ظاهرة «المهرجين» تثير قلق فرنسا.. وحمى الحملة الانتخابية تشتد في أميركا

الاعتداءات الجنسية وإيبولا والانسحاب من أفغانستان تتصدر التغطية في الصحافة البريطانية

ظاهرة «المهرجين» تثير قلق فرنسا.. وحمى الحملة الانتخابية تشتد في أميركا
TT

ظاهرة «المهرجين» تثير قلق فرنسا.. وحمى الحملة الانتخابية تشتد في أميركا

ظاهرة «المهرجين» تثير قلق فرنسا.. وحمى الحملة الانتخابية تشتد في أميركا

لم تكن تكفي حكومة مانويل فالس همومها مع المفوضية الأوروبية واحترام المعايير الخاصة بالعجز في الميزانية والبحث عن مصادر تمويلية إضافية يحتاجها حكماء بروكسل للمصادقة عليها. فصعوبات الحكومة مع النواب الاشتراكيين الذين يشكلون أكثرية هشة في البرلمان كانت مصدر صداع كاف، والانقسامات التي تضرب صفوف الحزب بين محدث وإصلاحي، وبين متشدد ومتمسك بقيم الحزب وآيديولوجيته واسمه، متداولة على صفحات الجرائد وشاشات التلفزة. كل ذلك لم يكن كافيا حتى جاءت أزمة جديدة تزيد الطين بلة وتنهش أكثر فأكثر شعبية الرئيس هولاند وحكومته والاشتراكيين واليسار بشكل عام.
عنوان هذه الأزمة: «مشروع إقامة سد للمياه في منطقة (لوتارن) جنوب فرنسا» قريبا من مدينة ألبي ومن مدينة تولوز المعروفة، ففي إحدى المظاهرات الاحتجاجية على إقامة السد، حصلت اشتباكات بين المتظاهرين وبين رجال الدرك، من جهة: العصي والحجارة واليافطات وأحيانا زجاجات المولوتوف، ومن جهة أخرى: الغاز المسيل للدموع والهراوات والتوقيفات بالعشرات والقنابل الصوتية.. ولكن أيضا قنابل لإخافة وتفريق المتظاهرين.
ومن سوء طالع شاب يدعى ريمي فريس أن إحدى هذه القنابل أصابت ظهره، وفي اليوم التالي للمظاهرة عثر على هذا الطالب ميتا في حفرة. بعدها، اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي والتهبت تصريحات السياسيين وخرجت أصوات تطلب رأس وزير الداخلية، برنار كازنوف، القريب جدا من رئيس الحكومة، مانويل فالس، ووجهت الاتهامات لقوى الأمن وللتعليمات التي أعطيت لها، وانشغل الإعلام بين مترقب لنتائج التحليل المخبري الذي اكتشف آثار مادة «تي إن تي» المتفجرة على ثياب الشاب القتيل؛ مما يعني أن سبب موته القنبلة التي أصابته، والتي تحتوي على هذه المادة المتفجرة.
ولاستكمال الصورة، اعتمد حزب الخضر، الذي كان حتى فترة قصيرة شريكا في الحكومة، لهجة نارية موجها الاتهامات في كل اتجاه، وذهب أحد نوابه، نويل مامير، لوصف سياسة الحكومة بـ«البلهاء». وفي مقابل من يدعو إلى التخلي عن مشروع السد المكلف الذي يهدد البيئة وغير ذي جدوى اقتصادية، سمعت أصوات تطالب بفرض هيبة الدولة والتوقف عن التراجع كلما خرجت مظاهرة وقطع طريق.
وبعيدا عن السياسة، انشغلت فرنسا وصحفها وقنواتها هذا الأسبوع بظاهرة أصبحت أكثر قلقا، وهي تكاثر الحوادث التي يرتكبها «المهرجون» (CLOWNS)، ففي العادة، المهرجون مضحكون، يقتربون من الناس ويقومون بحركات وأفعال محببة. لكن ما يحصل في فرنسا أن مجموعات من هؤلاء الذين يخفون وجوههم تحت أقنعة يعتدون على الناس، ويلجأون إلى العنف لسلبهم ما ارتفع ثمنه وخف وزنه، وذهبت صحيفة «ليبراسيون» يوم الجمعة، إلى تخصيص موضوعها الرئيسي لهذه الظاهرة المتفاقمة، خصوصا أن مجموعات معادية تخصصت في ملاحقة هؤلاء والاقتصاص منهم، بينما الأجهزة الأمنية بقيت عاجزة حتى الآن عن وضع حد لظاهرة أخذت تثير الفزع، وتمنع الناس من الخروج ليلا مخافة مقابلة هؤلاء.
بالطبع، لم تغب «الدوليات» عن الإعلام الفرنسي الذي عاد بقوة إلى الوضع في مالي وبوركينا فاسو، فضلا عن التساؤلات حول «جدوى ونجاعة» ما يقوم به التحالف الدولي في سوريا والعراق والعجز إزاء الغطرسة الإسرائيلية واستمرا ر الاستيطان على مستوى واسع.
والفضائح الجنسية والاعتداءات على الأطفال وانتشار وباء الإيبولا في غرب أفريقيا وانتهاء حرب أفغانستان رسميا وانسحاب بريطانيا منها إضافة إلى القضايا التي تبين التناحر السياسي بين الأحزاب الرئيسية، ما زالت تنال الحظ الأوفر في التغطية في الصحافة المكتوبة.
جميع الصحف الرزينة تناولت قضية الاعتداءات الجنسية على الأطفال في ثمانينات القرن الماضي. إذ احتلت هذه القضية مكانة مهمة في التغطية الإخبارية للصحف البريطانية خلال الأسبوع الماضي، خصوصا بعد أن تم تعيين المحامية فيونا وولف عمدة حي المال والأعمال اللندني رئيسة للجنة التحقيق في الادعاءات التي اتهمت فيها وزارة الداخلية في حكومة مارغريت ثاتشر بأنها تواطأت في الموضوع وغطت على بعض المتورطين فيه. واعتبرت العمدة بأنها ليست الشخص المناسب للتحقيق في القضية بسبب العلاقات التي كانت تجمعها مع وزير الداخلية آنذاك. وحاولت القوى تسجيل الأهداف السياسية ضد بعضها في هذه القضية الحساسة، والتي سخرت من قبل الأحزاب كجزء من حملاتها الانتخابية القادمة، التي بدأت ملامحها واضحة أي قبل 6 شهور من تنظيمها.
صحيفة «التايمز» أبرزت في تغطيتها قضايا تخص الاعتداءات الجنسية وتورط الكنيسة في الموضوع. وعلى صفحتها الأولى كتبت حول استقالة كبار أساقفة الكنيسة الإنجليكانية بعد أن وجهت إليه الاتهامات بأنه قصر في عمله مما أدى إلى المزيد من الاعتداءات، منتقدة بذلك صمت الكنيسة. وتحت ما نشيت رئيسي على صفحتها الأولى كتبت صحيفة «الغارديان» تقول «الكنيسة ترجع بسجلاتها إلى 50 سنة مضت لتكتشف دورها في الاعتداءات الجنسية على الأطفال»، وإنها فتحت ملفات آلاف من رجال الدين الذين عملوا في الكنيسة طيلة 5 عقود لمعرفة دورهم في هذه القضية الأخلاقية. أما صحيفة «الديلي تلغراف» (يمين وسط) المحافظة فقد كتبت هي الأخرى بانتقاد شديد تعيين عمدة حي لندن المالي لتقود التحقيق، مبينة أن وزارة الداخلية قد غطت على العلاقة التي كانت قائمة بينها وبين وزير الداخلية في حكومة ثاتشر في ثمانينات القرن الماضي، مما يعني أن هناك تعارضا في المصالح، ولهذا فإنه من الخطأ أن تسند إليها هذه المهمة، وهذا ما تطالب به المعارضة العمالية.
وحظي تفشي وباء إيبولا في غرب أفريقيا على تغطية وافرة في صحف «التايمز» و«الغارديان» و«الإندبندنت». وقدمت الصحف خلال الأسبوع تغطية شاملة حول الوباء ومخاطره على العالم أجمع. وقالت إنه بمعزل عن المأساة الإنسانية التي لا تزال تعيشها أفريقيا الغربية على وقع انتشار إيبولا، فقد أوقع هذا الوباء ضحية أخرى هي منظمة الصحة العالمية وبشكل أعم الإدارة الدولية للوباء التي اعتبرت أنها جاءت متأخرة جدا. اتفق الجميع على القول إنه حصل تأخير في انطلاق التحرك الذي يعد مسؤولا جزئيا عن اتساع وباء إيبولا، الأخطر منذ اكتشاف الفيروس في 1976 في زائير السابقة.
وجاء عنوان صحيفة «الغارديان» على صفحتها الأولى يوم الجمعة الماضي محذرا ليعكس حجم المأساة قائلا «العالم ليس آمنا ما زال وباء إيبولا في أي مكان».
أما صحيفة «التايمز» فقد بعثت بأهم مراسليها إلى غرب أفريقيا، الذي عمل في حلب منذ اندلاع الثورة السورية، وتعرض لمحاولة اختطاف. أنتوني لويد كتب من فريتاون بسيراليون تحت عنوان «مدينة الموت حيث تتربص إيبولا في الشوارع بخفة». وفي بداية الأسبوع عكست التغطية إعلان مسؤولين في لندن قرار إغلاق آخر قاعدة عسكرية بريطانية في أفغانستان، وإنهاء العمليات القتالية البريطانية التي استمرت 13 عاما. وتناولت ما قامت به وزارة الدفاع البريطانية بأن قوات الأمن الوطنية الأفغانية تسلمت قاعدة «كامب باستيون»، ومن المقرر أن تغادر القوات البريطانية إقليم هلمند خلال الأيام المقبلة.
وفي نهاية الأسبوع تناولت الصحف حادث تحطم مركبة الفضاء الأميركية «سبيس شيب تو» التابعة لشركة «فيرجين جالاكتيك» والتي تم تطويرها لاستخدامها في سياحة الفضاء يوم الجمعة خلال رحلة تجريبية فوق صحراء موجاف بكاليفورنيا. واختارت «الديلي تلغراف» وكذلك «الغارديان» الحادث كموضوع رئيسي في عدد نهاية الأسبوع.
ومع بداية الأسبوع الماضي، زادت حمى الحملة الانتخابية الأميركية. وذلك لأنه، يوم الثلاثاء، سيذهب الناخبون إلى صناديق الاقتراع لانتخاب كل أعضاء مجلس النواب، وثلث أعضاء مجلس الشيوخ. وأشارت كل التغطيات الإعلامية تقريبا إلى احتمال فوز الحزب الجمهوري بأغلبية في مجلس الشيوخ. إذا حدث ذلك، سيسيطر على كل الكونغرس. واهتمت القنوات التلفزيونية الإخبارية أكثر، وكثفت التغطيات، وأرسلت مراسلين إلى الولايات لنقل أخبار حية. وفي نفس الوقت، زادت الإعلانات السياسية في هذه القنوات. وفي المجال الخارجي، ركز الإعلام على نوعين من الأحداث: الحروب والاشتباكات في جانب، والانتخابات في جانب. وبينما تميل التغطية في الصحف خاصة في صحف مثل «واشنطن بوست» و«نيويورك تايمز» و«لوس أنجليس تايمز» نحو التغطية الخارجية، تميل قنوات التلفزيون نحو التغطية الداخلية. لهذا، نشرت هذه الصحف تفاصيل الانتخابات في عدة دول: الناخبون في تونس يذهبون إلى صناديق الاقتراع للانتخابات البرلمانية الأولى في ظل الدستور الجديد. في البرازيل، الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية وإعادة انتخاب الرئيسة الحالية ديلما روسيف. في أوروغواي انتخابات عامة، وأيضا لجولة ثانية من الانتخابات الرئاسية. في أوكرانيا لصالح الرئيس بترو بوروشينكو، الموالي للغرب.
ومع الانتخابات، الحروب: مساعدة للولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب، قال الجيش الباكستاني إنه قتل 18 متشددا في غارات جوية بالقرب من الحدود مع أفغانستان. والحدث التاريخي في أفغانستان: إغلاق قاعدة عسكرية أميركية وبريطانية رئيسية، وتسليمها إلى القوات الأفغانية. ونقل تلفزيون «سي إن إن» مناظر براقة للمراسيم العسكرية للتسليم والتسلم. مع السؤال الروتيني عن مقدرة الأفغان على مواجهة منظمة طالبان.
ونشرت صحيفة «نيويورك تايمز» تقريرا طويلا عن الاشتباكات بين القوات المصرية والإرهابيين في سيناء. وكتبت عن إغلاق الحكومة المصرية لمعبر رفح الحدودي مع غزة، وتأسيس منطقة عازلة.
وفي وسط الأسبوع، فوجئ الإعلام الأميركي، وأيضا المسؤولون الأميركيون وأعضاء الكونغرس، بخبر اعتراف السويد بدولة فلسطين. خاصة بسبب تأييد إسرائيل القوي في الكونغرس، ووسط عامة الأميركيين. ونشرت صحف كلمات افتتاحية لم تؤيد الاعتراف، وتساءلت عما إذا كان الاعتراف سيساعد على حل المشكلة.
وفي وسط الأسبوع، اهتم الإعلام الأميركي بحدث رياضي هو: في دوري البيسبول، فاز فريق جاينات (العملاقة)، في سان فرانسيسكو، ببطولة العالم لعام 2014، بعد أن هزم فريق رويالز (الملكيين) في كانساس سيتي (ولاية ميزوري).
ومع نهاية الأسبوع، زادت حمى الانتخابات، وصعد الجمهوريون حملتهم ضد الرئيس أوباما، خصوصا بسبب أخبار بأن الضرب الجوي الأميركي لمنظمة «داعش» لم يوقف توسعاتها، غرب بغداد، وشرق دمشق، ولم يخرجها من مدينة كوباني.
وفي صفحتها الأولى، ومع كلمة عن حب الشعوب للحرية، حتى الشعوب الأفريقية في دول نائية لم يسمع بها ربما كل الأميركيين، نشرت صحيفة «واشنطن بوست»، صور وخبر نهاية حكم ديكتاتور بوركينا فاسو (في غرب أفريقيا) بعد حكم استمر 27 عاما.



آن ـ كلير لوجاندر: «معهد العالم العربي» يجمع المَشاهد الثقافية ويواكب التحوّلات الفنّية

وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
TT

آن ـ كلير لوجاندر: «معهد العالم العربي» يجمع المَشاهد الثقافية ويواكب التحوّلات الفنّية

وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)

بحلول عام 2027، يكون قد مرَّ 40 عاماً على تأسيس «معهد العالم العربي»، وهو عمر النضج لهذه المؤسّسة الثقافية الفريدة من نوعها في العالم، والتي تحتلّ موقعاً جغرافياً متميّزاً في العاصمة الفرنسية، حيث تطلّ على كاتدرائية «نوتردام» ونهر السين وباريس التاريخية. ولأنّ المعهد شهد تغييراً في رئاسته عقب استقالة رئيسه السابق جاك لانغ وتسمية آن كلير لوجاندر، السفيرة السابقة ومستشارة الرئيس إيمانويل ماكرون الدبلوماسية لشؤون الشرق الأوسط والعالم العربي، مكانه، كان لا بدَّ من اللقاء بالرئيسة الجديدة الشابة التي تجيد اللغة العربية وتُبدي اهتماماً بالعالم العربي. ولوجاندر هي أول امرأة تُسند إليها هذه المهمّة البالغة الأهمية، نظراً إلى الدور الذي يضطلع به المعهد، ليس فقط على الصعيد الثقافي والفني واجهةً للثقافة والحضارة العربيتَيْن، وإنما أيضاً لما له من امتدادات على الصعيدين الدبلوماسي والاستراتيجي. من هنا، سعت «الشرق الأوسط» إلى التعرّف على رؤية الرئيسة الجديدة لدور المعهد، وكيفية تحديث صورته وتمكينه من تعميق وظيفته مركز إشعاع ثقافياً وحضارياً في «عاصمة النور»، وجسراً للتواصل والتلاقح بين ضفاف البحر الأبيض المتوسّط وما وراءها، وصولاً إلى الخليج وحتى البحر الأحمر.

مساحةٌ تلتقي فيها الثقافات بلا حواجز (أ.ف.ب)

روابط عضوية بين الفاعلين ثقافياً

تقول الرئيسة الجديدة: «الدول المعنية من الجانبين في (معهد العالم العربي) تستحق فتح فصل جديد. ونحن نأمل، بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ40 لتأسيسه، أن نتمكن من تحديد توجُّه جديد للـ40 عاماً المقبلة. والمهم بالنسبة إليّ هو إعادة بناء علاقة أقوى مع الدول المؤسّسة في العالم العربي. وخلال الـ40 عاماً الماضية، تطوَّرت المَشاهد الثقافية في هذه الدول بشكل كبير. ولذا، أودّ أن نتوصل إلى إقامة روابط وثيقة جداً، بل عضوية، مع جميع الفاعلين في المشهد الثقافي لهذه البلدان». واستطردت: «ثمة تطوّر مهم يتمثّل في بروز المشهد الثقافي في المنطقة الخليجية، الذي نما بقوة وبشكل لافت خلال الـ20 عاماً الأخيرة، وأصبح له موقعه ودوره، ونحن نرغب بشدّة في تعزيز روابطنا مع الفاعلين الفنّيين والثقافيين هناك».

قيادة جديدة لمعهد يبحث عن أفق أوسع (أ.ف.ب)

ومن التحوّلات التي تتوقَّف عندها، عودة سوريا إلى الفضاء الثقافي الذي يُعاد بناؤه، مشيرة إلى أنّ سوريا ستكون حاضرة للمرة الأولى منذ 15 عاماً في «بينالي البندقية للفنّ المعاصر» بجناح يضمّ مجموعة من الفنانين السوريين. ولذا، فإنّ المعهد لا يريد أن يكون بعيداً عن هذه العودة، وهو راغب في مساندتها والتفاعل معها.

أهمية تعليم اللغة العربية

ثمة هدف ثانٍ تريد الرئيسة الجديدة التركيز عليه، يتناول اللغة العربية وكيفية الدفع باتجاه تعليمها والترويج لها، في فرنسا وفي أوروبا أيضاً. ففي فرنسا، تُعد اللغة الثانية الأكثر تداولاً، ولها علاقات تاريخية وثيقة بالبلد وباللغة الفرنسية، وكانت لقرون رافداً ثقافياً رئيسياً في أوروبا. وثمة حاجة حقيقية في فرنسا وفي عدد من الدول الأوروبية، حيث الجاليات العربية الراغبة في أن يتعلّم أبناؤها اللغة العربية في معاهد واضحة وشفّافة وحديثة. وبنظرها، فإنّ «المعهد» قادر على المساعدة والإسهام في هذه المهمّة. وما تريده لوجاندر، في مواجهة الصور النمطية السلبية عن اللغة العربية، التي تعكس إما جهلاً بحامليها أو دوافع سياسية، هو أن يتولّى «المعهد» مهمّة الإسهام في انتشارها، خصوصاً أنه يحتضن مركزاً مُعتَرفاً به لتعليمها، وهو مؤهَّل لمنح شهادات مقبولة رسمياً. وطموحها يذهب أبعد من ذلك؛ إذ تريد أن يُعتَرف بإرث هذه اللغة، وأن يجري «تبنّيها» على المستوى الفرنسي. وقالت حرفياً: «لدينا دور نؤدّيه في هذا المجال، يتمثَّل في إظهار أنه ضمن إطار جمهوري، يمكن لهذا التاريخ واللغة والثقافة أن تجد أبهى صور العرض والتقدير، وهو تقدير لا يزال ينقصها اليوم على الساحة الفرنسية».

لوجاندر في الواجهة... والمعهد على طريق التحوُّل (غيتي)

العالم العربي اليوم

لا يستطيع «المعهد» أن يعيش مع محيطه أو يؤثّر فيه أو يتفاعل معه من دون تقديم إنتاج ثقافي. وما تريد لوجاندر الدفع باتجاهه هو بالفعل «تعزيز الإنتاج الثقافي المشترك»، سواء من خلال المعارض أو الأنشطة الثقافية المتنوّعة، بما يعني «تقديم المساعدة للفنانين الشباب العرب على إيجاد فرص، ومساعدتهم على إنتاج أعمال جديدة، وضمان تداخُل المشهدين الثقافيين (هنا وهناك) من خلال تواصل حقيقي». وتأسف لوجاندر لأنه «لا يزال هناك قدر من الجهل في فرنسا وأوروبا بشكل عام تجاه هذه المَشاهد الثقافية العربية الجديدة. وأنا واثقة أننا قادرون على بناء حداثة جديدة معاً، و(المعهد) هو المكان المناسب لذلك». ولأنّ رئيسته لا تريد إثارة الجدل بشأن فكرتها، فإنها تحرص على توضيحها بشكل كافٍ، وتقول: «ما يهمنا هو الرؤية التي يحملها العالم العربي اليوم، والتي يمكن أن تتفاعل مع المشهد الثقافي الأوروبي والفرنسي. وهذا يمرّ، في نظري، عبر بناء روابط أوثق مع المؤسّسات الثقافية في الجانبين، وليس فقط مع الدول على أنها كيانات سياسية، بل أيضاً مع الفاعلين الثقافيين فيها ومؤسّساتها الكبرى، من أجل إنشاء شبكة تعاون في خدمة الثقافة».

الفكرة طَموحة والهدف واضح، لكن ترجمتها إلى واقع تطرح تحدّي التمويل. رئيسة «المعهد»، التي تعمل على إنضاج خطّتها، لديها منذ الآن مجموعة من الأفكار، من بينها استقدام فنانين وعرض أعمالهم، وتأهيل قيّمين على المعارض من المشهد الثقافي العربي، بدلاً من حصر هذه المهمّة بالفرنسيين أو الأوروبيين. وأكثر من ذلك، تشير لوجاندر إلى أنّ «المعهد» بصدد العمل على استحداث مجموعة من الجوائز في قطاعات فنّية متنوّعة، مثل التصميم والأدب والرسم وحتى الموضة، مع توفير إمكانات للإنتاج للفائزين، وإتاحة فضاءات وفرص للعرض، وبناء شراكات مع مؤسّسات فرنسية وغير فرنسية، إضافة إلى توفير إقامات فنيّة للفائزين في فرنسا وأوروبا. والهدف «اكتشاف مواهب ورؤى جديدة ورعايتها، وربطها بالمشهد الثقافي الفرنسي والأوروبي، وفتح آفاق جديدة أمامها».

هنا... تصبح الثقافة لغة مشتركة (أ.ف.ب)

إبراز المنطقة الخليجية

تشمل هذه الرؤية أيضاً دول الخليج، التي لم تحظَ بالقدر الكافي من اهتمام «المعهد»، وهو ما تسعى الرئيسة الجديدة إلى معالجته؛ إذ تؤكد تشجيع التعاون الوثيق مع المنطقة، مشيرة إلى وجود «إمكانات كبيرة للتعاون مع المتاحف الخليجية وإقامة شراكات معها». وتلاحظ أنّ المتاحف التي نشأت في السنوات الأخيرة «رائعة، لكنها تفتقر إلى برمجة واضحة للمعارض أو للأنشطة». كما ترصد معرض الرياض الدولي بوصفه فرصة للتعاون، مشدِّدة على رغبتها في «دخول المعهد إلى الفضاء الخليجي ومشهده الثقافي». وفي هذا السياق، تسعى لوجاندر إلى نفض الغبار عن المتحف وتحديثه.

تحدّي التمويل

كلما كبرت المشاريع، تضاعفت الحاجة إلى تمويلها. ويعيش «المعهد» تاريخياً حالة عجز مالي دأبت وزارة الخارجية الفرنسية على تغطيته. وإنما لوجاندر تؤكد ثقتها باستدامة وضعه المالي، مشيرة إلى نجاحه في تطوير موارده الذاتية من خلال المعارض والأنشطة؛ إذ بات ضمن أبرز 5 متاحف في باريس، ويستقبل ما لا يقلّ على مليون زائر سنوياً. وإلى جانب الدعم المالي السنوي من الدولة الفرنسية، يمتلك «المعهد» صندوقاً بقيمة 51 مليون يورو موظّفاً في أحد البنوك، يوفّر عائدات سنوية، وقد تكوَّن هذا الصندوق من إسهامات الدول العربية.

وتسعى الرئيسة إلى تطوير الموارد المالية لتمويل الأنشطة الجديدة، مع الحرص على أعلى درجات الشفافية في إدارة الميزانية. ومن هنا، تدفع نحو حوكمة جديدة ونظام إداري محدَّث، مع طرح فكرة إنشاء «مجلس أمناء» أسوة بالمؤسسات الأميركية الكبرى، وتعزيز شبكة الداعمين، عبر إشراك شخصيات وهيئات فاعلة في المشهد الثقافي من المجتمع المدني في الجانبين.

صورة «المعهد» بعد 10 سنوات

سؤال أخير لرئيسة المعهد يتناول رؤيتها له بعد 10 سنوات. ويأتي ردها حاملاً كثيراً من الطموحات؛ إذ ترى فيه «محوراً نتمكن من خلاله من ربط مختلف هذه الفضاءات الفنّية والثقافية العربية والفرنسية والأوروبية»، بحيث «يوفّر مساحة تتيح التلاقي والتفاعل». كما تسعى إلى تطوير المتحف الذي يضمه «المعهد» وفق «مفهوم جديد وحديث، يدمج بشكل أفضل الفنون المعاصرة والحديثة (من الجانب العربي)، التي لم نُبرزها بما يكفي حتى الآن. ومن أولوياتنا أن نمنحها حقّها من الاهتمام».

وتضيف لوجاندر: «أرنو إلى أن نستضيف هذا الإبداع المعاصر داخل مؤسّستنا، ثم نعمل على نشره وتشجيعه خارجها أيضاً. ومنطق الجوائز يوفّر دعماً ملموساً للفنانين الشباب». لذلك، ستعمل على «اقتناء أعمال المبدعين العرب الشباب وإنتاجاتهم، فيكون «المعهد» أفضل واجهة لعرض إنتاج هذا الجيل المعاصر».

وأخيراً، ترى في «المعهد» «فضاءً يشعر فيه الفرنسيون بالراحة، فيجدون فيه ما يعكس جانباً من هويتهم، ويجعلهم يتعرَّفون إلى أنفسهم من خلاله».


لماذا يهتم الإعلام العالمي بحروب ويتجاهل أخرى؟

لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)
لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)
TT

لماذا يهتم الإعلام العالمي بحروب ويتجاهل أخرى؟

لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)
لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)

في حين تتصدر بعض الحروب والنزاعات اهتمامات وسائل الإعلام الدولية، فإن حروباً أخرى قد تكون أكثر مأساوية، تتوارى ولا تجد طريقها إلى العناوين الرئيسية. وهذا ما أرجعه خبراء لأسباب عدة من بينها هيمنة الغرب على الإعلام، وقلة اهتمامه بالصراعات في الدول الفقيرة، إضافةً إلى مستوى تعقيد نزاعٍ ما وطول أمده.

في تقرير نشره «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، أخيراً، ذكر أنه بخلاف نزاعَي أوكرانيا والشرق الأوسط، «من غير المرجح أن تحظى حروب أخرى باهتمام الإعلام الدولي». ولفت التقرير إلى أنه «بدءاً من عام 2025، كان هناك 59 نزاعاً نشطاً بين دول حول العالم، وهو أعلى عدد منذ الحرب العالمية الثانية وفقاً لمعهد الاقتصاد والسلام».

أيضاً تضمّن تقرير «معهد رويترز» مقابلات مع ثلاثة صحافيين من بوركينا فاسو وأوغندا وإثيوبيا سبق لهم تغطية نزاعات وحروب، أعربوا كلهم عن إحباطهم من ضعف التغطية لقصص لها تأثير إنساني عميق.

ثم أشار التقرير إلى أن «الأزمات في الدول الفقيرة، خصوصاً في أفريقيا، تحظى باهتمام أقل من غيرها... وأنه خلال عام 2024 رصد المجلس النرويجي للنازحين تغطية إعلامية ضئيلة لأكثر أزمات النزوح، ثمانٍ منها كانت في أفريقيا، حيث تصدّرت الكاميرون وإثيوبيا وموزمبيق القائمة».

الأهمية الجيوسياسية

وأضاف أن «التغطية الإعلامية للنزاعات تعكس رؤية ضيقة تشكلها الأهمية الجيوسياسية أكثر من الإلحاح الإنساني». ثم لاحظ أن نتائج دراسة لـ«المرصد الأوروبي للصحافة» بيّنت إن «نحو 10 في المائة فقط من وقت البث في نشرات الأخبار العامة في ألمانيا وسويسرا والنمسا يُخصص لدول الجنوب العالمي».

محمد عبد الحميد عبد الرحمن، الصحافي السوداني ورئيس تحرير القسم العربي في إذاعة هولندا العالمية ومدير وكالة السودان للأبناء سابقاً، رأى أن «هناك علاقة معقدة بين الإعلام والسياسة والرأي العام». وأوضح في مقابلة مع «الشرق الأوسط» أن «الإعلام في أثناء الحرب لا يغطي ولا يعكس الواقع كما هو، بل يعكس ما يُعد مهماً أو قابلاً للتسويق أو يخدم سرديات معينة، لذلك تختلف التغطية من حرب إلى أخرى». ثم أردف: «المصالح الجيوسياسية، خصوصاً للدول الكبرى وحلفائها، وتحديداً أميركا ودول غرب أوروبا، هي التي تحدد مدى وكيفية تغطية الحروب ومبرّراتها وفظائعها ومترتباتها الإنسانية الفادحة».

ومن ثم، أضاف عبد الرحمن، الذي عمل خلال مسيرته المهنية مراسلاً حربياً في السودان والشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا: «الاهتمام الإعلامي الدولي بالحروب يتناسب طردياً مع مدى تأثيرها على مصالح القوى الدولية والإقليمية واستراتيجياتها إلى حد ما»، لافتاً إلى تراجع الاهتمام بالوضع في السودان مع اندلاع حرب غزة، وتراجع الاهتمام بغزة في ظل استحواذ أوكرانيا على الاهتمام.

بعدها تطرّق الصحافي السوداني إلى «عوامل أخرى تؤثر في تغطية الحروب؛ من بينها البُعد الجغرافي لموقع الحرب عن مواقع مؤسسات الإعلام الدولية الكبرى، حيث غالباً ما تهم النزاعات التي يصعب الوصول إليها». وفي مقارنة بين حرب أوكرانيا والنزاع الممتد منذ عقود في الكونغو الديمقراطية، قال عبد الرحمن إن «وسائل الإعلام تتجنّب الخوض في النزاعات المعقّدة التي تتطلّب معرفة معقولة بخلفياتها، وتميل إلى التركيز على النزاعات التي يمكن تبسيطها إلى نزاع بين قوى شريرة وأخرى خيّرة ومظلومة».

الدمار في غزة (آ ف ب)

ملاحقة الجديد وهجر الحروب الطويلة

وأردف: «الصحافيون وأجهزة الإعلام عادةً ما يميلون إلى ملاحقة الجديد والابتعاد عن الحروب الطويلة، فكل كارثة تسرق الأضواء من سابقاتها، لكن رغم ذلك تلعب التغطية الإعلامية دوراً مهماً جداً، بل وحاسماً في بعض الأحيان، لتشكيل الرأي والضغط على أطراف النزاع والمجتمع الدولي للتخفيف من حدة النزاع أو تصعيده حسب المصالح المعرَّضة للخطر جرّاء استمرار الحرب».

من ناحية أخرى، وفق محمد عبد الحميد عبد الرحمن، «التغطية المتحيزة أو المتأثرة بالمصالح قد تعمل في بعض الأحيان على إطالة أمد الحرب؛ ذلك إلى أن استمرار تغطية نزاعٍ ما لفترة طويلة لا يعني بالضرورة استمرار اهتمام الرأي العام به، بسبب ما يمكن أن نسميه إرهاق التغطية والمتابعة والتعاطف».

وتابع: «لا تؤدي التغطية المكثفة بالضرورة إلى إنهاء النزاعات والميل إلى إنهائها كما نلاحظ بوضوح في الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي... لأن المواقف الدولية تحكمها المصالح والتحالفات ولا تخضع في معظم الأحيان للضغط الإعلامي».

على صعيد متصل، وفق تقرير «معهد رويترز»، فإن «النزاعات بين الدول المستقلة تحظى بتغطية أكبر من النزاعات الداخلية؛ نظراً إلى تأثيرها الأوسع على السياسة العالمية والاستقرار الاقتصادي. أما النزاعات في المناطق الأقل تأثيراً اقتصادياً، فمن المرجح تجاهلها بغضّ النظر عن شدّتها أو آثارها الإنسانية... يلعب القرب الثقافي دوراً في تحديد الخبر المهم، وغالباً ما تحظى النزاعات التي يشعر الجمهور الغربي بأنها أقرب إليه بتغطية كبرى».

هنا أرجع يوشنا إكو، الباحث الإعلامي الأميركي، ورئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، غياب بعض الحروب عن العناوين الرئيسية، جزئياً، إلى «هيمنة الغرب على وسائل الإعلام والاتصال». وقال لـ«الشرق الأوسط» خلال حوار معه، إن «تجانس المحتوى الإعلامي يزيد من تفاقم أوجه عدم المساواة أو الاختلال في التوزيع العالمي للمحتوى الإعلامي».

وقارن بين حجم التغطية الإعلامية للحروب الجارية في أوكرانيا وإيران، وحجم التغطية للحروب المستعصية المستمرة منذ عقود في الصومال والسودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية، فنبّه إلى أن «توزيع وسائل الإعلام يفترض ضمناً هيمنة السياسة والاتصال ورأس المال».

لجنة ماكبرايد

كذلك تطرّق إكو إلى إنشاء «اللجنة الدولية لدراسة مشكلات الاتصال» عام 1977 برئاسة الآيرلندي شون ماكبرايد (حامل جائزة نوبل للسلام)، ومشاركة ممثلين من 15 دولة أخرى. وقال إن اللجنة أعدَّت فيما بعد تقريراً بعنوان «أصوات متعددة... عالم واحد»، عُرف بـ«تقرير ماكبرايد»، شدد على «وجود اختلال فادح بين الشمال والجنوب، لا تزال أصداؤه تتردد إلى اليوم».

وللعلم، كان إكو قد أجرى عام 1991 دراسة حول تغطية الصحف النيجيرية للأزمات الإقليمية والدولية، كدراسة حالة عن ليبيريا وحرب الخليج. وذكر أن «الدراسة أظهرت أن وسائل الإعلام الغربية آنذاك، لا سيما (سي إن إن) الأميركية و(بي بي سي) البريطانية كانتا تقودان السرديات المتعلقة بالحروب... وهذا الوضع لم يتغير، إذ ما زال الإعلام الغربي يهيمن على سرديات الحروب حتى الآن».

أما بالنسبة إلى «حرب غزة»، فقد أورد تقرير «معهد رويترز» أنه «رغم التغطية الكبيرة للحرب في غزة، فإن بعض الضحايا يحظون باهتمام إعلامي أكبر من غيرهم. حيث كانت التغطية الإعلامية لكل قتيل إسرائيلي أعلى بـ33 مرة من نظيرتها للقتيل الفلسطيني في محتوى (بي بي سي) خلال سنة».

وهنا علّق خالد القضاة، عضو مجلس نقابة الصحافيين الأردنيين، في لقاء مع «الشرق الأوسط» فقال إن «الواقع يؤكد أن موضوع الحياد الإعلامي غير موجود، فبعض المؤسسات الإعلامية هي انعكاسات لسياسات دولية وتنسجم مع مواقفها فيما يتعلق بالحروب والنزاعات».

وأوضح أن «تغطية النزاعات والحروب تختلف بين المتابعة داخل دولة النزاع نفسها والتي تتعرض لانحيازات حسب مواقف الدولة وأطراف الصراع، والتغطية في المؤسسات الدولية التي تنحاز أيضاً إلى مواقف دولها واهتمامات شعوبها». وشدد من ثم على «ضرورة التنوع في مؤسسات الإعلام من أجل تقليل درجة الانحياز في تغطية النزاعات وضبط المصطلحات والمواقف وزيادة الاهتمام بالنزاعات المهملة».


ما تأثير تحديثات «إكس» للروابط الخارجية على المحتوى والجمهور؟

شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)
شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)
TT

ما تأثير تحديثات «إكس» للروابط الخارجية على المحتوى والجمهور؟

شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)
شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)

على الرغم من تراجع منصة «إكس» عن دعم الأخبار المعززة بروابط خارجية، فإن تعديلات خوارزمية أخيرة أجرتها المنصة «قد تعيد المحتوى الإخباري إلى واجهة الاهتمامات بشرط تغيير عقيدة النشر التقليدية».

هذا التحول لم يعد مجرّد تكهّن تقني؛ بل أثبتته الأرقام في دراسة حديثة أجراها مختبر «نيمن لاب» للصحافة التابع لجامعة هارفارد الأميركية، وأشارت إلى «عقوبات خوارزمية» غير مُعلنة تواجهها الروابط الخارجية، مقابل مكافآت لمنتجي المحتوى داخل المنصة.

الدراسة، التي نشرت نتائجها في أبريل (نيسان) الحالي، أوضحت أن «الناشرين الذين يعتمدون على نشر عنوان الخبر مرفقاً برابط يُخرج المستخدم من التطبيق لصالح بقائه على المنصة الإخبارية مالكة الخبر، باتوا يعانون من تراجع حاد في معدلات الوصول».

بينما رصدت الدراسة عدة عوامل أخرى قد تدفع بالأخبار إلى الواجهة. مثلاً، وجدت أن التغريدات التي تبدأ بعبارة «خبر عاجل» حققت تفاعلاً يزيد بمقدار 4 أضعاف بشرط أن يكون المحتوى مكتوباً بأسلوب «أصلي» يغني القارئ عن الخروج من المنصة.

أيضاً، حذّرت الدراسة من أن الخوارزمية أصبحت تتعامل بصرامة مع مقاطع الفيديو «المعاد تدويرها» من منصات أخرى؛ إذ يُخفض الوصول للفيديوهات التي تحمل علامات مائية لمنصة أخرى مثل «تيك توك» بنسبة تصل إلى 90 في المائة.

مستشار الإعلام الرقمي، رامي الطراونة، قال لـ«الشرق الأوسط» معلقاً إن «إكس» تسعى - حالها كحال جميع المنصات – إلى تعزيز وقت مكوث المستخدمين عليها لأطول مدة ممكنة. وأوضح أن الهدف هو بقاء المستخدم، غير أن «المنصة معنية كذلك بالحفاظ على طابع وصبغة محتواها الإخباري الملخص والمركز، مستغلة ميل المتابعين إلى تجربة مبسطة تتضمّن أقل عدد ممكن من التنقل والنقرات مع أكبر زخم من المعلومات (المعلبة) في المكان نفسه». وتابع: «لذلك فإن المنشورات التي تكتفي برابط وعنوان دون تفاصيل لم تَعُد تحظى بمكانتها السابقة، بينما باتت الأفضلية أوضح للمحتوى الذي يقدم الخبر نفسه داخل المنشور».

حسب الطراونة فإن «إكس» لا تعادي الأخبار؛ لكنها لم تعد تكافئ «الكسل التحريري»، على حد قوله. قبل أن يضيف: «لقد صار الوصول يُبنى على جودة الصياغة داخل (إكس) لا على مجرد رابط وانتظار جهد من المتابعين». ودلل على ذلك بأن محتوى «إكس» من المنشورات النصية والفيديو يمثل مصدر تغذية أساسي لـ«غروك» (نموذج ذكاء اصطناعي توليدي خاص طورته المنصة أخيراً)، الذي تستثمر فيه «إكس» بشكل كبير، وهو ما يضيف بعداً وقيمة إضافية لأهمية نشر المحتوى الكامل على المنصة من وجهة نظر ملاكها».

أيضاً وفق الطراونة فإن «الممارسة الأنسب حالياً لمواكبة تغيرات المنصة وخوارزميتها، هي ببساطة أن يبدأ المنشور بخلاصة خبرية قوية ومباشرة، تتضمن أهم معلومة أو تطور أو رقم، ثم يستكمل السياق عبر شرح أو محتوى مرئي سريع». وأردف: «كلما كان المحتوى أصلياً ومباشراً وسهل الالتقاط في لحظة الحدث، زادت فرص ظهوره ضمن التدفقات والملخصات الفورية». أما عن فرص الربح أمام الناشرين داخل المنصة، فقال: «رغم تقلبات (إكس) ما تزال أدوات الربح فيه تمثل فرصة مفيدة، إذا استُخدمت كرافعة تمويل لا كموجه تحريري... ويمكن للمؤسسات الإخبارية الاستفادة من الاشتراكات، ومشاركة الإيرادات، وتحقيق الدخل من الفيديو، ثم إعادة توظيف جزء من هذه العوائد لدعم انتشار المحتوى الجاد والعام ذي القيمة».

من جهة ثانية، في نقاش مطلع الشهر الحالي، جمع رئيس قسم المنتجات في «إكس»، نيكيتا بير، وصحافيين في الـ«نيويورك تايمز»، عبر المنصة، اتهمت الصحيفة المنصة بأنها «تحد من التفاعل على الأخبار»، لكن بير نفى، وأرجع التراجع إلى أسلوب الصحيفة. إذ قال إنها «لم تغير أسلوب صياغة عناوينها منذ 20 سنة، ووصف ذلك بـ«الأسلوب القديم» الذي لا يتناسب مع الخوارزمية، وأن المشكلة في «طريقة النشر» التي لا تشجع المستخدم على التفاعل.

من جانبه، اعتبر أحمد البرماوي، رئيس تحرير منصة «فولو آي سي تي» للاقتصاد الرقمي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أنه «لا تزال فرص انتشار المحتوى الإخباري على منصة (إكس) قائمة، لكنها شهدت تحولاً واضحاً في آليات الوصول للجمهور». ثم أوضح أنه لم يعد أمام المؤسسات الإخبارية «خيار أحادي بين جذب الزيارات إلى مواقعها أو الاكتفاء بالنشر داخل المنصة»، بل أصبح الاتجاه نحو «نموذج هجين هو الأكثر واقعية وفاعلية».

وأضاف أن «الاعتماد الكامل على الروابط لم يعد يحقق النتائج المرجوة، في ظل القيود التي تفرضها الخوارزميات، بينما يحمل الاعتماد الكامل على النشر داخل المنصة مخاطر تتعلق بالتحكم في الوصول». وتابع: «لذا تميل المؤسسات الناجحة إلى المزج بين تقديم محتوى متكامل وجذاب داخل (إكس) مع استخدام الروابط بشكل انتقائي وذكي، وهذا التحول يعكس حقيقة أن (إكس) لم تعد مجرد وسيلة لتوزيع المحتوى؛ بل منصة نشر قائمة بذاتها تتطلب استراتيجيات تحريرية مخصصة».

أخيراً، على صعيد تحقيق الإيرادات، يرى البرماوي أنه «يمكن للناشرين الاستفادة عبر مسارين: الأول مباشر من خلال برامج تحقيق الدخل المرتبطة بنسبة التفاعل والمشاهدات. والثاني غير مباشر عبر بناء جمهور قوي يمكن توظيفه لاحقاً في الشراكات الإعلانية أو توجيهه إلى منصات أخرى».