الحرب تغلق الصالات والمراكز الثقافية الأجنبية في دمشق.. وآخرها الروسي

النازحون حولوا قسما منها إلى سكن

صالة دمشق للفنون أغلقت منذ سنوات ({الشرق الأوسط})، الفنانة التشكيلية ريم الخطيب، والفنان التشكيلي عاصم زكريا.
صالة دمشق للفنون أغلقت منذ سنوات ({الشرق الأوسط})، الفنانة التشكيلية ريم الخطيب، والفنان التشكيلي عاصم زكريا.
TT

الحرب تغلق الصالات والمراكز الثقافية الأجنبية في دمشق.. وآخرها الروسي

صالة دمشق للفنون أغلقت منذ سنوات ({الشرق الأوسط})، الفنانة التشكيلية ريم الخطيب، والفنان التشكيلي عاصم زكريا.
صالة دمشق للفنون أغلقت منذ سنوات ({الشرق الأوسط})، الفنانة التشكيلية ريم الخطيب، والفنان التشكيلي عاصم زكريا.

الأزمة والحرب تدخل الفنون الجميلة السورية في أزمة.. والخاسران: الرسامون الشباب الذين باتوا يعرضون أعمالهم على الإنترنت فيما غادر بعض الرسامين المخضرمين والمعروفين البلد إلى الخارج.. والخاسر الثاني جمهور الفنون الجميلة والأزمة تسببت بغلق معظم صالات العرض الخاصة وعددها 31 صالة أبوابها وبعضها تحول لأعمال تجارية ومنها صار سكن لنازحين.
تعودت صباح مدرّسة الرياضيات التي تقاعدت قبل 7 سنوات من عملها الوظيفي التدريسي أن تحضر مساء كل يوم إلى إحدى صالات وقاعات المعارض الفنية الكثيرة في دمشق حيث وكما تقول «لا بد أن أجد معرضا جديدا لفنان تشكيلي سوري أو أجنبي تنظمه هذه الصالات». ولكن ومنذ بدء الأزمة قبل 3 سنوات ونصف، كما تقول صباح، بدأت صالات عرض المراكز الثقافية الأجنبية تغلق أبوابها الواحدة تلو الأخرى. كان آخر المغلقين صالة المركز الثقافي الروسي قبل نحو سنة ونصف وقبله بفترة قصيرة صالة ثربانتس في المركز الثقافي الإسباني، كما انعدم نشاط الصالات الفنية الخاصة وبعضها لم يعد له وجود. وتواصل المواطنة صباح كلامها بشيء من الحزن والأسى على ما آلت إليه الأمور: «لدي أرقام هواتف معظم هذه الصالات أتصل معهم منذ أشهر لا أحد يرد، إذا حالفني الحظ وجاوب أحدهم يقول لي: نعتذر منك يا عزيزتي فليس لدينا أي معرض حاليا. صالتان ردّ علي أناس فيهما وقالوا لي نحن نسكن هنا منذ فترة لأننا نازحون من مناطقنا بسبب الحرب حيث تكرّم علينا صاحب الصالة وهو قريبنا بالسكن فيها ريثما نعود لمنازلنا».
من المعروف أن دمشق شهدت مع بداية الألفية الجديدة موجة فنية تشكيلية تجلّت في افتتاح وإطلاق عشرات صالات العرض الفنية الكبيرة والصغيرة نسبيا وفي مختلف مناطقها القريبة والبعيدة وفي حارات المدينة القديمة. وجاءت هذه الحالة بعد ركود وإغلاق لصالات كانت موجودة في التسعينات من القرن الماضي. وتعزو الفنانة التشكيلية السورية ريم الخطيب في حديثها لنا هذه الحالة الاستثنائية إلى الروح التجارية وتهافت أصحاب رؤوس المال الدمشقيين على توظيف أموالهم في هذا النشاط من منطلق أن أعمال الفنان التشكيلي السوري مطلوبة للبيع والشراء فلماذا لا نفيده ويفيدنا؟ أما حاليا، وبسبب الأزمة الاقتصادية وهبوط سعر العملة المحلية والتفاوت بين سعر الصرف أغلقت هذه الصالات أبوابها لأنه لم يعد هناك عرض وطلب، ولم يعد بالإمكان تحصيل السعر الحقيقي للوحة الفنية «ورأس المال يخاف» كما يقال، فيما البعض أغلقها نهائيا كما هو حال غاليري رفيا في مجمع البوليفار بفندق الفورسيزنز وسط دمشق التي استقبلت منذ افتتاحها معارض لفنانين تشكيليين وخطاطين وحروفيين معروفين على مستوى العالم العربي كما نظمت ندوات فنية ثقافية مهمة، في حين تحوّل بعضها لنشاطات أخرى ومنها غاليري «فري هاند» التي انطلقت في عام 2006 واحتضنت معارض فنية لتشكيليين معروفين وبشكل خاص للتشكيليين العراقيين. منذ سنتين ونصف وبسبب الأحداث الراهنة التي تعيشها البلاد وتعذرت إقامة معارض فنية، قرر صاحبها تحويل الصالة لنشاط تجاري آخر. من جهتها، حولت غاليري «أيام»، التي كانت كائنة في منطقة المزة جنوبي العاصمة دمشق، والتي تميزت بنشاطها الكبير واحتضانها ودعمها للتشكيليين الشباب، نشاطها إلى الخارج فافتتحت فروعا لها في عواصم ومدن عربية وأجنبية كما في لندن وبيروت ودبي. وتنظم هذه الفروع معارض لفنانين سوريين وغيرهم حاليا. أما غاليري أتاسي العريقة في منطقة الروضة الراقية وسط دمشق فأغلقت هي الأخرى أبوابها واستقرت صاحبتها في دبي فيما خلت الصالة من أي مقتنيات فنية.
ومن الصالات الأخرى المعروفة، غاليري «السيد»، لصاحبتها إلهام باكير التي تقول «أسست صالتي قبل ربع قرن في فترة زمنية كان فيها عدد الصالات الفنية في دمشق قليلا جدا وكان من أوائل زوّار صالتي الشاعر الراحل نزار قباني الذي أثنى على افتتاح الصالة في كلمة كتبها في سجل الغاليري حيث استقبلت فيها تشكيليين مخضرمين ومعروفين وأصحاب تجارب فنية رائدة ومتميزة سوريين وأجانب ولم تتوقف الصالة عن إقامة المعارض على مدى عمرها إلا في الـ3 سنوات الأخيرة مع بدء الأزمة والحرب التي تشهدها البلاد وحاليا أبقيت صالتي مفتوحة أمام الزوار من التشكيليين والمثقفين وبقي موظفوها موجودين مع محاولة تنظيم معارض قليلة جدا مقارنة بما كانت عليه الصالة سابقا، إضافة إلى أن بعض الصالات وبسبب الوضع الأمني في البلاد اضطرت لتخبئة مقتنياتها حتى لا تتعرض للسرقة منذ بداية الأزمة، كما تقول الفنانة التشكيلية ريم الخطيب. لكن اتجهت بعض الصالات، في الوقت نفسه، لتنظيم ورشات عمل للفنانين التشكيليين وبعضها أقام مزادات وأعمالا خيرية فيما اتجهت الصالات والمؤسسات التابعة للحكومة ونقابة الفنون الجميلة نحو تأسيس ملتقيات وورش عمل لدعم الفنانين الذين صاروا بلا عمل أو دخل مادي. ولكن الملاحظة الأهم والتطور النوعي الذي أفرزته الأزمة، كما تضيف الخطيب، هي توجه الكثير من التشكيليين السوريين الشباب نحو نشر أعمالهم على شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي للترويج لها وتسويقها بخلاف التشكيليين الكبار المعروفين وأصحاب الأعمال الفنية المرتفعة الثمن حيث انكفأ هؤلاء على أنفسهم وقسم منهم هاجر خارج سوريا أو نظمت لهم معارض في الخارج.
الفنان التشكيلي السوري المخضرم عاصم زكريا (77 عاما) تحدث عن تأثير الأزمة والحرب على التشكيليين السوريين وهجرة الكثير منهم قائلا: «لم أفكّر في مغادرة دمشق فأنا عشت في الغربة 35 عاما وهي كافية ولا أستطيع تحمل غربة ثانية وأنا بهذا العمر. وبرأيي أن الأحداث الحالية ستجعل قرائح جديدة تتفتح وتولّد أفكارا جديدة لدى التشكيليين السوريين ونحن وقعنا بأخطاء كبيرة وهي تحتاج لتصحيح حيث نعالجها فنيا وليس بالخطابة على المنبر فهناك آخرون يقومون بذلك. هذه الأحداث جعلت الدوافع الغريزية لدينا تتجه نحو طرح مواضيع تحمل الهم العام وبأسلوب جديد تجعل المتلقي ينتبه لأمور جديدة ويتفاعل معها بنفس جديد، إذ إن المتلقي ملّ من الأساليب القديمة.. ولذلك سنشاهد أعمالا جديدة وفنانين جددا أعمالهم مستوحاة من وحي الأزمة التي تمر بها البلاد. سنؤدي الرسالة الفنية بالشكل المطلوب. أما بالنسبة لي فقد رفعت شعارا منذ نصف قرن وهو أنه على اللوحة الفنية أن تكون درسا للأجيال لأن الجيل الحالي ينسى تاريخه فهو جيل الكومبيوتر والإنترنت».
عماد الدين كسحوت مدير الفنون الجميلة في وزارة الثقافة السورية وهي الجهة المسؤولة عن ترخيص وإلغاء الترخيص لصالات العرض الفني قال إن عدد الصالات الفنية في دمشق وصل حتى منتصف عام 2011 31 صالة، حاليا معظم صالات القطاع الخاص أغلقت ولكن لم تطلب إلغاء ترخيصها وبعضها افتتح صالات أخرى في عواصم عربية كبيروت ودبي، وهذه الصالات رغم اهتمامها بالفن ولكن لها صبغة تجارية ويبحث أصحابها على الربح وعن مصالحهم وهذا ليس خطأ وقد دعمت الرسام السوري لإيصال أعماله لخارج سوريا وبعضها أوصل فنانين سوريين للعالمية، حاليا عدد من الصالات توقف نشاطها بسبب الظروف التي تمر بها البلاد وما يعمل حاليا الصالات الحكومية فقط كصالات المراكز الثقافية واتحاد التشكيليين السوريين.



3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».

 


بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية
TT

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة» و«المذهلة»، فيما اعتبرت الناقدة أليس ووكر أنها «صادقة ومؤثرة وشجاعة بشكل غاية في الجمال حيث لغز رابطة الأم والابنة بطرق لم نعرفها من قبل».

وأجمعت مراجعات عديدة أننا أمام نص أشبه بعلبة أحجية صينية معقدة وغامضة ومترابطة بطريقة تكاد تكون أسطورية في بنيتها مثل حكايات شهرزاد الساحرة لكنها أيضاً واقعية للغاية. تروي الرواية، التي ترجمتها إيناس التركي، كيف أنه في عام 1949 اجتمعت أربع نساء صينيات هاجرن حديثاً إلى سان فرانسيسكو لممارسة لعبة «الماه جونغ» واسترجاع ذكريات الماضي وتبادل الأحاديث والثرثرة حتى وقت متأخر من الليل وقد جمعتهن خسارات لا توصف وأمل جديد فأطلقن على أنفسهن اسم «نادي بهجة الحظ».

تستعرض المؤلفة بذكاء وحساسية تلك الذكريات الموجعة والرقيقة في أحيان أخرى، التي تكشف عن قوة هؤلاء النسوة وهموهن وعزيمتهن، وهي أمور تراها بناتهن المولودات في أميركا غير ذات صلة بحياتهن، كما تستعيد البنات بدورهن لحظات محورية من ماضيهن ويعتقدن أن توقعات أمهاتهن أعاقت قدرتهن على مواجهة غموض المستقبل.

تبدو بنية الرواية السردية وأجواؤها العامة بالفعل ذات طابع مؤثر وحميم حيث نرى من خلال الحبكة الدرامية كيف يمكن أن يؤدي ميراث الألم والأسرار غير المعلنة إلى سوء الفهم، وكيف تكون المحبة قادرة على محو الضرر وتحقيق المصالحة على الرغم من كل شيء، وهو ما يفسر ترجمة الرواية إلى أكثر من 35 لغة، ولماذا باعت عدة ملايين من النسخ وتحولت إلى فيلم سينمائي ناجح.

من أجواء الرواية نقرأ:

«أسست والدتي النسخة الخاصة بسان فرانسسيكو من نادي بهجة الحظ علم 1949 قبل عامين من ولادتي، كان هذا هو العام الذي غادرت فيه أمي وأبي الصين ومعهما صندوق جلدي صلب واحد ممتلئ فقط بالفساتين الحريرية الفاخرة. أوضحت أمي لأبي بعد صعودهما على متن القارب أنه لم يكن هناك وقت لحزم أي شيء آخر ومع ذلك تحركت يداه على نحو محموم بين الحرير الزلق بحثاً عن قمصانه القطنية وسراويله الصوفية.

عندما وصلا إلى سان فرانسيسكو جعلها والدي تخفي تلك الملابس اللامعة وظلت ترتدي نفس الفستان الصيني، بني اللون، المنقوش بالمربعات حتى منحتها جمعية الترحيب باللاجئين فستانين مستعملين كلاهما أكبر بكثير من مقاسات النساء الأميركيات. تألفت الجمعية من مجموعة من السيدات المبشرات الأميركيات ذوات الشعر الأشيب من الكنيسة المعمدانية الصينية الأولى وبسبب هداياهن لم يستطع والدايّ تجاهل نصيحة السيدات المسنات العملية لتحسين لغتهما الإنجليزية من خلال دروس مساء أيام الأربعاء ولاحقاً من خلال تدريب صباح أيام السبت.

هكذا التقى والداي بآل شو وآل جونغ وآل سانت كلير، شعرت أمي بأن نساء هذه العائلات كانت لديهن أيضاً مآس لا توصف تركنها وراءهن في الصين وآمال لم يتمكن من التعبير عنها بلغتهن الانجليزية الضعيفة أو على الأقل لاحظت أمي التبلد في وجوه هؤلاء النساء ورأت كيف تحركت أعينهن بسرعة عندما أخبرتهن بفكرتها عن نادي بهجة الحظ.

كان النادي فكرة تذكرتها أمي من أيام زيجتها الأولى قبل مجيء اليابانيين، لهذا السبب أفكر في نادي بهجة الحظ بوصفه قصتها في الصين كانت ترويها لي دائماً عندما تشعر بالملل وعندما لا يكون هناك ما يمكن فعله بعد غسل كل الأطباق ومسح الطاولة ذات السطح الفورميكا مرتين وعندما يجلس أبي ليقرأ الصحيفة ويدخن سجائره واحدة تلو الأخرى مطالباً بعدم إزعاجه».