ألمانيا: الديمقراطيون المسيحيون بانتظار زعيم جديد خلفاً لميركل

بعدما أطاحت انتخابات ولاية ثورينجيا وتداعياتها بآنغريت كرامب كارنباور

ألمانيا: الديمقراطيون المسيحيون بانتظار زعيم جديد خلفاً لميركل
TT

ألمانيا: الديمقراطيون المسيحيون بانتظار زعيم جديد خلفاً لميركل

ألمانيا: الديمقراطيون المسيحيون بانتظار زعيم جديد خلفاً لميركل

يوم 7 ديسمبر (كانون الأول) 2018، تنفّست المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل الصعداء. لم تقاوم الابتسامة التي ارتسمت على شفتيها، ولا علامات الارتياح التي علت وجهها. لقد كانت تلك من المرات القليلة بل النادرة التي تعبر فيها ميركل عن مشاعرها علناً. ففي ذاك اليوم، نجحت آنغريت كرامب كارنباور، «خليفتها» المختارة لزعامة «حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي»، بانتزاع الفوز بزعامة الحزب المحافظ، في أعقاب قرار «زعيمته» ميركل عن المنصب.
لقد سارت خطة «تقاعد» المستشارة «المنظّم» على ما يرام... وتماماً كما رسمتها. فهي أرادت أن تكمل عهدها كمستشارة حتى الانتخابات العامة عام 2021. وبعد تلك المحطة الانتخابية تتقاعد نهائياً عن العمل السياسي. ولكن ميركل لم تشأ أن تترك حزبها يتخبّط في الفوضى بعد رحيلها، ولا أن ترى إرثها يُمزّق بعدما قادت الحزب الكبير طوال 20 سنة أمضت 15 سنة منها على رأس السلطة في ألمانيا.
وبالتالي، قررت الاستقالة من زعامة الحزب في خطوة غير اعتيادية، لإعطاء الوقت الكافي لـ«خليفتها» كي تتأقلم مع قيادة الحزب تمهيداً لتسليمها المستشارية. غير أن كرامب كارنباور، التي تشتهر في ألمانيا بالأحرف الثلاثة الأولى من كلمات اسمها الكامل «آ.ك.ك»، لم تصمد في زعامة الحزب أكثر من سنة واحدة؛ إذ إنها استقالت، هذا الأسبوع، وأعادت بذلك السباق لخلافة ميركل إلى خط البداية، لا... بل وأيقظت المخاوف على مستقبل «حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي»، الذي حولته ميركل إلى حزب وسطي متسامح في موضوع اللجوء ومنفتح على التعدّدية، خلافاً لما يؤمن به كثيرون في التيار اليميني ضمن قاعدته الشعبية.
لا يمكن ذكر كثير من الإنجازات التي حقّقتها آنغريت كرامب كارنباور، الخليفة المرتقبة سابقاً لخلافة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، طوال السنة التي تزعمت فيها الحزب الحاكم. فالحقيقة أن الصحيح هو العكس تماماً. إذ يمكن القول إنها تسببت غير مرة بتوتّر العلاقة مع الشريك في الائتلاف الحاكم، هو «الحزب الديمقراطي الاجتماعي» (الاشتراكي)، من خلال تصريحات أدلت بها حول المشاركة العسكرية لألمانيا في الخارج.
هنا يجدر التذكير بأن ميركل سلّمت «آ.ك.ك» منصب وزيرة الدفاع في حكومتها، إلى جانب توريثها زعامة الحزب. ولكن حتى في وزارة الدفاع لم تحقق «آ.ك.ك» الكثير. وجاءت تصريحاتها عن المشاركة العسكرية في الخارج، مثلاً، أزعجت وزير الخارجية هايكو ماس الاشتراكي المعارض لأي توسّع خارجي للجيش الألماني لأسباب تاريخية.
أيضاً، لم تستطع خليفة ميركل السابقة من موقعها كزعيمة للحزب المحافظ الكبير تحسين موقعه في استطلاعات الرأي واجتذاب قطاعات من الناخبين يخسرها الديمقراطيون المسيحيون منذ سنوات، تحديداً منذ أزمة اللاجئين وقرار ميركل استقبال مئات آلاف السوريين. ولقد كانت نتائج الانتخابات الأوروبية والانتخابات المحلية في بضع ولايات ألمانية سيئة حقاً بالنسبة للحزب... وعلى الرغم من ذلك، بقيت كرامب كارنباور في منصبها.
- قشة ثورينجيا... التي قصمت ظهر البعير
ولكن على ما يبدو كانت انتخابات ولاية ثورينجيا الصغيرة، وهي واحدة من ولايات ألمانيا الشرقية السابقة، «القشة التي قصمت ظهر البعير». فالولاية شهدت انتخابات محلية قبل 3 أشهر، وأفرزت تلك الانتخابات نتائج سيئة للديمقراطيين المسيحيين، أسهمت في القضاء (إن لم تكن هي التي قضت فعلاً) على كرامب كارنباور. غير أن اللافت فيما حصل أن ما هز مكانة «آ.ك.ك» ما كان خسارة الحزب هناك أو تحقيقه نتائج سيئة فحسب، بل كان الأمر الأسوأ «تمرُّد» أعضاء الحزب في ثورينجيا على أوامرها، وخرقهم العرف القاضي بتجنّب التعامل مع حزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف؛ إذ اختار هؤلاء التصويت لمصلحة الحزب المتطرف، الذي يتهمه بعض خصومه بالعنصرية، لاختيار رئيس حكومة ائتلافية في الولاية من «حزب الديمقراطيين الأحرار».
شكّل هذا «الحلف» صدمة وطنية، وكانت تلك المرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية التي يتحالف فيها المحافظون مع المتطرفين. وبالنسبة لكثيرين من الساسة والصحافيين كان ذلك اليوم «يوماً أسود للديمقراطية الألمانية». كثيرون، من بينهم بودو روميلو، رئيس حكومة ثورينجيا السابق الذي ينتمي لحزب «دي لينكا» اليساري المتشدد، شبّهوا ما حصل في مدينة إيرفورت (عاصمة ثورينجيا) بالتطورات في «جمهورية فايمار» السابقة (بين عامي 1919 و1933) التي مهدت لصعود أدولف هتلر وحزبه النازي إلى السلطة. يومذاك بدأ المحافظون يتحالفون مع حزب هتلر النازي المتطرّف في الولايات الشرقية، أملاً في الاحتفاظ بالسلطة في وجه خطر اليسار. وكان هذا التحالف الظرفي الاستنسابي مدخل هتلر للسلطة وبداية صعوده الفعلي... والمفارقة أن ولاية ثورينجيا أيضاً نفسها كانت التي تسببت بالأزمة القائمة اليوم.
أكثر من هذا، أنه بين ما يزيد من التشبيهات بين «جمهورية فايمار» وما يحصل اليوم، أن زعيم حزب «البديل لألمانيا» في تورينغن، يورغ هوكيه، هو نفسه من الجناح الشديد التطرف في الحزب لدرجة أن قاضياً حكم، العام الماضي، بأنه يمكن وصفه بـ«الفاشي». وهو يستخدم دوماً تعابير نازية، وحتى أعضاء حزبه لا يمكنهم التمييز بين جمل منسوبة له وجمل منسوبة لهتلر.
وفي إحدى المرات، قبل إجراء مقابلة معه، عرضت قناة ألمانية على هوكيه شريطاً مصوّراً يُظهِر مراسلاً يسأل أعضاء في «البديل لألمانيا» بأن يخمِّنوا ما إذا كانت الجملة المتلوة هي لهوكيه أم أنها مستخرجة من كتاب «كفاحي» لهتلر... وبالنتيجة أخطأ معظمهم في التخمين. وعلى الأثر، غادر هوكيه المقابلة وهو يهدد الصحافي بأن «شيئاً ما قد يصيبه».
- شخصية «آ.ك.ك» مسؤولة جزئياً
على الرغم مما سبق، لا يتفق الجميع على التشابه بين ما يحصل الآن وما حصل في أيام «جمهورية فايمار»؛ إذ يقول كريستيان كاستروب، من معهد برتلسمان في العاصمة الألمانية برلين، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إنه لا يرى رابطاً مباشراً، قبل أن يضيف: «لكنه كتذكير تاريخي ومثل سيئ جداً فهو مهم، لأنه يعني أن ثمة مسؤولية خاصة على الأحزاب المحافظة؛ بأن تبقى متيقظة».
أيضاً لا يرى كاستروب أن المسؤولية كلها تقع على عاتق كرامب كارنباور. ذلك أنه يعتبر أنها ما كانت تتمتع بما يكفي من «السلطة والإرادة» لأحداث تغيير داخل الحزب. ويتابع: «لقد أمضت معظم وقتها في إدارة شؤون الحزب» لا أكثر... و«طبعاً، لم يساعدها أنها لا تتمتع بكاريزما خاصة». ومن ثم استطرد كاستروب قائلاً: «ميركل نفسها لا تتمتّع بكاريزما معينة، ولكن ما يميزها صلابة مواقفها ووضوح رؤيتها، وهو ما تفتقر إليه كرامب كارنباور».
ويرى الباحث والمحلل الألماني أن تصريح ميركل من بريتوريا (عاصمة جنوب أفريقيا)، الذي جاء بعد يوم على «فضيحة ثورينجيا»، والذي أعلنت خلاله أن ما حصل «غير مقبول بتاتاً، ولا يمكن التسامح معه»، كان أشبه بالضربة القاضية لسلطة كرامب كارنباور. إنه بعد تصريح ميركل هذا، كان واضحاً بأنه سيتوجب على «آ.ك.ك» الاستقالة.
هذا شكّل، على ما يبدو، نوعاً من الاستياء لدى زعيمة الحزب المستقيلة التي لم تتردّد بانتقاد قرار ميركل فصل المستشارية عن زعامة الحزب، وهو أمر غير معهود في ألمانيا؛ إذ قالت «آ.ك.ك» يومذاك إن «فصل المنصبين» أضعف موقعها، مع أن ميركل كانت تأمل تحقيق عكس ذلك عندما قرّرت فصل الموقعين مؤقتاً.
- وأين مسؤولية ميركل؟
من جهة أخرى، كتبت بعض الصحف أن فشل الديمقراطيين المسيحيين في ثورينجيا، مسؤولية ميركل التي «أغلقت الطريق أمام تجديد الحزب بتمسكها بموقع المستشارية، وهي رغم أنها اختارت كرامب كارنباور لخلافتها، فإنها أعاقت تقدمها، وحولتها إلى ميني ميركل».
بيد أن كاستروب يرى أن ميركل كانت «محقة من حيث المبدأ»؛ بأن تمنح خليفتها فترة انتقالية للتأقلم، كما أنها ساعدتها بمنحها حقيبة وزارة الدفاع التي كانت بيد أورسولا فون دير لاين، التي أصبحت مفوضة الاتحاد الأوروبي. وحسب كاستروب، فإن كرامب كارنباور «لم تقم بدور جيد كذلك في وزارة الدفاع»، ومن كان ليُعلم ما إذا كانت ستؤدي أداء مختلفاً في حال تسلمت منصب المستشارية مع زعامة الحزب في الوقت نفسه.
في أي حال، لكن الآن بعد أن استقالت كرامب كارنباور، عاد السباق لخلافة ميركل إلى البداية، ومعها المخاوف حول هوية الذي سيخلفها... وإلى أين سيذهب بالحزب. فطوال السنوات العشرين الماضية، نجحت أنجيلا ميركل بتطوير الحزب وتحويله إلى حزب وسطي، رغم أنه بقي محافظاً. ولكن قرار ميركل (وهي ابنة قسيس بروتستانتي) فتح الأبواب للاجئين تسبب بانقسام شديد، ليس فقط في أوساط ناخبي الحزب، بل داخل هيكله القيادي كذلك.
ومن ثم، ظهر جناحان، أحدهما وسطي والآخر يميني متطرف، يدعو بعض ناشطيه إلى التحالف مع «البديل لألمانيا» على الصعيد المحلي. ولم تساعد اعتدال ميركل استطلاعات الرأي التي أخذت تظهر تراجع حزبها إلى المرتبة الثالثة وما دون، في معظم الولايات الشرقية، في حين يحل حزب «البديل لألمانيا» في الطليعة.
وبالتالي، يعتقد بعض الديمقراطيين المسيحيين أن الحل الوحيد للبقاء في السلطة بالولايات الشرقية هو عبر التحالف مع حزب «البديل لألمانيا»، بينما يروّج آخرون إلى تبنّي الحزب نفسه مبادئ سياسية قريبة من مبادئ الحزب المتطرف، خاصة تلك المتعلقة باللجوء، في محاولة لاستعادة الناخبين المحافظين الذين هجروا الديمقراطيين المسيحيين، ولجأوا إلى «البديل لألمانيا». ويرى هؤلاء الناخبون أن الحزب المحافظ لم يعد يمثلهم بشكل جيد، وأن سياسة اللجوء التي اعتمدتها ميركل ليست بالضرورة السياسة التي يريدون دعمها.
- بين نقيضين يميني ويساري
وفي هذا الصدد، يرى كاستروب أن الدعوات للتعاون من حزب «البديل لألمانيا» ستبقى دائماً مطروحة، لا سيما في الولايات الشرقية، حيث «هناك إرادة كبيرة عند الديمقراطيين المسيحيين لاستعادة السلطة». لكنه يضيف أن هذه ليست فكرة جيدة، مع العلم أنه كما «يمنع» حزب ميركل التحالف مع «البديل لألمانيا»، فهو يمنع كذلك التحالف مع حزب «دي لينكا» اليساري المتشدد. وللعلم، مثلما يتمتع «البديل لألمانيا» بنفوذ قوي في الولايات الشرقية، فإن حزب «دي لينكا» (الوريث غير الرسمي للشيوعيين الحاكمين سابقاً في ألمانيا الشرقية مع حلفاء لهم) يتمتع أيضاً بشعبية واسعة. ولقد حل «دي لينكا» أولاً في ثورينجيا، متقدماً عن «البديل لألمانيا»، ما يعني أنه كان بإمكان الديمقراطيين المسيحيين دعم رئيس الحكومة اليساري هناك لإبقائه في منصبه، لكنهم لم يفعلوا، بل فضّل قادتهم التحالف مع اليمين المتطرف.
كاستروب يرى هنا أن وضع اليمين المتطرف في الخانة نفسها مع اليسار المتشدد «مشكلة بحد ذاتها»، ويجب أن تنتهي. وهو يعتقد أن من أولى مهام أي زعيم جديد إنهاء هذا «التوازن بين اليمين المتطرف واليسار المتشدد لأن (دي لينكا) لا يشكل أبداً خطراً على الديمقراطية بعكس (البديل لألمانيا)». ويضيف: «على الجميع أن يواجه الفاشية، ولكن اليسار المتشدد ليس فاشياً، ولا يجوز وضعه في الخانة نفسها».
في هذه الأثناء، يروّج البعض، لا سيما «حزب الاتحاد المسيحي الاجتماعي»، وهو الحزب الشقيق للديمقراطيين المسيحيين في وزارة بافاريا، لاعتماد أسلوب شبيه بالأسلوب الذي اعتمده المستشار النمساوي اليميني سيباستيان كورتز، زعيم حزب الشعب المحافظ؛ إذ استعار كورتز كثيراً من سياسات حزب الحرية اليميني المتطرف في النمسا، لا سيما فيما يتعلق بالمسلمين والهجرة واللاجئين، ثم إنه تحالف في الحكومة الأولى التي شكلها مع حزب الحرية. غير أن تلك الحكومة لم تعمّر طويل بسبب فضيحة هزّت الحزب اليميني المتطرف. وبالتالي، شكل كورترز حكومته الثانية مع حزب «الخضر» اليساري، مع محافظته على انعزاليته المتطرفة المتعلقة باللاجئين.
ومما يجدر ذكره، أن كرامب كارنباور حاولت اتخاذ مواقف أكثر حزماً من اللاجئين إبان فترة ترؤسها للحزب، في محاولة لإبعاد نفسها عن ميركل وكسب المزيد من الأصوات، إلا أن مسعاها لم ينجح... ثم إن سياستها لم تكن أصلاً «راديكالية» بما يكفي لإرضاء جموع الناخبين اليمينيين المتطرفين.
- عود على بدء: من سيخلف أنجيلا ميركل؟
> يعتمد مستقبل «حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي» الألماني اليوم بعد استقالة زعيمته آنغريت كرامب كارنباور على من سيكسب معركة الزعامة. ومن بين المرشحين لخلافة «آ.ك.ك»، مجدداً منافسها القديم، فريدريش ميرز (63 سنة)، وهو رجل أعمال ثري كانت ميركل نفسها قد دفعته للتقاعد من العمل السياسي قبل نحو 15 سنة، ويُعد من أشرس منتقديها داخل الحزب.
يحظى ميرز بتأييد كبير داخل الجناح اليميني المتشدد في الحزب، أي أولئك الذين يروّجون لضرورة إجراء تحالفات مع «البديل لألمانيا»، ثم إنه لا يخفي طموحه السياسي، إذ استقال من منصبه في شركة «بلاك روك» قبل بضعة أسابيع تمهيداً للتركيز على السياسة أكثر. وهو كان يأمل أصلاً أن ينتخب زعيماً للحزب في ديسمبر (كانون الأول) 2018، لكن «آ.ك.ك» سبقته بفارق ضئيل.
ورغم أن هذه المرة لم يعلن أحد بعد نيته الترشح لزعامة الحزب، ولم يحدد أصلاً موعداً لهذه الانتخابات، فإن الكلام يدور على أن التنافس سيكون بين ميرز ورئيس حكومة ولاية الراين الشمالي - وستفاليا ونائب زعيم الحزب أرمين لاشيت (58 سنة). كذلك هناك وزير الصحة الشاب يانس شبان (39 سنة) الذي برز اسمه عام 2018. ورغم أن الأخير قد لا يتمكن من كسب أصوات كافية للفوز بزعامة الحزب، فهو ما زال يطمح لذلك. وللعلم، عام 2018، خرج شبان من الدورة الأولى للتصويت فيما بقيت «آ.ك.ك» وميرز للدورة الثانية.
بين الثلاثة، يُعد لاشيت من المقرّبين لميركل، وهو لم يترشح لخلافتها في المرة الماضية. وثمة من يتحدّث عن اتفاق «تحت الطاولة» حصل بين لاشيت وميركل عام 2018 يقضي بإحجامه عن الترشح في حينه إفساحاً في المجال أمام كرامب كارنباور للفوز. ولكن الآن قد تكون الطريق أمامه ممهدة، خاصة أن سياسته قريبة من سياسة ميركل.
وحقاً، كثرة من المتابعين يرون أن فرصة لاشيت وافرة هذه المرة، مستبعدين فرص اختيار ميرز، رغم التأييد الكبير الذي يحظى به من «الجناح المتطرف» داخل الحزب. ويعتبر هؤلاء المتابعون أن لاشيت محبوب من الجميع داخل الحزب المحافظ ويجيد التعاطي مع الناخبين.
وفي المقابل، تتداول صحف ألمانية منذ أيام «سيناريو» ضم ميرز لحكومة يرأسها لاشيت، وتعيينه وزيراً للاقتصاد من أجل الاستفادة من خبرته في عالم الأعمال، وفي محاولة لكسبه إلى جانبه وطمأنة «المتطرفين» في الحزب كذلك.
في مطلق الأحوال، وبغض النظر عمّن سيكون زعيم الحزب المقبل، يبدو أن ما حصل في ثورينجيا لن يتكرر... على الأقل في الفترة القليلة المقبلة؛ إذ إن رد الفعل الذي تبع التحالف بين الديمقراطيين المسيحيين و«البديل لألمانيا» كان مزلزلاً، ومن كل الأحزاب. ولكن التحدي الآن هو انتخاب زعيم جديد، والإبقاء على الحكومة قائمة في الوقت نفسه؛ إذ إن الاشتراكيين أعلنوا بوضوح أنهم دخلوا الحكومة مع ميركل، وسيغادرونها مع ميركل. وهذا ما يعني أن أي إصرار من الزعيم المنتخب على تولي منصب المستشارية في الوقت نفسه وعلى الفور، سيؤدي إلى إسقاط الحكومة والدعوة لانتخابات نيابية مبكرة، عوضاً عن الانتخابات المجدوَلة في أكتوبر (تشرين الأول) 2021. وفي حال حصل ذلك، ستُجبر ميركل العازمة على إكمال ولايتها حتى نهايتها، على التقاعد المبكر.



الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».