هل يعاند بوريس جونسون الإعلام ويسير على خطى ترمب؟

انسحاب صحافيين من مؤتمر حكومي بريطاني قد تكون بداية الأزمة

من كواليس «10 داوننغ ستريت» بعدسة مصور رئيس الوزراء البريطاني الخاص أندرو بارسونز
من كواليس «10 داوننغ ستريت» بعدسة مصور رئيس الوزراء البريطاني الخاص أندرو بارسونز
TT

هل يعاند بوريس جونسون الإعلام ويسير على خطى ترمب؟

من كواليس «10 داوننغ ستريت» بعدسة مصور رئيس الوزراء البريطاني الخاص أندرو بارسونز
من كواليس «10 داوننغ ستريت» بعدسة مصور رئيس الوزراء البريطاني الخاص أندرو بارسونز

على ما يبدو، انتقل نموذج تعامل إدارة الرئيس ترمب مع الإعلام إلى حكومة بوريس جونسون البريطانية؛ الأمر الذي يشير إلى أزمة في نموذج التعامل التقليدي بين صحافة «فليت ستريت» وبين إدارة «10 داوننغ ستريت». من ناحية، هناك تضامن غير مسبوق بين الإعلاميين في واقعة التفرقة في المعاملة في دعوة البعض واستبعاد البعض الآخر من مؤتمرات صحافية حكومية، ومن ناحية أخرى يلجأ الفريق الاستشاري الإعلامي لرئيس الوزراء جونسون إلى اغفال التعامل والإعلام والتعامل المباشر مع الجمهور.
وكانت آخر تجليات هذا التغيير في التعامل مع الإعلام البريطاني وقوع أزمة غير متوقعة تسبب فيها اثنان من مستشاري رئيس الوزراء جونسون البريطاني تصلح مثالاً لما يجب على المستشار ألا يفعله، وهو أن يحرج رئيسه المباشر. وكان أسلوب التعامل غير المحترف مع الإعلام البريطاني من مستشاري جونسون، لي كيم ودومنيك كامينغز، هو الذي تسبب في الأزمة أثناء تنظيم مؤتمر صحافي في مقر رئيس الوزراء في «10 داوننغ ستريت» حول سير المفاوضات البريطانية الأوروبية لشروط الخروج من أوروبا.
وتم توجيه الدعوات إلى عدد مختار من الإعلاميين البريطانيين لحضور المؤتمر دون البعض الآخر. لكن المستبعدين حضروا أيضاً في الموعد للمشاركة في المؤتمر. وكان يمكن التغاضي عن وجودهم وإجراء المؤتمر الصحافي، لولا تدخل المستشارين الذين حولوا مؤتمر صحافي إلى أزمة حكومية مع الإعلام.
حاول المستشارون استبعاد الصحافة ذات التوجهات اليسارية المضادة لسياسة الحكومة البريطانية. وشمل الاستبعاد صحافيين من مطبوعات جادة، مثل صحيفة «دايلي ميرور» اليسارية و«إندبندنت» الليبرالية و«هف بوست» و«بوليتكس بوست»، بالإضافة إلى صحف مغمورة أخرى. ونتج من الأزمة أيضاً اتهام حزب العمال المعارض حكومة بوريس جونسون بأنها تمارس أساليب الرئيس الأميركي ترمب في استبعاد بعض الصحافيين غير الموالين للحكومة حتى تتجنب الأسئلة المحرجة.
الأزمة باختصار وقعت في القاعة الأمامية من مقر بوريس جونسون في «10 داوننغ ستريت» عندما اجتمع عدد من الصحافيين لسماع بيان حكومي حول سير المفاوضات التجارية مع أوروبا بعد توقيع طلاق «بريكست» مع الاتحاد الأوروبي. لكن الحضور فوجئ بمستشار جونسون، لي كين، يدخل القاعة ويطلب من هؤلاء الذين تلقوا دعوات للحضور بالوقوف على جانب من القاعة، أما بقية الحضور الذي لم يتلق دعوات فطلب منهم المغادرة.
لكن الموقف تطور إلى مغادرة جميع الصحافيين تضامناً مع زملائهم بدلاً من السماح لمستشار الحكومة باختيار من له الحق في الحضور.
وانسحب من المؤتمر الصحافي أيضاً الحاصلون على تراخيص الحضور مثل «بي بي سي»، وتلفزيون «اي تي في»، ومحررين سياسيين من «سكاي نيوز»، وصحف «دايلي ميل»، و«تلغراف»، و«صن»، و«غارديان»، و«فاينانشيال تايمز». وبالطبع ألغي المؤتمر الصحافي بعد مغادرة الإعلام للقاعة.
وهناك أوجه تشابه بين هذه الخطوة وما تقوم به إدارة ترمب في استبعاد الصحافيين غير الموالين للرئيس لمنعهم من توجيه أسئلة محرجة أو انتقاد سياسات الحكومة أو الحزب الجمهوري. وتشير الخطوة أيضاً إلى تزايد التوتر بين إدارة بوريس جونسون وبين الإعلام البريطاني التي تأزمت في الأسابيع الأخيرة.
هناك أيضاً سوابق في ارتكاب أخطاء في التعامل مع الإعلام البريطاني في اتساق لما تفعله إدارة الرئيس ترمب مع الإعلام الأميركي، فقد كان من قرارات مستشاري جونسون في الشهور الأخيرة منع وزراء من الظهور إعلامياً في برنامج «توداي» على راديو القناة الرابعة من «بي بي سي»، وبرنامج «صباح الخير يا بريطانيا» على تلفزيون «اي تي في». كما منع الفريق أي مسؤول من الظهور على القناة الرابعة التلفزيونية منذ الانتخابات الأخيرة في نهاية عام 2019.
وتم أيضاً منع الوزراء من تناول وجبات اجتماعية مع الصحافيين السياسيين. وذكر إعلامياً في صحيفة «الغارديان» أن دومنيك كامينغز، كبير مستشاري جونسون، أسس لشبكة من الجواسيس لمعرفة ما إذا كان أي فرد من المستشارين له علاقات ودية من الإعلام يمكن من خلالها تسريب المعلومات. وهو أيضاً أسلوب مستعار من إدارة ترمب.
وتبدو العلاقات في ذروة تأزمها بين الحكومة وهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، وذلك بعد تصريح جونسون أثناء حملته الانتخابية الأخيرة بأنه يدرس إلغاء رخص التلفزيون المفروضة على كل المشاهدين. وكانت تلك من أفكار كامينغز بإنهاء نموذج التمويل المستقل للهيئة التي يعتبرها «ألد أعداء حزب المحافظين». وانتهى الأمر أخيراً بإلغاء تجريم عدم دفع رسوم الرخصة لـ«بي بي سي»؛ مما يعني أن هناك نسباً من المشاهدين سوف تمتنع عن دفع ثمن الرخصة؛ مما قد يؤثر سلبياً على مداخيل «بي بي سي» واستقلالها المالي.
كان فريق المستشارين أيضاً وراء فكرة تصوير «خطاب جونسون إلى الأمة» في مناسبة يوم «بريكست» في آخر شهر يناير (كانون الثاني) الماضي من داخل مقر الحكومة بفريق إعلامي حكومي بدلاً من دعوة وسائل الإعلام لتصويره بمعرفتها مثلما هو المتبع في مثل هذه الحالات؛ الأمر الذي أثار استياء الإعلام البريطاني.
واستاء هذا الإعلام أيضاً من بعض التعيينات في فريق المستشارين الخاص بجونسون التي شملت خبراء في الإنتاج التلفزيوني والتصوير، وخصوصاً أن جونسون يستخدم الآن مصوراً خاصاً به ويستغني عن الإعلام البريطاني في هذه المهمة. وتأكدت المخاوف بعد أن بدأ جونسون في التواصل المباشر عبر برنامج اسمه «اسأل رئيس الوزراء» يجيب فيها عن أسئلة الجمهور التي يختارها بنفسه، متجنباً الإعلام وأسئلته المحرجة.
ويطلق مستشارو الحكومة البريطانية على رجال الإعلام السياسي المحلي اسم «اللوبي»، ويحاولون تغيير نوع العلاقة معهم والسيطرة عليهم. وفي الأسابيع الأخيرة انتقل موقع اللقاء اليومي من متحدث رئيس الوزراء من قاعة مجلس العموم إلى مقر رئيس الوزراء، أي من أرض محايدة إلى مقر حكومي رسمي.
وتوجد سوابق لمنع صحافيين من تغطية أحداث سياسية من قبل، لكنها كانت ذات أبعاد سياسية وليست تغطية حكومية يجب أن تتاح للجميع. فخلال الحملات الانتخابية، تم استبعاد صحيفة «ميرور» اليسارية من تغطية حملة بوريس جونسون ومنع مراسلها من دخول الباص الانتخابي الذي كان يتجول فيه جونسون على الناخبين. وكان ذلك نتيجة شكاوى من مشجعي جونسون بأن تغطية الصحيفة كانت منحازة ضد حزب المحافظين.
وفي مناسبة حديث جونسون عن «بريكست» في آخر شهر يناير الماضي، قام مستشارو جونسون بتحديد الحضور إلى صحافي واحد من كل مؤسسة إعلامية. وكان هذا بهدف منع الرسامين الذين يصاحبون الصحافيين ويرسمون جونسون في لقطات كاريكاتيرية تنشر بعد ذلك.
وفي واقعة طرد الصحافيين من المؤتمر الصحافي في «10 داوننغ ستريت» قال متحدث حكومي، إن المؤتمر كان مخصصاً لنخبة من الصحافيين المتخصصين، لكن مجموعة أخرى غير مدعوة من الصحافيين اقتحمت المكان وطلبت أن تشارك في المؤتمر، لكن المشرفين على المؤتمر طلبوا منهم المغادرة. ودخل هؤلاء الصحافيون المطرودون إلى مقر الحكومة عبر بطاقاتهم البرلمانية التي تسمح لهم بحضور المؤتمرات الصحافية الحكومية.
هذه الأزمة وصلت إلى قاعة البرلمان، حيث علقت عضو حزب العمال المعارض المسؤولة عن الثقافة والإعلام، تريسي برابن على الواقعة في مناقشات جلسة لمجلس العموم قالت فيها، إن مقاطعة بقية الصحافيين للمؤتمر الصحافي الحكومي في «داوننغ ستريت» كان درساً قاسياً للحكومة التي حاولت ممارسة الرقابة على الإعلام. وأضافت نائبة رئيس البرلمان إلينور لانغ، أن معاملة الصحافيين يجب أن تكون باحترام.
وقالت برابن، إن حرية الصحافة هي حجر الأساس في الديمقراطية، وإن المهمة الرئيسية للصحافيين هي محاسبة الحكومة. وأضافت أن الاتفاقات التجارية مع أوروبا في المستقبل هي قضية في غاية الأهمية للراي العام، وأن حضور مثل هذه المناسبات لا يجب أن يكون باختيار الحكومة وإنما لكل الإعلاميين.
وقال النائب عن الحزب الوطني الاسكوتلندي جون نيكلسون، إن بوريس جونسون يهرب من الصحافيين الجادين؛ لأنه لا يريد الإجابة عن الأسئلة الصعبة، وهو أسلوب مستعار من الرئيس ترمب.
- رئيس اتحاد الصحافيين البريطانيين لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة تريد إسكاتنا
> قال البروفسور كريس فوست، رئيس مجلس إدارة نقابة الصحافيين البريطانيين (NUJ) لـ«الشرق الأوسط»، إنه من المخيف في دولة ذات تاريخ عريق من الديمقراطية أن تحاول الحكومة فيها إسكات النقد بمنع الصحافيين من أداء وظيفتهم.
ورفض فوست محاولة استبعاد مستشار رئيس الوزراء بوريس جونسون بعض الصحافيين من مؤتمر صحافي حول مفاوضات التجارة مع أوروبا بعد «بريكست»، وقال إن جونسون اعتلى منصب رئيس الوزراء قبل أشهر عدة فقط، لكنه يحاول بالفعل إسكات الإعلام، وأضاف «أنا أصفق إعجاباً لمن غادر المؤتمر الصحافي في (10 داوننغ ستريت) دعماً لزملاء المهنة، واعتراضاً على هذا النوع من الرقابة».
من ناحية أخرى، صرحت الأمين العام للنقابة، ميشيل ستانستريت، بأنها تدعم بشكل كامل تضامن الصحافيين السياسيين مع زملائهم وخروجهم من مؤتمر «داوننغ ستريت» حول الاتحاد الأوروبي. وقالت، إن هذا الحادث أمر خطير، ولا يجب على موظفي الحكومة الاعتداء على حرية الصحافة بهذه الطريقة. وأضافت، أن الوزراء يرفضون دورياً المسؤولية عن أفعالهم، ويقاطعون بعض البرامج والصحافيين، وهذا في حد ذاته يمثل خطوة سلبية غير مسبوقة. وأضافت «على حكومة جونسون أن توقف هذا الهوس، وأن تتعامل مع كل أنواع الإعلام وليس فقط الإعلام المفضل لديها». وأشارت ستانستريت إلى أن هناك تعليمات صادرة إلى الوزراء بألا يتناولوا الغذاء مع الصحافيين السياسيين، وأن مستشار جونسون، دومينيك كامنغز لديه شبكة من الجواسيس لكشف أي صداقة بين بقية المستشارين وبين ممثلي الإعلام. واستخدمت ستانستريت لفظ «بارانويا» لوصف كيفية تعامل إدارة بوريس جونسون مع الإعلام.



«قمة الذكاء الاصطناعي» تواجه تعقيدات التنوّع اللغوي

ماكرون مع إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية (أ.ف.ب)
ماكرون مع إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية (أ.ف.ب)
TT

«قمة الذكاء الاصطناعي» تواجه تعقيدات التنوّع اللغوي

ماكرون مع إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية (أ.ف.ب)
ماكرون مع إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية (أ.ف.ب)

ما عاد ثمة ريب في أن الذكاء الاصطناعي أصبح إحدى أكثر التقنيات تأثيراً في تشكيل الاقتصاد العالمي. وعلى مدى العقد الماضي، هيمنت حفنة من شركات التكنولوجيا والحكومات، خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا، على العديد من الإنجازات في مجال التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي التوليدي. ومن الأبحاث الرائدة إلى المناقشات التنظيمية المحورية، جرت صياغة أجندة الذكاء الاصطناعي العالمية داخل «وادي السيليكون»، وواشنطن، وبروكسل ولندن.

مع ذلك، أثناء انعقاد «قمة الذكاء الاصطناعي العالمية» التاريخية عام 2026 في نيودلهي، شرعت الهند في مسعى أكثر طموحاً وهو إعادة تموضعها، ليس فقط كمشارك في ثورة الذكاء الاصطناعي، بل أيضاً كـ«مهندس رئيس» لمستقبلها.

صورة من «القمة» (أ.ف.ب)

منصة عالمية فريدة

لقد شارك في هذه «القمة»، التي استغرقت ستة أيام، نخبة من صنّاع السياسات والباحثين والمستثمرين والمديرين التنفيذيين من شركات التكنولوجيا الرائدة، بينهم ممثلون عن شركات عملاقة. وضمّت قائمة الرؤساء التنفيذيين في القمة أسماءً لامعة، على صعيد صناعة الذكاء الاصطناعي العالمية، مثل سوندار بيتشاي («غوغل» و«ألفابيت»)، وسام ألتمان («أوبن إيه آي»)، وداريو أمودي («أنثروبيك»)، وديميس هاسابيس («غوغل ديب مايند»)، إضافة إلى الملياردير موكيش أمباني، رئيس شركة «ريلاينس إندستريز»، الذي تتخذ مجموعته خطواتٍ حثيثة بمجال البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

وأيضاً وفّرت «القمة» منصة عالمية فريدة، باستضافتها نخبةً من قادة العالم، منهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، بجانب رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي.

وبينما أثنى ماكرون على الإطار الرقمي المتميز للهند، داعياً إلى إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية، حذّر غوتيريش من أن «مستقبل الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يُقرره عدد قليل من الدول، أو يُسيطر عليه عدد قليل من المليارديرات»، داعياً إلى نهج أكثر شمولاً وإنصافاً في تطور هذه التكنولوجيا.

تكنولوجيا أساسية

في أي حال، سلطت القمة الضوء على اتجاه عالمي أوسع نطاقاً. إذ لم يعد الذكاء الاصطناعي حكراً على عدد قليل من مراكز الأبحاث النخبوية، بل غدا تكنولوجيا أساسية تُؤثر على مختلف الصناعات في جميع أنحاء العالم. وبالفعل، سلطت «قمة» نيودلهي الضوء بشكل واضح على الإمكانات الاقتصادية والاجتماعية الفورية للذكاء الاصطناعي. وبالنسبة الهند والعديد من دول «الجنوب العالمي»، جرى التركيز على كيفية نشره على نطاق واسع لتسريع وتيرة جهود التنمية.

وهكذا خرجت رسالة «القمة» مؤكدة ألاّ يبقى الذكاء الاصطناعي تكنولوجيا حصرية تسيطر عليها قلة من الاقتصادات الغنية، بل وجوب تطويره إلى أداة متاحة للجميع، تستطيع معالجة التحدّيات العالمية كالرعاية الصحية، ورصد المناخ، والإنتاجية الزراعية.

في هذا الصدد، وصف سوندار بيتشاي، الرئيس التنفيذي لشركة «غوغل»، الذكاء الاصطناعي بأنه «نقلة نوعية في المنصات»، وحث على السعي إليه «بجرأة» و«بمسؤولية» لتجنب اتساع «الفجوة بمجال الذكاء الاصطناعي». وشدد على الإمكانات الهائلة للذكاء الاصطناعي، مُعلناً أنه أكثر أهمية من اكتشاف النار أو الكهرباء.

غوتيريش يلقي كلمته (UNIC)

استثمارات تكنولوجية ضخمة

من ناحية ثانية، شهدت «القمة» كذلك مواقف مهمة بشأن الاستثمارات في منظومة الذكاء الاصطناعي المزدهرة في الهند. إذ كشف ألتمان، عن أن الهند من أهم أسواق «أوبن إيه آي»، وأنها تضم أكثر من 100 مليون مستخدم نشط أسبوعياً لخدمة «تشات جي بي تي»؛ لتحتل بذلك المرتبة الثانية عالمياً بعد الولايات المتحدة. أما «غوغل» فأعلنت مجموعة من الالتزامات، بينها مسارات جديدة للألياف الضوئية، ضمن مبادرة «أميركا ـ الهند كونكت» لتعزيز الاتصال الرقمي بين البلدين ومواقع أخرى في نصف الكرة الجنوبي. وعلاوة على ذلك، أعلنت Google.org عن مبادرة منفصلة بعنوان «تحدي الذكاء الاصطناعي من أجل الابتكار الحكومي»، كدعوة عالمية للمنظمات التي تُطوّر حلولاً مدعومة بالذكاء الاصطناعي قادرة على إحداث نقلة نوعية في الخدمات العامة.

من جهتها، أعلنت مجموعة «أداني»، من القطاع الخاص، عن تخصيص استثنائي بقيمة 100 مليار دولار أميركي، لبناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في الهند، باستخدام الطاقة المتجددة بحلول عام 2035. وأوضحت المجموعة أن هذا الاستثمار سيحفز استثمارات إضافية بقيمة 150 مليار دولار في قطاعات مجاورة، تتضمن تصنيع الخوادم، ومنصات الحوسبة السحابية السيادية، والبنية التحتية الكهربائية المتقدمة. كما خصصت الهند 1.1 مليار دولار أميركي لصندوق رأسمال استثماري مدعوم من الدولة، مخصص للشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي والتصنيع المتقدم.

وبالتوازي، برزت مبادرة شركة «كوالكوم»، التي كشفت عن برنامج استثماري بقيمة 150 مليون دولار، مصمّم خصيصاً لدعم الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، يركز على البرمجيات المتقدمة وتكنولوجيا أشباه الموصلات. ومن المقرر أن يتعاون هذا البرنامج مع شركتي «تاتا للإلكترونيات» و«سارفام للأبحاث» الناشئة.

وبشكل عام، تجاوزت التزامات الاستثمار المرتبطة بـ«القمة» 250 مليار دولار أميركي، لتشمل مزيجاً متنوعاً من مبادرات القطاع الخاص والحكومة. ويؤكد محللون على أهمية هذه الاستثمارات، بفضل تزايد اعتماد أنظمة الذكاء الاصطناعي على القدرات الحاسوبية؛ ما يستلزم بنية تحتية ضخمة للبيانات.

الأثر الملموس للذكاء الاصطناعي

أيضاً، كان من أبرز المواضيع التي برزت في «القمة» التوسع في نطاق التطبيقات العملية للذكاء الاصطناعي. عرضت الشركات الناشئة والمؤسسات البحثية بفخر تكنولوجيات رائدة تهدف إلى إحداث ثورة في تشخيص الرعاية الصحية، وتعزيز الإنتاجية الزراعية، وتحسين فرص الحصول على التعليم. ومن بين العروض التوضيحية البارزة، أداة تشخيصية تعتمد على الذكاء الاصطناعي قادرة على تحديد اعتلال العين السكري من خلال تحليل متطور للصور؛ ما يتيح إمكانية الكشف المبكّر في العيادات التي تتسم بمستوى محدود من الرعاية المتخصصة.

وقدمت شركات أخرى أدوات ذكاء اصطناعي مبتكرة مصمّمة لتحليل حالة المحاصيل باستخدام صور الأقمار الاصطناعية؛ الأمر الذي يمدّ المزارعين بمعلومات قيّمة لتحسين المحاصيل وتقليل الأثر البيئي. وتُظهر هذه التطبيقات بوضوح كيف يتجاوز الذكاء الاصطناعي البحث التجريبي، ويتغلغل في قطاعات ذات آثار اجتماعية واقتصادية مباشرة وعميقة.

سباق البنية التحتية

في سياق متصل، تمحوَرت إحدى الركائز الأساسية للمناقشات على الطلب المتزايد بسرعة على البنية التحتية الحاسوبية اللازمة لبناء أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة. ويتطلب تدريب نماذج اللغة الضخمة المعاصرة كميات هائلة من القدرة الحاسوبية وأجهزة متخصصة. وعليه، غدت شركات مثل «إنفيديا» ركيزة أساسية في منظومة الذكاء الاصطناعي العالمية، مع اعتماد وحدات معالجة الرسوم الخاصة بها الكثير من نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تطوراً في العالم. ومن المقرر أن تدمج هذه المبادرة آلاف وحدات معالجة الرسوم العالية الأداء، والمخصصة تحديداً لدعم الجامعات ومختبرات الأبحاث والشركات الناشئة الواعدة.

سد الفجوات اللغوية

التحدّي المعقّد المتمثل في التنوّع اللغوي ناقشته «القمة» بعناية. وتاريخياً، جرى تدريب معظم نماذج الذكاء الاصطناعي اللغوية الرائدة، بشكل أساسي، على بيانات اللغة الإنجليزية. ولكن، يتواصل مليارات الأشخاص حول العالم بلغات أخرى. وبالتالي، قدّم المطوّرون أنظمة ذكاء اصطناعي جديدة مصممة بدقة لمواجهة هذا التحدي. وهنا يبرز BharatGen Param2، كنموذج لغوي ضخم مصمم خصيصاً لدعم جميع اللغات الهندية الـ22 المعترف بها دستورياً. كذلك، عرضت شركة «سارفام إبه آي» نموذجاً متعدد اللغات ضخماً مبنياً على بنية «مزيج من الخبراء»؛ بهدف تحسين الكفاءة وقابلية التوسع بشكل كبير.

التحديات

أخيراً، لا تزال التحديات قائمة، وبخاصة الحاجة إلى تعزيز صناعة أشباه الموصلات، ودعم مؤسسات البحث المتقدمة، وتعميق التعاون الدولي. ولكن مع هذا، أشارت المناقشات والالتزامات المقنعة، التي شهدتها «القمة» بقوة إلى أن مشهد الذكاء الاصطناعي العالمي يشهد بالفعل تطوراً كبيراً. وفي حين يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي قد بدأ عصره الحديث في عدد محدود من مختبرات التكنولوجيا، فإن الخبراء يؤكدون أن مستقبله سيتشكل من خلال نظام بيئي عالمي مترابط أوسع نطاقاً.


منصات التواصل تفرض واقعاً جديداً بشأن مشاهدات حفل الأوسكار

ازداد التفاعل مع حفل الأوسكار على منصات التواصل (رويترز)
ازداد التفاعل مع حفل الأوسكار على منصات التواصل (رويترز)
TT

منصات التواصل تفرض واقعاً جديداً بشأن مشاهدات حفل الأوسكار

ازداد التفاعل مع حفل الأوسكار على منصات التواصل (رويترز)
ازداد التفاعل مع حفل الأوسكار على منصات التواصل (رويترز)

عزّز التفاعل مع حفل توزيع جوائز الأوسكار على منصّات التواصل الاجتماعي المنافسة مع التلفزيون. فوفق بيانات لشركة «نيلسن» المتخصّصة في قياسات وأبحاث سوق الإعلام، نشرتها شبكة «إيه بي سي» الأميركية أخيراً، اجتذب البث التلفزيوني لحفل الأوسكار هذا العام 17.9 مليون مشاهد في الولايات المتحدة، بانخفاض بنسبة 9 في المائة عن العام الماضي، وهذه أدنى نسبة مشاهدة منذ عام 2022.

وتبعاً للشبكة نفسها، وتزامناً مع تراجع مشاهدة البث التلفزيوني للحفل السنوي السينمائي الكبير، ازداد التفاعل مع الحفل على منصات التواصل الاجتماعي بنسبة 42 في المائة هذا العام بالمقارنة مع عام 2025 ليصل إلى ‌أكثر من 184 مليون مشاركة.

خبراء التقدم بـ«الشرق الأوسط» رأوا أن «منصّات التواصل تفرض الآن واقعاً جديداً بشأن مشاهدات حفل الأوسكار»، وذكروا أن المنصات الرقمية تتنافس لتكون المكان الذي يناقش فيه المشاهدون الأحداث لحظة بلحظة. والبيانات الخاصة بحفل الأوسكار تعزّز الآن الطروحات التي ترى أن العالم دخل رسمياً عصر ما بعد التلفزيون التقليدي.

الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام في جامعة بنغازي بليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، قالت لـ«الشرق الأوسط» معلّقةً إن ما يحدث «جزء من التحوّل في أنماط استهلاك المحتوى حول العالم، في ظل الاعتماد على الهواتف الجوالة ومنصات التواصل الاجتماعي».

وأردفت أن «البيانات الخاصة بحفل الأوسكار تعزّز الطروحات التي تقول إن العالم قد دخل رسمياً عصر ما بعد التلفزيون التقليدي... وحتى الرياضة التي كانت الحصن الأخير للتلفزيون التقليدي شهدت انتقالاً لحقوق البث نحو المنصات الرقمية». ولفتت في هذا الصدد إلى صفقة «نتفليكس» مع «WWE بقيمة 5 مليارات دولار، واستحواذ شركة «Prime Video» على حق تغطية مباريات دوري الكرة الأميركية (NFL)، مضيفةً أن «هذه مؤشرات لا يمكن تجاهلها وستسهم في سحب جزء كبير من جمهور التلفزيون نحو منصات المشاهدة الرقمية».

إلا أن أستاذة الإعلام في جامعة بنغازي ترى أن «التلفزيون يستطيع مع هذا تبني بعض الاستراتيجيات التي تضمن بقاءه ضمن هذه البيئة التنافسية»، وأن من بين هذه الاستراتيجيات «استراتيجية محرك الاكتشاف» عبر تصميم المحتوى القصير ليعمل «محرك اكتشاف» يحوّل المشاهدين الرقميين إلى جمهور مخلص للتلفزيون. ثم هناك استراتيجية ثانية تعتمد على «تفعيل نموذج التلفزيون الاجتماعي»، موضحةً أن هذه الأخيرة «تعتمد على تبني نموذج التسويق عبر البث المباشر من خلال دمج التفاعلية في الوقت الفعلي».

وأوضحت د. مي عبد الغني أن «التلفزيون يظل المصدر الأكثر ثقة للأخبار في الأوقات العصيبة مقارنةً بمنصات التواصل المزدحمة... ولكنّ تعزيز هذه المكانة يتطلب الالتزام الصارم بالتدقيق المهني وتطوير مهارات الكوادر البشرية للتعامل مع تقنيات الذكاء الاصطناعي».

وبالمناسبة، في ضوء التنافس بين المنصات والتلفزيون، من المقرر أن ينتقل بث حفل الأوسكار عام 2029 من شبكة «إيه بي سي» إلى موقع «يوتيوب» التابع لشركة «غوغل».

من جهة أخرى، أوضح محمد فتحي، الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، في حواره مع «الشرق الأوسط»، أن «منصات التواصل تفرض واقعاً جديداً بشأن مشاهدات حفل الأوسكار». وأشار إلى أن «قواعد اللعبة التنافسية بين التلفزيون والمنصات الرقمية تغيّرت، فتحولت من صراع بقاء إلى تكامل استراتيجي». ثم تابع أن «المعلنين ما عادوا الآن يكتفون بالإعلان التلفزيوني، إذ تثبت البيانات أن العلامات التجارية التي تدمج حملاتُها بين التلفزيون والمنصات تحقق عائداً أعلى بنسبة تصل إلى 800 في المائة». وأضاف أن «المنافسة ليست على جذب المشاهد لترك التلفزيون، بل على الاستحواذ على انتباهه في أثناء المشاهدة؛ فالمنصات الرقمية تتنافس لتكون المكان الذي يناقش فيه المشاهدون الأحداث لحظةً بلحظة».

ولفت فتحي إلى أن «التلفزيون فقد القدرة على الاحتكار، ولم يعد البوابة الوحيدة للأحداث، بل أصبح جزءاً من منظومة كبرى... نتيجة تغيير سلوك المشاهدة. فالمشاهد اليوم لا يشاهد 3 ساعات متواصلة، ويفضل اللحظات المفضلة والمقاطع القصيرة والقصص».

واستطرد أن «تراجع التلفزيون سيكون مفزعاً... نعم... إذا استمر التلفزيون بنفس الشكل القديم». لكنه استدرك ليشير إلى قدرته على الاستمرار بسبب بثّه الأحداث الرياضية والحفلات، وقدرته على الوصول إلى شريحة جمهور غير قادرة على امتلاك شاشات ذكية أو الوصول إلى الإنترنت، وهي شريحة تتقلص بمرور الوقت».

واختتم بالقول إن «المنافسة بين التلفزيون والمنصات الرقمية لم تعُد تهدف لإقصاء الآخر، بل أدّت إلى خلق نظام تكاملي، فالتلفزيون يتراجع بوصفه وسيلة وحيدة للبث، فيما تعمل المنصّات الرقمية مسوّقاً للأحداث وداعماً أكبر للانتشار».


حرب إيران تزيد مخاوف «التضليل المعلوماتي»

مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
TT

حرب إيران تزيد مخاوف «التضليل المعلوماتي»

مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)

بينما تتواصل المعارك العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، اندلعت حرب أخرى على منصّات التواصل الاجتماعي، إذ جرى تداول صور ومقاطع فيديو لآثار المعارك ثبت أنَّها مولّدة بالذكاء الاصطناعي، ما أثار مخاوف متصاعدة بشأن معركة «تضليل معلوماتي» بموازاة الحرب الدائرة.

ولقد علّق خبراء بالقول إنَّ الذكاء الاصطناعي بات أداةً مركزيةً في «حروب المعلومات»، لا سيما مع قدرته على إنتاج محتوى مضلّل بسرعة وبتكلفة منخفضة. وطالبوا بوضع قواعد لحوكمة التكنولوجيا؛ لمواجهة التأثير المتصاعد لـ«التضليل المعلوماتي».

جدير بالذكر، أنَّ مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي تداولوا أخيراً قائمةً تضمَّنت مدناً وأهدافاً أميركية عدة، زعموا إنَّ إيران تعتزم استهدافها. إلا أنَّ بحثاً أجراه «معهد بوينتر» الأميركي المتخصِّص في الدراسات الإعلامية، أكّد أن «القائمة المتداولة غير صحيحة. وأنها اعتمدت على أخبار قديمة تضمَّنت تنبؤات بطبيعة الأهداف المحتملة في الحرب».

روبوت يعمل بتقنية الذكاء الاصطناعي (آ ف ب)

كذلك، إبان معارك «حرب إيران» نشرت صحيفة «طهران تايمز» الإيرانية صورةً تظهر مقارنةً بين معدّات رادار أميركية في قاعدة قيل إنها على أرض قطر قبل «تدميرها بالكامل». وبعد ذلك نشرت «وكالة الصحافة الفرنسية» أن باحثين اكتشفوا أنَّ الصورة مأخوذة من «غوغل إيرث» وتعود إلى العام الماضي، وهي تظهر قاعدةً أميركيةً في البحرين جرى التلاعب بها بواسطة الذكاء الاصطناعي. وعليه، حذَّر الخبراء من تداعيات انتشار «التضليل المعلوماتي» في الحروب، لا سيما مع ازدياد واقعية المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي.

دور الذكاء الاصطناعي

الدكتور حسن عبد الله، نائب رئيس جامعة شرق لندن بالعاصمة البريطانية، قال لـ«الشرق الأوسط» خلال لقاء معه: «إن زمن الحروب والأزمات يشهد تصاعداً ملحوظاً في ظاهرة التضليل المعلوماتي، حيث تتحوَّل المعلومات إلى سلاح موازٍ للأسلحة العسكرية». وأردف: «وفي سياق التوترات والحروب المرتبطة بإيران، يبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً مزدوجة الاستخدام؛ إذ يمكن أن يسهم في تسريع الوصول إلى المعلومات وتحليلها، لكنه في المقابل، يتيح أيضاً إنتاج ونشر محتوى مضلل بسرعة غير مسبوقة».

وأوضح عبدالله: «الذكاء الاصطناعي يساعد على إنتاج نصوص وصور ومقاطع فيديو تبدو واقعيةً للغاية، وهذا ما يُعرف بالتزييف العميق»، مشيراً في هذا الصدد إلى «أزمات دولية سابقة شهدت تداول مقاطع مفبركة لعمليات عسكرية أو تصريحات منسوبة لقادة سياسيين لم تحدث في الواقع. والحال، أن التضليل المعلوماتي في عصر الذكاء الاصطناعي لا يعتمد فقط على الكذب، بل على إنتاج روايات مقنعة يصعب التحقُّق منها بسرعة».

وطرح عبد الله أسباباً عدة لانتشار حملات التضليل إبان الحروب، من أبرزها: «التأثير في الرأي العام، وإضعاف ثقة المجتمعات بالمؤسسات الرسمية، وإرباك الخصوم عبر نشر معلومات متناقضة». وتابع أن «الحروب الحديثة أظهرت كيفية انتشار الشائعات بسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً عندما تكون المعلومات الرسمية محدودة أو متأخرة».

ثم استطرد: «في الحروب المعاصرة لم تعد المعركة عسكرية فقط؛ بل أصبحت أيضاً معركة على المعلومات والروايات... في ظلِّ التوترات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، برز الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً مؤثرةً في تشكيل السرديات الإعلامية، ونشر محتوى مضلل على نطاق واسع».

ولفت إلى «انتشار صور ومقاطع فيديو ادعت تدمير قواعد عسكرية أو سقوط طائرات حربية، تَبيَّن لاحقاً أنَّ بعضها مُولَّد بالذكاء الاصطناعي، أو مواد قديمة جرى تعديلها رقمياً وإعادة نشرها في سياق جديد»، وتطرّق إلى «حالات أخرى جرى فيها تداول مقاطع قيل إنها توثِّق ضربات صاروخية أو معارك في المدن، لكنها في الحقيقة كانت مقتطفات من ألعاب فيديو عسكرية مثل لعبة (أرما - Arma)، التي استُخدمت مراراً في التضليل الإعلامي بسبب واقعية رسومها».

وواصل الدكتور حسن عبد الله شرحه، موضحاً أنه «في مواجهة هذه التحديات، بدأت الحكومات بوضع قواعد لتنظيم المحتوى الرقمي، مثل (قانون الخدمات الرقمية/ DSA)، وقواعد الشفافية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في الاتحاد الأوروبي... ثم إن هذه التطورات تكشف عن أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يتحوَّل إلى سلاح إعلامي بقدر ما هو أداة تكنولوجية». واختتم بالتشديد على أن «حماية الحقيقة في زمن الحروب لم تعد مسؤولية الصحافيين وحدهم، بل باتت تتطلب أيضاً تعاون الحكومات والمنصّات الرقمية والمؤسسات الإعلامية لضمان أن تبقى المعلومات الموثوقة أقوى من التضليل».

شعار "معهد بروكينغز" (لينكد إن)

أوقات الحروب والنزاعات

وكما سبقت الإشارة، يزداد انتشار الصور المُعدَّلة بالذكاء الاصطناعي و«الشائعات المضللة» في أوقات الحروب والنزاعات. وحقاً، تكرَّر المشهد ذاته خلال الحرب الروسية - الأوكرانية، وخلال احتجاجات لوس أنجليس في الولايات المتحدة العام الماضي، ما يثير مخاوف بشأن تأثير هذا النوع مع المحتوى على الجمهور وصُناع القرار، لا سيما مع اعتماد كثيرين على منصات التواصل الاجتماعي للحصول على معلومات بشأن الحروب والنزاعات. وخلال حوار مع «الشرق الأوسط»، قالت الدكتورة سالي حمود، الباحثة الإعلامية اللبنانية في شؤون الإعلام المعاصر والذكاء الاصطناعي، وأستاذة الإعلام والتواصل: «في أوقات الحروب تصبح الساحة مفتوحةً لنشر التضليل المعلوماتي، وفي عصر الذكاء الاصطناعي، الذي يقود هذه الحرب، بات الإعلام ونشر المعلومات جزءاً من أسلحة أطراف النزاع».

ولفتت حمود إلى انتشار مقاطع فيديو لاحتراق مبانٍ أو تدمير قواعد عسكرية تُبيَّن أنها مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي. وحذَّرت من «سرعة انتشار هذا النوع من المحتوى عبر منصات التواصل الاجتماعي؛ لأنَّ تأثير المعلومات المضللة، خصوصاً، في زمن الحروب، يكون كبيراً جداً حتى لو اكتُشف زيفها فيما بعد، وهذا يشير إلى خطورة التضليل المعلوماتي وقت الحرب».

وتابعت حمود مؤكدة على «أهمية المضي في اتخاذ خطوات لكبح جماح التكنولوجيا، ووضع قواعد صارمة لحوكمتها... مع ملاحظة أن الكلام المتكرِّر عن حوكمة الذكاء الاصطناعي لا يبدو فاعلاً على الأرض حتى الآن».

وبالفعل، تتكرَّر بين الحين والآخر المطالبات بـ«حوكمة» الذكاء الاصطناعي، ولكن، على الرغم من محاولات دول عدة وضع قواعد لمنصات التواصل الاجتماعي، فإنَّ الخبراء ما زالوا يحذِّرون من تفاقم تأثير المعلومات المنتشرة عبر تلك المنصات، لا سيما «المحتوى العنيف والمضلل».

في مواجهة التحديات المستجدّة بدأت الحكومات الغربية بوضع قواعد لتنظيم المحتوى الرقمي

تقرير «معهد بروكينغز»

هذا، وكان قد ورد في تقرير نشره «معهد بروكينغز» الأميركي عام 2023 أنه «على الرغم من أن نشر مقاطع فيديو عن القتل والعنف عبر الإنترنت ليس جديداً، فإنه في كثير من الأحيان يخدم أغراضاً متضاربة، ما بين إعلام الجمهور أو دفعه للتطرف».

وحول هذا، رأى يوشنا إكو، الباحث الإعلامي الأميركي، ورئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن «الصراعات والحروب تزيد الشغف والرغبة في الحصول على المعلومات، ويُشكِّل فرض قيود على انتشار المعلومات بيئةً خصبةً للتضليل المعلوماتي، وأن الذكاء الاصطناعي ساعد على انتشار التضليل المعلوماتي لما يوفره من إمكانات في إنتاج صور ومقاطع فيديو تبدو واقعيةً للوهلة الأولى». وحذَّر إكو، بالتالي، من «تأثير المحتوى المضلل على الجمهور الذي قد يجد صعوبةً في تمييز المحتوى الدقيق من المضلل». وشدَّد على ضرورة «رفع وعي المستخدمين بوصفه وسيلةً أساسيةً لمكافحة التضليل المعلوماتي مع زيادة فاعلية الإعلام في نقل المعلومات والتحقّق منها».