النمو الاقتصادي يتباطأ أميركياً وأوروبياً وصينياً

«كورونا» يلقي بظلال قاتمة على الأسواق

بعد بداية متفائلة للعام... أضرت مخاوف آثار وانتشار فيروس «كورونا» بالأسواق المالية والتوقعات الاقتصادية العالمية (رويترز)
بعد بداية متفائلة للعام... أضرت مخاوف آثار وانتشار فيروس «كورونا» بالأسواق المالية والتوقعات الاقتصادية العالمية (رويترز)
TT

النمو الاقتصادي يتباطأ أميركياً وأوروبياً وصينياً

بعد بداية متفائلة للعام... أضرت مخاوف آثار وانتشار فيروس «كورونا» بالأسواق المالية والتوقعات الاقتصادية العالمية (رويترز)
بعد بداية متفائلة للعام... أضرت مخاوف آثار وانتشار فيروس «كورونا» بالأسواق المالية والتوقعات الاقتصادية العالمية (رويترز)

أضرت مخاوف آثار وانتشار فيروس «كورونا» في أواخر يناير (كانون الثاني) الماضي بالأسواق المالية، التي كانت تتمتع حتى ذلك الحين ببداية متفائلة للعام إلى حد كبير بفضل الآفاق الاقتصادية الواعدة الناجمة عن التوصل إلى اتفاقية تجارية بين الولايات المتحدة والصين، إذ أنهى مؤشر «ستاندرد آند بورز» الأميركي تداولات شهر يناير بتراجع شهري بلغ نسبته - 0.2 في المائة بعد أن سجل ارتفاعاً بنسبة 3 في المائة في منتصف الشهر.
ومن جهة أخرى، سجلت عائدات السندات الحكومية العالمية تراجعاً حاداً. ورغم أن الصورة الكاملة للآثار المترتبة على انتشار المرض ما زالت غير واضحة، فإنه من المتوقع أن يترك أثراً شديداً على نمو الاقتصادي الصيني في الربع الأول من العام الحالي، في الوقت الذي بدأ فيه ثاني أكبر اقتصاد على مستوى العالم في الاستقرار نسبياً. كما أدت المخاوف المتعلقة بتأثر الطلب الصيني والعالمي على النفط إلى تراجع أسعار النفط، حيث انخفض سعر مزيج خام برنت بنسبة 20 في المائة من أعلى المستويات المسجلة في يناير.

الوضع الأميركي

وقال تقرير صادر عن بنك الكويت الوطني إن الاقتصاد الأميركي سجل نمواً بنسبة 2.1 في المائة على أساس سنوي في الربع الرابع من عام 2019. أي بنفس معدلات الربع الثالث وبما يتماشى مع التوقعات. وتباطأت وتيرة الإنفاق الاستهلاكي إلى 1.8 في المائة مقابل 3.1 في المائة في الربع الثالث الذي شهد أداءً قوياً، كما ساهم تباطؤ نمو المخزونات في التأثير سلباً على النمو. وعوضت عن تلك العوامل السلبية، زيادة الإنفاق الحكومي (2.7 في المائة) وخاصة الانخفاض الحاد للواردات (- 8.7 في المائة)، نتيجة تراجع الواردات في الربع الثالث عندما كانت الشركات تتطلع إلى تجنب ارتفاع التعرفة الجمركية على السلع الصينية التي كانت منتظرة في سبتمبر (أيلول) الماضي. ولقد تراجع معدل النمو بصفة عامة في عام 2019 إلى 2.3 في المائة مقابل 2.9 في المائة في عام 2018، فيما يعد أدنى المستويات المسجلة منذ عام 2016.
ومن جهة أخرى، تشير أحدث البيانات إلى إمكانية تزايد النشاط الاقتصادي الأميركي، وخاصة في ظل تعافي سوق الإسكان بصفة خاصة (تسارع وتيرة نمو الأسعار بعد تباطؤ دام لمدة عامين)، وتحول مؤشر مديري المشتريات الصناعي الصادر عن معهد إدارة التوريدات (ISM) في يناير إلى الأداء الإيجابي (50.9 نقطة) للمرة الأولى منذ يوليو (تموز)، هذا بالإضافة إلى تمكن سوق العمل من الحفاظ على وتيرة نمو قوية بلغت 225 ألف وظيفة في يناير. وقد ساهم ذلك في الحد من المخاوف بشأن التراجع، إلا أن حالة عدم اليقين المتعلقة بالتجارة وانتشار فيروس «كورونا» والوصول إلى مرحلة نضوج الدورة الاقتصادية من المقرر أن تؤدي إلى تقييد قوة أي انتعاش قد يطرأ.
وفي اجتماع الشهر الماضي الذي لم يشهد تغيرات مؤثرة، أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي على أسعار الفائدة ضمن النطاق الحالي ما بين 1.50 - 1.75 في المائة، مشيراً إلى قوة سوق العمل وتحسن معدلات نمو الإنفاق الاستهلاكي وإن كان معدل التضخم الأساسي - الذي بلغ 1.6 في المائة على أساس سنوي في ديسمبر (كانون الأول)، ما يزال دون مستوى 2 في المائة المستهدف. وفي الوقت ذاته، تتوقع أسواق العقود الآجلة خفض أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس على الأقل بنهاية العام بنسبة تزيد على 80 في المائة.
وقال رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي إن البنك قد يتوقف عن ضخ سيولة إضافية في السوق - والتي تقدر بنحو 60 مليار دولار شهرياً في الوقت الحالي - خلال الربع الثاني من العام. وتم وصف تلك الخطوة في الأساس باعتبارها إحدى الإجراءات الفنية للمساهمة في الحفاظ على سياسة أسعار الفائدة ضمن النطاق المستهدف بما ساهم في رفع ميزانية الاحتياطي الفيدرالي إلى نحو 4.2 تريليون دولار، مقابل 3.8 تريليون دولار في سبتمبر الماضي. إلا أنه وفقاً لآراء بعض المحللين يعتبر ذلك أحد العوامل التي ساهمت في الارتفاع القوي لسوق الأسهم، وأن الاحتياطي الفيدرالي سيتعين عليه على الأقل إدارة مرحلة الإلغاء التدريجي لضخ تلك الأموال بعناية فائقة لتجنب اضطراب السوق.

منطقة اليورو والمملكة المتحدة:

أوروبياً، قال التقرير إن نمو الناتج المحلي الإجمالي في منطقة اليورو تباطأ إلى 0.1 في المائة على أساس ربع سنوي في الربع الرابع من عام 2019. أي أقل من التوقعات ومقابل تسجيله لنمو بنسبة 0.3 في المائة في الربع الثالث. ويعزى هذا التراجع في الأساس إلى انخفاض الإنتاج من قبل كل من فرنسا (- 0.1 في المائة) وإيطاليا (- 0.3 في المائة)، حيث تأثرت الأولى باستمرار الإضرابات احتجاجاً على خطة ماكرون لإصلاح نظام معاشات التقاعد. ولم تصدر بعد الأرقام الخاصة بألمانيا، إلا أن معدلات النمو كانت محدودة في الربع الثالث، وقد يكون التفاؤل الذي شهدناه مؤخراً نتيجة للتعافي الدوري بفضل تراجع حدة التوترات التجارية العالمية قد تلاشى أثره نتيجة لتفشي فيروس «كورونا» وما لذلك من تداعيات على الصادرات.
وارتفع مؤشر مديري المشتريات في منطقة اليورو بنهاية شهر يناير إلى مستوى متواضع بلغ 51.3 نقطة، وما زالت توقعات المحللين تشير إلى انتعاش مؤقت على صعيد النمو الإقليمي في وقت لاحق من العام الحالي نتيجة استمرار انخفاض معدل البطالة إلى أدنى مستوياته المسجلة منذ 12 عاماً، والذي بلغ 7.4 في المائة في ديسمبر (كانون الأول) مما أثر على توقعات الطلب المحلي.
وأبقى البنك المركزي الأوروبي على سياسته النقدية دون تغيير كما كان متوقعاً في يناير، لتبقى بذلك أسعار الفائدة على الودائع عند مستوى - 0.5 في المائة، وبرنامج التيسير الكمي عند مستوى 20 مليار يورو شهرياً. كما أشار إلى أن المخاطر التي تهدد آفاق النمو أصبحت «أقل حدة» عن ذي قبل (بفضل تراجع حدة التوترات التجارية)؛ إلا أنها ما تزال «تميل إلى الجانب السلبي»، وإن كان ذلك التصريح جاء قبل انتشار المخاوف المتعلقة بتفشي فيروس «كورونا».
وعلى صعيد آخر، ارتفع معدل التضخم إلى 1.4 في المائة على أساس سنوي في يناير مقابل 1.3 في المائة في ديسمبر (كانون الأول)، وإن كان هذا الارتفاع يعزى في الأغلب لأسعار الطاقة، وتراجع معدل التضخم الأساسي إلى 1.1 في المائة فقط. ومن المتوقع أن يتم الإبقاء على تلك السياسة دون تغيير في المستقبل، وبالفعل يدرس البنك إمكانية تعديل مستوى التضخم المستهدف (حالياً «قريب بما فيه الكفاية ولكن أقل من 2 في المائة») كجزء من مراجعة السياسة الاستراتيجية التي تم إطلاقها مؤخراً. من جهة أخرى، كان مسؤولو البنوك صريحين بشأن الحاجة إلى تولي السياسة المالية دوراً أكبر في دعم الاقتصاد الإقليمي.
وبعد نحو أربع سنوات من الاستفتاء «على انفصالها عن الاتحاد الأوروبي»، خرجت المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي بنهاية يناير بعد 47 عاماً من العضوية الأوروبية. ودخلت المملكة المتحدة الآن في فترة انتقالية لمدة 11 شهراً يستمر خلالها تطبيق نفس النظم المتعلقة بالتجارة والسفر والأعمال التجارية مع الاتحاد الأوروبي، بينما يحاول الجانبان التوصل إلى اتفاق تجاري يحكم العلاقات التجارية المتبادلة بعد 2020.
ورغم وجود مجموعة متنوعة من النتائج الممكنة، فإن الدلالات الأولية تشير إلى سعي رئيس الوزراء بوريس جونسون لتبني علاقة مرنة بما يوفر استقلال الإجراءات التنظيمية الخاصة بالمملكة المتحدة حتى على حساب فرض حواجز تجارية جديدة، أو ربما العودة مجدداً لاتباع شروط منظمة التجارة العالمية العام المقبل.
وكما كان متوقعاً، مر الحدث بأقل تأثير ممكن على الأسواق. وأبقى بنك إنجلترا على سعر الفائدة دون تغيير عند مستوى 0.75 في المائة، مشيراً إلى أنه سيراقب تأثير تحسن المعنويات على البيانات المؤكدة خلال الأشهر المقبلة. إلا أنه قام في الوقت نفسه بخفض آفاق النمو لعام 2020 إلى 0.8 في المائة مقابل 1.2 في المائة في وقت سابق.

تفشي الفيروس يهز الاقتصاد الصيني

ارتفع عدد القتلى في الصين بعد تفشي فيروس كورونا إلى أكثر من 1000 حتى الآن، هذا إلى جانب ما يقارب 38 ألف إصابة، وهي نسبة أعلى بكثير من الحالات المرضية خلال تفشي مرض السارس في عامي 2002 - 2003. وقد كان لهذا المرض - وسيظل له - تداعيات سلبية على الاقتصاد، حيث تتخذ السلطات المعنية كافة، على المستويين المحلي والدولي، المزيد من التدابير العاجلة للحد من انتشار الفيروس. وقامت الحكومة بتمديد عطلة رأس السنة القمرية الجديدة في سبيل التخفيف من الآثار السلبية على الأسواق، وأوقفت عدد من الشركات العالمية بما في ذلك «ستاربكس» و«أبل» و«هيونداي» عملياتها إلى أجل غير مسمى.
وسوف يؤثر ذلك سلباً على النشاط الاقتصادي في الربع الأول من عام 2020. خاصة بعد ظهور بيانات تشير إلى استقرار معدلات النمو عند مستوى 6.0 في المائة على أساس سنوي في الربع الرابع من عام 2019. أي دون تغيير عن الربع السابق. إلا أنه بالنسبة لعام 2019 ككل، تباطأت وتيرة النمو إلى أدنى مستوياتها المسجلة خلال ثلاثة عقود تقريباً، حيث بلغت 6.1 في المائة في عام 2019 مقابل 6.6 في المائة في عام 2018، رغم أنه ما يزال ضمن مستوى 6 - 6.5 في المائة المستهدف من قبل الحكومة. ويعزى هذا التباطؤ بصفة رئيسية لضعف أداء القطاع الخارجي وتراجع الإنفاق الاستثماري والاستهلاكي. وأظهرت البيانات الرسمية لمؤشر مديري المشتريات عن شهر يناير ركود النشاط الصناعي عند مستوى 50.0 نقطة مقابل 50.2 نقطة في ديسمبر (كانون الأول)، إلا أن تلك المستويات ربما لا تعكس التأثير الكامل لتفشي الفيروس. ومن جهة أخرى، وفي محاولة منها لتعزيز النشاط الاقتصادي، أعلنت الجهات الرقابية المالية في الصين عن ضخ سيولة بقيمة 242 مليار دولار وتخفيف قيود الإقراض لمساعدة الأعمال التجارية. وتشير الأنباء إلى سعي السلطات إلى الحصول على بعض المرونة في التعهدات التي تم الاتفاق عليها بموجب «المرحلة الأولى» من الاتفاقية التجارية مع الولايات المتحدة بعد أن قامت السلطات الصينية بتخفيض بعض التعرفات الجمركية إلى النصف. وتراجع أداء سوق الأوراق المالية بنسبة 7.7 في المائة، فيما يعد أعلى معدل خسائر يومية منذ سنوات، عندما تمت إعادة فتح الأسواق بعد العطلة الممتدة وانخفض اليوان بنحو 7 يوانات مقابل دولار أميركي واحد.



مصر: الدولار إلى قمة تاريخية ومخاوف الغلاء تتفاقم

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)
مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)
TT

مصر: الدولار إلى قمة تاريخية ومخاوف الغلاء تتفاقم

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)
مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

قفزة جديدة سجّلها سعر صرف الدولار في مصر، حيث تخطى حاجز 53 جنيهاً تزامناً مع «إجراءات تقشفية» تتخذها الحكومة، خصوصاً على مستوى الطاقة لتجاوز تداعيات حرب إيران.

ذلك الارتفاع غير المسبوق في قيمة الدولار أمام الجنيه، يراه خبير اقتصادي مصري تحدث لـ«الشرق الأوسط»، نتيجة للضغوط الكثيرة على الاقتصاد، في ظل تراجع للإيرادات الدولارية، ولا سيما قناة السويس، كما أن «ارتفاع الدولار يزيد المخاوف من تفاقم الغلاء في البلاد».

وشهد سعر صرف الدولار أمام الجنيه ارتفاعاً ملحوظاً خلال بداية تعاملات الأحد، متجاوزاً حاجز 53 جنيهاً للمرة الأولى في عدد من البنوك.

وحسب بيانات «البنك المركزي المصري»، سجّل سعر صرف الجنيه أمام الدولار حتى ظهر الأحد 53.53 جنيه للشراء و53.63 جنيه للبيع.

الخبير الاقتصادي، عضو «الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع»، علي الإدريسي، يرى أن «الارتفاع الحالي كان متوقعاً في ظل الضغوط على الاقتصاد»، موضحاً أن «سعر الصرف يتحدد بناء على قوى العرض والطلب، بينما يواجه الاقتصاد تحديات في تدفقات النقد الأجنبي المتمثلة في السياحة، وإيرادات قناة السويس، والصادرات، والاستثمارات الأجنبية المباشرة بسبب تداعيات حرب إيران».

في المقابل، تلتزم الدولة بسداد التزامات وديون مستحقة، بالإضافة إلى الارتفاع الكبير في تكلفة الاستيراد، ولا سيما قطاع الطاقة، حيث ارتفع برميل البترول من 77 دولاراً إلى مستويات تتراوح بين 100 و105 دولارات مع توقعات بوصوله إلى 150 دولاراً، بحسب تقرير «وكالة فيتش» منذ أيام، وهذا يخلق مشكلتين تتمثلان في زيادة سعر المنتج عالمياً وتراجع قيمة العملة محلياً، بحسب الإدريسي.

مواطنون مصريون أمام ماكينات الصرف التابعة لأحد البنوك الحكومية (رويترز)

ولفت الخبير الاقتصادي إلى أن «قطاع الصناعة يتصدر قائمة القطاعات الأكثر تضرراً جراء التقلبات الراهنة في أسعار الصرف، لأن معظم مدخلات الإنتاج مستوردة من الخارج». وأشار إلى أن «المواطن هو من يتحمل التكلفة النهائية لهذه الضغوط، مروراً بالزيادات الأخيرة في أسعار المحروقات، وما تلاها من ارتفاع في تذاكر مترو أنفاق القاهرة والقطارات، فضلاً عن الزيادات المتوقعة في أسعار الكهرباء».

يأتي ذلك وسط تحركات حكومية للتخفيف من تداعيات الحرب الإيرانية. وأكّد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في اتصال هاتفي، الخميس، مع نظيره الأميركي، ماركو روبيو، «أهمية تقديم الدعم الاقتصادي وتوفير السيولة النقدية لاحتواء التداعيات السلبية للتصعيد الحالي على مصر»، لافتاً إلى تداعيات التصعيد العسكري على الاقتصاد المصري مع «تأثر أسعار الطاقة والغذاء، وتراجع عائدات السياحة وقناة السويس».

وقبل نحو أسبوعين، اتخذت الحكومة المصرية قرارات «استثنائية» تضمنت رفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، وسط إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، مع استعداد رسمي لتقديم حزمة حماية تشمل دعم الأجور والمعاشات والسلع.

وطالب علي الإدريسي الحكومة بـ«وضع ضوابط لحماية محدودي الدخل والطبقات الفقيرة»، لافتاً إلى «أهمية انتقال التعامل الحكومي الحالي الناعم إلى ما أهو أشد، بما يتناسب مع حجم الضغوط التي يواجهها المواطن، وذلك بإحكام القبضة على الأسواق وتفعيل إجراءات صارمة ضد المتلاعبين لمواجهة الغلاء المتصاعد».


«إتش سي»: ضغوط تضخمية وتراجع للجنيه وسط تثبيت متوقع للفائدة في مصر

تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)
تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)
TT

«إتش سي»: ضغوط تضخمية وتراجع للجنيه وسط تثبيت متوقع للفائدة في مصر

تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)
تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)

قالت شركة «إتش سي» القابضة للاستثمار، إن الوضع الخارجي للاقتصاد المصري أظهر مؤشرات قوية قبل اندلاع حرب إيران، مما «خفّف من حدة الصدمات الخارجية نسبياً».

وأثرت الاضطرابات الجيوسياسية الإقليمية الناجمة عن الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، التي بدأت في 28 فبراير (شباط)، على الاقتصاد العالمي وعلى مصر تحديداً، وسط تعطل مضيق هرمز الذي يمر منه نحو 20 في المائة من إجمالي النفط والغاز عالمياً.

وترى هبة منير، محللة الاقتصاد الكلي بشركة «إتش سي»، أن ارتفاع صافي الاحتياطي النقدي الأجنبي بنحو 11 في المائة على أساس سنوي إلى مستوى قياسي بلغ 52.7 مليار دولار في فبراير الماضي، وارتفاع الودائع غير المدرجة في الاحتياطيات الرسمية بمقدار 1.26 مرة على أساس سنوي لتصل إلى 13.4 مليار دولار، فضلاً عن اتساع صافي الأصول الأجنبية بالقطاع المصرفي بشكل ملحوظ بنحو 16 في المائة على أساس شهري، و3.39 مرة على أساس سنوي ليصل إلى 29.5 مليار دولار في يناير (كانون الثاني)؛ قد حصّن الاقتصاد المصري من تداعيات سلبية قوية.

وأشارت منير إلى أن الحرب تسببت في خروج صافي تدفقات أجنبية صافية بما يقرب من 4 مليارات دولار تقريباً من السوق الثانوية لأذون الخزانة منذ الأول من مارس (آذار) الحالي حتى الآن، مما أدى إلى تراجع قيمة الجنيه مقابل الدولار بنحو 9 في المائة منذ 28 فبراير ليصل إلى 52.6 جنيه، وهو الأمر الذي يعكس مرونة سعر الصرف.

وتوقعت هبة منير زيادة معدل التضخم لشهر مارس إلى 14.3 في المائة على أساس سنوي، و2.4 في المائة على أساس شهري، وهو ما قد يرفع التضخم المتوقع للعام الحالي بأكمله إلى 13-14 في المائة على أساس سنوي، مقارنة بتوقعات سابقة قبل اندلاع الحرب، ما بين 10-11 في المائة، و«هو ما قد يؤخر دورة التيسير النقدي».

وأرجعت ذلك إلى «ارتفاع أسعار النفط بنحو 48 في المائة لتصل إلى 107 دولارات للبرميل، الأمر الذي دفع الحكومة إلى رفع أسعار الديزل المحلي وأسطوانات الغاز والبنزين بنسبة 19 في المائة في المتوسط في 10 مارس، والتي سيكون لها تأثير على معدلات التضخم».

وفيما يتعلق بأسعار العائد على أذون الخزانة، قام البنك المركزي المصري برفع العائد للحفاظ على جاذبية الاستثمار في أذون الخزانة على المدى القصير؛ إذ بلغ العائد على أذون الخزانة لأجل 12 شهراً 23.4 في المائة، بما يعكس سعر فائدة حقيقياً إيجابياً قدره 6.94 في المائة.

و«بناءً على ذلك، ومع الأخذ في الاعتبار المخاطر الجيوسياسية وتأثيرها على موارد مصر من النقد الأجنبي، والتوقعات المُحدَثة للتضخم، ورغبة الحكومة من واقع رؤيتنا في الإبقاء على جاذبية الاستثمار في أدوات الدين، والمحافظة على مستهدفات نسبة عجز الموازنة للناتج المحلي الإجمالي؛ نتوقع أن تُبقي لجنة السياسة النقدية على أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعها المقرر عقده يوم الخميس المقبل 2 أبريل (نيسان)».


القطاع الخاص يقود قاطرة الاستثمار السياحي في السعودية بـ58 مليار دولار

رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية
رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية
TT

القطاع الخاص يقود قاطرة الاستثمار السياحي في السعودية بـ58 مليار دولار

رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية
رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية

في ظل التحول المتسارع الذي يشهده قطاع السياحة في السعودية، برزت استثمارات القطاع الخاص بوصفها من أبرز محركات النمو، مع تنامي دوره شريكاً رئيسياً في تطوير الوجهات السياحية وتعزيز جاذبية السوق، مدعوماً بحوافز حكومية ومنظومة استثمارية متكاملة.

وقد تجلى هذا الدور الريادي في قلب الجلسات النقاشية للنسخة الرابعة من «مبادرة مستقبل الاستثمار» المنعقدة في ميامي؛ حيث اجتمع المستثمرون العالميون لبحث مستقبل تدفقات رؤوس الأموال. وأكد وزير السياحة السعودي، أحمد الخطيب، أن المملكة تقدم نموذجاً لسوق جاهزة تماماً لاستقطاب الاستثمارات، مشيراً إلى أن «دور القطاع الخاص، ومشاركته الفاعلة، هما الركيزة الأساسية لهذا النجاح، حيث يُسهم بنحو 48 في المائة من إجمالي الاستثمارات السياحية».

وقال إن المملكة، في إطار «رؤية 2030»، نجحت في بناء منظومة استثمارية متكاملة لا تقوم على مشروعات ووجهات متفرقة، بل على تكامل السياسات والتشريعات والبنى التحتية، وتمكين الاستثمار، وتطوير رأس المال البشري، بما أسهم في خلق مناخ استثماري موثوق يضمن استدامة النمو على المدى الطويل.

دور القطاع الخاص

من جهته، أكد وكيل وزارة السياحة لتمكين الوجهات السياحية، محمود عبد الهادي، لـ«الشرق الأوسط»، أن «القطاع الخاص أصبح لاعباً رئيسياً في دفع عجلة السياحة، مسهماً بنحو 219 مليار ريال (58.4 مليار دولار) من إجمالي الاستثمارات الملتزم بها في القطاع، البالغة 452 مليار ريال، مقابل 233 مليار ريال (62.1 مليار دولار) يسهم بها (صندوق الاستثمارات العامة)، في نموذج يعكس شراكة استراتيجية لتعزيز النمو المستدام».

وفي سياق تعزيز الجاذبية الاستثمارية، كشف عن أن المملكة حلّت في «المركز الـ5» ضمن اقتصادات «مجموعة العشرين» لعام 2024 من حيث الكثافة الاستثمارية، مع حصة استثمارية بلغت 30 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أحد المعدلات الأعلى عالمياً.

كما نجحت في جذب 56 مشروعاً سياحياً نوعياً بين عامي 2019 و2024 بقيمة استثمارية بلغت 1.9 مليار دولار.

جبال «فيفا» في جازان (وزارة السياحة)

حوافز استثمارية شاملة

وأوضح عبد الهادي أن المستثمرين في القطاع السياحي يستفيدون من حوافز متنوعة؛ تشمل «إعفاءات ضريبية طويلة الأجل للشركات متعددة الجنسية، ودعم الأجور في المهن الخاضعة للتوطين، إلى جانب تخفيضات وإعفاءات من رسوم التراخيص البلدية، وتمويل المشروعات بمختلف أحجامها عبر (صندوق التنمية السياحي)؛ مما يسهم في خلق بيئة استثمارية جاذبة وتخفيف المخاطر».

القطاع الخاص يقود البنية الفندقية

وأضاف أن القطاع الخاص يمثل نحو 60 في المائة من الغرف الفندقية الجديدة، وأنه يقود المشروعات الاستثمارية في 10 مناطق سعودية، «مع التركيز على الوجهات الكبرى والناشئة، في وقت نجحت فيه المملكة في جذب أكثر من 50 علامة فندقية عالمية، واستقطاب أكثر من 40 مستثمراً جديداً منذ عام 2020».

أرقام قياسية لعام 2025

سجل القطاع السياحي السعودي في 2025 نحو 122 مليون سائح محلي ووافد من الخارج، بزيادة 5 في المائة على العام السابق، فيما بلغ إجمالي الإنفاق السياحي 301 مليار ريال (نحو 80.3 مليار دولار)، بنمو 6 في المائة مقارنة بعام 2024. وبلغ عدد السياح المحليين 92.9 مليون سائح مع إنفاق قدره 128.2 مليار ريال (نحو 34.2 مليار دولار)، فيما وصل عدد السياح الوافدين إلى 29.3 مليون سائح مع إنفاق 172.6 مليار ريال (نحو 46 مليار دولار). وتهدف المملكة إلى استقبال 150 مليون سائح سنوياً بحلول 2030.

سياح يشاهدون الغروب بالقرب من «صخرة الفيل» في العلا (وزارة السياحة)

أولويات الاستثمار المستقبلية

وأشار إلى أن المملكة وضعت أولويات للسنوات الخمس المقبلة؛ تشمل تطوير مرافق الضيافة، وتعزيز منصات الحجز والترويج السياحي، وإطلاق تجارب سياحية متنوعة تشمل الشواطئ والمدن والتراث والمغامرات، إلى جانب الاستثمار في السياحة الزراعية وسلسلة الإمداد السياحي والخدمات اللوجيستية، «بما يوفر فرصاً واسعة للقطاع الخاص ويعزز استدامة النمو».

منتجع فاخر في البحر الأحمر (وزارة السياحة)

حوافز السياحة

وأكد أن المملكة اعتمدت آليات لضمان النمو المستدام للمشروعات السياحية، تشمل «دعم استثمارات القطاع الخاص بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المائة من النفقات الرأسمالية، إضافة إلى إعفاءات من الرسوم البلدية لمدة تصل إلى 7 سنوات، وإعفاءات من ضريبة دخل الشركات للاستثمارات الأجنبية للفترة ذاتها، وتخفيض ضريبة القيمة المضافة على الغرف الفندقية بنسبة تصل إلى 100 في المائة، إلى جانب دعم استئجار الأراضي بنسبة 100 في المائة لمدة تصل إلى 20 عاماً».

منطقة البلد في جدة (وزارة السياحة)

دعم النمو المستدام

وأوضح أن اعتماد «نظام الاستثمار السعودي لعام 2025» مكّن المستثمرين الأجانب من التملك الكامل وحمايتهم، إلى جانب تسهيل حركة الأموال؛ «مما أسهم في خلق مناخ استثماري موثوق، بالتوازي مع تطوير الكوادر البشرية من خلال برامج تدريبية مختصة بالشراكة مع الجامعات والمؤسسات التعليمية».

وأكد أن هذه المنظومة المتكاملة، إلى جانب الشراكة بين القطاعين العام والخاص، «تمثلان الركيزة الأساسية لتحقيق مستهدفات (رؤية 2030)، بما في ذلك رفع إسهام السياحة في الناتج المحلي الإجمالي إلى 10 في المائة، وخلق أكثر من 1.6 مليون وظيفة»، مشدداً على أن «القطاع الخاص لم يعد مجرد مستثمر، بل هو شريك استراتيجي يقود نمو السياحة السعودية على المدى الطويل».