تراجع حصيلة الإصابات اليومية بـ«كوفيد - 19» في الصين ووفيات جديدة خارجها

كوريا الجنوبية عزلت 2.5 مليون شخص بعد تضاعف عدد الحالات

فيروس كورونا
فيروس كورونا
TT

تراجع حصيلة الإصابات اليومية بـ«كوفيد - 19» في الصين ووفيات جديدة خارجها

فيروس كورونا
فيروس كورونا

أكدت الصين، أمس، عن تراجع كبير في عدد الإصابات الجديدة بفيروس كورونا المستجد، المعروف رسميا بـ«كوفيد - 19»، معتبرة أنه مؤشر على احتواء الوباء، لكن المخاوف تتصاعد في الخارج بعد الإعلان عن وفاتين في اليابان ووفاة في كوريا الجنوبية.
وارتفع عدد الوفيات في الصين إلى 2118 بعد وفاة 114 شخصا آخرين، لكن مسؤولي الصحة أفادوا عن أدنى عدد من الإصابات الجديدة في قرابة شهر (600)، ويشمل ذلك مقاطعة هوباي بؤرة الوباء. وأصيب أكثر من 74 ألف شخص في الصين، ومئات آخرون في 25 دولة، كما ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية.
وقالت منظمة الصحة العالمية، أمس، إن استمرار تراجع أعداد حالات الإصابة الجديدة بفيروس كورونا في الصين «أمر مُبشّر»، لكن من السابق لأوانه معرفة إن كان هذا الاتجاه سيستمر، كما نقلت وكالة «رويترز». وأوضح المدير العام للمنظمة تيدروس أدهانوم غيبريسوس، خلال إفادة صحافية في جنيف: «نشعر بالتفاؤل بسبب هذا الاتجاه، لكن هذا ليس وقت الشعور بالرضا». كما أشار إلى أن عدد حالات الإصابة بفيروس كورونا في باقي أنحاء العالم منخفض للغاية مقارنةً بالصين، لكنّ «الوضع قد لا يستمر على هذا الحال لفترة طويلة».
ووصل عدد الوفيات خارج الصين القارية إلى 11 شخصا. وارتفع عدد الوفيات في اليابان إلى ثلاث بعد وفاة رجل وامرأة في الثمانينات من العمر على متن سفينة تخضع لحجر صحي، فيما تتصاعد المخاوف بشأن ركاب آخرين نزلوا من سفينة «ديموند برينسيس» بعد تأكد إصابتهم بالمرض.
كما أعلنت كوريا الجنوبية عن أول وفاة بالمرض، وتضاعف عدد المصابين في البلاد تقريبا أمس إلى 104 أشخاص، بينهم 15 في مستشفى في مدينة «دايغو» حيث توفي رجل. ونصح رئيس بلدية المدينة، رابع أكبر مدن البلاد يبلغ عدد سكانها 2.5 مليون شخص، السكان بالبقاء داخل منازلهم، بينما فرض قادة قاعدة عسكرية كبيرة في المنطقة، قيودا على الدخول إليها.
بدورها، أعلنت إيران عن وفاة شخصين أول من أمس، في أولى وفيات في منطقة الشرق الأوسط. وتأكدت وفيات بالمرض في فرنسا والفليبين وتايوان وهونغ كونغ.
وقال مسؤولون صينيون هذا الأسبوع إن جهودهم الكبيرة، ومنها عزل عشرات ملايين الأشخاص في هوباي وفرض قيود على الحركة في مدن أخرى في أنحاء البلاد بدأت تؤتي ثمارها. وقال وزير الخارجية، وانغ يي، في لاوس خلال اجتماع خُصّص لمناقشة الفيروس مع نظرائه من دول جنوب شرقي آسيا إن «النتائج تظهر أن جهودنا للسيطرة (على الوباء) تنجح»، لافتا إلى الأرقام الجديدة.
ورغم الإعلان عن أكثر من 600 إصابة جديدة بالفيروس في ووهان، فإن هذه أدنى حصيلة يومية منذ أواخر يناير (كانون الثاني)، وبتراجع كبير عن حصيلة اليوم السابق، وهي 1749 إصابة. وقال وانغ: «في هوباي، وخصوصا في ووهان، الوضع يتحسن بشكل كبير». وبهذا يسجل عدد الإصابات على مستوى البلاد تراجعا لليوم الثالث على التوالي. إلا أن مسؤولا في فريق الحكومة المركزية الذي يتعامل مع انتشار الفيروس، قال إن الوباء لا يزال «خطيرا جدا». وفرضت السلطات الصينية حجرا على ووهان البالغ عدد سكانها 11 مليون نسمة، في 23 يناير، وسارعت إلى إغلاق كافة أنحاء إقليم هوباي (56 مليون نسمة) في الأيام التي تلت.
ونفذت سلطات المدينة هذا الأسبوع عمليات بحث في المنازل استمرت ثلاثة أيام بحثا عن مرضى محتملين، فيما حذر مسؤول الحزب الشيوعي في المدينة من أن المسؤولين «سيخضعون للمساءلة» في حال لم يتمكنوا من رصد إصابات مؤكدة.
أما المدن البعيدة عن بؤرة الفيروس، فقد حصرت عدد الأشخاص الذين يمكنهم مغادرة منازلهم لشراء الحاجيات من المتاجر، فيما عزلت قرى نفسها ومنعت دخول غرباء. وقال مدير الطوارئ في منظمة الصحة العالمية لمنطقة الشرق الأوسط، ريتشارد برينان، إن الصين تحقق «تقدما كبيرا خلال فترة قصيرة»، لكنه حذر من أن الأزمة لم تنته بعد. وقال برينان في مؤتمر صحافي في القاهرة: «الأمور مشجعة جدا، لكن من المبكر جدا القول إنه تمت السيطرة على الفيروس».
وبينما تشيد الصين بالتقدم الذي أحرزته في مكافحتها لـ«كوفيد - 19»، تواجه الحكومة اليابانية انتقادات بسبب إجراءات فرض حجر على السفينة السياحية «دايموند برينسيس». والسفينة الضخمة الراسية في يوكوهاما تعد أكبر بؤرة للفيروس خارج الصين، مع تأكيد 634 إصابة بين الركاب والطاقم بعد تشخيص 13 مصابا آخرين أمس، بحسب وزارة الصحة اليابانية. إلا أن مغادرة الركاب للسفينة تستمر بعد أن جاءت نتائج فحوصهم سلبية بدون ظهور أعراض خلال فترة الحجر الصحي، التي استمرت 14 يوما. ومن المتوقع أن تتواصل إجراءات إنزال الركاب ثلاثة أيام على الأقل. وغادر مزيد من الركاب السفينة أمس، ونُقلوا في حافلات صفراء إلى محطات ومطارات.
لكن لا تزال تُطرح تساؤلات حول حكمة قرار السماح لركاب سابقين بالتنقل بحرية في مدن يابانية مكتظة، حتى ولو كانت نتائج فحوصهم سلبية. وندد خبير في الأمراض المعدية بجامعة كوبي بإجراءات حجر «فوضوية تماما» على السفينة، في انتقاد قلّما صدر عن أكاديمي ياباني. وقال كنتارو أيوتا في تسجيلات فيديو ما لبث أن حذفها، إن «السفينة السياحية لم تكن مهيأة لاحتواء الوباء». وأكدت وزارة الصحة اليابانية أنها أجرت «مشاورات بشأن الإجراءات الملائمة للسيطرة على الفيروس في السفينة» مع خبراء، واتخذت سلسلة من التدابير.
وأعلنت كوريا الجنوبية عن 51 حالة إصابة جديدة، أكثر من 40 منها في منطقة تتركز في كنيسة «شينتشيونجي». وجاءت الإصابات على ما يبدو من امرأة (61 عاما) أُصيبت في البداية بحمى في 10 فبراير (شباط) قبل أن يتم تشخيصها. ويعتقد أنها رفضت مرتين الخضوع لفحوص فيروس كورونا المستجد بذريعة أنها لم تسافر إلى الخارج، وحضرت أربعة اجتماعات دينية على الأقل قبل أن يتم تشخيصها بالفيروس.
وتحقق السلطات فيما إذا كانت زارت المستشفى الذي أُصيب فيه مريض بالفيروس وتوفي لاحقا. وتبين أن نحو 15 شخصا آخرين أصيبوا بالفيروس. وتم تشخيص ستيني في مقاطعة غييونغسانغ الشمالية المجاورة بالفيروس بعد وفاته الأربعاء لإصابته بذات الرئة، بحسب السلطات.
وفي أوكرانيا، احتج العشرات أمس أمام مستشفى في وسط أوكرانيا واشتبك بعضهم لفترة وجيزة مع الشرطة، بسبب خطط حجر أشخاص تمّ إخلاؤهم من الصين. وجرى الاحتجاج في منطقة بولتافا وسط البلاد، بعد أن أعادت كييف عشرات من المواطنين والأجانب من الصين، ودعا الرئيس فولوديمير زيلينسكي أبناء وطنه إلى إظهار التضامن.
ووصلت طائرة تحمل 45 أوكرانياً و27 أجنبياً من مدينة ووهان الصينية أمس، إلى مدينة خاركيف شرق البلاد.
وقالت وزارة الداخلية الأوكرانية إنه سيتم احتجاز جميع الركاب مدة 14 يوما في منشأة نوفي سانزهاري الطبية في منطقة بولتافا المجاورة. وأعلنت وزارة الصحة أنه لم تتأكد إصابة أي من الركاب بالمرض.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...