الإعلام في لبنان... أي مصير مأساوي ستفرضه الأزمة المالية؟

بين صرف موظفين ودفع نصف راتب وتوجه إلى الإقفال

مراسلو «إم تي في» أثناء تغطيتهم انتفاضة الشعب اللبناني
مراسلو «إم تي في» أثناء تغطيتهم انتفاضة الشعب اللبناني
TT

الإعلام في لبنان... أي مصير مأساوي ستفرضه الأزمة المالية؟

مراسلو «إم تي في» أثناء تغطيتهم انتفاضة الشعب اللبناني
مراسلو «إم تي في» أثناء تغطيتهم انتفاضة الشعب اللبناني

لم تكن «انتفاضة» الشعب اللبناني التي انطلقت في شوارع بيروت 17 أكتوبر (تشرين الأول)، سبباً رئيسياً لتدهور الوضع المادي في البلد، لكنّها ضاعفت عجلة الانهيار الاقتصادي الذي طال جميع المؤسسات والشركات الخاصة والعامة كما وسائل الإعلام اللبنانية برمّتها، المسموعة والمكتوبة والمرئية، التي بدأت ترزح تحت وطأة هذه الضائقة بعد تحوّلها إلى أزمة نقدية ومالية. فكانت الصحف والمجلات أول من خارت قواها أمام موجة الإفلاس، ما دفع بها إلى اتخاذ إجراءات داخلية قاسية في محاولة منها لتجاوز هذه المرحلة الصعبة.
ليست الأزمة لبنانية وحسب، فقد شهدنا خلال السنوات الأخيرة الماضية، كيف انهارت دور صحف عالمية وتوقفت عن الصدّور. إنّه عصر التكنولوجيا، وسرعة وصول الخبر بهاتف جوال.
وبيروت اليوم، التي طالما كانت مركز الثقل في الصحافة اللبنانية والعربية، وعاصمة الإعلام العربي، تواجه مؤسساتها الإعلامية أسوأ فترة في تاريخ إعلامها. ومع تدنّي نسبة الإعلانات التجارية على شاشاتها التي لامست الصفر في أولى فترات الانتفاضة راحت بعض المحطات التلفزيونية تركن إلى عصر نفقاتها.
وكان العنوان العريض لهذه المرحلة التقنين في المصاريف إلى حدّ جعل بعضها يتأخر عن تسديد أجر موظفيه، فيما قرّرت غالبيتها دفع نصف الأجر الشهري لهم، ولا يُخفى ما لتراجع الدّعم السياسي المادي الخارجي والدّاخلي من تأثير مادي سلبي عليها.
يذكر الشارع اللبناني خبر انهيار «دار الصياد» هذا الصّرح الإعلامي التاريخي في عام 2018، لتكر المسبحة بعده وتتهاوى الجرائد مودّعة قراءها الواحدة تلو الأخرى كـ«السفير» و«الحياة» و«المستقبل».
أمّا تلفزيون «المستقبل» فكان أوّل المهزومين بين نظرائه، بعد إعلانه العام الماضي عن واقعه المالي المتأزم، وتعليق أعماله بعد مرور 26 سنة على تأسيسه.
بدأت محطات التلفزة الأخرى، لا سيما بعيد انطلاق ثورة «لبنان ينتفض»، وقبلها بسنوات البحث عن سبل إنقاذ تنتشلها من محنتها، إمّا عبر مساعدات مالية داخلية وخارجية، وإما من خلال اتفاقيات ثنائية مع قنوات فضائية عربية.
- التشفير
وكان آخر ما لجأت إليه قنوات التلفزة، هو إعلان كل من محطتي «إل بي سي آي» و«الجديد» انتقال بثّهما من المفتوح المجاني إلى المشفّر المدفوع.
صحيح أنّ تاريخ بدء العمل بهذا القرار لم يحدد بعد إلّا أنّ التدابير والإجراءات اللازمة أصبحت جاهزة، ولا ينقصها سوى اتفاق الشركة المولجة من قبل المحطات بتنفيذ الفكرة «هولكوم» مع موزعي الكابلات، لتكتمل الصورة ويُنفّذ القرار.
بيار الضاهر، رئيس مجلس إدارة محطة «إل بي سي آي» يعلّق على القرار بقوله إنّ «الفكرة ليست وسيلة إنقاذ بقدر ما هي وسيلة تطوير. فالبثّ المشفّر أصبح منتشراً في العالم أجمع، وقد بدأنا بتناول هذه الخطة منذ عام 2018. واليوم أصبحنا جاهزين لها بعدما اكتملت جميع عناصرها. وقريباً نعلن عن تاريخ تطبيقها». وعمّا إذا الضائقة المالية التي تعاني منها محطات التلفزة قد تودي ببعضها إلى الإقفال، يجيب: «لدينا اليوم حكومة جديدة نتأمل بها خيراً، ونتمنّى أن تحدث إصلاحات تنعش البلاد. كما أنّنا نعيش في وضع استثنائي لا يسعنا أن نتوقّع أو نؤكد خلاله أي شيء. وإذا بقي الوضع المتدهور على حاله فالأمل ضئيل، ولكن الأمور يمكن أن تصلح وتذهب نحو الأفضل».
من جانبه، يقول إبراهيم الحلبي مدير العلاقات العامة بقناة «الجديد» في اتصال مع «الشرق الأوسط»: «في اعتقادي لن تخسر (الجديد) مشاهديها. أولاً القناة مطلوبة في لبنان تحديداً، وفي محيطه طبعاً، ويستطيع أي مشاهد أن يأخذها من أي مزوّد للقنوات يقدم الخدمة. وهنا لا بدّ من لفت النظر إلى أن هذه الخدمة التي تتقسّم عبر المحطات التي توزّع الأقنية، ليست باهظة الثّمن في لبنان، فالمشاهد يستطيع أن يشارك ويشاهد قنوات كثيرة بمبلغ لا يتعدى 10 دولارات. وهذه الخدمة موجودة أصلاً، ومشاهدة القنوات اللبنانية لا تنحصر على المواطنين اللبنانيين في لبنان فقط، بل هي مطلوبة تحديداً من أجل الاستماع إلى الأخبار وبعض البرامج التي تقدّمها القناة. ولا بدّ من ذكر أنّ الاشتراك في البث المشفر المدفوع يؤمن بالإضافة إلى القنوات المحلّية مئات المحطات الأخرى، لذا لا أعتقد أنّ (الجديد) ستخسر من مشاهديها».
هل تستطيع «الجديد» دفع رواتب موظفيها أم بدأت بدفع النصف؟ يقول الحلبي: «حتى الآن تدفع القناة كامل الرّواتب لجميع الموظفين. رغم هذه الضائقة المالية». ويتابع: «لن أناور في الموضوع وأقول إنه ليس من ضائقة مالية، بل هي موجودة، وليست (الجديد) وحدها التي تتعرض لها إنّما كل القطاع الإعلامي. والمسألة ليست فقط بسبب ثورة 17 أكتوبر (تشرين الأول)، فمسألة الإعلام في العالم كله الآن بوجود هذا التحدي الكبير لمواقع التواصل الاجتماعي والإنترنت خسرت قليلاً من المداخيل التي تعود بها الإعلانات عليها، ومن الطبيعي أن تؤثر الحالة الاقتصادية إلى حد ما في موضوع المداخيل، ولكن الآن يعني حتى يناير (كانون الثاني) 2020، لا تزال (الجديد) تدفع كامل الرواتب لجميع الموظفين».
- تراجع تغطية الانتفاضة
«إنّ تغطية المحطة للانتفاضة الشّعبية لم تتراجع يوماً، ومراسلو القناة موجودون دوماً لنقل لأي تحرك شعبي»، تقول مريم البسام مديرة الأخبار والبرامج السياسية بقناة «الجديد» في اتصال مع «الشرق الأوسط». وتوضح أنّه «خيار بعض الناشطين والثوّار الذين قرّروا التخفيف من الوجود الكثيف في الشارع لصالح مبادرات. وأصبحنا اليوم نشهد كم كان عمل الفريق الذي قرّر التوجه إلى قطاع الاتصالات مهماً مع (مبادرة وعي)، وكيف استطاع توقيف قطاع خدمات الخليوي لشركتي touch وalfa. وفرق أخرى توجّهت إلى القضاء والمصارف. فبعد 100 يوم، بات المنتفضون المتخصصون بقضايا، يركزون على الأهداف».
وتتابع: «نحن الصحافيين لم نتراجع ولا المؤسسات تراجعت، بل كنّا نبحث عن المنتفضين في الشوارع والطرقات. وبعد تشكيل الحكومة خفّ هذا الدّفق والتوافد الكثيف على ساحات الثورة، تحديداً في رياض الصلح وساحة الشّهداء».
وتستطرد البسام: «واكبنا أيضاً المفكرة القانونية التي أنجزت عملاً مهنياً يكاد يوازي مظاهرة بكامل حشودها، عندما استعانت هذه المفكرة بنخبة من المحامين وحماية المستهلك ورفعت دعاوى على جمعية المصارف. ومحامو الثورة المتطوعون عقدوا مؤتمراً في نقابة المحامين وسجلوا الاعتداءات التي مارستها الأجهزة والعناصر الأمنية على المتظاهرين من 19 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى اليوم، وتحدّثوا عمّا قامت به هذه القوى وكيف اعتقل عناصرها الناس واعتدوا عليهم. فالتغطية إذن لم تتراجع، بل تموضع المنتفضون لصالح التركيز على بنك أهداف وقضايا محدّدة نحن نواكبها يومياً، ونكون في الشارع متى وجدوا هم أو حتى قبل ذلك».
- إلى متى الصّمود؟
وماذا عن مستقبل القناة وإلى متى ستظل تقاوم وتصمد؟ يقول الحلبي: «عملياً مجلس الإدارة وتحديداً رئيس مجلس الإدارة، أخذ قراراً بالاستمرار في هذا الخط الإعلامي رغم جميع الضّغوط التي تُمارس، وهي ليست مالية فقط، فنحن نتعرض لضغوط لها علاقة بإيذائنا، كمحطة وكمبنى وكمراسلين ومصوّرين، وهناك مسألة مهمة جداً، هي أن كابلات (الجديد) كانت تُقطع من بعض أتباع الأحزاب في كل المناطق لمنعنا من البث. والتشفير في مثل هذه الحال يحمي القناة. وعن استمرار المحطّة، طبعاً نحن سنواكب المسألة، وهي ليست إعلامية بقدر ما هي مواكبة التقنية الجديدة ليبقى لقناة (الجديد) حيّز عند المشاهد اللبناني والعربي بشكل عام».
وأحدث من انضم إلى لائحة المتعثرين في مجال الإعلام هي الإذاعات اللبنانية، فقد أعلن مؤخراً الإعلامي جو معلوف صاحب ومدير إذاعة «جرس سكوب» إغلاقها. واتخذت إذاعات أخرى كـ«صوت الغد» و«أغاني أغاني» إجراءات مغايرة، ولكنّها تصبّ في خانة عصر النفقات، فأوقفت برامجها الصباحية التي تعد الفترة التي تحقق أكبر نسبة استماع لديها.
ويقول عماد خازن مدير إذاعة «صوت لبنان - ضبية»، إنّ «ما يجري تناوله عن ضائقة مالية حادة تمر بها المحطات الإذاعية هو حقيقي وصحيح».
يضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «إن إيراداتنا الإعلانية بدأت تتدنى منذ فترة لتصل إلى نسبة 70 في المائة.
ومع انطلاق الثورة اختفت الإعلانات كلياً وبنسبة 90 في المائة». ويتابع في سياق حديثه: «يعود السبب الأساسي في تدني هذه النسبة إلى وسائل التواصل الاجتماعي وكل ما يعرف بـ(أون لاين) التي سرقت من الإذاعات نسبة كبيرة من الإعلانات التجارية. كما أنّ عدم الالتزام بقانون المرئي والمسموع أسهم في تفشي هذه الحالة.
فالمعروف أنّ هناك 12 إذاعة مرخصة رسمياً من الدّولة اللبنانية. ولكنّنا اليوم في ظل الفوضى التي نعيشها يصل عدد الإذاعات العاملة في لبنان إلى نحو 49 إذاعة. وفي غالبيتها تبث مناطقياً، وباتت تستقطب معظم المعلنين في مناطقها والمستفيدين المباشرين من أهاليها».
ويرى عماد الخازن أنّ تسلم حكومة جديدة قد ينعكس إيجاباً على هذا القطاع في حال جرت العودة إلى تطبيق قانون المرئي والمسموع من ناحية، وتوحيد مواقع الإرسال من ناحية ثانية. وكذلك دعم الإذاعات بمادة المازوت وأمور أخرى كان وزير الإعلام السابق ملحم رياشي قد أثارها في موضوع إيجاد حلول لمشاكل وسائل الإعلام المتعثّرة.
وعما إذا اضطر إلى عصر نفقات الإذاعة وصرف موظفين وتخفيف أجر العاملين فيها، يرد الخازن: «لقد اضطررنا أن نوقف برامج نتعامل مع أصحابها بالقطعة، وكذلك مع المقدمين المتعاقدين معنا وغير المسجلين في الإذاعة كموظفين أساسيين. ولكنّي في الوقت نفسه، ما زلت أدفع أجر جميع العاملين عندي كاملاً».
- سلطة المال تنتصر على السلطة الرابعة
> منذ أسبوع، توقفت صحيفة «ديلي ستار» اللبنانية الصادرة باللغة الإنجليزية، التي أسسها الصحافي كامل مروة عام 1952، عن طباعة نسختها الورقية لأسباب مالية. وقالت في بيان نشرته على موقعها الرّسمي إنها علّقت النسخة المطبوعة مؤقتاً بسبب التحديات المالية التي تواجه الصحافة اللبنانية، والتي تفاقمت مع تدهور الوضع الاقتصادي في البلاد، موضحة أنّ موقعها الإلكتروني ومنصاتها على وسائل التواصل الاجتماعي مستمرة في أداء عملها. إبان الحرب الأهلية بين عامي 1975 و1990، توقفت الصحيفة عن الصدور لتنطلق مجدداً عام 1996. بيد أن السؤال يفرض نفسه اليوم: هل تستطيع أي مؤسسة إعلامية في ظل هذه الأزمة التي تنهش بها أن تعلّق أعمالها اليوم لتنطلق غداً؟ أم أنّها ستموت وتدفن في ذاكرة الزّمن الجميل للإعلام اللبناني؟


مقالات ذات صلة

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

إعلام تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية دون تسجيل إصابات

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع لمجلس الوزراء في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن 26 مارس 2026 (أ.ب)

ترمب يغازل مذيعة «فوكس نيوز» بعد سؤال عن أوضاع إيران

أثنى الرئيس الأميركي دونالد ترمب على مظهر مذيعة شبكة «فوكس نيوز» مباشرةً بعد سؤاله عن أحوال المدنيين في إيران التي مزقتها الحرب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق بيان إعلامي يرفض الإساءة إلى مصر (الهيئة الوطنية للإعلام)

القاهرة تتحرك قضائياً ضد مقال «مسيء» لصحافي كويتي

أعلنت وزارة الدولة للإعلام في مصر التحرك قضائياً ضد مقال لكاتب كويتي تضمن «إساءات» لمصر.

محمد الكفراوي (القاهرة )
العالم العربي اجتماع سابق بين وزير الدولة للإعلام ورؤساء الهيئات الإعلامية الحكومية (وزارة الإعلام المصرية)

مصر تناشد «النخب العربية» العمل على «وأد الفتنة الإعلامية»

لوَّحت الحكومة المصرية، الأربعاء، باتخاذ «كل ما تتيحه نصوص القوانين واللوائح لضبط الأداء الإعلامي لوقف الإضرار بمصالح الوطن والإساءة للدول العربية الشقيقة».

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا وزارة الإعلام والهيئات الإعلامية الرسمية المصرية حذرت من الفتنة (الشرق الأوسط)

مصر تحذر من محاولات تقويض علاقاتها بالدول العربية عبر السجالات الإعلامية

حذرت مصر من محاولات بث الفرقة وتقويض العلاقات المصرية - العربية عبر وسائل الإعلام على وقع الحرب الإيرانية.

أحمد عدلي (القاهرة )

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
TT

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية، دون تسجيل إصابات.

وأوضح مراسل القناة، أنه نجا بأعجوبة من القصف الإسرائيلي بعد سقوط القذيفة المدفعية بجانبه وما ألحقته من تناثر الشظايا في المكان، إضافة لنجاة بقية الإعلاميين الذين كانوا موجودين في المنطقة المستهدفة.

وأضاف المراسل أن الجيش الإسرائيلي أطلق قذائف هاون بين قرية الصمدانية الغربية وسدّ المنطرة في ريف القنيطرة الأوسط، دون ورود معلومات عن إصابات إضافية.

وفي 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي عند أطراف مدخل قرية الصمدانية الشرقية، ضمن سلسلة انتهاكات مستمرة جنوب البلاد. وأقامت القوات وفق ما أفاد مراسل «الإخبارية» حاجزاً عند مفرق الصمدانية - العجرف مؤلفاً من ثلاث آليات عسكرية.

وتستمر قوات الاحتلال في اعتداءاتها وتوغلاتها داخل الأراضي السورية، ولا سيما في ريفي القنيطرة ودرعا، وتنفذ اعتداءات بحق المدنيين واعتقالات وتخريب.

الباحث السوري نوار شعبان، وصف ما جرى في القنيطرة بأنه لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة عابرة، بل يمثل تطوراً خطيراً، لأنه لا يتعلق فقط باعتداء عسكري، بل باستهداف مباشر لعمل إعلامي وصحافي.

وأضاف في تغريدة على منصة «إكس»، أن الإعلاميين كانوا يقومون بعملهم الطبيعي في نقل ما يجري على الأرض، وهو عمل يفترض أن يكون محمياً وفق القوانين الدولية التي تحمي الصحافيين أثناء النزاعات. مشدداً على أن استهدافهم بهذا الشكل يفتح سؤالاً كبيراً حول سلامة العمل الإعلامي في الجنوب السوري، خاصة في ظل تكرار القصف والتوغلات الإسرائيلية في ريف القنيطرة خلال الفترة الأخيرة.

صورة للقصف الإسرائيلي على موقع تجمع الصحافيين السوريين في القنيطرة (متداولة)

وطالب شعيب وزارة الخارجية السورية بإصدار بيان رسمي واضح يدين هذا الاعتداء ويستنكره، ويضعه في إطاره الصحيح كونه استهدافاً لحرية العمل الإعلامي وسيادة الأراضي السورية، معتبراً أن ترك مثل هذه الحوادث دون موقف رسمي يعني تحويلها إلى أمر اعتيادي.

عناصر من قوات الأمم المتحدة تتفقد بقايا الصاروخ في قرية الحيران بريف القنيطرة (سانا)

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد توغلت، الثلاثاء، على الطريق الواصل بين قرية نبع الفوار في ريف القنيطرة الشمالي، وقرية حرفا في ريف دمشق الغربي.

وذكر مراسل «سانا» في القنيطرة، أن قوة للاحتلال مؤلفة من عدة آليات عسكرية توغلت على الطريق الواصل بين القريتين، ونصبت حاجزاً مؤقتاً في المنطقة، وعمدت إلى تفتيش المارة، دون ورود أنباء عن أي حالات اعتقال.

ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته وخرقه اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 عبر التوغلات المتكررة في جنوب سوريا، والاعتداء على المواطنين بالمداهمات والاعتقالات التعسفية والتهجير القسري وتدمير الممتلكات وتجريف الأراضي الزراعية.


خطة أوروبية شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية

فون در لاين (تاس)
فون در لاين (تاس)
TT

خطة أوروبية شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية

فون در لاين (تاس)
فون در لاين (تاس)

تنعم وسائل الإعلام في بلدان الاتحاد الأوروبي منذ سنوات بدرجة عالية من الحرية والاستقلالية. وتنشط في أجواء تكاد تكون مثالية لممارسة مهنة الصحافة، التي تحميها «ترسانة» من التشريعات والقوانين المخصّصة للدفاع عن حرية الرأي والتعبير، والحفاظ على حقوق الصحافيين، وسرّية المصادر التي يستقون منها معلوماتهم.

ولكن خلال السنوات الأخيرة، أصبح الإعلام الأوروبي أحد الأهداف المركزية لما يسمّى «الحرب الهجينة» التي تشنّها الأطراف الخارجية التي تسعى لتقويض «المشروع الأوروبي»، أو إبعاده عن مساره التأسيسي، أو التأثير في مجرى أحداثه السياسية والاجتماعية، خدمة لتوجّه جيوسياسي معيّن. وفي هذا السبيل، باتت تستعين - بشكل أساسي لتحقيق أهدافها - بالفرص اللامحدودة التي تتيحها التكنولوجيا الرقمية، وما طرأ عليها من تطوّرات هائلة توّجها أخيراً الذكاء الاصطناعي، الذي بدأ يُحدِث ثورة عميقة في النشاط الصحافي، وطرائق عمل وسائل التواصل الاجتماعي والمنصّات الرقمية.

تدخلات واختراقات... روسية وأميركية

وحقاً، تفيد دراسات عدة، وضعتها أجهزة «الاتحاد الأوروبي» ومؤسّسات خاصة في الدول الأعضاء، بأن معظم البلدان الأوروبية تتعرّض منذ سنوات لاختراقات ممنهجة وموجهة عن طريق وسائل التواصل والمنصات الرقمية والمواقع الشبكية الوهمية. وتهدف هذه الاختراقات إلى نشر معلومات كاذبة وأخبار مزيّفة للتلاعب بنتائج الانتخابات، أو التحريض على اضطرابات، وأحياناً لزعزعة الأمن والاستقرار في الاتحاد الأوروبي.

أيضاً، تشير هذه الدراسات إلى أن روسيا، بمؤسساتها الرسمية وأجهزتها الاستخباراتية، تقف وراء قسم كبير من هذه التدخلات والاختراقات. وأيضاً تنشط منظمات وهيئات أميركية خاصة، تدور في فلك «المحافظين الجدد»، عن طريق التمويل المموّه لمؤسسات إعلامية ومنصّات رقمية، تملكها كلياً أو جزئياً.

ويستفاد من دراسةٍ وضعها «المركز الأوروبي لخدمات وسائل الإعلام» التابع لمفوضية «الاتحاد» أن التطورات الاجتماعية والسياسية المتسارعة التي تشهدها البلدان الأعضاء، وخاصة بعد الحرب الدائرة في أوكرانيا منذ 4 سنوات، والحرب في غزة، أحدثت تغييراً ملحوظاً في نمط استهلاك المعلومات عبر وسائل الإعلام التقليدية والرقمية على السواء. وكذلك، فإن «ظاهرة ترمب» باتت تلعب دوراً كبيراً في هذا التغيير، نظراً للحضور الإعلامي الطاغي للرئيس الأميركي دونالد ترمب على المنصات الرقمية، وتصريحاته اليومية المثيرة للجدل حول مسائل أمنية وسياسية واقتصادية على جانب كبير من الأهمية.

فيرهيين (آ ف ب)

صعود التطرف

ومع تفاقم المخاطر الناجمة عن التدخلات التي يتعرّض لها المشهد الإعلامي الأوروبي، مثل صعود الأحزاب والقوى اليمينية المتطرفة، ووقوف التيّار الذي يقوده الرئيس ترمب خصماً لـ«الاتحاد الأوروبي»، شرع «الاتحاد» في وضع خطة شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية في وجه التدخلات، وتعزيز شفافية مصادر تمويلها، وضمان صدقية المعلومات والأخبار التي تنشرها.

وبعد سلسلة من المشاورات المكثفة مع الدول الأعضاء، ومناقشات مديدة في البرلمان الأوروبي، دخلت الخطة حيّز التنفيذ مطلع العام الحالي، تحت إشراف النائب الأول لرئيسة البرلمان الأوروبي الألمانية سابين فيرهيين، المكلفة مراقبة تطبيق «القانون الأوروبي لضمان حرية وسائل الإعلام».

في أول تعليقات لها حول النقاش الذي دار في البرلمان الأوروبي حول القانون، قالت فيرهيين إنها شعرت بخيبة كبيرة لدى سماعها الحجج التي ساقتها بعض القوى السياسية، متجاهلة المخاطر المُحدقة التي تتعرّض لها المنظومة الإعلامية الأوروبية منذ سنوات، والوسائل التي يستخدمها خصوم المشروع الأوروبي من أجل الانقضاض عليه وتقويضه عبر المنصات الرقمية التي أصبحت المنافس الرئيسي لوسائل الإعلام على المداخيل الإعلانية. وانتقدت تعتيم هذه المنصات على بعض الأخبار التي لا تصبّ في مصلحة القوى والتيارات السياسية التي تقف وراءها.

من ناحية أخرى، قالت رئيسة المفوضية أورسولا فون در لاين، خلال تقديمها مشروع القانون أمام البرلمان الأوروبي: «الهدف من هذا القانون، الذي يُعدّ التشريع الأول من نوعه في الاتحاد الأوروبي، هو الدفاع عن مهنة الصحافة وتعددية الوسائل الإعلامية، وتمكين المواطنين الأوروبيين من اتخاذ قراراتهم على بيّنة موضوعية من الوقائع والأحداث وأوضاع النظم الديمقراطية التي يعيشون في كنفها».

ما يذكر أن من المستجدات التشريعية التي يتضمنها هذا القانون الذي يسري على جميع الدول الأعضاء في الاتحاد:

- تعزيز التدابير الرامية إلى حماية وسائل الإعلام من التدخل الخارجي.

- إلزامها الشفافية الكاملة حول ملكيتها الفعلية ومداخيلها الناجمة عن الإعلانات الرسمية.

- فرض رقابة صارمة على المنصّات الرقمية الكبرى في تعاطيها مع المواد التي تنتجها المؤسسات الإعلامية.

- حماية مهنة الصحافة من التهديدات الخارجية التي تؤثر على استقلاليتها.

- متابعة أداء الوسائل الرسمية في تغطيتها لأنشطة السلطة السياسية.

- حظر التجسس على الصحافيين أو أفراد عائلاتهم، وحماية مصادرهم.

بعض الدول الأعضاء في «الاتحاد الأوروبي»، في طليعتها المجر وتشيكيا، مدعومة من الأحزاب اليمينية المتطرفة في إيطاليا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا، أبدت اعتراضاً شديداً على عدد كبير من أحكام هذا القانون، وحاولت عرقلة إقراره في البرلمان. ومعروف عن هذه القوى أنها تقود حملة ممنهجة على ما تسميه «الصحافة التقليدية»، المكتوبة والمرئية، وتتّهمها بالكذب والتحيّز، وتدافع عن المنصات الرقمية التي تعتبرها مصدر الأخبار الموثوقة والموضوعية.

ومن جهة أخرى، يقول كارلوس آغيلار، رئيس اللجنة الأوروبية للخدمات الإعلامية، إن «المفترض بهذا القانون أن يكون خشبة الخلاص لوسائل الإعلام، التي ما زالت تجهد لتقديم مواد إخبارية وتحقيقات موثوقة، والتي تواجه صعوبات مالية تهدد استمراريتها بعد التراجع المطّرد في مداخيلها الإعلانية لحساب منصات التواصل الرقمية». ويلاحظ أن المناظرات السياسية والمناقشات الفكرية، التي كانت سمة رئيسية في مضامين وسائل الإعلام الأوروبية، تتراجع باستمرار أمام الإقبال الكبير على المنصّات الرقمية التي تروّج للآراء والمعلومات المجهّزة بعناية، من غير إتاحة المجال للنقاش أو الجدال.

خطر إدمان المحتويات

وينبّه آغيلار إلى أن الخطورة الأساسية للمنصات الرقمية تكمن في الإدمان على محتوياتها، التي تولدها خوارزميات متطورة جداً، وأنه من المستحيل في الوقت الراهن التصدي لها بسبب جهل هذه الخوارزميات أو تعذّر الحصول عليها، وهذا أمر يشكّل أحد محاور الجدل الكبرى بين بلدان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة التي تضغط على الأوروبيين، بفرض مزيد من الرسوم الجمركية والتهديد بعواقب أخرى، لمنعهم من إخضاع المنصات الرقمية الكبرى لضوابط الاتحاد وقواعده التجارية والأخلاقية.

في المقابل، أشدّ المدافعين عن هذا القانون الأوروبي الجديد كانت مجموعة دول الشمال، أي السويد وفنلندا والدنمارك، التي حذّرت من التأثير المتعاظم للمنصّات الرقمية في تشكيل الرأي العام الاجتماعي والسياسي، وفي نتائج الانتخابات التي تتراجع نسبة المشاركين فيها على امتداد بلدان «الاتحاد».

ويلاحظ بيتر يورغنسن، عضو البرلمان الأوروبي عن الحزب الديمقراطي السويدي، أن دونالد ترمب فاز بولايته الرئاسية الثانية بعد حملة انتخابية لم يحصل خلالها سوى على تغطية إيجابية من وسائل الإعلام التقليدية، لم تتجاوز 5 في المائة، فيما لم يكن يكفّ عن مهاجمة تلك الوسائل والصحافيين الذين يعملون فيها، ويصفهم بالكذبة والخونة وأعداء الوطن.

أيضاً، من أهم المستجدات في هذا القانون «سجلّ الشفافية» الذي يُلزم جميع وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية، والمنصّات والمواقع الرقمية، بالكشف عن هوية مالكيها ومداخيلها من الإعلانات الرسمية والخاصة. ويلحظ عقوبات مالية وتشغيلية في حق تلك التي تتخلّف عن ذلك، أو تتلاعب بالمعلومات التي تقدمها.

ومن الأدوات التي يستحدثها القانون «تشات يوروب» (Chat Europe)، وهي منصة رقمية جديدة مخصّصة لعرض الأحداث الأوروبية وشرحها بواسطة مواد صحافية تقليدية، و«تشات بوت» (chatbot) مولّد بالذكاء الاصطناعي، وقادر على الإجابة عن الأسئلة والاستفسارات التي يطرحها عليه المستخدمون. وتغذّي هذه المنصة تحقيقات وتحليلات وأشرطة فيديو تنتجها وسائل الإعلام المنضوية في هذا المشروع الذي تتولى تنسيقه وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب)، ويهدف إلى مساعدة المواطنين في بلدان الاتحاد على متابعة أنشطة المؤسسات والأجهزة الأوروبية ومعرفة طرائق عملها، وكيف تؤثر قراراتها على حياتهم اليومية.


«يوتيوب» تعيد تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين

شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
TT

«يوتيوب» تعيد تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين

شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
شعار "يوتيوب" (د ب آيه)

أطلقت منصة «يوتيوب» أدوات جديدة تستهدف تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين، عن طريق تسهيل إبرام صفقات العلامات التجارية ودمج الطرفين في منصة واحدة، ما يسهل عملية اكتشاف فرص التعاون وبناء الروابط بين الطرفين.

وذكرت «يوتيوب» أن هذا المسار سيضمن حقوق الطرفين، ويعزز الوصول إلى المحتوى المناسب، وكذلك حماية المعلنين من التورط مع «محتوى مزيف أو عنيف» يضرّ بعلامتهم.

يذكر أن «يوتيوب» كانت قد أعلنت عبر بيان صحافي صادر عن الشركة المالكة - أي «غوغل» - بنهاية مارس (آذار) الحالي، عن تحديث شامل لبرنامج «شراكات منشئي المحتوى»، من خلال عرض فرص التعاون المحتملة على العلامات التجارية بناءً على مقاطع الفيديو ذات الصلة والمؤهلة التي ينشرها المنشئون، مؤسسات أو أفراد. وفي المقابل، يعمل «مركز شراكات المنشئين» على تجميع فرص المحتوى المدعوم كافة والمشاريع الجاري تنفيذها في منصة واحدة للمنشئ.

خبراء حاورتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن المنصة تتيح فرصاً جديدة أمام الناشرين، من خلال تسهيل التواصل مع المعلنين الباحثين عن محتوى موثوق وقيم، كما أنها توفر فرصة للناشرين كمصدر مستدام وواضح للربح.

وأفاد حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، قال إن «يوتيوب» بشكل عام، ومن قبل هذه الخطوة، تدعم المحتوى الطويل على حساب المحتوى السريع، وهي فرصة لصُناع المحتوى. وأضاف: «تعتمد سياسة يوتيوب الربحية على وقت المشاهدة، لكن فكرة (المحتوى الجاد) فهي موضوع نسبي، إذ لا يوجد لدى المنصة تعريف واضح. أما إذا تكلمنا عن المحتوى الإخباري، مثلاً، فـ(يوتيوب) تدعم بقوة المحتوى الذي يناقش الأخبار، أكثر من الأخبار ذاتها كونها آنية وتتغير مع الوقت، أي تميل إلى التحليلات والنقاشات المطولة نسبياً».

في سياق متصل، وفقاً لبيان «يوتيوب» فإن المنصة ستعتمد على أدوات الذكاء الاصطناعي في طرح توصيات البرنامج، «وهذه التوصيات ستقدم للعلامات التجارية مقترحات عن المحتوى المناسب لها، وفي الوقت نفسه تضمن مدى ملاءمة المحتوى للعلامة، بحيث لا تقع في فخ التزييف أو المحتوى العنيف الذي قد يضر باسم الجهة المعلنة».وهنا تعليقاً على مدى نجاح الذكاء الاصطناعي بالتمييز بين المحتوى الأصلي والمزيف، قال الشولي إن «الذكاء الاصطناعي يُمكن أن يلعب دوراً في تنقيح المحتوى الملائم للعلامات التجارية، لكن لا يمكن الاعتماد عليه بشكل كامل». وأوضح: «مثلاً يستطيع كشف المشاهد العنيفة وخطاب الكراهية والتزييف العميق إلى حد ما، لأنه الآن بات متاحاً من خلال أدوات الذكاء الاصطناعي ذاتها التي تنتج المحتوى مثل (جيميني) من (غوغل)... فهو يصمم المحتوى بالذكاء الاصطناعي وأيضا يكشف كل ما هو بالذكاء الاصطناعي».

غير أن الشولي حذَّر من أن «هناك محتوى من الصعب تصنيفه، حتى مع المراجعة اليدوية الذاتية. وهذه معضلة تواجهها (يوتيوب) منذ سنوات، لا سيما وأن بعض الفيديوهات قد تتماشى مع طرف، بينما تختلف مع طرف آخر... وعليه من الصعب إيجاد قاعدة واضحة لتصنيف مقاطع الفيديو تحت تسميات مثل (الإرهاب) أو (خدش الحياء)، وهو ما تحاول (يوتيوب) دوماً عدم البت فيه، لترك مجال لصُناع المحتوى من جهة، وخيار التحكم بالمحتوى من جهة أخرى».

من جهة أخرى، عدّ الشولي أن «يوتيوب» تعد من أفضل الفرص لصُناع المحتوى القيم مثل المؤسسات الصحافية، وتابع: «على مدار السنوات وتغير المنصات، أثبتت (يوتيوب) أنها المنافس الأول في عالم الفيديوهات، فهي لا تدخل فقّاعات الترند إلا بحذر، فمع تصاعد نجم (سناب شات) ومن ثم (إنستغرام) وأخيراً (تيك توك)، بقيت (يوتيوب) في الصدارة ومع الوقت والسنوات الأخيرة عاد الجمهور إلى (يوتيوب) بكثافة أكبر، وهذا دليل على أهمية المحتوى الأصيل. ثم أن طول الفيديو، بحسب محتواه، أثبت أنه من عوامل نجاح القصص، ولهذا اعتقد أن استهلاك المحتوى سيبقى متصاعداً في (يوتيوب) ومُلهماً لصُناع المحتوى الأصيل والطويل معاً حتى يتغير شكل صناعة المحتوى الرقمي كلياً وننتقل مستقبلاً إلى الفيديوهات تحت الطلب VOD».

«يوتيوب» أوضحت من جانبها أن «المنصة الجديدة ستتضمن تحسين مطابقة الصفقات والتواصل، حيث سيتمكن المنشؤون المشاركون في برنامج (شركاء يوتيوب) من تلقي اتصالات مباشرة من العلامات التجارية بشأن فرص الصفقات المحتملة. كذلك سيتمكن المنشؤون من مشاركة بيانات القناة والجمهور مع المعلنين والعلامات التجارية ومنصات الطرف الثالث».

وفي هذا الجانب، قال فادي رمزي، مستشار الإعلام الرقمي والمحاضر في الجامعة الأميركية بالقاهرة، إن «منصات التواصل الاجتماعي باتت تتبنى استراتيجيات جديدة تتجاوز مجرد ملاحقة الترند... وأن الاعتماد الكلي على المحتوى الرائج لم يعد نموذجاً ربحياً مستداماً في الوقت الراهن».

واستشهد رمزي بتقرير معهد «رويترز» للصحافة والإعلام الرقمي لعام 2026، الذي كشف عن تحولات جذرية في توجهات غرف الأخبار العالمية، إذ «أظهرت دراسة أن 82 في المائة من غرف الأخبار تعتزم زيادة استثماراتها وتركيزها على (الصحافة التوضيحية) التي تقدّم تحليلاً لما وراء الأحداث، بينما يخطط 72 في المائة منها لتعزيز الاهتمام بـ(القصص الإنسانية)».

ووفق رمزي فإن «تحديثات (يوتيوب) الأخيرة تأتي لتعزز مفهوم صناعة (المحتوى العميق) وربطه مباشرة بالمعلنين، مما سيخلق بيئة تدعم المحتوى المتخصص والأصيل، الذي لا يندثر بانتهاء الموجات الرائجة». وأشار إلى أن «المنظومة الإعلامية هذا العام تشهد تكاملاً بين صُناع المحتوى، والمنصات التقنية نحو إنتاج محتوى رصين يحقق القيمة المهنية والاستدامة الاقتصادية في آن واحد».