سنوات السينما: Point Blank

سنوات السينما: Point Blank

الجمعة - 20 جمادى الآخرة 1441 هـ - 14 فبراير 2020 مـ رقم العدد [ 15053]
لي مارڤن في لقطة من «بوينت بلانك»

Point Blank
‪(‬1967‪)‬
تقييم الناقد: (ممتاز)
‫«بوينت بلانك» (تعبير عن نقطة قريبة لهدف ناري) كان ثاني فيلم للمخرج الآيرلندي جون بورمان وأول فيلم ينجزه في الولايات المتحدة من أصل أربعة أعمال هي، لجانب هذا الفيلم، «جحيم في الباسيفيك» (1968) و«خلاص» (1972 الذي تناولناه في حلقة سابقة من هذه الزاوية) و‬«طارد الأرواح 2» (1977).
كل من «خلاص» و«بوينت بلانك» هما بورمان المتوهج حيوية وموهبة. «طارد الأرواح 2» فيلم رعب أعمق من الجزء الأول لكنه العمق الذي لم يعجب هوليوود ولا المعتادين على نمط تفكيرها من المشاهدين.
الفيلم مقتبس عن رواية بوليسية للكاتب دونالد وستلايك بعنوان «الصياد» وتدور حول ذلك الرجل ووكر الذي ينتمي إلى عصابة تقوم بسرقة ناجحة لغنيمة هي بدورها من ممتلكات عصابة أكبر. لكن صديقه وشريكه في العملية مال (جون ڤرنون) يطلق عليه النار بهدف سرقة حصّته وامرأته. بعد حين يتعافى ووكر (لي مارڤن) ويعود إلى الواجهة من جديد مطالباً بتلك بنصيبه من الغنيمة (93 ألف دولار).
الرواية تختلف كثيراً عن الفيلم من حيث إن المخرج طوى صفحات كثيرة منها واهتم بالمادة التي تعزز حضور ووكر كمنتقم فرد يريد حصته من الغنيمة مع وجود شخصيّتين تلعبان دوراً أكبر في الفيلم من الحكاية المنشورة هما دور التحري الذي يريد من ووكر العمل لحسابه مانحاً إياه حرية الطريقة التي سيقدم عليها (يقوم به هنا كينان وين) وشخصية المرأة التي كانت عشيقة ووكر وأصبحت عشيقة عدوّه مال (جون ڤرينون) والآن هي في موقع لا تحسد عليه بين الاثنين (أنجي ديكنسون).
من مطلع الفيلم (تم تصوير المشاهد الأولى في سجن ألكاتراز من بعد هدمه) وحتى نهايته يمارس المخرج بورمان وسيلة جديدة من وسائل سرد الفيلم نوار البوليسي. مجمل اختياراته من اللقطات ومن المشاهد وكيفية توليفها بعضها ببعض ينقل هذا النوع من الأفلام من مرحلة سابقة إلى أخرى متوّجة برحيق سينما الستينات الذي اختلف بفضل مخرجين من أمثال بورمان قرروا أن الوقت حان لهم ليمنحوا التقليد الفن الذي يستحقه.
لي مارڤن (الذي قام لاحقاً ببطولة «جحيم في الباسيفيك» أمام الياباني توشيرو مفيوني) يستوعب ما يريده المخرج من الفيلم ومن دوره فيه. يندفع بجسده وبروحه معاً ليبلور شخصية عنيدة ومميتة. في أحد مشاهد الفيلم نراه يسير حثيث الخطا في ممر داخلي طويل. صوت خطواته يشبه هدير قطار قديم يجتاز المسافة بين محطتين. أنفاس ووكر- مارڤن مواكبة لذلك الهدير.
لكن عناية المخرج ليست منصبّة على ووكر وحده بل يستعين بنخبة من الممثلين الذين نراهم في ضوء مختلف رغم تعدد أعمالهم وشخصياتهم السابقة. في المقدّمة جون ڤرنون الذي لعب دور الشرير أكثر من مرّة لكنه لم يلعب هذا الوجه من الأدوار الشريرة من قبل.
خطوات وصول ووكر إلى صديقه وعدوه مال، تمر عبر سلسلة من الشخصيات الأخرى المرصوصة في مواجهات تنجلي عن مشاهد عنف غير فادحة أو دموية لكنها مؤثرة إلى حد بعيد. ما يثير اهتمام بورمان هو فن اللقطة، وبالتالي فن المشهد ووراءه فن الفيلم بأسره، لذلك كان من المقبول حينها أن نقرأ أن بورمان في فيلمه هذا أقدم على ما كان الفرنسي ألان رينيه يمكن أن يقدم عليه لو أراد تحقيق فيلم بوليسي. وفي البال، في الوقت ذاته، أن عنف ووكر لا يتوجه صوب قتل البشر. في الواقع لا يرتكب ووكر جريمة قتل، بل يسقط القتلى برصاص المنظمة هنا أو تبعاً لحادثة مخطط لها هناك. بذلك فإن العنف الموحى به داخل شخصية ووكر يتوقف عند ذلك الإيحاء وتتوزع بصماته ضد أشكال غير بشرية كما لو أنه يريد إفراغ غضبه من دون أن يرتكب جريمة قتل.


أميركا سينما

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة