ماذا وراء ظاهرة الروايات الأكثر مبيعاً؟

«حين تغني السلطعونات» لديليا أونس نموذجاً

نجيب محفوظ
نجيب محفوظ
TT

ماذا وراء ظاهرة الروايات الأكثر مبيعاً؟

نجيب محفوظ
نجيب محفوظ

تلقى بعض الكتب الأدبية السريعة عموماً والروائية تحديداً رواجاً ملحوظاً في مبيعات الكتب وتحتل موقعاً متفرداً في قوائم «البيست سيلر» (best seller) في أوروبا وأميركا. وفي الأغلب تنافس هذه الكتب سريعة الرواج تسويقياً الكتب الجادة الرصينة.
ولقد عرف القرن العشرون هذه الظاهرة فكان روائيو التكسب - كما يسميهم كولن ولسن - ينافسون الروائيين الجادين مثل ديفو ورتشاردسون وسكوت وديكنز. وقد سميت روايات المتكسبين بـ«الروايات البنسية» كمصطلح يدلل على دور التكسب في جعل رواية ما هي الأكثر مبيعاً في سوق الكتب. وقد ذهب ولسن إلى أن هذه المنافسة سرعان ما تفقد بريقها مع مرور الزمن، فلا تبقى روايات المتكسبين بينما تصمد الروايات الجادة. وكثير من أسماء الكتب الأكثر رواجاً في أوائل القرن العشرين أصبحت نسياً منسياً في غضون 50 سنة. وفي أدبنا العربي أمثلة على ذلك، فقد سادت في خمسينات وستينات القرن الماضي روايات رومانسية ميلودرامية سريعة ليوسف السباعي وإحسان عبد القدوس وعبد الحليم عبد الله ونافست الروايات الجادة لتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ.
وليس غريباً ألا ينطبق هذا التصور على جميع الكتب التي توسم بأنها الأكثر رواجاً أو «البيست سيلر»، لأنها ليست دائماً مبتذلة بلا هدف فني ولا تطلع مستقبلي، إذ قد تكون لها من السمات والتوجهات ما يجعلها فاعلة ومؤثرة في الساحة الأدبية كما حصل مع روايتي «سيد الخواتيم» و«رحلة إلى أركتورس» اللتين بسببهما احتلت الفانتازيا موقعاً مهماً في الستينات والسبعينات، حتى نافست روايات الأفكار المستندة إلى تجارب فكرية.
واللاغرابة فيما تقدم يعود إلى أن الرواية نفسها فن تعددي؛ وهي ملحمة الحياة وسجلها الذي يضم أشكالها الكثيرة، حتى أن كاتبها قد يرى نفسه أكبر من مجرد كاتب أو أديب، كما حصل مع بلزاك الذي رأى نفسه شخصاً يشبه نابليون أو آينشتاين، وهو القائل: «لقد عاش أربعة أشخاص حياة غنية: نابليون وكوفيه وأوكونيل، وأستطيع أن أكون رابعهم؛ فقد عاش الأول حياة أوروبا وازدرد الجيوش، وتزوج الثاني من الكرة الأرضية، وتجسد الثالث في شعب، أما أنا فباستطاعتي أن أحمل مجتمعاً بأكمله في ذهني»، من كتابه «رسائل إلى الخارج».
ومن ثم لا يكون هناك معيار على جدة الكاتب مثل معيار إخلاصه للحياة ومحاولته ترجمتها في شكل عمل يسميه «البيريس» (رواية كلية) التي هي برأيه أكبر أحلام العصر التي قد توازي حلم العلم الكلي والتقدم الجبري ووحدة الفكر. ولا فرق في ذلك بين أن يكون أسلوب الكاتب ريبورتاجاً صحافياً أو يكون متقنعاً ورمزياً ما دام الهدف هو تمثيل الحياة واستقصاء شموليتها. والنوع الروائي الذي يحظى بالإقبال القرائي وينال أعلى المبيعات هو القادر على تجسيد الحياة في سمتها الكلية. وهكذا كانت الرواية التاريخية والرواية الواقعية والرواية النفسية ورواية الخيال العلمي والرواية الرمزية والرواية التسجيلية والرواية الوثائقية ورواية اليوميات والمذكرات والرحلات والأسفار والسيرذاتية والترجمية وغيرها.
وفي العقدين الأخيرين من القرن الحالي، أخذت رواية المذكرات واليوميات والرحلات والأسفار تنافس الأنواع الروائية الأخرى في سوق الأدب، حتى أن كلود ليفي شتراوس الاثنوغرافي، الذي كره الأسفار والمستكشفين وشكك في جدوى كتابة اليوميات، وجد نفسه ملزماً بكتابة رحلاته فيما بين 1935 و1941 في كتابه «مداريات حزينة» الذي ترجم إلى اللغة العربية والصادر في دمشق 2003. وفيها أشار شتراوس إلى حيرته أمام هذا النوع من الحكايات متسائلاً: «أينبغي علي أن أقصَّ بكل دقة تلك التفاصيل التافهة والحوادث التي لا معنى لها... بالإضافة إلى ما لا يحصى من المشقات التي تجعل الحياة الخطرة في قلب الغابة البكر أشبه بالخدمة العسكرية... لكن هل تستحق حثالة الذاكرة... أن أرفع القلم لتدوينها؟». ص17 - 18.
والسر وراء هذا الذي يتصوره شتراوس يكمن في رغبة الإنسان الأوروبي العميقة في العودة إلى الطبيعة بروائحها وطعومها وصورها الصادقة البعيدة عن الخداع التي تقدم ثقافة متغايرة ومعرفة أكيدة توقظ في الإنسان أكواناً غير مرئية من الطيبة والحرية. وهكذا يندفع القراء نحو روايات اجتاحت المكتبات والأسواق موضوعها الأمازون والتبت ومجاهل أفريقيا.
وإذ برع الروائيون الأميركيون في كتابة هذا النوع من الروايات، فلأن النقد الأميركي المتأثر بفلسفة كروتشه ونزعات الرمزيين الفرنسيين كان قد عرف مدرسة النزعة الإنسانية جنباً إلى جنب المدرستين التصويرية والنقد الجديد، موظفاً شكلاً من أشكال الواقعية هو «الواقعية الموضوعية»، وفيها الراوي لا يتدخل في استبطان الشخصية بل هو كالمخرج السينمائي الذي لا يعبر عن نفسه في اختيار المشاهد ولا يعيرها صوته لتغدو الرواية مجموعة متتالية من الأحداث الموضوعية التي تنقل بحيادية مسجلة الحياة. ومن رواد هذه الواقعية كالدوبل وهمنغواي وباسوس وفوكنر وشتنايبك وداشيل هامت.
وقد شاع هذا اللون من الأعمال الروائية في الربع الثالث من القرن العشرين وغزا القارات بروايات تتناول هنود بوليفيا أو حياة السهوب الفنزويلية والغابات الاستوائية أو حياة صيادي سردينيا والسهول الهنغارية والحمامات المعدنية، كما في رواية «بلاد الثلج» للياباني ليناسوري كواباتا. وأصبحت رواية المغامرات مثل رواية «ثلوج كليمنغارو» لهمنغواي الممثل الحقيقي لهذه الواقعية، وفيها تظهر ردود فعل الشخصية الخارجية فقط في حركاتها أو سلوكها.
ومن تلك الروايات ما كتبته ديليا مع زوجها مارك أونس من أعمال جسدا فيها رحلتهما التي دامت 23 عاماً في أفريقيا. وأول رواية لهما «صرخة كالاهاري» عن دار «هوغتن ملفن» 1984 وتسرد بضمير المتكلم وتدور أحداثها في براري كالاهاري في ناميبيا.
تلتها رواية «عين الفيل» عن دار «هوغتن ملفن» 1992 وهي عبارة عن مغامرة ملحمية تدور حول القتال في سبيل منع صيد الأفيال في براري بوتسوانا وزامبيا. ومما قالته ديليا في التقديم لها: «كنت بحاجة دوماً إلى تذكر الأخاديد المطوية في جلد الفيل وعينه اللامعة الرطبة التي تعكس شروق الشمس، وبالتأكيد هذا لن يحدث لي مرة أخرى، الذاكرة تستمر مدى الحياة ولن أنسى الطريقة التي بها شعرت لأول وهلة أني أستطيع أن أرى كل شيء بوضوح... في وادي الخداع والجفاف ونهر متحجر جاف في صحراء كالاهاري في بوتسوانا. أريد أن أهمس بشيء ما، ولكن ماذا أقول؟ عين الفيل هي عين العاصفة».
والرواية الثالثة هي «أسرار السافانا» 2006 وهي رواية درامية تسرد مذكرات الكاتبين في العيش في براري أفريقيا ووادي لونغوا شمال زامبيا منذ أواسط سبعينات القرن الماضي، وفيها يجد القارئ أسرار القتال من أجل إنقاذ الفيلة من الصيد.
ونأمل أن تتاح ترجمة هذه الروايات الثلاث إلى العربية، ومؤخراً كتبت ديليا أونس روايتها «حين تغني السلطعونات» (where the crawdads sing) لوحدها وصدرت بطبعتها الإنجليزية عام 2018. والمبهر أنها احتلت الرقم واحد في قائمة «البيست سيلر» متجاوزة 4 ملايين نسخة ورقية، وهو ما لم تنله الروايات الثلاث المشتركة في كتابتها مع زوجها.
ويبدو أن تجارب الكتابة المشتركة قد تعمل على إنضاج أسلوب الكاتب وربما العكس؛ أي أن الكتابة المشتركة قد لا تسمح له بإظهار مواهبه الفردية. وهكذا بدت قدرات ديليا في الكتابة بمفردها واضحة كما ظهر تأثرها بأسلوب الروائية آن رادكليف التي كانت لها طاقة خيال هائلة في توظيف المناظر الطبيعية الخلابة، بشخصيات وحوارات وأحداث، مصعِّدة الحبكة تصعيداً دراماتيكياً. وكذلك وضح تأثر ديليا بالكاتبة الدنماركية كارين بلكسين 1885 - 1962 التي كانت تكتب باسم مستعار، هو إسحق دينسين. وتتميز قصصها بالإتقان في دمج الواقع بالحلم مع الميل إلى السرد التقليدي الخيالي. وقد أثنى همنغواي وآرثر ملير وغيرهما على أسلوبها القصصي.
ولها مجموعة قصصية عنوانها «سبع حكايات قوطية» 1932، ثم تلتها روايتها الأولى «خارج أفريقيا» 1937 التي تُرجمت إلى العربية بعنوان «راحلة من أفريقيا» ونشرها المركز القومي للترجمة بمصر عام 2012، وفيها تخوض بلكسين تجربة مشابهة لتجربة ديليا؛ فقد سافرت إلى أفريقيا مع زوجها برور فينيك عام 1914، وهناك امتلكا مزرعة في كينيا، وحين عادت إلى الدنمارك سجلت سنواتها التي عاشتها في أفريقيا وحبها الغامض لها ولشعبها وذكرياتها وأسلوب حياة الأفريقي البسيط.
وإلى جانب تأثر ديليا بهاتين الكاتبتين، فإنها أتقنت توظيف الواقعية الموضوعية في روايتها هذه، باستعمال تقانة «الإضمار النفسي» التي مكنتها من تجسيد النزعة السلوكية في تصوير العواطف والانفعالات وتفسيرها تفسيراً آلياً، مصورة العلاقة الأمومية بين الإنسان الحاضر الذي تمثله الطفلة كيا kya والطبيعة الغائبة التي تمثلها الأم الراحلة، وقد انفصمت عرى هذه العلاقة وتغرب الإنسان عن إنسانيته وانغمس في حياة العولمة مديراً ظهره للحياة الفطرية معزولاً في بيته وهو ينظر إلى الخارج من خلال تلسكوب.
وإذا كانت بلكسين قد تغنت بأفريقيا وسعتها وكثرة حيواناتها وتنوع نباتاتها وجمال مرتفعاتها ووديانها وتفاصيل الروائح والطعوم والمطر والمناظر الطبيعية مع معلومات جغرافية كثيرة تتعلق بأحوال الطقس والتبدل في الفصول وطبيعة الأرض، فإن ديليا أونس جسدت الطبيعة الأميركية من خلال كيا التي وجدت في الطبيعة أماً رؤوماً تعوضها الوحدة والحرمان وتنقذها من شرور الواقع المعيش وآلامه، في إشارة إلى أن الحياة المعاصرة بانوراما تراجيدية فيها الإنسان المهزوم هو البطل الجديد الذي ليس من سبيل أمامه سوى العودة إلى أحضان الطبيعة.
والرواية تسرد بضمير الشخص الثالث برؤية أحادية تبدأ بعام 1952 وكيا طفلة في الكوخ تواجه الحياة لوحدها حتى جودي الأخ الأكبر غادر هو الآخر من دون وداعها، وتتساءل: لمَ الجميع يغادرون وهي وحدها لا يمكنها أن تفعل شيئاً؟ فتهمس لها الأمواج أنها عقلة المنزل التي ستكسر الصمت. وتسمع أصوات الضفادع فتسليها وتتذكر كيف أن أمها كانت تغني لها أغنيتها فلكلورية «هذه ضفدعتي الصغيرة تذهب إلى السوق».
وتشكل أصوات الأشجار والأنهار والحيوانات فاعلاً سردياً يحاور ذهن كيا همساً، ومع مرور الوقت يصبح الهمس سلوتها التي تمكنها من تخطي أزماتها النفسية وانكساراتها الاجتماعية، بسرد موضوعي بضمير الشخص الثالث مع توظيف للحوارات التي فيها استعملت الكاتبة اللهجة الأميركية المحكية باختصاراتها وإضافاتها.
إن رواية «حين تغني السلطعونات» ليست فقط رواية «البيست سيلر» التي حققت شهرة تسويقية؛ بل الرواية التي أكدت أنّ الواقعية الموضوعية أسلوب ما زال قوياً، فيه لا فرق في تصعيد درامية السرد بين الفواعل السردية العاقلة وغير العاقلة. وهكذا كان المستنقع والضفدع والبحر والمطر والشاطئ بمثابة الملجأ الحامي من تبعات الحرب الأهلية والحربين العالميتين مما عرفته السنوات التي تلت 1952. فكان المستنقع حراً مقدساً يحفظ الأسرار ويوثقها عميقاً في الجينات كأسطورة جميلة تنتقل مع الأجيال.



مهرجان «كان» يعلن جوائزه في ليلة ختام الدورة 79

كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
TT

مهرجان «كان» يعلن جوائزه في ليلة ختام الدورة 79

كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)

في حفلة عامرة بالنجوم والوفود وصانعي السينما من كل حقل وميدان، أنهى مهرجان «كان» السينمائي دورته التاسعة والسبعين، موزّعاً جوائزه على نحو فاجأ معظم المتابعين.

وفاز بـ«السعفة الذهبية»، التي هي أعلى جائزة يمنحها المهرجان الفرنسي، فيلم «Fjord» للمخرج الروماني كرستيان مونجيو، وبذلك يدخل المخرج قائمة المخرجين الذين أُتيح لهم الفوز بـ«السعفة» أكثر من مرّة.

وتم منح «الجائزة الكبرى» لفيلم «مينوتور» للروسي أندري زفياغنتسف، وهو الفيلم الأول له منذ ثماني سنوات، وتم إنتاجه خارج روسيا.

جائزة أفضل مخرج تم منحها لمخرجين هما بافل بالفليكوفسكي عن «وطن»، وجايفييه كالفو عن «لا بولا نيغرا». كذلك خرجت الممثلة الفرنسية فرجيني إلفيرا بجائزة أفضل ممثلة عن «على حين غرّة» (All of a Sudden)، وتقاسمتها مع زميلتها في البطولة اليابانية تاو أوكاموتو.

كذلك، وعلى نحو مشابه، توزّعت جائزة أفضل ممثل على اثنين قادا بطولة فيلم واحد هما إيمانويل ماكيا وفلانتين كامبيون عن فيلم «زحام».


منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

 منيرة العيدان
منيرة العيدان
TT

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

 منيرة العيدان
منيرة العيدان

في الطريق الصحراوي الذي يربط نجد في وسط الجزيرة العربية بالكويت في خاصرة الخليج، تستعيد الروائية الكويتية منيرة العيدان ذاكرة الرمل، ومعاناة الرحيل، كما توثق الهجرات من نجد إلى الكويت خصوصاً، في روايتها الجديدة «جلوات سدير»، التي صدرت أخيراً عن «الفكر العربي للنشر والتوزيع»، بغلاف لافت بريشة الفنان البحريني حسن سالم، يعكس سينوغرافيا بصرية لشبان يعتلون الإبل بالزي التراثي عابرين متاهات القفار.

ومنيرة عبد الرحمن العيدان؛ كاتبة وروائية كويتية من مواليد عام 1982، وخريجة الجامعة الأميركية في الكويت (تخصص آداب اللغة الإنجليزية).

بدأت مسيرتها الأدبية بالاهتمام بالتراث الكويتي وأدب الطفل، وصدر لها في هذا الحقل عدة مؤلفات بارزة، منها: «نورة وأحذيتها السحرية» (2014)، «سلمت للمجد» (2015)، «قطار الأحلام» (2016)، «أرض الذهب» (2018).

وفي حقل الرواية: «بين المجمعة والمرقاب» (2017)، «لعوب شرق» (2021)، «درب الفنطاس» (2025)، لتتوج هذا العطاء الممتد بروايتها الأخيرة «جلوات سدير» (2026).

هنا حوار معها عن روايتها الجديد، ومجمل أعمالها...

> كيف عالجت أعمالك تأثير التاريخ والحكاية الشعبية والتراث المحلي في صياغة الهوية المشتركة في الخليج...؟

- ما يجمع هذه الأعمال هو اهتمامي بالإنسان الخليجي وسط التحولات الكبيرة التي مرت بها المنطقة، أكثر من اهتمامي بالتاريخ كتوثيق مباشر. الهجرات القديمة، والتنقل بين نجد والكويت، والحكايات الشعبية، وشكل البيوت، والعلاقات العائلية، حتى طريقة الكلام... كلها بالنسبة لي ليست مجرد تراث، بل أشياء صنعت الناس أنفسهم، وصنعت نظرتهم للحياة والخوف والانتماء. وفي جانب آخر، أنا مهتمة أيضاً بسيكولوجية المرأة داخل هذه التحولات، وكيف انعكست التغيرات الاجتماعية عليها وعلى علاقتها بالمكان والعائلة والذاكرة. لكن في الحقيقة، متى ما وجدت قصة أشعر أنها تستحق التوثيق، أسبق نفسي إلى كتابتها. وكل هذه الموضوعات، الهجرة، الذاكرة، المرأة، التحولات الاجتماعية، تطرق باب اهتمامي في النهاية.

> كيف تبلورت فكرة لرواية «جلوات سدير»؟

- جاءت هذه الرواية بعد حديث مطول لوالدي عن طفولته بأدق التفاصيل، وهجرة أهله من نجد إلى الكويت، وفقدانه لوالدته في طفولته. كما شرح لي كثيراً من الأمور العائلية الخاصة، التي بيّنت لي أبعاد وسيكولوجية صبيٍّ في سن أبطال الرواية. حتى وأنا أكتب الرواية، كنت أرى وجه أبي في أرواح الأبطال. ثم بدأ اهتمامي بالهجرات، ما دفع كثيراً من المهتمين للتواصل معي ومشاركة قصص أهلهم بكرم بالغ، ورأيت في تلك القصص ثروة تستحق أن تُوثَّق.

> ما أثر «الجلوة» تحديداً؟ هل هي تحمل دلالة «الارتحال» وترك الديار طلباً للرزق؟

- هي مشتقة من الجلاء، أي ترك البلاد قسراً أو الارتحال عنها، وكانت تُسمى قديماً «الجلوات»، أي الرحلات التي يترك فيها الناس ديارهم طلباً للرزق أو النجاة. كما وردت الكلمة في بعض القصائد والأشعار القديمة، فيُقال: «جلا فلان»، أي غادر البلاد وارتحل عنها. وقد وددت إحياء هذه الكلمة القديمة جداً، لما تحمله من انعكاسات قريبة من أحلام أبطال الرواية ورحلتهم النفسية والجغرافية.

> الرواية استندت إلى رواة شفهيين ومؤرخين من السعودية والكويت. كيف استطعتِ «فك» التناقضات بين الروايات الشفهية والمدونات التاريخية الرسمية؟

- العمل على ربط ذلك كان ممتعاً للغاية، خصوصاً مع وجود مصادر عديدة ومختلفة هذه المرة عمّا كتبته سابقاً، بسبب تواصلي مع مؤرخين من المملكة العربية السعودية ورواة شفهيين من السعودية والكويت. في بعض الأحيان، كنت أواجه عائقاً اجتماعياً أو طقساً معيناً لا أجد له مستنداً واضحاً في المراجع التاريخية، فأبحث عنه لدى الرواة الشفهيين، أو أعيد صياغة الحدث بما يتوافق مع ما هو موثق وثابت تاريخياً.

> ذكرت في «التمهيد» أن الأحداث صيغت تخيلياً لخدمة البناء الروائي رغم السياق التاريخي الحقيقي. أين تنتهي الحقيقة التاريخية في «جلوات سدير»؟ وأين يبدأ الخيال الروائي لمنيرة العيدان؟

- هي مبنية في أغلبها على قصص حقيقية، ولكني غيّرت الظروف والأحوال كي لا آخذ أو أحرّف أو أزلّ في نقل حياة أحد. وكما ذكرت، فأنا أستمع من الرواة للقصص بشغف، وتأتي بعض القصص تباعاً للأحداث، حتى تصبح النتيجة أحياناً متوقعة من كثرة تشابه التجارب الإنسانية في تلك المرحلة. الجميل أن العديد من القرّاء، خاصة في الرياض، ربطوا القصة بقصص أهلهم، بل إن بعضهم جزم بأنها القصة نفسها بحذافيرها. وفي الرواية مثل نجدي قديم أخذته من أحد الرواة الشفهيين، وهو مثل يُقال للأطفال، وقد اتصل بي أحد الأشخاص فرحاً قائلاً: «لقد ذكّرتِني بهذا المثل الذي كانت تردده والدتي المتوفاة، وقد ظللت أبحث عنه أو عن مصدره لسنوات، ووجدته الآن!».

> تمثل «الروضة» في الرواية فضاءً طارداً ومأزوماً طبقياً واجتماعياً للأبطال، بينما تلوح «الكويت» كأرض الخلاص. كيف وظفتِ ثنائية «الضيق/ الاتساع» و«السجن/ الحرية» جغرافياً ونفسياً؟

- لم تكن الروضة مكاناً سيئاً بقدر ما كانت مكاناً ضيقاً على أحلام بعض الأبطال، خصوصاً مع الفقر والطبقية وقسوة الظروف الاجتماعية آنذاك. لذلك بدت لهم الكويت، رغم مشقتها، كنافذة أوسع للحياة والرزق وتغيير المصير. كنت مهتمة بأن يكون الانتقال جغرافياً ونفسياً في الوقت ذاته؛ فكلما اتسعت الطرق أمامهم، اتسعت معها أحلامهم، وكلما ضاقت البيئات والعلاقات من حولهم، شعروا بالاختناق أو العجز. لكنني أيضاً لم أرد للكويت أن تبدو كمدينة مثالية أو جنة كاملة، بل مكاناً يحمل الأمل والخوف معاً، لأن الرحلة نفسها كانت قاسية ومليئة بالمجهول.

أنا مهتمة بسيكولوجية المرأة داخل تلك التحولات العاصفة التي مرت بالمنطقة

منيرة العيدان

الصحراء والعبودية

> عَبَر الأبطال فضاء الصحراء وعاشوا مخاطر العطش والسراب وطعنات الغدر. هل كانت الصحراء في روايتكِ مجرد طريق جغرافي، أم اختباراً سيكولوجياً لتطهير الشخوص من انكساراتهم؟

- للصحراء رمزية كبيرة في القصة؛ فهي تمثل المجهول والخوف والأمل، وفي نهايتها تقع أرض أحلام الأبطال. كما أنها تمثل المصير، وتحتل جزءاً واسعاً من شبه الجزيرة العربية. وكما كان يقول السُّفّارة: الطريق فيها مثل الزئبق، الإمساك بطرفه صعب، وقد تخونك أحياناً بانعدام معالمها، تماماً مثل البحر، فتغدر بك وتضلّ الطريق، والضلالة هنا تعني الموت. بعد تلك الرواية، بدأت أنظر إلى الصحراء بشكل مختلف، وأراها أجمل وأوسع وأحنّ مما عهدتها سابقاً.

> طرحتِ قضايا حساسة جداً ترتبط بتلك الحقبة، مثل اختطاف الأطفال، وتجارة البشر، والظلم الاجتماعي... ما الرسالة الفكرية والاجتماعية التي أردتِ إيصالها من خلال هذا السرد؟

- منذ وُجد الإنسان، وُجد الظلم والقهر، كما وُجدت الرحمة والرأفة، وكل تلك القصص حدثت منذ بدايات الخليقة. نحن نحب الماضي لأنه امتداد لما نحن عليه اليوم، لكن علينا نقله بمسؤولية كبيرة، وأن نحكي الواقع المرّ والمؤلم والظالم أحياناً كما كان، لا كما نتمنى أن يكون. لكن الجميل أن تلك التجارب القاسية خلقت من أبطال الرواية بشراً أفضل، فتجنبوا أن يعرّضوا غيرهم لما تعرضوا له من ظلم واضطهاد، وسأكمل قصص الفتية في الجزء الثاني. بمعنى آخر، تلك المحطات المؤلمة صنعت في نهايتها إنساناً أكثر اكتمالاً من ناحية الإنسانية، ومن رحم كل ما نكرهه أحياناً، يكون في الطرف الآخر من الحكاية شخص محظوظ بتلك الأقدار التي بدت في وقتها قاسية وغريبة.

> على صعيد اللغة، أدخلتِ في النص لغة فصحى جزلة تتناغم مع أهازيج وحكايات بلغة شعبية، كيف وازنتِ بين المحافظة على فصاحة السرد وإضفاء الموروث الشعبي والهوية البيئية النجدية على الحوارات؟

- كما أوضحت، لقد أدمنت ربط الخيوط معاً. تجنبت أن يكون الحوار باللهجة النجدية أو لهجة أهل سدير كي لا يصعب فهمه على بقية القراء، رغم رغبتي الكبيرة في الاحتفاظ بها كما هي. لكنني في المقابل لم أتنازل عن تطعيم الرواية ببعض الأهازيج، كي تكون لها هوية طاغية، والأمثال والحكايات الشعبية التي تمنح النص طعماً أكثر هوية وخصوصية، خاصة عند أبناء جلدتها.

> ينتهي الجزء الأول من الرواية عند أسوار الكويت وبمجموعة من «الهواجس والأسئلة المفتوحة» حول مصير الأبطال (مقبل، محمد، علي، ناصر، حمد). هل هذه الأسئلة هي تمهيد حتمي لجزء ثانٍ من الرواية؟ وما الذي ينتظر القارئ في «أرض اللؤلؤ»؟

- نعم، وقد أنهيت مهمتي في الجزء الأول تماماً، لأن الرحلة نفسها كانت مضنية جداً بالنسبة لي على المستوى النفسي والكتابي. وقد نصحني بعض النقاد بكتابة الجزأين في رواية واحدة، إلا أن ذلك لا يناسب رسالتي تماماً، فأنا أردت فصل الرحلة الصحراوية عن رحلة الرزق، ولا أريد للثانية، بتفاصيلها ومحطاتها، أن تطفئ بريق الأولى. نعم، هناك جزء ثانٍ، وسيرى القارئ كيف أن كل تلك الأقدار قد صُممت من قبل العزيز الحكيم لصالح هؤلاء الفتية، بمن فيهم «علي» المخطوف، وكيف كانت كل تلك المحطات تمهيداً لما سيمرون به لاحقاً، وكيف أن المستقبل كفيل بجمع شملهم مرة أخرى.


يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر
TT

يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر

اختار المخرج والسيناريست الصربي البارز بوريس ميليكوفيتش عنواناً لافتاً ليومياته في مصر، تحديداً حي الزمالك بالقاهرة، وهو «شاي في الزمالك»، حيث عاش فترة معتبرة مديراً بشركة «ساتشي وساتشي» للإعلانات الشهيرة، وجاء العنوان ليعكس طبيعة العمل الذي يتسم بالبساطة والحميمية كشذرات تلمع في الذاكرة وكأنه يتحدث بعفوية إلى صديق أثناء احتساء كوب من الشاي.

المدهش أن اليوميات لا تخلو من النقد الذاتي الحاد، ويعترف المؤلف بسقوطه أحياناً ضحية لفخ العنصرية الغربية تجاه الشرق ووهم تفوق العرق الأبيض وما يصاحبه من استعلاء وغرور، لكنها تقدم في المقابل صورةً صادقةً للمجتمعات من منظور أجنبي وحيد يعيش بحي راق في العاصمة المصرية، حيث ينام تحت مروحة السقف البطيئة غارقاً في عرقه، خائفاً من أن يفتح نافذة غرفته، ويرغب بشدة في أكل المانجو.

ولا تخلو اليوميات من لحظات إنسانية متنوعة، أبرزها الوحدة في حياة شخص تقدم به العمر والوقوع أسيراً لأزمة إدمان الكحول، مع الأزمات الصحية المتفرقة، أيضاً مع مواقف مبهجة في المقابل تتعلق بمحاولات اكتشاف الثقافة المصرية من خلال الطعام والمزاح والتعاون مع جهات رسمية في إنجاز مواد بصرية تتعلق بالترويج للسياحة في البلاد بطرق غير تقليدية.

وُلد بوريس ميليكوفيتسش في 3 أبريل (نيسان) 1956، وهو أيضاً كاتب روائي وأكاديمي درّس فنون الإخراج السينمائي بكلية الفنون المسرحية في بلغراد في التسعينات، كما عمل مديراً إبداعياً لكبريات شركات الدعاية والإعلان، كما ظل مديراً إبداعياً في راديو وتلفزيون صربيا لسنوات عديدة.

ومن أجواء الكتاب نقرأ:

«كان اسم خادمتي (محفوظة) وهو الاسم الأنثوي من (محفوظ ) مثل نجيب محفوظ، اعتاد ابني الصغير على مناداتها (كوكا)، بعدها ظل كل العرب الذين يقيمون بالحي ينادونها بالاسم الجديد في طقس مبهج ضاحك.

كانت (كوكا) من حي إمبابة الشعبي ولا أعرف كيف سمعت عني ولا أظن أن أحداً قد رشحها لي أو أي شيء من هذا القبيل، لكن ما أعرفه هو أنني رأيتها لأول مرة في صباح أحد أيام شهر أبريل وأنا أعاني من صداع وعطش شديد وعاصفة من عواصف الخماسين تضرب البلد.

كانت ترتدي فستاناً صيفياً، نحيفة يغطيها العرق وخصلات قصيرة من شعرها الرمادي ملتصقة بجبهتها. أمسكت بيدها طبقاً به رمان نصفه مفصص والنصف الثاني كما هو، وبابتسامة وضعت الطبق إلى جانب كوب مغطى من عصير البرتقال الطازج.

فكرتُ يومها في أن (كوكا) قد رأت كثرين في حياتها ممن عانوا من صداع ما بعد الثمالة ويشعرون بالحرج، حيث قدمت لي المشروب البارد وهى تقول وكأنها تحاول تجنب فتح الموضوع:

- الحر... الرطوبة يا أستاذ!

أجبتها:

- نعم، شكرا لك... أحسن رمان... شكراً على الرمان!

بعد عدة سنوات كنا على وشك مغادرة القاهرة، جاءت ابنة (كوكا) مع أطفالها بمفردها بدون الأم ونظفت البيت كما كانت والدتها بنفس الترتيب، تزيح السجاد وتمسح الأرض بخرقة مبللة ثم تنفض السجاد في الشرفة. ذات مرة عندما حان موعد القهوة ربما في الحادية عشرة صباحاً قالت لي:

- ماتت كوكا... لن تعود مرة أخرى!

ثم توقفت عن الكلام والتفتت تجاه المكيف القديم ذي الصوت العالي وأضافت قائلة:

- الحر... الرطوبة يا أستاذ!

ثم ناولتني العصير وطبق الرمان».