«القصة السرية» للرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة

فريد عليلات يروي عنه تفاصيل مهمة أغلبها يُسرد للمرة الأولى

«القصة السرية» للرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة
TT

«القصة السرية» للرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة

«القصة السرية» للرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة

في 398 صفحة من الحجم الكبير، يروي الصحافي الجزائري فريد عليلات «القصة السرية» للرئيس عبد العزيز بوتفليقة. والكتاب الصادر عن منشورات دار «روشيه» ليس الأول، ولن يكون الأخير، الذي يُكرّس للرئيس الجزائري المتنحي عن السلطة، العام الماضي، بعد أن حاول التربع على عرش الجزائر لولاية خامسة. إلا أن ما يتميز به الكتاب أنه لا يكتفي بالتحليل والاعتبارات السياسية والاستراتيجية، بل يأتي بقصص صغيرة ولكنها مهمة، وأغلبها يُسرَد للمرة الأولى. ومنها على سبيل المثال قصة هجرة والد عبد العزيز بوتفليقة من قريته الفقيرة غرب الجزائر إلى مدينة وجدة المغربية القريبة من الحدود المشتركة، وولادة الأخير فيها من زوجة والدته الثانية، يوم 2 مارس (آذار)، عام 1937. إضافة إلى ذلك، يسرد الكتاب معاناة الصبي من قصر قامته وضعف تكوينه، وصيت والده الذي أطلق عليه أبناء وجدة والجزائريون اللاجئون إليها لقب «المخبر». لكن عبد العزيز عوض عن ذلك كله بالتفوق في الدراسة وإتقان العربية والفرنسية، وتمكّنه من الكتابة. وهذه الميزات دفعته إلى أن يقدم طلباً، وهو في الـ19 من عمره، للانضمام إلى الشرطة البلدية، في مدينة وجدة. لكن طلبه رُفِض بسبب «قصر قامته»، إذ كانت تنقصه ثلاثة سنتيمترات ليقبل في صفوفها، وذلك رغم «الوساطات» التي قام بها والده. لكن هذه السنتيمترات لم تمنع عبد العزيز من أن يصبح رئيساً للجزائر، وأن يقول يوماً: «لن أترك الرئاسة إلا للانتقال من القصر إلى القبر».
عندما اندلعت الثورة الجزائرية في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1954، لم يكن بوتفليقة من أوائل الملتحقين بها. فوالده الذي كان على صلة قوية بالسلطة المغربية وبفرنسا عارض ذلك بشدة. إلا أن الشاب الطموح قرر بعد سبعة أشهر أن يخطو هذه الخطوة، وأن يتقدم بطلب انتساب إلى مكتب التجنيد في وجدة، برفقة صديقه وأخيه بالرضاعة مصطفى بري.
وفي مكتب التطويع، سأله المسؤول: «هل أنت هنا من أجل غسل شرف والدك؟»، في إشارة إلى الاتهامات الموجهة لوالده بالتجسس على الجزائريين في وجدة. والنتيجة أنّ طلب الشاب عبد العزيز بالانتساب إلى «جيش التحرير الوطني» رُفِض. كذلك طلب صديقه. ولم يتغير وضع بوتفليقة إلا بعد تدخُّل شخصية مغربية نافذة لصالحه. وفي بداية عام 1957، ها هو عضو في «الجيش» في «الولاية الخامسة»، حيث اختار «عبد القادر» اسماً حركياً له. وفي هذه المرحلة، تعرف الشاب «عبد القادر» على هواري بومدين الذي سيكون له بالغ الأثر في حياته وصعوده السياسي وسقوطه بعد موت الرئيس الأسبق، ورحيله إلى سويسرا. ففي سن الـ21، أصبح بوتفليقة، الذي رُقّي إلى رتبة ضابط، السكرتير الشخصي لبومدين، إلا أن هذه المرحلة من عمره لطختها مهمة أُسندت إليه للتحري عن عملية اغتصاب قام بها أحد القادة الميدانيين. وجاء تقرير بوتفليقة مكبلاً لذلك القائد الذي أُعدم داخل الجزائر برصاصة في الرأس، بعد «محاكمة ثورية» رأسها الكولونيل بومدين شخصياً.
يصعب استعادة جميع القصص التي يتضمنها الكتاب؛ فهي كثيرة. لكن أهميتها أنها تلقي الضوء على بعض ما عرفه بوتفليقة، الذي عاش حياة ممتلئة، مناضلاً ووزيراً أو رئيساً. ومن مناطق الظل في سيرته وفاة والده في الستين من عمره، في رحلة بالحافلة إلى داخل المغرب. يؤكد المؤلف أن بوتفليقة لم يتناول أبداً هذه الواقعة التي بقيت ظروفها سراً دفيناً.
طيلة سنوات الثورة، لم يفارق «عبد القادر» العقيد هواري بومدين. وبعد نجاحها، في عام 1963، عُيّن الأخير وزيراً للدفاع، في ظل رئاسة أحمد بن بيلا وبوتفليقة وزيراً للخارجية. إلا أن الصراع على السلطة دفع بومدين لتنظيم انقلاب أطاح ببن بيلا. وفي تلك الليلة، كان بوتفليقة إلى جانب «الرجل القوي» الذي أرسل أول رئيس للجمهورية الجزائرية إلى السجن مدى الحياة.
ويؤكد المؤلف أن بن بيلا كان في البداية مدافعاً عن وزير الخارجية الشاب الذي كانت تنصبّ عليه الانتقادات لصغر سنه ولأدائه ولـ«غيابه» المتكرر لأيام وأسابيع عن وظيفته. إلا أن نظرته إليه تغيرت، وبعد عام واحد على شغله وزارة الخارجية، سعى الرئيس إلى إبعاده. ونقل عن بن بيلا أنه قال يوماً إن بوتفليقة «لا يفعل إلا ما يدور في رأسه». وفي زيارة رسمية إلى موسكو، مايو (أيار) 1964، جادل بوتفليقة طويلاً لدى كتابة البيان الختامي، ما دفع المفاوض الروسي إلى الاتصال بـنيكيتا خروتشيف ليخبره بالعقبات التي يواجهها. فما كان من الأخير إلا أن أيقظ بن بيلا في الساعة الثانية بعد منتصف الليل، حتى يضغط على وزير خارجيته، ليرى البيان النور.
ويروي الكتاب أن بن بيلا منع بومدين من الدخول إلى اجتماع في القاهرة، على هامش القمة العربية، نظمه الرئيس عبد الناصر، للتقريب بين المغرب والجزائر، وبحضور الحسن الثاني وأنور السادات. وقال بن بيلا لبومدين: «هذه شقتي وليس لك أن تدخل إليها»، الأمر الذي يدل على الصراع على الصلاحيات وعلى العلاقات المتوترة بين قائدين رئيسيين للثورة الجزائرية.
في حياة بوتفليقة الدبلوماسية، يلوح ضوآن: الأول، رئاسته للجمعية العامة للأمم المتحدة حيث انتخب بإجماع أعضائها، وحيث برزت مهارته الدبلوماسية، ومنها دعوة رئيس منظمة التحرير الفلسطينية إلى إلقاء خطاب أمامها، فيما ظهر على جنبه الأيسر طرف جعبة مسدسه. والثاني، مهارته في التفاوض مع الإرهابي العالمي كارلوس، للإفراج عن وزراء نفط «أوبك»، الذين اختطفهم الأرجنتيني من فيينا، نهاية عام 1975، وتنقل بهم من فيينا إلى الجزائر إلى طرابلس ثم مجدداً إلى الجزائر، حيث أطلق سراحهم مقابل اللجوء السياسي والحماية.
ويروي الكاتب، الذي يؤكد أن العملية تمت بطلب من العقيد القذافي، تفاصيل المحادثات في بين بوتفليقة وكارلوس في مطار الجزائر، والعلاقة التي قامت بين الرجلين، ورفض الثاني عروضاً مالية مغرية للإفراج عن عدد من الوزراء، بينهم وزيرا النفط الإيراني والسعودي. وبحسب الكتاب، فإن بوتفليقة أبلغ كارلوس أنه سيُحرم هو ورفاقه من اللجوء السياسي في حال أقدم على اغتيال أي من الوزراء. وبعد الإفراج عن الرهائن، أعطي كارلوس «فيلا» وأُمّنت له الحراسة. واستمرت علاقته ببوتفليقة الذي كان يزوره هناك، وحصل أنه تناول يوماً الغداء معه.
رغم ما يدين به بوتفليقة لبومدين، فإنه وصل إلى حد كرهه، وفق ما نقله الكاتب عن محادثة بين بوتفليقة وشريف مساعدية، أحد أركان النظام. فقد قال بوتفليقة: «بومدين هو الذي أكنّ له الكره الأكبر في العالم»، وجاء جواب الثاني: «من غير بومدين، ما كنتَ لتصبح معاون مدير ناحية».
وينقل الكاتب كلاماً عن بومدين قاله في موسكو وهو على سرير المرض: «بوتفليقة كان شاباً صغيراً وعديم الخبرة وبحاجة إلى رعاية، وكنتُ له بمثابة الأب». ويؤكد الكاتب أن أحد الأسباب لفقد الود بين الرجلين أن بومدين رفض تسميته خلفاً له، لأنه لم يقبل إدخال تعديل على الدستور ينص على انتخاب نائب رئيس للجمهورية، بحيث يعود المنصب المستحدث لبوتفليقة. ومن جانبه، فإن الأول حقد على بوتفليقة لما اعتبره مشاركة في المؤامرة الهادفة إلى منعه من الزواج من «أنيسة»، والتآمر بعدها لدفعه إلى الطلاق منها.
ويروي الكاتب أن بوتفليقة تآمر على بومدين عندما عاد الأول من موسكو بعد إقامة في المستشفى، إذ طلب وزير الخارجية من كابتن الطائرة تغيير مسارها حتى تمر فوق جزيرة كورسيكا، ما أعطاه الحجة للإبراق للرئيس جيسكار ديستان يتحدث فيها عن «الصفحة الجديدة» التي سيكتبها البلدان.
ورغم مشكلاته الصحية، قال بومدين يوماً لوزير خارجيته بعد أن تكاثرت زياراته إلى باريس: «هل أنت وزير خارجيتي أم وزير خارجية جيسكار»؟
في 27 ديسمبر (كانون الأول) 1978، أسلم بومدين الروح، ومعه فُتِحت معركة خلافته التي كان يطمح إليها بوتفليقة. وللوصول إليها، يسرد الكتاب كيف أن بوتفليقة ادعى وجود «وصية» من بومدين يعينه فيها خليفة له، وأنه جال على عدد من قادة الدولة، وبينهم خالد نزار، قائد المنطقة العسكرية الثالثة، وقال له: «بومدين عينني خليفة له، وهناك وصية مكتوبة رأيتها. أين هي؟ أريد أن أراها».
وبسبب إصرار بوتفليقة، أمر قصدي مرباح، مسؤول أحد أجهزة المخابرات بتفتيش منزل بومدين الشخصي، حيث فُتّش كل شيء من الأرائك إلى الطاولات والأسرّة والمكاتب والخزائن والمكتبات. لكن لا أثر لـ«الوصية». لكن بوتفليقة ليس وحده الساعي. وخصمه اللدود كان محمد صلاح يحياوي، الذي له أنصاره من المدنيين والعسكر. والنتيجة أن التنافس بينهما أقلق مجلس قيادة الثورة، ومنهم مجموعة من ثلاثة ضباط رئيسيين وجدوا ضالتهم في شخص وزير الدفاع، الشاذلي بن جديد، الذي رشحه المؤتمر العام لـ«جبهة التحرير الوطنية» وكان حقيقة مرشح العسكر. وبقي بن جديد رئيساً لثلاث ولايات، أي لـ12 سنة و11 شهراً ويومين. وبانتخابه، تبخر حلم بوتفليقة.
مع موت بومدين، انتهى عهد بوتفليقة الذي خسر وزارة الخارجية، ومعها كل الامتيازات التي اعتاد عليها طيلة 15 عاماً، لا، بل فُتح تحقيق بشأن حسابين شخصيين في مصرف سويسري كانت تُنقَل إليهما، بأمر من الوزير، كل الأموال التي لم تُصرَف سنوياً في السفارات عبر العالم. ولإهانته بشكل مباشر، يروي الكاتب أن بوتفليقة طلب مقابلة الرئيس الجديد. وفي مكتبه، همّ بوتفليقة بالجلوس، فنهره بن جديد بقوله: «مَن سمح لك بالجلوس؟»، ولأنه عُين مستشاراً في الرئاسة، فقد أُعطي مكتباً من غير نوافذ ومن غير مهمات، وبالتالي، يروي الكتاب أنه كان يمضي وقته في شرب الشاي والحديث بالهاتف. وبداية 1980، سُحِب منه هذا المنصب، وشعر بوتفليقة بأنه مستهدف بتحقيقات مالية، وأن أعداءه في الحزب راغبون بالتخلص منه. وقبل أن تتحول هواجسه إلى واقع، قرر بوتفليقة مغادرة الجزائر والعزلة الطوعية التي بدأها في باريس، ومتنقلاً بينها وبين جنيف، ومتحيناً الفرص للقاء مَن يقبل الالتقاء به بعد سقوطه المدوّي.
بوتفليقة أبعد من المكتب السياسي للحزب الحاكم من الحزب، وتمّت ملاحقته بتهم مالية، رغم أنه أعاد للخزانة 3 ملايين دولار. لكن الدولة بقيت تطالبه بـ14 مليون دولار. وقد صدر بحقه حكم في مايو (أيار) 1983 يرغمه على دفع مبلغ 728 ألف فرنك سويسري. وإبان المحاكمة، طلب أصدقاؤه من بوتفليقة العودة إلى الجزائر والدفاع عن نفسه، إلا أنه رفض خوفاً من اعتقاله، ولعدم ثقته بالقضاء.
ويروي الكاتب أن بوتفليقة حاول توسيط ياسر عرفات لدي بن جديد، فرفض التدخل شخصياً. وعن بن جديد، ينقل الكتاب نفيه السعي لملاحقة بوتفليقة، داعياً إلى عودته من غير خوف.
ولأن شمس باريس أو جنيف لا تُدفِئ، فقد قرر بوتفليقة الذهاب إلى دمشق عام 1983 حيث إن له صداقات مع نظام الرئيس الأسد. ولكن مَن سيجد في العاصمة السورية؟ كارلوس الذي استقر في عاصمة الأمويين بعد ترحال بين لبنان واليمن. وفي دمشق، أسكن بوتفليقة في الطابق الأرضي من فيلا مشددة الحراسة من ثلاثة طوابق تقع في حي المزة. ففي الطابق الأول، يقيم ابنا رئيس باكستان ذو الفقار علي بوتو. وفي الثالث، السكرتير الشخصي للرئيس صدام حسين... ويُفهَم من الكتاب أن كارلوس كان يقيم في الطابق الثاني. ويؤكد الكاتب أن بوتفليقة كان يتناول العشاء معه، كل مساء، وأن كارلوس أهداه مسدسه الشخصي. إلا أن إقامته في دمشق، بغض النظر عن لقائه بكارلوس والصداقة التي جمعتهما، لم تُرضِ بوتفليقة تماماً؛ إذ كان يريد المزيد. ولذا، فقد غادرها في العام نفسه عائداً إلى باريس، حيث التقى صديق صباه المغربي مصطفى بري الذي أقام عنده، وحيث كان يلتقي زائرين كباراً، مثل وسيلة، زوجة الحبيب بورقيبة، أو شخصيات من النظام الجزائري. وأمام وسيلة، شكا بوتفليقة من معاملة بن جديد له؛ أوقف راتبه التقاعدي، وجعله في وضع بائس... لكن تحقيقاً أمر به بن جديد أثبت العكس. والحقيقة، وفق الكاتب، أن بوتفليقة كان يستفيد من صداقاته الخاصة ومن علاقاته كما في سوريا، أو مع الشيخ زايد بن سلطان. وبحسب المؤلف، فإن بوتفليقة استفاد من كرم الإمارات، حيث كان يقيم في شقة فاخرة في فندق «إنتركونتينتال - أبوظبي» محجوزة له سنوياً. وعمل بوتفليقة مستشاراً للإمارات في نزاعها مع إيران حول ثلاث جزر في الخليج مقابل راتب شهري من 10 آلاف دولار، وتغطية جميع المصاريف، ولاحقاً وهبه الشيخ زايد مزرعة شاسعة.
والمدهش أن تقارير وصلت إلى رئيس الإمارات تفيد بأن بوتفليقة يغالي في الاستفادة من كرمه في الفندق، حيث يشتري الحلي والساعات والخواتم له ولأصدقائه ويرسل الفواتير إلى الديوان الأميري، ما دفعه إلى تناول الموضع مع بن جديد.
بعد ست سنوات من المنفى، نهاية عام 1987. عاد بوتفليقة إلى الجزائر بمناسبة مؤتمر علمي في العاصمة، وبعض تطمينات أُعطيت له. لكن الجزائر كانت في تلك الفترة تغلي: مظاهرات وقمع وسقوط عشرات القتلى وقرار بن جديد بإحداث إصلاحات.
وفي عام 1989، أُعيد بوتفليقة إلى اللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير لتنتهي بذلك فترة إبعاده وعزلته. لكن ما كان ينتظره بوتفليقة ظهرت بوادره في 1992، عند استقالة الرئيس الشاذلي بن جديد، إذ سارع للقاء وزير الدفاع، الجنرال خالد نزار الذي يعيش حالياً منفياً في إسبانيا، ليطلب منه دعمه لتولي منصب سفير الجزائر لدى الأمم المتحدة.
كذلك طلب منه رخصة حمل سلاح لشعوره بأنه مهدد. فسارع الأخير لتقديم مسدسه له. بالمقابل، فإن طلب السفارة رفض قطعاً من قبل خصومه. لكن الجزائر التي كانت تعاني من حرب داخلية، كانت تبحث عن شخصية تقود المرحلة الانتقالية من ثلاث سنوات وتخرجها من مأزقها. وأعتقد بوتفليقة أن ساعته قد حان أوانها بعد اتصالات أولية من فريق العسكر عبر وسطاء. وبعد الوسطاء، حان وقت لقاء كبار القادة العسكريين: خالد نزار، محمد لعماري (رئيس الأركان)، ومحمد مدين (المعروف بـتوفيق، رئيس المخابرات العسكرية)، الذين التقوه في مطعم فخم لتقديم عرضهم له.
يروي المؤلف في 17 صفحة تفاصيل المفاوضات والضغوط المتبادلة بين بوتفليقة والعسكر، الأول يريد رئاسة تمارس السلطة والعسكر يريدون تأطيرها. ولأن شروط الأول لم تُلبَّ، ولأنه ماطل وناور وتكبر، ولأن مفاوضيه من أصحاب البدلات العسكرية لم يتجاوبوا مع أوامره، فقد انتهت الأمور إلى تكليف اليامين زروال لرئاسة المرحلة الانتقالية، وإلى عودة بوتفليقة إلى جنيف بانتظار أيام أفضل.



كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

روي بلانت جونيور
روي بلانت جونيور
TT

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

روي بلانت جونيور
روي بلانت جونيور

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load»، الذي أرّخ فيه لمسيرة فريق «بيتسبرغ ستيلرز» عام 1973. كتب بلانت حينها واصفاً الصخب العارم: «يا له من أمر عظيم ذلك الذي تمنحنا إياه كرة القدم؛ إنها تتيح لنا في لحظات نادرة أن نتحرر من كل قيد وننغمس في فوضى صاخبة ومبهجة».

غير أن تشاك كلوسترمان يجادل في كتابه الجديد الذي يحمل عنوان «كرة القدم»، بأن هذا الصخب والهرج سيبلغان المنتهى في وقت أقرب مما نتصور، ربما في غضون أربعة أو خمسة عقود؛ فكرة القدم، في نظره، محكوم عليها بالفناء.

يرى المؤلف أن هذه الرياضة دخلت بالفعل في «دوار الموت» (وهو تعبير قد يشبه في قوته تمريرة لـ«جوش ألين» بسرعة 62 ميلاً في الساعة). ويشبه كلوسترمان كرة القدم بسباقات الخيول؛ تلك الرياضة التي هيمنت يوماً على الخيال الجمعي للأمة قبل أن تتحول إلى نشاط هامشي غريب ومهجور.

إنني أستمتع بالقراءة لكلوسترمان؛ فهو يمتلك روح الفيلسوف الذي يحلل الأمور بعمق، وهو في القضايا الشعبية «المفكر الذي يبارز كبار المفكرين» تأملاً. وثمة ملحوظتان سريعتان لا بد من ذكرهما بشأن كتابه «كرة القدم»؛ وهو الكتاب الذي استمتعت به رغم إسهابه في التفاصيل الدقيقة، على الأقل بالنسبة لمشجع عابر ومشتت الذهن مثلي.

الملحوظة الأولى هي أن إطلاق تنبؤات جنونية بعيدة المدى ليس بالأمر الشجاع تماماً، فكما قال جون ماينارد كينز ذات مرة: «على المدى الطويل، سنكون جميعاً في عداد الموتى». وكلوسترمان يدرك ذلك جيداً، إذ يكتب: «الأحياء ليسوا جمهوري المستهدف»، وكأنه يتقمص روح الروائية آن رايس (بنزعتها الجنائزية) بدلاً من روح غرانتلاند رايس (المحلل الرياضي الشهير).

أما الملحوظة الثانية، فهي أن حجته هذه لا تشغل سوى حيز متواضع من الكتاب، وتحديداً في بدايته ونهايته؛ فمادة «فناء كرة القدم» تشبه طبق «البانكيك» الذي يُقدم كطبق جانبي لطبق «بط بكين» الرئيسي؛ إذ إن المحتوى الأكثر دسامة يكمن في التفاصيل المطوية بالداخل.

يجادل كلوسترمان مثلاً بكلمات قد تمزق قلوب البعض بأن كرة القدم هي «النموذج الأكثر نجاحاً ووضوحاً للاشتراكية الأميركية»، وذلك بسبب الطريقة التي تُوزع بها عائدات البث التلفزيوني بالتساوي بين الفرق الاثنين والثلاثين (بينما قد يصفها آخرون بأنها مجرد تكتل احتكاري تجاري آخر).

كما يستفيض كلوسترمان في شرح الأسباب التي تجعل جيم ثورب يتربع على عرش أعظم لاعبي هذه الرياضة، ولماذا تبدو كرة القدم الكندية مثيرة للسخرية، ولماذا لم يقتنع الكثيرون بصورة حاكم ولاية داكوتا الشمالية، تيم والز، كمدرب لكرة القدم، رغم أنه كان كذلك بالفعل، ورغم إصرار كامالا هاريس على مناداته بلقب «المدرب». ويكتب كلوسترمان، الذي نشأ في ولاية «حمراء» (محافظة) هي داكوتا الشمالية:

«لم يبدُ والز مدرباً لكرة القدم إلا في عيون الناخبين الذين لا تربطهم صلة مسبقة بهذه الرياضة؛ فقد جسدت صورته المفهوم الليبرالي لـ(الرجولة غير السامة)، فكان بمثابة نسخة عكسية من مارغريت ثاتشر».

يتناول كلوسترمان وضع فريق «دالاس كاوبويز» بوصفه «فريق أميركا» قائلاً: «الكل يقبل هذه التسمية، لكن لا أحد يؤمن بها حقاً»، ويحلل سر براعة نيك نولتي في فيلم «نورث دالاس فورتي»، مشيراً إلى أن «كل ما كان عليه فعله هو تجسيد دور الشخص الضجر الذي يعاني من آثار الثمالة، وهما أقوى نقاط قوته كأداء تمثيلي».

ثم يغوص بعمق في عوالم «دوري الفانتازيا»، وألعاب الفيديو مثل «مادن إن إف إل»، لا سيما المراهنات، مسلطاً الضوء على ذلك «الشر الانتشائي» الكامن في تمني الفوز ببعض الرهانات ضد «فارق النقاط». ويكتب أن مباريات كرة القدم الحقيقية قد تكون مملة، لكن النسخة التي تدور في رؤوس المراهنين نادراً ما تكون كذلك: «ركلة ميدانية محجوبة واحدة كفيلة بنقل ملايين الدولارات غير المرئية، وربما تكون سبباً في انهيار زواج أحدهم». ويرى أن واضعي خطوط المراهنات في لاس فيغاس هم من بين أكثر الأشخاص كفاءة في العالم.

ويساور كلوسترمان الشك في أن فضيحة مراهنات كبرى، قد تصل لدرجة التسبب في «زوال» هذه الرياضة، ستلوح في الأفق يوماً ما، لكنه يعتقد أن المراهنة تُثري اللعبة، «على الأقل من الناحية الحوارية»؛ إذ يكتب: «الاستماع لشخص يتحدث عن فريقه في (الفانتازيا) يشبه الاستماع لشخص يتحدث عن حديقة منزله، أما الاستماع للشخص نفسه وهو يروي إخفاقاته في المراهنات، فهو أمر مثير للاهتمام إلى أبعد الحدود».

كما يخوض في نقاش حول العلاقة بين كرة القدم والعِرق، وهو نقاش لافت للنظر، جزئياً، لأنه يتناول الموضوع من زوايا غير معتادة، واضعاً تساؤلات من شاكلة:

ماذا يعني غياب اللاعبين السود تقريباً عن مركز «الهداف»؟ هل هذا دليل على التحيز، أم هو تقليل من شأن هذا المركز؟ وهل حقيقة ندرة اللاعبين البيض في مركز «الظهير الركني» تشير إلى أن هذا المركز هو الأكثر تطلباً من الناحية البدنية في خط الدفاع الخلفي، بما أن اللاعبين البيض غالباً ما يتألقون في مركزي «الظهير القوي» و«الظهير الحر»؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا يتجاوز متوسط راتب لاعب «الظهير» متوسط راتب «الظهير الركني»؟

ينثر كلوسترمان في طريقه الحِكَم والعبارات الموجزة وكأنها زجاجات مشروبات فارغة يلقيها وهو يركض؛ فيقول: «لا شيء أكثر زيفاً من التواضع الزائف»، و«عالم الرياضة علماني بقدر علمانية إيران»، و«لا يمكنك هزيمة جدار من الطوب في التنس»، وأخيراً «الحياة غير عادلة، لكنها أحياناً تكون غير منصفة لصالحك».

يذكرني كلوسترمان بنسخة عصرية من أولئك الشباب الثرثارين في فيلم باري ليفينسون الرائع «داينر»، وهم يتساجلون حول الأسطوانات الموسيقية وفريق «بالتيمور كولتس» بحماس محموم وكأن سمعة أمهاتهم تتوقف على نتيجة الجدال. كما يذكرني بالصحافي والمعلق الساخر «درو ماغاري»، مع فارق أن كلوسترمان يتسم بالبرود بينما يتوقد ماغاري حماساً؛ وكم وددت رؤيتهما - كجهاز ترطيب وجهاز تجفيف - وهما يتصارعان في قبو رطب واحد.

يجادل كلوسترمان بأن كرة القدم هي «عضو» لا يتجزأ من جسد المجتمع، سيُبتر في نهاية المطاف. ويكتب: «اللعبة لن تختفي تماماً، تماماً كما لا يزال بإمكانك سماع موسيقى الجاز على إذاعة (إن بي آر)، أو تدخين سجائر (لاكي سترايك) القديمة داخل الكازينوهات»؛ لكن المقدر لها هو الخروج من تلك المكانة المركزية التي تحتلها في الحياة الأميركية.

الأسباب وراء ذلك عديدة، لكنني سوف أوجزها في سببين؛ الأول مباشر وبسيط: يرى كلوسترمان أن المعلنين سيعودون إلى رشدهم ويدركون أن إنفاق مبالغ طائلة «مقابل 30 ثانية من العرض (الذي يتم تجاهله غالباً) هو استثمار سيئ».

أما السبب الثاني فيتطلب توضيحاً أعمق، وخلاصته هي أن سباقات الخيول انحسرت من المخيلة الأميركية لأن الناس فقدوا صلتهم اليومية الوثيقة بالخيول. وشيء مماثل سيحدث لكرة القدم؛ فنحن نفقد بالفعل صلتنا الفطرية بها.

يعود هذا التراجع جزئياً إلى أن أعداداً أقل من الأمهات - حتى في الولايات المهووسة بهذه الرياضة - سيرغبن في ممارسة أبنائهن للعبة، وذلك بدافع الخوف من إصابات الرأس (الارتجاجات). وعليه، فإن معظم الشباب لن يعرفوا هذه الرياضة إلا من خلال شاشات التلفاز وألعاب الفيديو، لتصبح بذلك منفصلة تماماً عن التجربة الحياتية المُعاشة.

كما يلقي المؤلف باللوم على «الرابطة الوطنية للرياضة الجامعية» (NCAA) بسبب سلسلة من القرارات الخاطئة؛ من بينها إنهاء الاتحادات التقليدية، وإتاحة «بوابة الانتقالات» التي تسمح للاعبين بجني أموال طائلة، مما جعل اللعبة الجامعية تشبه إلى حد بعيد نظيرتها الاحترافية. إن كرة القدم الجامعية - كحال الكثير من تفاصيل الحياة الأميركية - تفقد ذلك الطابع المحلّي الشعبي الغريب الذي كان يمنحها نكهتها الخاصة؛ ومن ثمّ، فإن الارتباط الوجداني بها محكوم عليه بالانحسار لا محالة.

للمفكر إتش إل مينكين فكرة طريفة لإنقاذ الموقف: إذ يرى أن المباريات الجامعية ستكون أكثر إثارة إذا لعب أعضاء هيئة التدريس بدلاً من الطلاب، وستكون أفضل بكثير لو لعب أعضاء مجلس الأمناء بأنفسهم!

يمتاز كلوسترمان بقدرة فائقة على صياغة أفكاره بنبرة تنبؤية واثقة، إلا أن أجمل ما في كتاباته هو مراقبته لنفسه وهو يضع أفكاره تلك في قفص الاتهام؛ فهو القاضي وهيئة المحلفين، وهو الشهود والحاجب، وهو المدعي العام ومحامي الدفاع، كلٌ في آن واحد.

وكما كتب في مؤلف آخر له: «إن أفضل فرضية هي تلك التي تقبل بشكل تلقائي احتمالية كونها خاطئة منذ البداية».

*خدمة: «نيويورك تايمز»


النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن

النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن
TT

النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن

النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن

عن دار «العربي» بالقاهرة، صدر كتاب «النيل – نهر التاريخ» لأستاذ الجغرافيا والباحث النرويجي تارييه تافيت الذي يرصد فيه حضور النهر في الفكر الأوروبي عبر حقب زمنية مختلفة وبأسلوب يجمع بين التحليل الدقيق أكاديمياً والأسلوب الأدبي. يقع الكتاب في 544 صفحة من القطع الكبير وقامت بترجمته المترجمة منة الخازندار.

في البداية، يشير المؤلف إلى أن دار النشر المسؤولة عن إصدار النسخة العربية من الكتاب سألته كيف يمكن لمؤرخ نرويجي لا تربطه أي صلات سابقة بالقارة الأفريقية أن يقضي جل سنوات حياته في البحث والكتابة عن نهر النيل، فأجاب بأن السبب الأساسي وراء ذلك هو ما أصابه من «الولع المائي» في مدينة بيرجن النرويجية، عاصمة الساحل الإسكندنافي المطير.

وذكر كيف أنه منذ عقود انتقل من الجانب الشرقي من النرويج حيث تهطل الأمطار بمعدل طبيعي إلى المدينة التي يزيد فيها معدل الهطول لدراسة تاريخ العالم. ونظراً لكونه ينتمي إلى طبقة الطلاب المعدمين، فقد كانت أرضية السيارة القديمة التي يستقلها مهترئة بفعل الصدأ. كان يتعيّن عليه انتعال حذاء مطر مطاطي في الأيام المطيرة حتى لا يبتل بنطاله.

وفي صباح يوم ملبد بالغيوم حيث كان المطر ينهمر بلا هوادة، قاد سيارته بحذر من مسكن الطلاب إلى الجامعة ووجد نفسه دون قصد ينظر إلى أسفل حيث قدمه، وفجأة خطر له أنه ينتعل حذاء المطر المطاطي، أخضر اللون ذا الرقبة الطويلة ذاته يومياً منذ وصوله إلى هنا طوال فصل الخريف، متسائلاً: ما الذي كان يحدث حولي؟

أدرك حينها أن الأمطار الخريفية تتحكم في حياته بشكل كامل، وحيث إن جميع المجتمعات تحتاج إلى المياه للنمو، وحيث إن مصادر المياه وخريطتها في الوقت ذاته تختلف من مكان إلى آخر وتكون دائماً في حالة تغير مستمرة، فقد رأى أن مثل هذا التركيز على علاقة المجتمع بالمياه يمكن أن يكون مفيداً لفهم الأنماط المختلفة للتنمية على مستوى العالم وقام بتحويل أبحاثه التي كانت تستهدف تاريخ العالم إلى برنامج بحثي شخصي يستمر على مدار عدة أعوام ويستهدف المياه والمجتمع في جميع أنحاء العالم.

منذ ذلك الحين أنتج أكثر من 20 كتاباً عن الدور الذي لعبته المياه في التاريخ وسافر متتبعاً مسارات العديد من أكبر وأهم الأنهار في العالم، من الصين والهند واليابان شرقاً، إلى فرنسا وألمانيا وإسبانيا غرباً، ومن فنلندا والسويد شمالاً، إلى جنوب أفريقيا والأرجنتين جنوباً، لكن كان أكثر ما أثار خياله وشغفه حبّاً، نهر النيل.

وفي عام 2023 ترأس مؤتمر الرابطة نصف السنوي الذي ينعقد في مكتبة الإسكندرية في مصر، كما تمكن بدعم من وزير الموارد المائية المصري الدكتور محمود أبو زيد، والسفير المصري في النرويج الدكتور مجدي حفني، من إطلاق برنامج أبحاث حوض النيل مع باحثين مشاركين من عشر دول من حوض النيل، كما أنهى فيلمه الوثائقي الثالث والأخير عن المياه بعنوان «تحقيق بشأن النيل» الذي أعاده مرة أخرى إلى التجول في منطقة حوض النيل.

فسيفساء النيل

يشير تارييه تافيت إلى أنه في الطابق الرابع بمتحف أثري متواضع يبعد نحو 35 كيلومتراً عن روما ستجد العمل الفني البارز الذي لا يعلم به كثيرون وهو «فسيفساء النيل» والذي يعود تاريخه إلى 2000 عام. يبلغ عرضه ستة أمتار ويتخطى ارتفاعه الأربعة أمتار ويصور النيل ومظاهر الحياة على ضفتيه بشكل إبداعي ويتناوله من مناظير مختلفة ومتعددة.

يصور الجزء العلوي منه عناصر أفريقية ويحاكي الجزء السفلي مناظر خاصة بالحياة على شواطئ البحر المتوسط. ورغم ضرورة مشاهدة الأعمال الفنية المصنوعة من الفسيفساء من مسافة لتبين تفاصيلها، مع ضرورة الالتزام بالوقوف خلف الحواجز الموضوعة لحماية الأعمال الفنية من اقتراب المتفرجين الذي قد يلحق بها ضرراً، لكن الرسوم الكاملة والزاهية بشكل استثنائي التي تكونها الأحجار الملونة الملتصق بعضها ببعض بواسطة الملاط تظهر جلية من جميع المسافات.

ولكن الأمر الإبداعي حقاً في «فسيفساء النيل» الموجودة في بلدة «بالسترينا» هو تصوير النيل وتصوير الشعوب وهي تمارس حياتها بنظرة حديثة تماماً كما لو كان الفنان الذي أبدعها قد نظر إلى النيل وهو على متن طائرة. ويعد أيضاً هذا العمل الفني مصدراً تاريخياً تعبيرياً مثيراً للإعجاب، فهو يؤكد بقاء النيل كشريان حياة المجتمع ومحور اهتمامه إلى الأبد، كما رسم البحر المتوسط كمحتضن لتاريخ القارة الذي سطرته المياه.

وتصور «فسيفساء النيل» المكانة المحورية التي يشغلها النيل في حياة أولئك الذين يعيشون على ضفافه كما تنقل لنا كذلك كيفية تشكل النيل كجزء من تاريخ أوروبا الثقافي عبر الحضارات المختلفة، لا سيما اليونانية والرومانية. وتذكرنا اللوحة بماض كان يُعبد فيه النيل كنهر مقدس ولم تقتصر عبادته على الكهنة بالمعابد الضخمة المنتشرة على ضفافه في مصر بل امتدت أيضاً إلى أوروبا.

ويضم المتحف البريطاني في لندن واحداً من عدة تماثيل للإلهة إيزيس «حامية الطبيعة وإلهة الخصوبة»، حيث يصورها هذا التمثال وهي تحمل في يدها اليسرى جرة بها مياه النيل المقدسة كوسيلة للخلاص.

روائع إبداعية

ويلاحظ المؤلف أن النحاتين في العصور الرومانية والنهضة اعتادوا تصوير النيل ككيان مهيب مقدس، كما في تمثال «إله النيل» في الفاتيكان وهو واحد من أشهر التماثيل الرومانية في القرن الأول الميلادي الذي يصور النيل كرجل عجوز مستلقٍ يحيط به 16 طفلاً يرمزون لارتفاع منسوب النيل بـ16 ذراعاً لضمان الخصوبة.

وهناك أيضاً تمثال رخامي في «ساحة النيل» بمدينة نابولي الإيطالية، يعود للقرن الثاني الميلادي، ويظهر فيه «الإله النيل» متكئاً على أبو الهول، بينما تنافس الرسامون الأوروبيون في القرن التاسع عشر على توثيق حياة النيل اليومية، كما في تجربة ديفيد روبرتس الذي اشتهر بلوحاته الدقيقة للمعابد والقرى على ضفاف النيل، مثل لوحاته لجزيرة فيلة ومدينة الجيزة. ويشير كذلك إلى ليون بيليه في لوحته الشهيرة «فلاحات على ضفاف النيل» الموجودة في متحف أورسيه، التي تصور النساء وهن يملأن الجرار بوقار ودقة واقعية، فضلاً عن لوحة «على ضفاف النيل» للفنان شارل ثيودر فرير التي تصور هدوء النهر بلمسات رومانسية.


عرفات من وجهة نظر إسرائيلية

عرفات من وجهة نظر إسرائيلية
TT

عرفات من وجهة نظر إسرائيلية

عرفات من وجهة نظر إسرائيلية

«ياسر عرفات/ وجهات نظر إسرائيلية» كتاب جديد لماجد كيالي، من إصدار «دار كنعان»، دمشق (2026). يتحدث الكتاب عن مكانة الزعيم الفلسطيني الراحل، ودوره في استنهاض الشعب الفلسطيني، على صعيد الهوية والكيانية والكفاح الوطني. كما يقدم عرضاً للمواقف الإسرائيلية المختلفة من ياسر عرفات. ويركز الكتاب بشكل خاص على مرحلة مفاوضات «كامب ديفيد 2» (2000)، كلحظة فصلية مكثفة، تتعلق بمكانة هذا الرجل، ودوره في الكفاح السياسي، بوجهيه التفاوضي، والمسلح، ونظرته إلى ذاته كالممثل للوطنية الفلسطينية، بتناقضاتها، في الصراع، بين الحلم والواقع، والطموح والممكن، والقوة والحق، ويتضمن الكتاب فصلاً موسعاً كشهادات ومقالات لشخصيات سياسية وصحافية إسرائيلية.

يقع الكتاب في 206 صفحات، من القطع المتوسط.

من الكتاب: «عرفات انتصر بشكل قاطع... فعرفات وضع المشكلة الفلسطينية على الخريطة بشكل يستحيل تجاهله... لقد حدد للفلسطينيين هويتهم وعناصر تميزهم في العالم العربي وأشكال نضالهم، وقد وحدهم من الناحية التنظيمية، وبث فيهم الحوافز، وهناك أجيال كاملة من الفلسطينيين ترعرعت في ظلال أسطورة ورمزية عرفات...؟»، كما يقول البروفسور شاؤول مشعال، باحث في شؤون الحركة الوطنية الفلسطينية في جامعة تل أبيب، «يديعوت أحرونوت»، (29-10-2004).

لم يعرف الشعب الفلسطيني في تاريخه زعيماً، قاده أو شغله وملأ تاريخه، كما عرف ياسر عرفات، إذ كان هذا الرجل بحق ظاهرة استثنائية في تاريخ شعبه، وربما في تاريخ حركات التحرر الوطني، على الصعيدين العربي والدولي، بغض النظر عن الخلاف أو التوافق معه، أو الإعجاب به من عكس ذلك، إذ نهض بشعبه وبقضيته من نقطة الصفر، في ظروف دولية وعربية صعبة بل ومستحيلة، وفي ظل اختلال بيّن في موازين القوى لصالح إسرائيل».