إردوغان يدقّ طبول الحرب في إدلب للضغط على روسيا

صدمة من موقف موسكو ومنتقدوه ضد استدعاء دعم واشنطن

إردوغان يدقّ طبول الحرب في إدلب للضغط على روسيا
TT

إردوغان يدقّ طبول الحرب في إدلب للضغط على روسيا

إردوغان يدقّ طبول الحرب في إدلب للضغط على روسيا

كشفت التطورات الأخيرة في محافظة إدلب السورية مع استمرار تقدّم قوات نظام الأسد فيها، وفي أجزاء من محافظة حلب المجاورة، عن خلاف يتفاعل تحت السطح لأشهر طويلة بين تركيا وروسيا على الرغم من حرص الجانبين على إظهار التوافق بشأن الوضع في إدلب. والمعروف أن الجانبين يرتبطان هناك بعدد من الِتفاهمات التي أمكن التوصل إليها، إما في إطار «مباحثات آستانة» بمشاركة إيران، أو المباحثات الثنائية وأبرزها «تفاهم سوتشي» الموقّع في منتجع سوتشي بأقصى جنوب روسيا يوم 17 سبتمبر (أيلول) 2018 بشأن إنشاء منطقة عازلة منزوعة السلاح للفصل بين قوات الحكومة والمعارضة.
ترى روسيا بالنسبة للوضع في شمال غربي سوريا، كما أعلنت غير مرة، أن تركيا أخفقت في تنفيذ التزاماتها بموجب مذكرة «تفاهم سوتشي»، وعجزت عن إداء دورها في الفصل بين «المقاتلين المتشددين» - قاصدة بهم عناصر «هيئة تحرير الشام» («جبهة النصرة» سابقاً) - وفصائل المعارضة الوطنية المعتدلة إلى جانب التخلف عن طريقي حلب – اللاذقية (إم 4) وحلب دمشق (إم 5).
في المقابل، بدأت تصدر عن تركيا للمرة الأولى خلال الأسابيع الأخيرة تصريحات للهجوم على روسيا، وتحميلها المسؤولية عن استهداف المدنيين في إدلب بسبب دعمها تحركات قوات نظام الأسد الساعية للسيطرة على إدلب، وانتهاكها «تفاهم سوتشي»، وكذلك «اتفاق مناطق خفض التصعيد» في إدلب الذي سبق التوصل إليه في آستانة (عاصمة كازاخستان) خلال مايو (أيار) 2017، الذي بموجبه أنشأت تركيا نقاطاً عسكرية للمراقبة في إدلب بدأت بـ12 نقطة أنشئت خلال أكتوبر (تشرين الأول) من العام ذاته.
- تحرشات... وحشد للحرب
قبل أشهر تحرّشت قوات النظام بنقاط المراقبة التركية في محافظة إدلب قتل فيها عدد من الجنود. ومع تقدم النظام داخل المحافظة بدأت تركيا زيادة عدد نقاط مراقبتها على محاور عدة في شرقها وجنوبها وشمالها، حتى وصل عددها إلى 37 نقطة. وفي الوقت ذاته، تقدمت قوات النظام – المدعومة من الروس – أكثر في إدلب، حيث حاصرت 4 نقاط للمراقبة تابعة للجيش التركي، وقتلت على مدى الأسبوعين الماضيين 13 عسكرياً تركياً، إضافة إلى إصابة عدد آخر. هذا، دفع الأتراك للرد المباشر، وأعلنت وزارة الدفاع التركية عن قتل العشرات من جنود النظام، فضلاً عن الخسائر في الآليات والمعدات العسكرية وإسقاط طائرتين.
وإزاء هذه التطوّرات هدد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بشن عملية عسكرية ضد قوات الأسد ما لم تنسحب إلى حدود «تفاهم سوتشي»، أي خلف نقاط المراقبة الـ12 في منطقة خفض التصعيد في محافظة إدلب. وبالفعل، باشرت تركيا حشد قواتها الخاصة (الكوماندوز) والدفع بتعزيزات عسكرية ضخمة إلى داخل المحافظة وعلى حدودها مع سوريا. ووفق تقديرات، حشدت تركيا 10 آلاف جندي داخل إدلب وفي محيطها، كما أصدرت أوامر للفصائل السورية الموالية في الهيئة الوطنية للتحرير بإرسال عناصرها للقتال مع القوات التركية.
- سوتشي: اتساع الفجوة
وفي محاولة لوقف التصعيد والحفاظ على مساحة التوافق بينهما، أجرت تركيا وروسيا ثلاث جولات من المباحثات على مستوى وفود دبلوماسية وعسكرية، انتهت آخرها يوم الثلاثاء الماضي في موسكو، بالفشل في تحقيق أي تقدم يغيّر مواقف الطرفين. تركيا ذكرت أن نتائج المباحثات كانت بعيدة جداً عما كانت ترجوه، معلنة أنها لن تنسحب من نقاط المراقبة، بل سترد بأشد الطرق على أي هجوم من جانب النظام. وأضافت أنها تتمسك بانسحاب قوات النظام إلى ما وراء نقاط المراقبة، وأنها أكملت تحضيراتها لشن عملية عسكرية لإجبارها على ذلك ما لم تنسحب قبل نهاية فبراير (شباط) الحالي. وفي المقابل، أعلن الكرملين أن تنفيذ عملية عسكرية تركية ضد قوات الأسد السورية سيكون «أسوأ سيناريو»، لكن روسيا وتركيا ستواصلان الاتصالات بشأن إدلب السورية لمنع تصاعد التوتر بدرجة أكبر.
ولقد أكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، أن بلاده لم تبلغ تركيا خلال مباحثات موسكو وأنقرة بأي خطط جديدة بشأن إدلب. وشدد أيضاً على أن الأوضاع في المحافظة لن تعود إلى ما كانت عليه قبل سنة ونصف السنة، ولا سيما أن تركيا لم تنجح في الفصل بين المتشددين والمعارضة الوطنية المعتدلة في إدلب. وتابع، أن «تفاهم سوتشي» لا يتضمن ما ينص «على حماية الإرهابيين». وأردف، أن عمليات قوات نظام الأسد في شمال غربي البلاد، عبارة عن «رد على الاستفزازات الصادرة من الإرهابيين»، وذلك يجري بموجب ما اتفق عليه الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب إردوغان.
أيضاً، لفت لافروف إلى أن من وصفها بـ«الجماعات الإرهابية في إدلب» واصلت خلال الفترة الماضية «استفزازاتها» عبر القصف على قاعدة حميميم الروسية وعلى المدنيين وقوات الأسد، وإن ما تقوم به الأخيرة هو «الرد على هذه الاستفزازات»، وهو ما تدعمه روسيا لاستعادة سيطرة «الحكومة على أراضيها». واستطرد قائلاً، إن الاتفاق الروسي - التركي في سوتشي «لم ينص أبداً على تجميد الوضع في إدلب، وترك حرية التصرف للإرهابيين هناك، ولم يقدم أي أحد وعوداً بعدم المساس بالإرهابيين» على حد تعبيره.
- «العملية المباغتة» واردة
المباحثات حول إدلب أظهرت في الواقع عمق الخلاف بين أنقرة وموسكو، إلى الحد الذي بدا فيه أن موسكو غير راغبة في رفع مستوى الاتصالات مع أنقرة. إذ أعلنت أنه «لا نية في الوقت الراهن» لعقد لقاء بين بوتين وإردوغان، بخلاف ما كرّرته أنقرة عن عقد لقاء بين الرئيسين إذا لم تنجح مباحثات الوفود في إحراز تقدم.
ومن ثم، عقب إعلان الجانبين فشل المباحثات بالتوصّل إلى النتائج المرجوة، هدّد إردوغان، أمام نواب حزبه في البرلمان، يوم الأربعاء الفائت، بإطلاق عملية عسكرية مباغتة في إدلب. وأضاف، أن تركيا «لم تحصل على النتيجة التي تريدها من المباحثات مع روسيا التي جاءت بعيدة جداً عما ترغب فيه». وبالتالي، أعدت خطة لعملياتها العسكرية في إدلب. وطالب الرئيس التركي، مجدداً، نظام الأسد بسحب قواته من بعض المواقع هناك بحلول نهاية الشهر الحالي قائلاً: «هذا آخر تحذيراتنا... بات شن عملية في إدلب وشيكاً... قد نأتي ذات ليلة على حين غرة».
- دعم أميركي قوي
في هذه الأثناء، حصلت أنقرة على دعم أميركي قوي في ظل التوتر مع موسكو على خلفية التطورات في إدلب. وأكدت واشنطن دعمها لتركيا، حليفتها في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، في كل الخطوات التي تتخذها لحماية أمنها و«مصالحها المشروعة». وأكد جيمس جيفري، المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، أثناء زيارته للعاصمة التركية الأسبوع الماضي، أن بلاده لن ترسل قوات إلى إدلب، لكنها مستعدة لدعم تركيا لوجيستياً واستخباراتياً.
كذلك، جددت واشنطن على لسان كيلي كرافت، المندوبة الأميركية لدى الأمم المتحدة، دعمها القوي للمصالح المشروعة لحليفتها الأطلسية تركيا. إذ اعتبرت أنها «قدمت أكثر من أي دولة أخرى مساعدات للاجئين السوريين بإدلب»، وذلك خلال جلسة لمجلس الأمن في نيويورك حول الأوضاع الإنسانية والسياسية في سوريا، يوم الأربعاء الماضي. وأردفت كرافت «نحن نتفهم قلقها (أي تركيا) بشأن تدفقات اللاجئين الإضافية نتيجة الأعمال العدائية المستمرة»، مضيفة «... ونرفض رفضاً قاطعاً التصريحات التي أدلى بها المسؤولون الروس، والتي تلقي باللوم على تركيا كذباً في تصعيد العنف في شمال غربي سوريا... إن نظام الأسد وروسيا، وليس تركيا، مسؤولان عن تنظيم وتنفيذ هذه الحملة العسكرية».
كذلك، شددت المندوبة كرافت على أن «الولايات المتحدة، ستواصل التنسيق مع تركيا بشأن النهج الدبلوماسي، لاستعادة وقف إطلاق النار في منطقة خفض التصعيد بإدلب»، معتبرة أن «عملية آستانة أثبتت فشلها في تحقيق خفض التصعيد في إدلب. ومن ثم، طالبت الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ومبعوثه الخاص إلى سوريا غير بيدرسون، بتسلم المهمة واعتبارها أولوية قصوى للأمم المتحدة.
هذا، وعلق الرئيس التركي على تصريحات لنظيره الأميركي دونالد ترمب بشأن التعاون مع تركيا في ملف إدلب، قائلاً: «يمكن أن يكون هناك تعاون بيننا على مختلف الصعد في أي لحظة».
- معضلة حقيقية
في أي حال، يرى مراقبون أن تركيا تجد نفسها الآن أمام معضلة حقيقية. فمن ناحية، تريد أن تتفادى وقوع كارثة إنسانية على حدودها الجنوبية بينما هي غير مستعدة لاستقبال مزيد من اللاجئين، ومن ناحية أخرى، لا ترغب في تدمير علاقتها مع روسيا.. ولا ترغب في تأجيج التوتر أو وضع علاقتها مع روسيا على المحك بسبب تطورات إدلب. وتدرك أن روسيا هي الطرف الوحيد القادر على كبح خطوات نظام دمشق المحتملة ضد المصالح التركية في أي وقت.
حقاً، تركيا غير راغبة في التضحية بعلاقتها الوثيقة مع روسيا، ولقد حرصت على بنائها خلال السنوات الأربع الأخيرة، مقابل العزلة الدولية التي تعانيها من جانب قوى الغرب، وأيضاً بعض دول الشرق الأوسط، بسبب مغامرتها الأخيرة في ليبيا ومنافستها على موارد النفط والغاز الطبيعي في شرق البحر المتوسط، فضلاً عن تدخلاتها في شؤون دول المنطقة. ولذا؛ فهي تسعى إلى «اتفاق سوتشي جديد» مع روسيا، يشمل إيران أيضاً بسبب خياراتها المحدودة في سوريا حالياً.
وكان رد تركيا، الذي وُصف بـ«الخجول» على مقتل عسكرييها في إدلب مؤشراً – بالنسبة لمراقبين – إلا أن التهديد بالعملية العسكرية ما كان إلا محاولة للضغط على روسيا من أجل إقرار هدنة جديدة. والدليل أن الجانبين أكدا أن المباحثات ستستمر رغم فشلها حتى الآن في تحقيق تهدئة. وبينما يواصل إردوغان تهديداته لسوريا، وتحديد مواعيد نهائية لشن ضربة عسكرية لقوات الأسد في نهاية فبراير الحالي، ما لم تنسحب إلى «حدود اتفاقية سوتشي»، يرى مراقبون أن إردوغان، الذي راهن على أن تهرع موسكو إليه لعقد اتفاقية جديدة تحت التهديد، غير مرتاح لردّ الفعل الروسي السلبي. ولهذا زاد ضغطه بإرسال المزيد من الدبابات والصواريخ والمدافع والجنود إلى منطقة إدلب، في عملية انتشار استباقية هدفها خلق «أمر واقع» جديد في المنطقة.
- مخاوف... وتحذيرات
مع ذلك، ترى دوائر مقربة من إردوغان، أن بإمكان واشنطن فعل الكثير، من تسليح المعارضة، إلى ضرب قواعد النظام الحساسة، ووصولاً إلى اقتراحات جديدة للأمن القومي التركي. أما بالنسبة لأوروبا، فتعتقد هذه الدوائر أنه من غير المنتظر أن تقدّم دعماً لتركيا بخلاف الدعم المالي من ألمانيا للاجئين السوريين. كذلك ترى أن تركيا إنما اضطرت إلى التعاون مع روسيا بسبب سياسة واشنطن الخاطئة تجاه سوريا... وفي حال أخذت الولايات المتحدة زمام المبادرة، فسيكون بإمكانها توسيع نفوذها في سوريا، وفي حال لم تفعل، سيتعذّر البحث في إعادة تصحيح العلاقات التركية - الأميركية.
باريش دوست أر، الكاتب في صحيفة «جمهوريت» التركية، حذّر من أن استدعاء واشنطن للأزمة «لن يؤدي إلى حلّ، بل سيصعّبه؛ إذ إن واشنطن تتراجع في العالم، ولم تستطع حتى الآن حلّ مشكلاتها مع إيران وكوريا الشمالية وفنزويلا، كما أنها لا تريد سوى تقسيم دول المنطقة عبر التنظيمات الإرهابية». وتابع الكاتب التركي، إن من يريد دعم «ناتو» - في إشارة إلى مطالبة وزير الدفاع التركي خلوصي أكار للحلف بتقديم الدعم لتركيا في إدلب – «إنما يستدعي التدخل والانتداب الأميركي على تركيا، وهذا يجب ألا يحدث».
ورأى المحلل السياسي متين يغين، أن أنقرة «لا ترغب في حل الأزمة السورية، وهي لم تحل أي مشكلة تورطت فيها». لافتاً إلى أنه «بعد مرور 46 سنة على الاحتلال التركي لقبرص، ليس هناك من يعترف بقبرص الشمالية غيرها، وكذلك بالنسبة إلى المشكلة الكردية التي لم تحل بعد».
وتابع يغين «في العراق تركيا موجودة ولا أفق لهذا الوجود. والأمر ينسحب على سوريا أيضاً، حيث استراتيجية إردوغان فيها هي اللاحل». وكم هو مؤسف أنه ينجح فيها».
أيضاً، لفت الكاتب أورهان بورصالي إلى ما رآه «توظيف إردوغان الأزمة السورية داخلياً وتقديمها على أنها شأن تركي داخلي». ورأى أن «هذا يعني أن الحرب في سوريا ستستمر كأداة أساسية لاستمرار سلطته في الداخل؛ ولذا فإنه يضع (عربة الحرب) أمام السلام، وتتطابق سياساته مع الذهنية العثمانية... وفي هذا السياق، تأتي مسألة كسب الأرض في سوريا لتوسيع حدود تركيا، وذلك هو عصب سياسة إردوغان في سوريا منذ العام 2011. ومن الزاوية نفسها ينظر إلى البلقان والآن إلى ليبيا؛ سعياً إلى تحقيق هدفه في إقامة تركيا الجديدة في عام».
- «سيناريوهات» الأزمة
وفي الاتجاه السياسي نفسه، يرى الكاتب محمد علي جولار أربعة خيارات أمام تركيا للخروج من الأزمة السورية: الأول، هو التعاون المباشر مع نظام الأسد في دمشق، لكن لأن حزب العدالة والتنمية لم يتخلّ عن أجندته الخاصة تجاه سوريا والأسد فإن هذا الخيار غير قابل للتطبيق.
والثاني، الذي وصفه بـ«الخيار الجيد»، فهو استمرار التعاون مع روسيا ومنع الولايات المتحدة من انتهاز الفرص.
والثالث، الذي وصفه بالخيار الخاطئ، فهو الصدام بين تركيا ونظام الأسد في إدلب. والرابع، وهو الأكثر سوءاً من وجهة نظر الكاتب، فهو أن تتعاون تركيا مع الولايات المتحدة لتقسيم سوريا.
واعتبر الكاتب أن الهدف المركزي الذي يسعى إليه إردوغان اليوم هو إنشاء ممر لـ«الجيش السوري الحر»، على أنقاض الممر الكردي، ولو لم يكن هدفه كذلك لكان دخل مع روسيا منذ البداية في مسار اتفاق مع الأسد.
- إدلب... مأساة إنسانية بلا نهاية
> حذّر مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة من تفاقم الأوضاع الإنسانية «المُزرية» في محافظة إدلب مع استمرار التصعيد في مختلف مناطق المحافظة الواقعة في شمال غربي سوريا. وقال المتحدث باسم المكتب، ينس لاركيه، إن المكتب سجل مقتل أكثر من ألف و500 مدني خلال الأشهر التسعة الأخيرة في المحافظة، «... ولم يبق مكان آمن في إدلب. القنابل تتساقط في كل مكان، وحتى الذين نجحوا في الفرار من أماكن القصف ليسوا بمأمن».
وأضاف لاركيه: «استمرار الهجمات والقصف طوال الشهرين الأخيرين، تسبب في نزوح المدنيين من مختلف مناطق المحافظة، وأكبر مشكلة هي التغذية، إضافة إلى ظروف الشتاء الصعبة». وأوضح أن 3 ملايين مدني بالمنطقة في مأزق، نصفهم من الأطفال والكهول، في حين يشكل نقص المساعدات مشكلة أخرى، رغم الجهود المبذولة في هذا الخصوص من قبل المكتب والمنظمات المدنية الأخرى. وأشار إلى نزوح 520 ألف مدني بالمحافظة، منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي.
من جانب آخر، وجهت منظمات إغاثة سورية نداءً عاجلاً لوقف إطلاق النار، وطلبت مساعدة دولية لنحو مليون شخص نزحوا بسبب هجوم قوات النظام على إدلب في أكبر موجة نزوح خلال النزاع المستمر منذ 9 سنوات. وقال تحالف المنظمات السورية غير الحكومية، إن النازحين «يفرّون بحثاً عن الأمان، لكنهم يموتون بسبب الظروف الجوية القاسية وانعدام الموارد المتاحة». وأضاف التحالف، خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول «إننا نواجه واحدة من أسوأ أزمات توفير الحماية، ونتعامل مع حركة كبيرة لنازحين ليس لديهم أي مكان يذهبون إليه». وأكد التحالف الحاجة إلى ما مجموعه 336 مليون دولار أميركي لتوفير المواد الأساسية والماء والملجأ، والحاجة أيضاً إلى موارد تعليمية لنحو 280 مليون طفل نازح.
هذا، وخلال الأسبوع الماضي، أعلنت الأمم المتحدة، أن النازحين هم في غالبيتهم من النساء والأطفال وحذرت من أن الأطفال يموتون بسبب البرد لأن مخيمات الإغاثة ممتلئة. وقال مارك لوكوك، مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، إن العنف في شمال غربي سوريا بلا تمييز. فقد تعرضت منشآت صحية ومدارس ومناطق سكنية ومساجد وأسواق للقصف. وأعلنت منظمة الصحة العالمية، الثلاثاء الماضي، أنه من أصل 550 منشأة صحية في شمال غربي سوريا، ظل النصف فقط في الخدمة. وكان مدير المنظمة تيدروس أدهانوم غيبرييسوس قد شدّد أمام الصحافيين «إننا نكرّر القول: المرافق الصحية وعمال الصحة ليسوا أهدافاً مشروعة».



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.