«القصة السرية» للرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة

فريد عليلات يروي عنه تفاصيل مهمة أغلبها يُسرد للمرة الأولى

«القصة السرية» للرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة
TT

«القصة السرية» للرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة

«القصة السرية» للرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة

في 398 صفحة من الحجم الكبير، يروي الصحافي الجزائري فريد عليلات «القصة السرية» للرئيس عبد العزيز بوتفليقة. والكتاب الصادر عن منشورات دار «روشيه» ليس الأول، ولن يكون الأخير، الذي يُكرّس للرئيس الجزائري المتنحي عن السلطة، العام الماضي، بعد أن حاول التربع على عرش الجزائر لولاية خامسة. إلا أن ما يتميز به الكتاب أنه لا يكتفي بالتحليل والاعتبارات السياسية والاستراتيجية، بل يأتي بقصص صغيرة ولكنها مهمة، وأغلبها يُسرَد للمرة الأولى. ومنها على سبيل المثال قصة هجرة والد عبد العزيز بوتفليقة من قريته الفقيرة غرب الجزائر إلى مدينة وجدة المغربية القريبة من الحدود المشتركة، وولادة الأخير فيها من زوجة والدته الثانية، يوم 2 مارس (آذار)، عام 1937. إضافة إلى ذلك، يسرد الكتاب معاناة الصبي من قصر قامته وضعف تكوينه، وصيت والده الذي أطلق عليه أبناء وجدة والجزائريون اللاجئون إليها لقب «المخبر». لكن عبد العزيز عوض عن ذلك كله بالتفوق في الدراسة وإتقان العربية والفرنسية، وتمكّنه من الكتابة. وهذه الميزات دفعته إلى أن يقدم طلباً، وهو في الـ19 من عمره، للانضمام إلى الشرطة البلدية، في مدينة وجدة. لكن طلبه رُفِض بسبب «قصر قامته»، إذ كانت تنقصه ثلاثة سنتيمترات ليقبل في صفوفها، وذلك رغم «الوساطات» التي قام بها والده. لكن هذه السنتيمترات لم تمنع عبد العزيز من أن يصبح رئيساً للجزائر، وأن يقول يوماً: «لن أترك الرئاسة إلا للانتقال من القصر إلى القبر».
عندما اندلعت الثورة الجزائرية في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1954، لم يكن بوتفليقة من أوائل الملتحقين بها. فوالده الذي كان على صلة قوية بالسلطة المغربية وبفرنسا عارض ذلك بشدة. إلا أن الشاب الطموح قرر بعد سبعة أشهر أن يخطو هذه الخطوة، وأن يتقدم بطلب انتساب إلى مكتب التجنيد في وجدة، برفقة صديقه وأخيه بالرضاعة مصطفى بري.
وفي مكتب التطويع، سأله المسؤول: «هل أنت هنا من أجل غسل شرف والدك؟»، في إشارة إلى الاتهامات الموجهة لوالده بالتجسس على الجزائريين في وجدة. والنتيجة أنّ طلب الشاب عبد العزيز بالانتساب إلى «جيش التحرير الوطني» رُفِض. كذلك طلب صديقه. ولم يتغير وضع بوتفليقة إلا بعد تدخُّل شخصية مغربية نافذة لصالحه. وفي بداية عام 1957، ها هو عضو في «الجيش» في «الولاية الخامسة»، حيث اختار «عبد القادر» اسماً حركياً له. وفي هذه المرحلة، تعرف الشاب «عبد القادر» على هواري بومدين الذي سيكون له بالغ الأثر في حياته وصعوده السياسي وسقوطه بعد موت الرئيس الأسبق، ورحيله إلى سويسرا. ففي سن الـ21، أصبح بوتفليقة، الذي رُقّي إلى رتبة ضابط، السكرتير الشخصي لبومدين، إلا أن هذه المرحلة من عمره لطختها مهمة أُسندت إليه للتحري عن عملية اغتصاب قام بها أحد القادة الميدانيين. وجاء تقرير بوتفليقة مكبلاً لذلك القائد الذي أُعدم داخل الجزائر برصاصة في الرأس، بعد «محاكمة ثورية» رأسها الكولونيل بومدين شخصياً.
يصعب استعادة جميع القصص التي يتضمنها الكتاب؛ فهي كثيرة. لكن أهميتها أنها تلقي الضوء على بعض ما عرفه بوتفليقة، الذي عاش حياة ممتلئة، مناضلاً ووزيراً أو رئيساً. ومن مناطق الظل في سيرته وفاة والده في الستين من عمره، في رحلة بالحافلة إلى داخل المغرب. يؤكد المؤلف أن بوتفليقة لم يتناول أبداً هذه الواقعة التي بقيت ظروفها سراً دفيناً.
طيلة سنوات الثورة، لم يفارق «عبد القادر» العقيد هواري بومدين. وبعد نجاحها، في عام 1963، عُيّن الأخير وزيراً للدفاع، في ظل رئاسة أحمد بن بيلا وبوتفليقة وزيراً للخارجية. إلا أن الصراع على السلطة دفع بومدين لتنظيم انقلاب أطاح ببن بيلا. وفي تلك الليلة، كان بوتفليقة إلى جانب «الرجل القوي» الذي أرسل أول رئيس للجمهورية الجزائرية إلى السجن مدى الحياة.
ويؤكد المؤلف أن بن بيلا كان في البداية مدافعاً عن وزير الخارجية الشاب الذي كانت تنصبّ عليه الانتقادات لصغر سنه ولأدائه ولـ«غيابه» المتكرر لأيام وأسابيع عن وظيفته. إلا أن نظرته إليه تغيرت، وبعد عام واحد على شغله وزارة الخارجية، سعى الرئيس إلى إبعاده. ونقل عن بن بيلا أنه قال يوماً إن بوتفليقة «لا يفعل إلا ما يدور في رأسه». وفي زيارة رسمية إلى موسكو، مايو (أيار) 1964، جادل بوتفليقة طويلاً لدى كتابة البيان الختامي، ما دفع المفاوض الروسي إلى الاتصال بـنيكيتا خروتشيف ليخبره بالعقبات التي يواجهها. فما كان من الأخير إلا أن أيقظ بن بيلا في الساعة الثانية بعد منتصف الليل، حتى يضغط على وزير خارجيته، ليرى البيان النور.
ويروي الكتاب أن بن بيلا منع بومدين من الدخول إلى اجتماع في القاهرة، على هامش القمة العربية، نظمه الرئيس عبد الناصر، للتقريب بين المغرب والجزائر، وبحضور الحسن الثاني وأنور السادات. وقال بن بيلا لبومدين: «هذه شقتي وليس لك أن تدخل إليها»، الأمر الذي يدل على الصراع على الصلاحيات وعلى العلاقات المتوترة بين قائدين رئيسيين للثورة الجزائرية.
في حياة بوتفليقة الدبلوماسية، يلوح ضوآن: الأول، رئاسته للجمعية العامة للأمم المتحدة حيث انتخب بإجماع أعضائها، وحيث برزت مهارته الدبلوماسية، ومنها دعوة رئيس منظمة التحرير الفلسطينية إلى إلقاء خطاب أمامها، فيما ظهر على جنبه الأيسر طرف جعبة مسدسه. والثاني، مهارته في التفاوض مع الإرهابي العالمي كارلوس، للإفراج عن وزراء نفط «أوبك»، الذين اختطفهم الأرجنتيني من فيينا، نهاية عام 1975، وتنقل بهم من فيينا إلى الجزائر إلى طرابلس ثم مجدداً إلى الجزائر، حيث أطلق سراحهم مقابل اللجوء السياسي والحماية.
ويروي الكاتب، الذي يؤكد أن العملية تمت بطلب من العقيد القذافي، تفاصيل المحادثات في بين بوتفليقة وكارلوس في مطار الجزائر، والعلاقة التي قامت بين الرجلين، ورفض الثاني عروضاً مالية مغرية للإفراج عن عدد من الوزراء، بينهم وزيرا النفط الإيراني والسعودي. وبحسب الكتاب، فإن بوتفليقة أبلغ كارلوس أنه سيُحرم هو ورفاقه من اللجوء السياسي في حال أقدم على اغتيال أي من الوزراء. وبعد الإفراج عن الرهائن، أعطي كارلوس «فيلا» وأُمّنت له الحراسة. واستمرت علاقته ببوتفليقة الذي كان يزوره هناك، وحصل أنه تناول يوماً الغداء معه.
رغم ما يدين به بوتفليقة لبومدين، فإنه وصل إلى حد كرهه، وفق ما نقله الكاتب عن محادثة بين بوتفليقة وشريف مساعدية، أحد أركان النظام. فقد قال بوتفليقة: «بومدين هو الذي أكنّ له الكره الأكبر في العالم»، وجاء جواب الثاني: «من غير بومدين، ما كنتَ لتصبح معاون مدير ناحية».
وينقل الكاتب كلاماً عن بومدين قاله في موسكو وهو على سرير المرض: «بوتفليقة كان شاباً صغيراً وعديم الخبرة وبحاجة إلى رعاية، وكنتُ له بمثابة الأب». ويؤكد الكاتب أن أحد الأسباب لفقد الود بين الرجلين أن بومدين رفض تسميته خلفاً له، لأنه لم يقبل إدخال تعديل على الدستور ينص على انتخاب نائب رئيس للجمهورية، بحيث يعود المنصب المستحدث لبوتفليقة. ومن جانبه، فإن الأول حقد على بوتفليقة لما اعتبره مشاركة في المؤامرة الهادفة إلى منعه من الزواج من «أنيسة»، والتآمر بعدها لدفعه إلى الطلاق منها.
ويروي الكاتب أن بوتفليقة تآمر على بومدين عندما عاد الأول من موسكو بعد إقامة في المستشفى، إذ طلب وزير الخارجية من كابتن الطائرة تغيير مسارها حتى تمر فوق جزيرة كورسيكا، ما أعطاه الحجة للإبراق للرئيس جيسكار ديستان يتحدث فيها عن «الصفحة الجديدة» التي سيكتبها البلدان.
ورغم مشكلاته الصحية، قال بومدين يوماً لوزير خارجيته بعد أن تكاثرت زياراته إلى باريس: «هل أنت وزير خارجيتي أم وزير خارجية جيسكار»؟
في 27 ديسمبر (كانون الأول) 1978، أسلم بومدين الروح، ومعه فُتِحت معركة خلافته التي كان يطمح إليها بوتفليقة. وللوصول إليها، يسرد الكتاب كيف أن بوتفليقة ادعى وجود «وصية» من بومدين يعينه فيها خليفة له، وأنه جال على عدد من قادة الدولة، وبينهم خالد نزار، قائد المنطقة العسكرية الثالثة، وقال له: «بومدين عينني خليفة له، وهناك وصية مكتوبة رأيتها. أين هي؟ أريد أن أراها».
وبسبب إصرار بوتفليقة، أمر قصدي مرباح، مسؤول أحد أجهزة المخابرات بتفتيش منزل بومدين الشخصي، حيث فُتّش كل شيء من الأرائك إلى الطاولات والأسرّة والمكاتب والخزائن والمكتبات. لكن لا أثر لـ«الوصية». لكن بوتفليقة ليس وحده الساعي. وخصمه اللدود كان محمد صلاح يحياوي، الذي له أنصاره من المدنيين والعسكر. والنتيجة أن التنافس بينهما أقلق مجلس قيادة الثورة، ومنهم مجموعة من ثلاثة ضباط رئيسيين وجدوا ضالتهم في شخص وزير الدفاع، الشاذلي بن جديد، الذي رشحه المؤتمر العام لـ«جبهة التحرير الوطنية» وكان حقيقة مرشح العسكر. وبقي بن جديد رئيساً لثلاث ولايات، أي لـ12 سنة و11 شهراً ويومين. وبانتخابه، تبخر حلم بوتفليقة.
مع موت بومدين، انتهى عهد بوتفليقة الذي خسر وزارة الخارجية، ومعها كل الامتيازات التي اعتاد عليها طيلة 15 عاماً، لا، بل فُتح تحقيق بشأن حسابين شخصيين في مصرف سويسري كانت تُنقَل إليهما، بأمر من الوزير، كل الأموال التي لم تُصرَف سنوياً في السفارات عبر العالم. ولإهانته بشكل مباشر، يروي الكاتب أن بوتفليقة طلب مقابلة الرئيس الجديد. وفي مكتبه، همّ بوتفليقة بالجلوس، فنهره بن جديد بقوله: «مَن سمح لك بالجلوس؟»، ولأنه عُين مستشاراً في الرئاسة، فقد أُعطي مكتباً من غير نوافذ ومن غير مهمات، وبالتالي، يروي الكتاب أنه كان يمضي وقته في شرب الشاي والحديث بالهاتف. وبداية 1980، سُحِب منه هذا المنصب، وشعر بوتفليقة بأنه مستهدف بتحقيقات مالية، وأن أعداءه في الحزب راغبون بالتخلص منه. وقبل أن تتحول هواجسه إلى واقع، قرر بوتفليقة مغادرة الجزائر والعزلة الطوعية التي بدأها في باريس، ومتنقلاً بينها وبين جنيف، ومتحيناً الفرص للقاء مَن يقبل الالتقاء به بعد سقوطه المدوّي.
بوتفليقة أبعد من المكتب السياسي للحزب الحاكم من الحزب، وتمّت ملاحقته بتهم مالية، رغم أنه أعاد للخزانة 3 ملايين دولار. لكن الدولة بقيت تطالبه بـ14 مليون دولار. وقد صدر بحقه حكم في مايو (أيار) 1983 يرغمه على دفع مبلغ 728 ألف فرنك سويسري. وإبان المحاكمة، طلب أصدقاؤه من بوتفليقة العودة إلى الجزائر والدفاع عن نفسه، إلا أنه رفض خوفاً من اعتقاله، ولعدم ثقته بالقضاء.
ويروي الكاتب أن بوتفليقة حاول توسيط ياسر عرفات لدي بن جديد، فرفض التدخل شخصياً. وعن بن جديد، ينقل الكتاب نفيه السعي لملاحقة بوتفليقة، داعياً إلى عودته من غير خوف.
ولأن شمس باريس أو جنيف لا تُدفِئ، فقد قرر بوتفليقة الذهاب إلى دمشق عام 1983 حيث إن له صداقات مع نظام الرئيس الأسد. ولكن مَن سيجد في العاصمة السورية؟ كارلوس الذي استقر في عاصمة الأمويين بعد ترحال بين لبنان واليمن. وفي دمشق، أسكن بوتفليقة في الطابق الأرضي من فيلا مشددة الحراسة من ثلاثة طوابق تقع في حي المزة. ففي الطابق الأول، يقيم ابنا رئيس باكستان ذو الفقار علي بوتو. وفي الثالث، السكرتير الشخصي للرئيس صدام حسين... ويُفهَم من الكتاب أن كارلوس كان يقيم في الطابق الثاني. ويؤكد الكاتب أن بوتفليقة كان يتناول العشاء معه، كل مساء، وأن كارلوس أهداه مسدسه الشخصي. إلا أن إقامته في دمشق، بغض النظر عن لقائه بكارلوس والصداقة التي جمعتهما، لم تُرضِ بوتفليقة تماماً؛ إذ كان يريد المزيد. ولذا، فقد غادرها في العام نفسه عائداً إلى باريس، حيث التقى صديق صباه المغربي مصطفى بري الذي أقام عنده، وحيث كان يلتقي زائرين كباراً، مثل وسيلة، زوجة الحبيب بورقيبة، أو شخصيات من النظام الجزائري. وأمام وسيلة، شكا بوتفليقة من معاملة بن جديد له؛ أوقف راتبه التقاعدي، وجعله في وضع بائس... لكن تحقيقاً أمر به بن جديد أثبت العكس. والحقيقة، وفق الكاتب، أن بوتفليقة كان يستفيد من صداقاته الخاصة ومن علاقاته كما في سوريا، أو مع الشيخ زايد بن سلطان. وبحسب المؤلف، فإن بوتفليقة استفاد من كرم الإمارات، حيث كان يقيم في شقة فاخرة في فندق «إنتركونتينتال - أبوظبي» محجوزة له سنوياً. وعمل بوتفليقة مستشاراً للإمارات في نزاعها مع إيران حول ثلاث جزر في الخليج مقابل راتب شهري من 10 آلاف دولار، وتغطية جميع المصاريف، ولاحقاً وهبه الشيخ زايد مزرعة شاسعة.
والمدهش أن تقارير وصلت إلى رئيس الإمارات تفيد بأن بوتفليقة يغالي في الاستفادة من كرمه في الفندق، حيث يشتري الحلي والساعات والخواتم له ولأصدقائه ويرسل الفواتير إلى الديوان الأميري، ما دفعه إلى تناول الموضع مع بن جديد.
بعد ست سنوات من المنفى، نهاية عام 1987. عاد بوتفليقة إلى الجزائر بمناسبة مؤتمر علمي في العاصمة، وبعض تطمينات أُعطيت له. لكن الجزائر كانت في تلك الفترة تغلي: مظاهرات وقمع وسقوط عشرات القتلى وقرار بن جديد بإحداث إصلاحات.
وفي عام 1989، أُعيد بوتفليقة إلى اللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير لتنتهي بذلك فترة إبعاده وعزلته. لكن ما كان ينتظره بوتفليقة ظهرت بوادره في 1992، عند استقالة الرئيس الشاذلي بن جديد، إذ سارع للقاء وزير الدفاع، الجنرال خالد نزار الذي يعيش حالياً منفياً في إسبانيا، ليطلب منه دعمه لتولي منصب سفير الجزائر لدى الأمم المتحدة.
كذلك طلب منه رخصة حمل سلاح لشعوره بأنه مهدد. فسارع الأخير لتقديم مسدسه له. بالمقابل، فإن طلب السفارة رفض قطعاً من قبل خصومه. لكن الجزائر التي كانت تعاني من حرب داخلية، كانت تبحث عن شخصية تقود المرحلة الانتقالية من ثلاث سنوات وتخرجها من مأزقها. وأعتقد بوتفليقة أن ساعته قد حان أوانها بعد اتصالات أولية من فريق العسكر عبر وسطاء. وبعد الوسطاء، حان وقت لقاء كبار القادة العسكريين: خالد نزار، محمد لعماري (رئيس الأركان)، ومحمد مدين (المعروف بـتوفيق، رئيس المخابرات العسكرية)، الذين التقوه في مطعم فخم لتقديم عرضهم له.
يروي المؤلف في 17 صفحة تفاصيل المفاوضات والضغوط المتبادلة بين بوتفليقة والعسكر، الأول يريد رئاسة تمارس السلطة والعسكر يريدون تأطيرها. ولأن شروط الأول لم تُلبَّ، ولأنه ماطل وناور وتكبر، ولأن مفاوضيه من أصحاب البدلات العسكرية لم يتجاوبوا مع أوامره، فقد انتهت الأمور إلى تكليف اليامين زروال لرئاسة المرحلة الانتقالية، وإلى عودة بوتفليقة إلى جنيف بانتظار أيام أفضل.



ريمي براغ: الحضارة المادية حبلها قصير

ريمي براغ
ريمي براغ
TT

ريمي براغ: الحضارة المادية حبلها قصير

ريمي براغ
ريمي براغ

كنت أبحث في معرض الرباط المقام الآن عن عدة كتب من بينها هذا الكتاب الصادر أخيراً بعنوان: «هل تفعل العقائد الخير أكثر من الشر؟». وهو عبارة عن سلسلة حوارات بين الفيلسوف الشهير ريمي براغ والباحث المطلع جيداً على موضوع الأصولية والأصوليين: بيير كونيزا. الأول هو أحد الفلاسفة المعدودين في فرنسا حالياً. وهو أحد المثقفين النادرين الذين يعلنون إيمانهم المسيحي الكاثوليكي صراحة. وهذا شيء نادر جداً في الساحة الباريسية. فمعلوم أن معظم مثقفي فرنسا يعلنون على الملأ إلحادهم كلياً. بل ويعدّونه تحصيل حاصل غير قابل للمناقشة. هذا ما يفعله ميشيل أونفري يومياً ويصفعك به صفعاً. ولكن المرجلة ليست أن تعلن إلحادك في باريس في وقتنا الراهن. المرجلة أو البطولة هي أن تعلن إلحادك في باريس قبل مائتي سنة أو ثلاثمائة سنة عندما كانت الأصولية المسيحية جبارة تخنق الأنفاس خنقاً. وعندما كان الإلحاد يؤدي إلى قطع الرؤوس بكل بساطة. أما الآن؟... على سبيل النكتة المعبرة قال لي أحدهم مؤخراً: يا أخي العالم عجيب غريب. إنه مليء بالتناقضات. قلت له: كيف؟ قال لي في فرنسا أو العالم الغربي ككل لا أحد يتجرأ على الإعلان عن إيمانه.

غلاف «هل تفعل العقائد الخير أكثر من الشر؟»

إنهم يضحكون عليه أو يستهزئون به فوراً ويعدّونه مجرد شخص رجعي متخلف عفّى عليه الزمن. وأما في العالم الشرقي أو الإسلامي فلا أحد يتجرأ على القول إنه ملحد أو حتى علماني. كيف يمكن ردم هذه الفجوة الكبيرة بين العرب والغرب؟ قلت له: هذه مسألة تفاوت تاريخي ليس إلا...

وحده البروفسور ريمي براغ يتجرأ على إعلان إيمانه على رؤوس الأشهاد ولكن مع التقيد بالعقلانية الفلسفية الحداثية الصارمة. بمعنى أنه إيمان ما بعد الحداثة لا ما قبلها. لماذا يرفض هذا الفيلسوف الإلحاد رفضاً قاطعاً؟ لأنه يؤدي في نظره إلى العدمية والقلق الوجودي وانهيار القيم. ومن ثمّ فالإيمان بالله أو بالقدرة العُلوية التي تتجاوزنا وتتخطانا شرط أساسي لتحقيق الطمأنينة والسكينة للإنسان على هذه الأرض. وقد وصل الأمر بفيكتور هيغو إلى حد القول: «أومن بوجود الله أكثر من إيماني بوجودي الشخصي». بمعنى: أومن بإله الحق والعدل، إله الخير والجمال. بل وأومن بوجود عناية إلهية تطل على العالم، ترفرف فوقه، تسهر عليه وتحميه. وهي تعرف مصلحتنا وتحرص علينا أكثر من حرصنا على أنفسنا. وبالتالي فنحن محميون من فوق دون أن ندري. بمعنى آخر: أومن بأن الشر مهزوم والظلام مهزوم مهما طال الزمن. وهنا يكمن عزاؤنا الوحيد في هذه الظروف المدلهمات.

هل نعلم أن القيم الميتافيزيقية العليا هي التي تدعمنا نفسياً وترفع معنوياتنا وبخاصة في أوقات الشدة والضيق؟ وبالتالي فينبغي أن ننسى تلك المقولات السطحية التي تهاجم الميتافيزيقا وتعدّها مجرد ضبابيات وأوهام. هذا ليس صحيحاً على الاطلاق. الميتافيزيقا هي البنية التحتية أو الفوقية الساندة أو المساندة للوجود البشري. من دونها لا يمكن أن نتماسك. نحن بحاجة إلى الميتافيزيقا أكثر من حاجتنا إلى الخبز. ولهذا السبب يقول لنا ريمي براغ إن الحضارة المادية الإلحادية المهيمنة على الغرب حالياً حبلها قصير. وقد استنفدت طاقتها وأصبحت عالة على البشرية. بل وغرقت في المثليات والشذوذيات والمخدرات وأصبحت كئيبة جداً ومسببة للأمراض النفسية والعقلية المتفاقمة. والحل في رأيه هو أن يعود الغرب إلى الإيمان الروحاني والأخلاقي العالي المتعالي. بعد أن شبع الغرب من الماديات آن له أن يعود إلى الروحانيات والمثاليات العليا. ولكن حذارِ ثم حذارِ. هذا لا يعني العودة إلى إيمان القرون الوسطى التكفيري الأصولي القديم. هذا لا يعني العودة إلى المجازر الطائفية ومحاكم التفتيش. أوروبا لن تعود إلى الوراء. أوروبا لن تعود إلى الحروب المذهبية الطاحنة التي مزقتها سابقاً وطحنتها طحناً. أوروبا لن تعود إلى تدين ما قبل التنوير. هذا من رابع المستحيلات. المسألة كلها هي مسألة المصالحة بين الفلسفة والدين، أو بين العقل والنقل، كما فعل ابن رشد في كتابه الشهير: فصل المقال... فالتدين الأعمى بلا عقل خراب للروح والفكر بل ودمار للحضارات. وهو الذي دمر حضارتنا منذ أفول عصر المأمون والدخول في عصر الانحطاط. وقد رأينا إلى أي الكوارث أوصلنا هذا التدين الأصولي منذ «11 سبتمبر» وحتى الآن. ورأينا أيضاً كيف ابتلينا بالخميني وظلامياته المكفهرة منذ نصف قرن ولا نزال. ولا نعرف متى نخلص، متى يزول عنا الكابوس. فالقرون الوسطى الإسلامية لا تزال ترفض أن تلفظ أنفاسها الأخيرة كما حصل للقرون الوسطى المسيحية في أوروبا.

ثم تقول لنا كتب ريمي براغ ما معناه: إن الجرائم والتفجيرات الناتجة عن الأصولية المتطرفة تدفعنا دفعاً إلى طرح السؤال التالي: هل دخلنا في مرحلة التطرف الراديكالي للأديان؟ هل حقاً تخلع الأديان المشروعية الإلهية على الأحزمة الناسفة والسيارات المفخخة والتفجيرات؟ أم أنها على العكس تقدم للإنسان كل بشائر الأمل والخلاص في الدنيا والآخرة؟ هذه التساؤلات أصبحت تشغل مثقفي العالم كله وليس فقط المثقفين العرب والمسلمين المتذمرين من فظائع «داعش» وأشباهه. ولكن ينبغي أن يعلم الجميع أن الدين ليس هو المشكلة. وحده الفهم الخاطئ للدين، أي الفهم المنحرف الضال، هو المشكلة العظمى والبلية البلياء. الإسلام كله سلام ووئام ولا ينتج عنه إلا الخير العميم للبشرية إذا ما فهمناه على حقيقته. وقد نتجت عنه أجمل الحضارات في الماضي إبان العصر الذهبي. وسوف تنتج عنه أعظم الحضارات قريباً عندما ينتصر إسلام الأنوار على إسلام الظلمات.


«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج
TT

«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

في روايته الجديدة «الإرساليّة»، الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، يقدّم الكاتب والروائي القطري، الدكتور خالد الجابر سردية لا تتعامل مع التاريخ بوصفه مستودعاً للوقائع الجامدة، بل باعتباره مادة حيّة قابلة للإصغاء المتجدد والفهم العميق والمساءلة الجريئة.

تتميّز الرواية بقدرتها على استبقاء أثرها في الذاكرة، ليس لاستعادتها فقط مرحلة حساسة من تاريخ الخليج والجزيرة العربية، بل لاقترابها منها من زاوية غير مطروقة؛ زاوية «العين التي جاءت من بعيد»، قبل أن تجد نفسها أسيرة المكان الذي سعت لاكتشافه، فإذا به يعيد تشكيل رؤيتها للعالم ولذاتها.

بهذه المقاربة، تفتح الرواية ملفات تاريخية واجتماعية ظلت على الهامش أو في غياهب النسيان، مقدّمة سرداً يمزج بين صلابة الوثيقة ورهافة الخيال، في صيغة أدبية تسعى إلى إعادة قراءة إرث الماضي واستنطاق طبقاته الخفية، عبر استكشاف التقاطعات بين الشرق والغرب وصراع الأنا والآخر.

من الوثيقة إلى الأثر

تأتي «الإرساليّة» امتداداً طبيعياً لمشروع أدبي وبحثي أوسع لدى المؤلف، يسعى إلى قراءة التحوّلات السياسية والاجتماعية والثقافية في منطقة الخليج العربي من زاوية إنسانية تُنصف المنسيّ والمجهول. في هذا السياق، لا يُستدعى الأرشيف على هيئة إسنادٍ تاريخي محض، بل باعتباره مدخلاً جمالياً وأخلاقياً: أوراقاً ورسائل ومذكّرات وتقارير تُستعاد من عتمة الإهمال، فتتحوّل في الرواية إلى نبضٍ جديدٍ يُمنح حقَّه في الكلام بعد طول صمت.

ما يميّز هذا النص أنه لا يُقدّم نفسه منذ الصفحة الأولى بوصفه سرديّة منمّقة، بل يدخل إلى القارئ من بابٍ مألوف: حكاية ممرضة أميركية جاءت ضمن إرساليات تبشيرية إلى الخليج. غير أن هذا المدخل «المطمئن» لا يلبث أن ينقلب تدريجياً إلى طبقات أعمق؛ إذ تتحوّل الحكاية إلى اختبارٍ معرفي، ويغدو السفر الخارجي مرآةً لسفرٍ داخلي أشد قسوة: انتقالٌ من يقينٍ مؤسسي إلى قلقٍ إنساني، ومن «الرسالة» كفعلٍ ديني إلى «الرسالة» كمعيارٍ أخلاقي يواجه صاحبه بأسئلة المعنى والكرامة والحدود.

ومن حيث الخلفية التاريخية، تستثمر الرواية مناخ حركة الإرساليات الأجنبية في الخليج، وهي حركة بدأت في أواخر القرن التاسع عشر. حيث تشير المصادر الأرشيفية إلى تأسيس «الإرسالية العربية» (Arabian Mission) تقريباً عام 1889 تحت رعاية الكنيسة الإصلاحية الأميركية، ضمن سياق تبشيري وتعليمي وطبي امتدّ لاحقاً إلى مناطق متعددة على سواحل الخليج والجزيرة العربية. هذا الإطار التاريخي لا يرد في الرواية بوصفه معلومة خام، بل كفضاءٍ تتشابك فيه الدوافع الدينية مع أسئلة النفوذ والمعرفة والخدمة الطبية، وتتعقّد فيه العلاقة بين الزائر والمكان، بين النوايا المعلنة والنتائج التي لم تكن في الحسبان.

ومن هنا، تبتعد الرواية عن نوستالجيا التزيين؛ فلا تُقدّم الماضي بوصفه صورةً جميلة تُعلّق على الجدار، بل بوصفه مسؤولية سردية. الماضي، في «الإرساليّة» ليس زينةً ولا حنيناً مجانياً، بل امتحان؛ هل نملك الشجاعة لنرى هشاشتنا القديمة كما هي؟ وهل نستطيع أن نقرأ الألم بعيداً عن الأحكام الجاهزة؟ وهل نقدر أن نفهم التحوّلات الكبرى من خلال الممرات الضيقة للحياة اليومية؟

بين الشرق والغرب

تتخذ الرواية من رسائل الممرضة الأميركية ماري مجدولين سميث محوراً سردياً. هذه الشابة التي عبرت البحار، لا لتغيير الجغرافيا وحدها، بل لتجربة زمنٍ آخر بطيء الإيقاع شديد القسوة، تتحرك في مدن ومرافئ الخليج: البحرين وقطر ومسقط والكويت وأبوظبي، قبل أن تمتد خطوط الرحلة إلى القطيف والأحساء والعراق. ومع كل انتقال، تتكشف طبقات المكان: عادات البيوت، جغرافيا السوق، إيقاع الميناء، طبيعة العلاقات الاجتماعية، مؤشرات التحول مع بدايات اقتصاد النفط.

في الرسائل، تتجاور اليوميات البسيطة مع التوترات العميقة: فرحٌ صغير يُسجَّل، وخوفٌ يتكرر، ودهشةٌ من اختلاف العالم، وإحساسٌ متنامٍ بأن الإنسان في كل مكان يحمل جرحه الخاص وإن اختلفت لغته. غير أن القيمة الأبرز في مسار ماري ليست في كونها «شاهدة» على المكان فحسب، بل في كونها كائناً يتغير تحت ضغط التجربة. الرواية تقترح بذكاءٍ سردي أن ماري لا تبقى داخل تعريفها الأول: «ممرضة ومبشّرة». الاحتكاك الطويل بالمرض وبحياة الناس وبفوارق السلطة والعوز، يدفعها إلى تجاوز الإطار الضيق، لتصبح شخصيةً قادرة على رؤية البشر خارج بطاقات الهوية.

وفي المحصّلة، لا تُقاس «الإرساليّة» بمسافةٍ تقطعها سفينة في عرض البحر، ولا بزاوية النظر التي تلتقط بها عينٌ أجنبية مشهد الخليج؛ بل تُقاس بما يُحدثه الاحتكاك الطويل بالعالم داخل الإنسان نفسه، حيث تتصدّع المعارف الموروثة، ويُعاد النظر فيما كان يبدو يقيناً نهائياً، لتنكشف الهوية بوصفها بناءً قابلاً لإعادة التشكل، لا معطًى مكتملاً. وفي هذا السياق، لا تظلّ ماري أسيرة تعريفها الأول بوصفها «مبشّرة»، ولا تختزلها المؤسسة التي جاءت باسمها، إذ تعيد التجربة صياغتها من الداخل عبر مواجهةٍ يومية مع الواقع، فتتحوّل من ذاتٍ مؤطرة بآيديولوجيا محددة إلى شخصيةٍ إنسانية أوسع، تتجاوز حدود الدور والانتماء، وتنفتح على أفقٍ كونيّ أكثر رحابة.

في رواية «الإرساليّة»، يمنحنا د. خالد الجابر رواية تستحق القراءة المتأنية، ليس لأنها تحكي قصةً مشوقة فحسب، بل لأنها تُعيد فتح نقاشٍ حول معنى الإنسانية في زمن كانت فيه الحدود متباعدة، والهويات أشد صلابة، والأسئلة رغم ذلك أعمق وأقسى.

وتظهر بصمةُ د. الجابر المهنية والأكاديمية في هذه الرواية؛ فخبرته البحثية ووعيه بسياقات منطقة الخليج والعلاقات الدولية والاتصال السياسي ينعكسان في دقة التقاط التفاصيل التاريخية والاجتماعية. اللغة تبقى أدبية، والخيال حاضر، لكن تحتها يقظة معرفية تمنح النص قدرته على خلق توازنٍ نادر: أن يكون جذاباً حكائياً، ومتيناً في إحالاته، ومقنعاً في رسم بيئةٍ ثقافية معقدة.

د. خالد الجابر هو أستاذ الاتصال السياسي في برنامج دراسات الخليج، بجامعة قطر، وقد انطبعت الخبرة التاريخية للمؤلف في هذه الرواية، كما في مجمل أعماله الروائية، بدءاً من روايته الأولى «مَلَكَوينا»، حيث استلهم فيها تاريخ العرب في الأندلس، بإضاءة سردية معاصرة. تلتها رواية «راهب بيت قطرايا»، يوظف فيها دراسته لتاريخ الجزيرة العربية في كتابة رواية ذات جذور تاريخية تتناول واحداً من الحضارات القديمة التي استوطنت الجزيرة العربية، وتركز على نحو خاص بالديانات السماوية التي سبقت الإسلام في هذه المنطقة، ومنها المسيحية.

كما أصدر رواية أخرى بعنوان «سفرطاس»، وهي تتناول أعماق النفس البشرية عبر طرح أسئلة وجودية حول الهُوية، والصراع الداخلي، وقدرة الإنسان على التكيف مع التغيرات المجتمعية.


«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع

«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع
TT

«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع

«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع

صدر حديثاً عن «شركة رياض الريس للنشر» في بيروت، كتاب «خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» للكاتب والمحلل السياسي منير الربيع، وهو ثمرة متابعات ومواكبات ولقاءات مع أصحاب القرار ورحلات إلى سوريا ورؤية عن قرب للحظة التحولات السياسية التي حصلت في دمشق وسائر بلاد الشام منذ عام 2011 بداية الثورة السورية إلى لحظة سقوط نظام الأسد، وسيطرة النظام الجديد بقيادة أحمد الشرع، وتشابك سوريا الجغرافي مع العالم من أنقرة إلى موسكو وواشنطن والرياض والدوحة.

جاء في تعريف الكتاب:

سقط الأسد، ولم يكن سقوطه مجرد حدث سياسي، بل لحظة نفسية أيضاً، لحظة كسر صورة بدت لسنوات عصية على الانهيار. لم يكن ذلك وليد أسبوع أو شهر.

هذا الكتاب، لا يكتفي بالسرد التقريري، فما حدث أعقد من صورة نهائية. هناك عوامل داخلية تراكمت، تحولات إقليمية، تبدل في أولويات القوى الكبرى.

اعتمد الكاتب على شهادات من أشخاص كانوا في قلب القرار، أو في قلب المعركة، للكشف كيف كان يدار نظام الأسد، وكيف بدأ يتفكك من داخله ويتآكل. سقوط بهذا الحجم لا يُختصر في أيامه الأخيرة.

هذا الكتاب يرصد خفايا سقوط الأسد، وينقل رؤية الرئيس أحمد الشرع لسوريا، بناءً على لقاءات به، وببعض الشخصيات من فريق عمله المقرّب، كما يرصد نقاط القوة في سوريا فهي ليست فقيرة، سواء لناحية الموقع الجغرافي الذي يربط بين عدة طرق وممرات (يرى النظام الجديد أن سوريا الجديدة / محور ربط تجاري بين الشرق والغرب)، أو لناحية الموارد فيها غاز وفوسفات وأراضٍ خصبة. مواردها لم تكن هائلة مقارنة بدول أخرى، لكنها كانت كافية لتشكل قاعدة اقتصادية. والقوة الحقيقية لم تكن في الموارد وحدها، بل في البشر. في سوريا تنوع سكاني تركيبة معقّدة، ليست سهلة الإدارة وحدها، لكنها غنية بالتجارب والتقاليد.

ويقارب الكتاب مجموعة قضايا معقدة من النفط إلى الاقتصاد والعلاقات مع دول العالم إلى الصدام مع إسرائيل إلى تحديات بناء الدولة، وصولاً إلى رؤية النظام الجديدة لعلاقة ندية مع لبنان، على عكس النظام السابق الذي كرس التبعية.

المؤلف منير الربيع، صحافي لبناني، مستشار سابق في رئاسة مجلس الوزراء، ورئيس تحرير «المدن» الإلكترونية. كاتب في جريدة «الأوريان لوجور». صدر له عن رياض الريس في عام 2023 كتاب «العرب في قطار النظام العالمي خرائط مهددة أو عولمة متجددة».