وفي تفسيرها موقفها، أكدت تمسكها بـ«إسرائيل يهودية ديمقراطية»، لكنها رفضت مساواة تأييدها بالموافقة على أجندة رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو. وربطت موقفها بحق الأميركي في دعمها وانتقاد قيادتها. وأيضاً، استحضرت خبرتها في العراق لتشدّد على معارضتها النظام الإيراني وحلفائه، بالتزامن مع رفض حرب ترى أن «ترمب بدأها بلا تهديد وشيك مثبت أو أهداف واضحة» أو موافقة الكونغرس.

تتيح هذه الصيغة تصوّر أن تلعب سلوتكين دوراً في محاولة إعادة بناء العلاقة بين الديمقراطيين وإسرائيل. لكن لا توجد أدلة تتيح تقديمها بوصفها صاحبة خطة معلنة للعمل مع جماعات الضغط المحسوبة على اللوبي اليهودي لاستعادة الدعم غير المشروط لإسرائيل. فموقفها الموثّق أقرب إلى «إعادة تعريف التأييد» بحيث يتّسع للقيود والمحاسبة. هذا قد يجعلها محاورة مفيدة لبعض المنظمات والناخبين المؤيدين لإسرائيل، وموضع خلاف مع آخرين. في المقابل، هويّتها اليهودية لا تضمن قبول حجتها، مثلما لا يضمن تصويتها ضد أسلحة هجومية استعادة ثقة العرب والمسلمين. فعليها إقناع الطرفين بأن معاييرها ثابتة، وليست استجابة متغيرة لضغط الانتخابات.

وهنا تضيف الانتخابات الإسرائيلية بعداً جدياً لهذا الاختبار. فالمعطيات حتى الآن لا توضح الطرف الذي يملك غالبية محسومة، ويظل احتمال استمرار بنيامين نتنياهو مطروحاً ضمن مفاوضات الائتلاف. وإذا بقي، فقد يزداد الضغط على سلوتكين لإثبات أن الفصل بين إسرائيل وحكومتها يترجم إلى قرارات، لا لغة مريحة سياسياً فقط.

للعلم، بدأ انتقال سلوتكين إلى الجمهور الوطني مبكراً بعد دخولها مجلس الشيوخ، إذ اختارها الديمقراطيون في مارس (آذار) 2025 للرد على خطاب ترمب أمام الكونغرس. وأدلت بخطاب يستدعي قيماً مشتركة ويتوجّه إلى «الوسط» السياسي، بدليل أنها استعانت بإرث الرئيس الجمهوري الراحل رونالد ريغان لانتقاد مقاربة ترمب للعلاقات الدولية.

لكن نبرتها الأكثر مواجهة اليوم لا تعني تخلّيها عن الأولويات الاقتصادية. فقد طرحت خلال مشاركتها في مناقشات شيكاغو تسريع بناء المساكن والتأمين الصحي العام، منتقدة تقصير الديمقراطيين في مخاطبة مخاوف الأسر خلال انتخابات 2024. وهي بذا تحاول توسيع صورتها من «خبيرة أمن قومي» إلى «سياسية» ترى أن هشاشة الطبقة الوسطى تمسّ استقرار البلاد نفسه. وفي مسألة الإدارة، تدعو سلوتكين إلى تحقيقات محدّدة تستطيع كشف المسؤوليات مع تشريعات تمنع تكرار التجاوزات. وتتحفّظ عن التعويل على تكرار محاولات عزل الرئيس الشكلية من دون أصوات كافية لإدانته في مجلس الشيوخ. وهنا يظهر منطق عملها: «مواجهة أشد لكن بأهداف قابلة للتحقق لا مجرد رفع سقف الوعود».

من ناحية أخرى، أقرت سلوتكين بأنها تفكر في الترشح للرئاسة، من دون إعلان قرار، كما زارت ولاية نيفادا أخيراً وسط تكهنات بطموحها لعام 2028 بحسب موقع «أكسيوس».

ومع ذلك، فالفوز في ميشيغان لا يضمن اجتياز انتخابات تمهيدية وطنية، حيث تحتاج إلى شبكة تنظيمية وتمويل وتعريف أوسع بنفسها، وتواجه منافسين أقوى وأكثر شهرة.

وعشية الانتخابات النصفية، تبدو إليسا سلوتكين أمام اختبار يسبق إعلان أي طموح رئاسي: هل تستطيع مساعدة حزبها على الفوز من دون إخفاء خلافاته وأزماته، ومخاطبة ناخبين لا يثق بعضهم ببعض؟